إسلام ويب

فتنة المحيا والمماتللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأعظم فتنة تواجه العبد هي فتنة المحيا والممات؛ لأن هذه الفتنة هي التي يتحدد فيها المصير، فإما إلى جنة عرضها السماوات والأرض إذا استطاع أن يتغلب على الفتن التي يعرضها عليه الشيطان عند خروج الروح منه، وإما إلى نار تلظى إذا أوقعه الشيطان في هذه الفتنة واستطاع أن يميل به عن الصراط المستقيم.

    1.   

    حال المسلم في الاحتضار وتمثل الشيطان بأبويه

    الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وكما يحب ربنا أن يحمد وينبغي له في الدنيا والآخرة، حمداً خالداً مع خلوده لا منتهى له دون علمه، ولا منتهى له دون مشيئته، ولا أجر لقائله إلا رضاه والنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم، وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي وحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

    اللهم إنا نسألك لأمتنا في مشارق الأرض ومغاربها قائداً ربانياً، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك وأكرم الشهداء في عليين، وثبت الغرباء المهاجرين القابضين على دينهم كالقابضين على الجمر، وأسألك اللهم أن تفرج عن إخواننا المسجونين والمأسورين من الدعاة والمجاهدين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأكرم محمداً في أمته.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] .

    أحبتي في الله: إذا دنت ساعة الصفر وانتهى الأجل عند الإنسان، وتحقق فيه وعد الله أو وعيده، وبدأت بقايا اللحظات من عمره تتلاشى وتنتهي، وأصبح في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا، وصار طريح الفراش، وحوله أحبابه يبكونه ويودعونه، وحارت في طبه الأطباء وبذلوا كل رقية، وهنا لم يبق له إلا رحمة أرحم الراحمين، تراه تدور عيناه وقد اصفر وجهه وازرقت عيناه، وجحظت وجنتاه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وتفصد العرق من جبينه -بقايا رطوبة الحياة- وأخذ يرتجف ويحس بزمهرير قارس يزحف إلى أطراف أنامل قدميه ويديه، ويريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد فيرى كأن الشفة كالجبل لا يزحزح، ويحس بين الحين والحين أن الذين حوله مرة يقتربون ومرة يبتعدون، ومرة يسمعهم ومرة لا يسمعهم، ويرى الغرفة التي هو فيها، والسرير المسجى عليه مرة يضيق فيصير كخرم إبرة، ومرة يتسع فيراه فضاءً موحشاً، ويرى ملائكة تنزل من بعيد تقترب، وملك الموت عند رأسه صامت ينتظر الأجل أن يوفى كما قدره الله وهو في بطن أمه.

    وبينما هو في هذه الحالة بين حزن شديد على ما فات، فقد فاتته الآمال ولم يحققها، بنى داره، ونمى التجارة، وكنز الأموال، وجهد واجتهد، ويرى الآمال كلها تتقطع والأشواق تنتهي والرغائب تذوب، وبين خوف لا يدري حزن يعصره وخوف يرعبه عن هذا الغيب الآتي، أتكون حفرتي روضة من رياض الجنة أم حفرة من حفر النيران؟ أهذه التي أراها من بعيد تقترب أهي ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ هذا الذي عند رأسي ماذا سيقول: اخرجي أيتها الروح الطيبة، أم اخرجي أيتها الروح الخبيثة إلى سخط من الله ولعنة؟

    وبينما هو في هذا الجزع والفزع يطير فؤاده شعاعاً من الرعب ينظر في فوقانه المؤقت بين الحين والحين من صحوات الموات بين السكرات والكربات، فإذا وعى ما حوله نظر إليهم بنظرة فيها إشفاق ورجاء واستعطاف ألا تتركوني وحدي ولا تفردوني في لحدي فادوني بأعماركم، هل منكم من يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا حبيبكم، ولكنه في وادٍ والناس في واد، فربما من الباكين الذين يبكونه، يقول: اللهم عجل فيه لنأخذ الميراث، إنه كنود حقود كنوز.

    وتأتيه غيبوبة الاحتضار ويرى روحه تتشعب في خلايا جسده، وتبدأ عروقه الفياضة تنضب قليلاً قليلاً وتهبط وتلتصق بالجلد الأصفر، ويبدأ القلب الذي كان يتدفق حياة بدأ يتردد في الضربات يسرع مرة ويبطئ مرة ويبرد مرة، وهنا بين هذا الرعب والظلمات والفزع فجأة يرى عن يمينه والده الذي قد مات، يراه يبستم في وجهه بحنان وإشفاق، أي بني أتعرفني؟

    نعم. أنت والدي من أين جئت؟!

