إسلام ويب

عبر من الماضيللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن إحياء ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون بالاحتفالات والعطل؛ لأن هجرته صلى الله عليه وسلم كانت انتصاراً وجهاداً، وأخوة إيمانية يعيش تحت ظلها جميع المسلمين، وقد كان صلى الله عليه وسلم في هجرته بطلاً شجاعاً؛ لأنه كان آخر من هاجر من مكة إلى المدينة، وقد أخرج النبي عليه الصلاة والسلام بعد هذه الهجرة دستوراً نبوياً في كيفية التعامل مع اليهود أحفاد القردة والخنازير.

    1.   

    الفهم الصحيح لهجرته صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أثقل بها الميزان، وأحقق بها الإيمان، وأفك بها الرهان، وأخسئ الشيطان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] وإذا أردتم النصر والرزق فطبقوا قوله تعالى على أنفسكم: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] وإذا خفتم على أولادكم فتذكروا قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9].

    اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك الكريم، ومن الرجاء إلا بما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

    اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين! خلقتنا من عدم، وأسبغت علينا وافر النعم، كبرتنا من صغر، وأطعمتنا من جوع، وشفيتنا من مرض، وسترتنا من عورة، وهديتنا من ضلالة، وعلمتنا من جهالة، وكثرتنا من قلة، ورفعتنا من ذلة، وثبتنا من فتنة، وحببت إلينا الإيمان وزينته في قلوبنا، وعلمتنا قراءة القرآن، وعلمتنا البيان، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

    عباد الله: ويبدأ العام الهجري الجديد باحتفالات، الدول الإسلامية تحتفل بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرته ليست احتفالاً إنما هجرته انتصاراً وجهاداً، ودولةً وجيشاً، وقيادةً وقدوةً، وصلاةً وزكاةً وأمراً بمعروف ونهياً عن منكر، ونصرةً لمظلوم، وأخوة إيمانية يعيش تحت ظلها جميع المسلمين، ومن أراد أن يحتفل بالهجرة احتفالاً صادقاً يقبله الله فعلى جميع الدول الإسلامية أن تعقد مؤتمراً إسلامياً عالمياً يشهده أهل الحل والعقد ليختاروا عليهم خليفة ربانياً يسمع كلام الله ويسمعهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، وأن يُنقل ذلك على الهواء؛ لأن المعني في ذلك هم المسلمون، فلا يجوز أن يُفعل سراً وخفاءً في قضية مصير، وأن يأتي القمر الصناعي الذي عودنا دائماً وأبداً أن ينقل الحفلات والأغاني للمطربين والمطربات فيغطي هذا المؤتمر العالمي، لكي يصحح مساره في الفضاء ويصدق أخباره، وقد أنفقوا عليه من أموال المسلمين الملايين ولا يزالون، ولم يستفد منه مسلم واحد إنما استفاد منه المطربون والمطربات، والممثلون والممثلات، وهواة الكرة.

    الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من أذن له بالهجرة؟ الله، وكان في هجرته بطلاً شجاعاً وآخر من هاجر من مكة هو محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن جباناً رعديداً فيجعل هجرته فراراً، إنما ترك أصحابه يهاجرون إلى أين؟ إلى معقل اليهود، هجرته لم تكن في بني شيبان، ولم تكن هجرته في بني طي، لم تكن هجرته إلا في معقل يهود، حلوا على أرض يثرب، يقولون للأوس والخزرج: أظلنا زمن نبي يبعث فينا يأمرنا بذبحكم كما ذبحت إرمٌ وعاد، اليهود يخططون لإبادة كاملة للعرب يبتدئون بالأوس والخزرج ثم ينسحبون بهذه الإبادة على جميع القبائل العربية في جزيرة العرب، وإنما ينتظرون فقط أمر ذلك النبي والرسول المنتظر، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك منهم، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن اليهود أعلنوا قبل كل العرب أنهم سوف يقاتلون تحت رايته بشرط أن يأمرهم بإبادة الأوس والخزرج وكل العرب سوى اليهود.

    وأمام هذا الإغراء العسكري الاقتصادي السياسي أبى صلى الله عليه وسلم إلا أن يتلقى الأمر من الله لا يتلقاه من أحد سواه، ولو كان اليهود هم الأكثر في يثرب، وهم الأقوى والأغنى تحت قبائلهم الثلاث بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وأثرياء خيبر، أبى إلا أن يضع يده في يد المهاجرين الفقراء كأمثال صهيب وعمار وخباب وبلال الذي ليس له طعام إلا ما انطوى عليه إبطه يأكل منه هو والنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يضع يده بيد الأنصار، أنصار الله ورسوله على قلتهم، واليهود كانوا عشرة أضعاف الأنصار ذهب إلى القليلين الكثيرين بالله، وترك الكثيرين الذين خيبهم الله وأخزاهم.