    - إنني في أمس الحاجة إلى رؤياك ولقياك، ألا ترى ما أنا فيه، لا تدعني يا والدي، لا تتركني في هذه الحالة.

    - لا يا بني! لا تخف، لا تحزن، لقد جئتك بالحق المبين، لقد جئتك من عالم الأرواح، لقد جئتك من أجواز السماء وأعماق الفضاء، لقد جئتك بعد أن علمتُ الحقيقة التي لا تعلمها أنت الآن.

    - ما الحقيقة يا والدي؟ خبرني عنها في آخر لحظات عمري؟

    الحقيقة يا بني! أن دينك الذي أنت عليه دين باطل، ومحمد كذاب وإذا شئت أن تموت على دين الحق يا ولدي! فمت يهودياً أو نصرانياً.

    - ماذا تقول يا والدي؟!

    - أطعني يا بني! أليس من حقي عليك الطاعة؟! ما كفاك عقوق في حياتي وبعد مماتي، أنا أبوك آمرك لقد جئتك من عالم الحق، وعرفت حقيقة الأديان مت يهودياً فهو الدين الحق، مت نصرانياً فهو الدين الحق أنا أبوك آمرك.

    وبينما هو في تقدم وتأخر وتردد وخوف وحزن، وإذا بأمه تخرج عن شماله تمسح عليه بمسحة عطف وحنان، من؟! أمي! من أين جئتِ؟

    - لقد جئتك من عالم الأرواح وأجواز الفضاء. يا بني! أطع أباك، إياك أن تموت على الإيمان والإسلام والقرآن، لقد ذهبنا هناك فرأينا أصحاب القرآن في النيران ورأينا أصحاب الصليب والتلمود في أعماق الجنان، وأنا أمك فأطعني، ثم أمك ثم أمك ثم أمك يا ولدي!

    يلتفت عن يمينه فيرى أباه، وعن شماله فيرى أمه، ثم يلتفت أمامه فيرى شياطين تتراءى له كأشباح تتراقص بين يديه وتحتفل في اللحظة الأخيرة لعل إبليس وجنده يفوزون.

    وبينما هو في هذا الوجل لا يدري ماذا يفعل؟! أين ذهبت صلاتي وقيامي وصيامي وتعبي وحجي وجهادي وذكري وتسبيحي وإنفاقي؟ أين ذهب هذا؟! أين ولى العمر؟! أين ذهب؟! سآتي إلى ربي بلا عمل، بل آتي إلى ربي على دين باطل، من أصدق أبي وأمي أم كتابي ورسولي؟ يا رب! إنني في حيرة من أمري ويحي! من أتبع، وهنا في هذا الفزع والجزع تتنزل عليه رحمة الله من الملائكة والثبات إن كان من المتقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] عهد على الله للمتقين، من اتقاه أحسن بدايته وأحسن رعايته وأحسن نهايته وهنا يقول الله له: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    فبينما روحه تقعقع في حنجرته، وقد التفت الساق بالساق، يرى ملائكة الرحمة تقترب وهي بيض الوجوه بيض الثياب طيبي الرائحة، وبدأ ملك الموت يقترب عند رأسه، وملائكة التثبيت تتنزل أفواجاً أفواجاً وأرتالاً أرتالاً مردفين جماعة وفرادى، يرددون ما كان يقرأه في كتاب ربه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:30-33] ليس من اليهود ولا النصارى ولا المنحرفين ولا العلمانيين ولا الشيوعيين ولا اليساريين ولا أحزاب الباطل الضالين المضلين: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:34-36].

    فينزل عليه الثبات والصبر والرجاء فيكون أشوق ما يكون إلى لقاء الله، ويختفي أبوه وتختفي أمه، والملائكة تخبره أن أباه شيطان، وأمه شيطانة، تمثلا له بأحب مخلوق إليه، حتى يضلاه، وذلك هما الفتانان اللذان ذكرهما رسول الله في حديثه، وكان يأمر أمته أن يستعيذ منهما في دبر كل صلاة قبل التسليم: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات) وهذه هي من فتنة الممات.

    ليتخيل كل شخص منا نفسه أنه في هذه الموقف، من ينجيه؟ من يثبته؟ أرأيتم ماذا قال الله عن ملائكة التثبيت؟

    قال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [الأحقاف:13] يدورون حيث يدور الإسلام، يحلون ما أحل الله، ويحرمون ما حرم الله، شعارهم: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً، من فعل ذلك أحسن الله ختامه يوم أن يكون أضعف ما يكون، يسمع صوت ملك الموت بحنان: اخرجي أيتها الروح الطيبة، اخرجي إلى روح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، فتنزل روحه مؤمنة راضية مرضية كما تنزل قطرة الماء الرقراق من فم القربة.

    1.   

    الشيطان وإغواء أصحاب المعاصي

    أما إذا كان من العاصين الجاحدين المنكرين، بينما نفسه تقعقع وأرجله وأطرافه تتشنج، وفي هذه اللحظات يسلط الله عليه مارداً شيطاناً يتخبطه تخبطاً، يحسه مرة على وجهه، ومرة على صدره، ومرة في قدميه ورجليه، وقد كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه في دعائه، فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهدم ومن التردي، ومن الحرق ومن الغرق، ومن أن أموت في سبيلك مدبراً، وأن أموت لديغاً، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت).

    الشيطان له تخبط عند الموت لأصحاب المعاصي، فمن داوم على الطاعات كانت طريقاً له للموت على الإيمان، ومن داوم على المعاصي كانت طريقاً له للموت على العصيان والكفران، يسلط الله عليه مارداً شيطان.

    عندما كان الإمام أحمد إمام أهل السنة في اللحظات الحاسمة وكان أولاده من حوله يلقنونه الشهادة جاءه شيطانه يقول له: يا أحمد ! لقد فُتني وما قدرت عليك.

    أولاده في عالم الدنيا يقولون: يا أبانا ! قل (لا إله إلا الله) وأبوهم بين عالم الدنيا وعالم البرزخ يقول للشيطان: لا، ما فتك بعد.

    أولاده يقولون: يا أبانا! قل لا إله إلا الله، ثم يسمعونه يقول: لا. أبوهم يخاطب الشيطان والأبناء يخاطبون الإمام أحمد.

    ثم استفاق مرة ثانية فرأى أولاده حوله، قالوا: يا أبانا! نقول لك: قل لا إله لا الله، وأنت تقول: لا!

    قال: ليس لكم إنما ذلك لشيطان جاءني، فقال: فتني يا إمام، فقلت له: لا. لم أفتك، يريد من الإمام أن يزكي نفسه عند الموت فيحبط عمله فيقبضه على معصية.

    وهذا هو الإمام أحمد الذي كان من المجددين في الدين، فانتبهوا إلى خطورة هذه النهاية وظل الشيطان يئز: فتني يا أحمد، وأحمد يقول: لا. الأمر ليس لك إنما لله رب العالمين، وهنا ثبته الله واندحر الشيطان، ومات على (أشهد أن لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله).

    الكافر في خطر والعاصي في خطر أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83] أرسلهم الله على الكافرين وإلى الكافرين تصعدهم وتدخلهم وتخرج منهم (تؤزهم أزاً) فمن أحسن الابتداء مع الله أحسن الله معه الانتهاء، ومن أساء الابتداء مع الله قبضه الله على ما كان عليه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    اللهم إنا نسألك حسن الختام، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقياك، أسألك الثبات يوم الفتنة، والصبر يوم الجزع، والأمن يوم الفزع، والإسلام والإيمان عند إسلام الروح يا رحمان، اللهم لا تسلبنا الإيمان وقد عرفتنا، نستودعك ديننا وقرآننا وإسلامنا وإيماننا، فأحسن ختامنا برحمتك يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    الأقصى والخونة

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير السراج المنير.

    أحبتي في الله: ماذا نقول للذين يتآمرون على المسجد الأقصى مسرى الحبيب محمد؟

    ماذا نقول وعلى أي حال سيموت يهود العرب؟

    أرأيتم هذا المسلم الموحد يأتيه الشيطان بصورة أبيه يقول له: مت يهودياً أو نصرانياً، وهو الذي أمضى حياته في طاعة الله، فماذا نقول لمن أمضى حياته وهو يضع قلبه وقالبه بيد اليهود أو النصارى يطوف حول البيت الأبيض أو البيت الأحمر؟

    ماذا نقول لمن ينادي الآن: يا زعماء العرب! اعقدوا مؤتمر قمة لكي تختاروا زعيماً واحداً تجمعون عليه؟ وما مهمة هذا الزعيم؟! قال: لكي يذهب إلى اليهود فيتصالح معهم، ليس بصلح انفرادي أو معاهدة انفرادية، وإنما صلح إجماعي، فأصبح المستور معلون، وأصبح بقايا الحياء بقايا عهر، هنا ماذا نقول لمن يفعل هذا عندما يموت؟

    على أي حالة سيموت الذي يقول: نحن واليهود أبناء عمومة، وقد عشنا معهم بسلام منذ زمن بعيد، على أي دين سيموت؟

    ماذا سيفعل الذين يقولون: إن اليهود حمائم السلام وعنوان المحبة، ولا بد أن نعترف بهم؟

    على أي حال سيموت الذي يقول: لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالاعتراف الإجماعي على القرار (242) الذي فيه الاعتراف الرسمي بدولة يهود في أرض فلسطين؟