    الزعامات العربية اليوم مع الأسف الشديد تفهم من الهجرة الاحتفالات، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر علمه الله دعاءً قرآنياً يقول فيه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء:80]، أي: في المدينة: وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء:80] أي: من مكة وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً [الإسراء:80] سلطاناً نصيراً تحت ظل لا إله إلا الله محمد رسول الله، إننا الآن نطالب بهذه الدولة التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الإيمان والإسلام والأخوة، نطالب بها بعد انعقاد مؤتمر إسلامي توحد فيه القيادة والجيوش المسلمة والدولة المسلمة، فتتساقط كل الحدود فتصبح وثيقة المسلم وجواز سفره: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن هويته:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    1.   

    سبب هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة

    الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر بإذن من الله كان مهاجراً من أجل القتال والجهاد، لا يظن الناس أن هجرته كانت ليملأ بطنه طعاماً ويملأ عينه مناماً، فإنه لم يذق طعم الراحة إلا في الصلاة، فكان يقول لـبلال : (أرحنا بها يا بلال ) ويخوض في الطين والتراب وهو يبني المسجد، وعلي يرتجز في الصحابة ويقول:

    لئن قعدنا نقعد والنبي يعمل     فذاك منا العمل المضلل

    أمة عمل وأمة جهاد! هوايتها جمع الغبار في سبيل الله، لنستمع ماذا يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الحقيقة التي يجب أن يعيها المسلمون؛ حكاماً ومحكومين في زمن ترفع فيه مشاريع الذل والعار والشنار مع اليهود الذين ذبحوا المسلمين في فلسطين وفي لبنان أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:39-40].

    ويبين الله أهداف دولة الإسلام: أنها تحفظ التوازن على الأرض وتكسر رأس كل ظالم وطاغية ومتكبر، فقال سبحانه عن هذه الدولة العظيمة التي أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ [الحج:40] لذهب دين اليهود ودين النصارى، ولذبحت البشرية كلها على أيدي الظالمين الطغاة ولكن الله بالإسلام حفظ للبشرية توازنها ولم تقم حرب عالمية تبيد الناس لا أولى ولا ثانية ولم تهددهم ثالثة في دولة الإيمان والقرآن، إنما نشروا الإسلام بنوره وبره وفضله في العالمين: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:40-41]، ليست لـأمريكا ولا لـروسيا عاقبة الأمور، إنما هي لله الواحد القهار.

    هكذا تُعلمنا الهجرة النبوية هذا الدرس العظيم، لله عاقبة الأمور دائماً وأبداً في القديم والحاضر والمستقبل ويوم الدين، واليوم ومع الأسف الشديد مآسي المسلمين كثيرة ولكن لمن نشكو مآسينا؟ إلى الله، لا إلى هيئة الأمم ومجلس العفن، وعندما تغرينا الدنيا والحضارة الزائفة وليس هناك فرق بين حضارة أمريكا روسيا وحضارة اليهود في يثرب، فالمنبع واحد، الأوس والخزرج يوم أن كانوا قوميين عرباً كانوا يتقاتلون ويتذابحون كتذابح العرب اليوم، كل فرد له أيدلوجية معينة يريد أن يفرضها على أخيه مع أن الأوس والخزرج أمهم واحدة اسمها قيلة، ويأبى الله إلا أن يقيم الحجة على اليهود.

    1.   

    استقبال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم

    وصل النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته إلى المدينة كان الأنصار يخرجون من الصبح إلى الضحى ينتظرونه فإذا اشتدت حرارة الشمس عادوا إلى بيوتهم إلا يهودي واحد، جلس على أطم في الحر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه صاح اليهودي بأعلى صوته صيحة قومية، وهو يعلم أن الأوس والخزرج اسمهم أنصار لم يقل: يا معشر الأنصار! إنما قال: يا بني قيلة! هذا جدكم ونصيبكم وحظكم قد وصل - يا بني قيلة! نفس الشعار ونفس النداء الذي ينادون به اليوم، وما دام النداء: يا بني قيلة! وليس يا أنصار الله ويا أنصار رسول الله وليس: يا مسلم .. يا عبد الله لن يتكلم الشجر ولن يتكلم الحجر فيقول: يا يهودي، بل يقول: يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، اليهود يعرفون أن نصرة الأنصار بالدين ونصرة الله ورسوله قال: يا بني قيلة! هذا جدكم- أي: حظكم قد وصل - فخرجوا يستقبلونه صلى الله عليه وسلم، وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما عليه اليهود، وكانوا أثرياء ولديهم رءوس أموال هائلة من الربا، وكانوا يشترون السلاح ويدفعونه في الحروب بين العرب كما هو حادث الآن، إذا انتهى السلاح عند الأوس دفعوا لهم المال واشتروا لهم وحركوا مصانع السلاح من فارس واليمن والهند.

    ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم أمام هذا البهرج وهو يبني المسجد منبع الخير والنور: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم المهاجرين والأنصار)، تصحيحاً لأرجوزة المهاجرين، عندما قالوا:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة     فارحم الأنصار والمهاجرة

    قدموا الأنصار على المهاجرين حفاظاً على القافية، وحفاظاً على العروض الشعرية والوزن الشعري، ولكن الإسلام لا يعتبر أمام انقلاب القيم والموازين بأي عروض أو موازين أخرى، بل صحح النبي صلى الله عليه وسلم مسار هذه الكلمة وقد خرجت من أفواه المسلمين وقدم المهاجرين على الأنصار، قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم المهاجرين والأنصار) لأن المهاجرين متقدمون في الإسلام على الأنصار، وهكذا الرسول يضع الناس في مراكبها وأماكنها عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    الذي لم يجامل أصحابه بكلمة وبيت من الشعر لا يجامل أحداً على حساب الحق، وسترون في المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل يثرب من الأوس والخزرج واليهود.

    أيها الأحبة: إننا نطالب بقائدٍ رباني يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وإن لم يكن من بينهم فإن الله قادر على إيجاده، والله غالب على أمره فلا تيئسوا من روح الله.

    أيها الأحبة الكرام: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، وأسأل الله أن يجعل عامكم هذا عام خير وبر ونصر وجهاد وبركة هو ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    الدستور النبوي في المعاملة مع اليهود

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى الصحابة والتابعين ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

    الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة الإيمان بين اليهود لكي يأوي إليها كل ضعيف من المسلمين والمؤمنين، والمستضعفون في الأرض اليوم كثير ولكن ليس لهم دولة كدولة محمد صلى الله عليه وسلم يأوون إليها، إنما معظمهم في السجون والمعتقلات، وأغلبهم علقوا على المشانق، وسارت قوافل الشهداء إلى الله، هناك على أرض أفغانستان يحاول المجاهدون إقامة مثل هذه الدولة، ولكن المؤامرة الكبرى التي يقودها البيت الأبيض والبيت الأحمر تريد الفتنة في الأرض، والله سبحانه يقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193] لله وحده، لا إله إلا الله.

    أيها الأحبة الكرام: نحن على استعداد أن نعاهد اليهود ولكن بشروط:

    الشرط الأول: أن ينسحبوا من أرض فلسطين .

    الشرط الثاني : أن يعودوا أهل ذمة ويدفعوا الجزية إلى إمام المسلمين وهو يصلي في الأقصى بالمسلمين عن يدٍ وهم صاغرون.

    الشرط الثالث: أن يحضروا كل مجرم حرب منهم قتل مسلماً لكي نقيم عليه الحد كما فعل أبو بكر بأهل الردة، وكما فعل عمر باليهود الذين خانوا العهد في خيبر فأجلاهم ولم يبق يهودياً واحداً في جزيرة العرب ، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة عقد عقداً وعهداً في صحيفة أنقل لكم بعض مواد الدستور النبوي صلى الله عليه وسلم؛ لتعلموا كيف كان يسوس العنصر اليهودي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يصلحهم إلا هذا الأسلوب، قال عليه الصلاة والسلام وهو يدعم الجبهة الداخلية في دولته وأمضى سلاح نضعه في يد عدونا هو فرقتنا وتمزقنا وخلافنا على جميع المستويات ابتداءً من الحكام وانتهاء بالجماعات الإسلامية التي تنادي بالحكومات الإسلامية، قال صلى الله عليه وسلم في ميثاقه التاريخي الخطير: (إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم) أي فرد منهم ينحرف عن الدولة الإيمانية الإسلامية الجميع يقفون ضده إلى أن يعود إلى حياض المسلمين، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (أو يبتغي دفيعة ضر)، دفيعة، يعني: عظيمة تضر، يريد أن يظلم: (أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين) وهل هناك أعظم من هذا الإثم والعدوان بين المؤمنين من هذه المناهج الهدامة والدولة التي تجثم في فلسطين، وهذا الاستعمار الفكري الثقافي الذي يعصف بتوحيد المسلمين وعقيدتهم، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم) لو كان الباغي ولد المؤمن فالجميع عليه ولا محاباة، ثم لا يقتل مؤمنٌ مؤمناً بكافر، لو أن مؤمناً قتل كافراً لا يقتل المؤمن بالكافر، بأي حق يقتل سليمان خاطر عندما قتل اليهود، بأي حق يقتل خالد إسلام بولي عندما قتل معاهد اليهود، سليمان خاطر وأمثاله عندهم ضمان وأمان من صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي مطلقة الزمان مطلقة البشر مطلقة المكان إلى يوم القيامة، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (ولا ينصر كافراً على مؤمن) وكل مشاريع السلام هي نصرة الكافر على المؤمن (وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأن اليهود ينفقون على المؤمنين ما داموا محاربين) الله أكبر! المؤمنون ما داموا يجاهدون نصف ميزانية المؤمنين على اليهود، ينفقون على المؤمنين المحاربين واليهود أهل ذمة: (لليهودي ديتهم) أي: اليهودي يقدم دية اليهودي: (وللمسلمين ديتهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوبق إلا نفسه وأهل بيته) أي: أي ظلم من يهودي يهلك نفسه ويهلك أهل بيته دون شفقة ودون رحمة، وهكذا فعل عليه الصلاة والسلام في بني قريظة عندما أوبقوا أنفسهم أبادهم صلى الله عليه وسلم في السوق، أمر بحفر الخنادق في السوق والناس تبيع وتشتري ويؤتى باليهود عشرة عشرة يوضعون على الخندق ومحمد بن مسلمة بيده سيف وعلي بن أبي طالب بيده سيف ويعرضون عليهم الإسلام العرض الأخير فإذا أبوا قطعوا رءوسهم حتى قتلوا كل محتلم نبت الشعر في عانته.