    ماذا نقول لمن ينادي بالصلح مع اليهود لكي تنسحب عن الأراضي التي احتلتها بعد عام سبع وستين، وما قبلها يريدونها لليهود استقراراً ووطناً قومياً؟

    وهل تصريحهم هذا أقل أو أكثر من تصريح بلفور الذي قال: إنني أقرر باسم المملكة العظمى لـبريطانيا العظمى -لا عظمها الله وزلزلها الله- عندما قال: إنني أعلن أن أرض فلسطين وطناً قومياً لليهود؟

    ما الفرق بين بلفور ومن ينادي بهذه الشعارات والنداءات؟

    يا ربنا نشكو إليك شركاء الجريمة، إنهم الآن يتزاورون ويلتقون من أجل مسرى رسولك صلى الله عليه وسلم، أما تستحون من إبراهيم الخليل إمام الموحدين وهو في قبره هناك في الخليل؟

    أما تستحون من مؤتمر الأنبياء الذين صلى بهم محمدٌ ليلة الإسراء؟

    أما تستحون من الأقصى إذ جعلتموه أقصى عن قلوبكم، وأقصى عن دياركم، وأقصى عن جيوشكم، وأقصى عن أموالكم، وأقصى عن صدقكم، وتآمرتم عليه جميعاً؟

    أما تستحون من الله رب العالمين الذي استقبل حبيبه محمد من أرض الأقصى إلى السماوات العلى، تسلمونها لليهود؟

    إن الذي عقد مؤتمرات أديان اليهود في بلاده هو الذي يتحمل كبرها، وكبيرهم الذي علمهم السحر وعلمهم الخيانة والعمالة، هذا الذي يرسل مندوبه بثياب بيضاء يمشي كما يمشي الحمل الوديع يزور القادة والرؤساء ويمهد لانتهاء المؤامرة حتى يؤتى بالوطن البديل، وأي وطن لكم أيها الفلسطينيون بديل بعد هذا؟ وهل بقي لكم وطن على وجه الأرض منذ أن خرجتم من دياركم، إن الوطن البديل وطن العار والشنار أبد الدهر، ولن يرضى الله عن أي فلسطيني يستبدل ببقعة من الأرض المسجد الأقصى ومسرى الحبيب والخليل إبراهيم والأرض التي بارك الله حولها، ولو جرت في الأرض البديلة والوطن البديل أنهار العسل، وأنهار اللبن، وأسبغت أمريكا وروسيا بواسطة عملائها ويهود العرب الأموال عليكم، فبنوا لكم العمارات، وقدموا لكم السيارات، فإن مصير من يرضى بالوطن البديل النار وبئس القرار.

    إنهم يتآمرون ويثيرونها مناورات هناك عند ميناء سرق. تمثيلية ومسرحية يتزعمها البيت الأبيض، ويثير الغبار على قرار خطير يطبخ الآن، المستور أصبح مكشوفاً ودولة اليهود ستكون حبيبة قريبة للكبير والصغير، والذي كان يدس رأسه في التراب سيرفعه الآن، ويجاهر بعلن: نحن واليهود أبناء عمومة! اسمعوا ماذا يقول الله عن نهايات يهود العرب هؤلاء: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:93-94] أين أمريكا؟ أين روسيا؟ أين العملاء؟ أين المخابرات؟ أين الجيوش؟ أين العروش؟ أين الأرصدة؟ (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] .

    أيها الزعماء! وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] هذه ستكون نهايات كل من يتآمر على الأقصى وفلسطين والإسلام والجهاد، بئست النهاية كما هي بئست البداية، وبئست الحياة الذليلة الراكنة إلى الأرض والطين والوحل، عاشوا أذلاء ويموتون أذلاء، ولا عزة إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، ولرجال الإيمان من جند القرآن في الميدان.

    اللهم إنا نشكو إليك شركاء الجريمة المتآمرين على بيتك ومسجدك الذي تشد إليه الرحال، اللهم إنا نشكو إليك تآمرهم، اللهم افتح بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين، على الله توكلنا: َبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [يونس:85-86] اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والنصارى الصليبيين وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، وعليك بالمتآمرين من يهود العرب، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبقِ منهم أحداً، وعجل اللهم بالخليفة الرباني الموعود الذي وعد به رسولك وهو لا يخلف الميعاد.

    اللهم ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، رحماك بالأطفال اليتامى والنساء الثكالى، والأمهات الحزنى، والرجال الحيارى، والشباب التائهين رحماك يا رب العالمين، نشكو إليك ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس يا أرحم الراحمين، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ووحدانيتك أن تجمع أمة محمد على الدين والنور واليقين، ردهم إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والكافرين، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.