    لا يستقيم اليهود إلا بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، قال صلى الله عليه وسلم في صحيفته العالمية الخطيرة: (فإنه لا يوبق إلا نفسه وأهل بيته وإن بطانة يهود كأنفسهم) أي فرد من بطائن اليهود عميل من العملاء يحاكم ويحاسب على أنه يهودي ولو كان عربياً، لهذا عندما تسمعونني أنادي: يهود العرب .. يهود العرب .. هؤلاء مذكورون بالنص النبوي من ذلك الوقت: أن بطائن اليهود كأنفسهم أي: كأنفس اليهود؛ لأن القرآن يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51].

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم في هذه الصحيفة العظيمة: (وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ما كان عندهم جواز، لكن هناك شيء أخطر من الجواز وهو إذن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخرج لتجارة ولا عمل خارج حدود المدينة المنورة إلا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يعرف التحركات والمؤامرات، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (وإنه من فتك -أي: قتل- فبنفسه فتك -كأنما قتل نفسه- وأهل بيته، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده فإن مرجعه إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يحول هذا الكتاب) وهو آخر مادة موجودة في هذا الدستور؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع ضماناً مستقبلياً إلى يوم القيامة، يمكن أن يأتي عباقرة اليهود يتفقون مع العملاء والخبثاء من العرب لكي يحرفوا النصوص، وقد حدث هذا عندما أعلن العلماء العملاء أن الصلح مع اليهود كصلح الحديبية بين رسول الله والمشركين، الرسول صلى الله عليه وسلم أغلق عليهم الباب وأغلق عليهم الطريق بالمادة الأخيرة من الدستور فقال صلى الله عليه وسلم: (وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    ياله من كتاب عظيم لو وعاه الزعماء وهم يحتفلون بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوه دستورهم، ولما نقض اليهود من بني قينقاع مادةً واحدة من هذا الدستور، إذ قام صائغ ذهب فكشف عن عورة امرأة مسلمة فقام أحد المسلمين فقطع رأسه ثم بعد ذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم الحصار وأخرجهم وأجلاهم، ثم جاء بعد ذلك بنو النضير فقضى عليهم وأجلاهم، ثم خان بنو قريظة فأبادهم قتلاً بالسيف واستباح نساءهم وأموالهم وأولادهم، ثم فتح حصون خيبر نصفها بالصلح وجعلهم فلاحين في الأرض يدفعون الجزية وأعشار الأرض، والنصف الآخر فتحها بالجهاد سيفاً وقسمها على المسلمين، سبى منها صلى الله عليه وسلم وهو يقود جيوشه وجحافله وقبل موته قال: (لا يبقين دينان في جزيرة العرب ).

    أيها الأحبة: هذا نبيكم ورسولكم الذي تبدأ هذه السنة بذكرى هجرته، فدوروا حيث يدور هذا الرسول واتبعوه صلى الله عليه وسلم قيادة وقدوة؛ عليه الصلاة والسلام.

    اللهم اجعلنا من أمته، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن هجر ما نهى الله عنه.

    أيها الأحبة الكرام: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين لجندك وأوليائك المجاهدين في كل أرض يذكر فيها اسم الله، اللهم إنا ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، منزل الكتاب، ومجري السحاب والحساب، وهازم الأحزاب، اهزم اليهود وأعوانهم والنصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، وأرنا في كل متآمر عجائب قدرتك.

    اللهم حرر الأقصى وفلسطين برحمتك يا أرحم الراحمين! وارزقنا فيه صلاة طيبة مباركة إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    أيها الأحباب الكرام! هذا هو الدعاء ومن الله الإجابة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمكم يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.