إسلام ويب

علماء أفاضلللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة نبذة عن حال الكويت في عقد الستينيات؛ وبعض صور الفساد في ذلك الوقت، ثم ذكر لدور العلماء الأفاضل الذين دعوا إلى الله جل وعلا بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان على رأسهم الشيخ: حسن طنون، الذي أتى من السودان، وسعى لإصلاح المجتمع الكويتي، ثم جاء علماء بعده منهم الشيخ/ عبد الرحمن عبد الخالق وغيره، وقد ذكر الشيخ في هذه المادة فقرات من كتاب: زهرات من الروض، للشيخ حسن طنون.

    1.   

    مظاهر هجر الدين ودور العلماء في مكافحتها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من عدم، وأسبغ علينا وافر النعم، كبرنا من صغر، وأطعمنا من جوع، وسقانا من ظمأ، وكسانا من عري، وهدانا من ضلالة، وعلمنا من جهالة، وشفانا من مرض، وكثرنا من قلة، ورفعنا من ذلة، وهدانا من حيرة وضلال، أمننا من فزع، صبرنا من جزع، علمنا القرآن، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكثر حولنا الأعوان والإخوان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

    وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي ومعلمي وقرة عيني محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    أحبتي في الله .. من على هذا المقام، أتذكر إخواناً لنا نذكرهم دائماً في مواطن الإجابة، والأيام المباركات كأيامنا هذه، وهي أشهر الحج، إخواناً لنا يجاهدون .. إخواناً لنا يصبرون، لا نملك إلا أن نقول لهم وفاء بعهدهم: اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، واغفر ذنبهم، واربط بالخير على قلوبهم، وحقق بالصالحات آمالنا وآمالهم، واختم بالطاعات أعمالنا وأعمالهم، وأسألك أن تكرم الشهداء في عليين، وأن تثبت الغرباء في العالمين، وأن تفك سجن المسجونين وأسر المأسورين، من الدعاة الصادقين المخلصين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأن تجعل هذا البلد وسائر بلاد المسلمين أمناًوإيماناً وسخاءً ورخاءً، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأسألك لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قائداً ربانياً يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه .. آمين آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أحبتي في الله: في أواخر الستينات كان هذا البلد كسائر بلاد المسلمين، الدين فيه مهجور والناس يتسمعون ويتبعون الموديلات، وما يقوله المغنون والمغنيات، الأحياء منهم والأموات، ويتبعون ما يقوله الممثلون والممثلات، وأصبح الدين مهجوراً يستهزأ به وقامت قيامة العلمانية، وظن الناس أنه لن يبقى في المساجد إلا العجزة والشيوخ، وإذا رأيت في صلاة الفجر وجدت الصلاة يتيمة شاكيةً باكيةً، فلا ترى فيها إلا رجلاً عجوزاً، والإمام والمؤذن، وتقول في نفسك: لو مات هذا فلن تكون هناك صلاة، وترى النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، ولا همَّ للناس إلا الدرهم والدينار، والسفر من مكان إلى مكان، وتصيد الملذات والشهوات، ورفع الشيطان رايته وأصبح الإنسان الذي يُظهر الدين حيياً خجولاً، إذا نطق باسم الدين في ديوان سخروا منه واستهزءوا به، وترى الكاريكاتير في الصحف والمجلات يخرجونه باسم: ملا مصلح، مرة بيده الخمر، ومرة بجواره زانية، ومرة يحتال باسم الدين، وأصبح اسم الرجعي والمتخلف هو اسمه، وقلنا: - ولا حول ولا قوة إلا بالله - إن الذي نصر محمداً وحده على وجه الأرض قادرٌ على أن يعيد للدين دولته وللحق صولته، وينزل قدر الله، وكان قدر الله سبحانه لا يرد، فقد جُهزت للباطل أموالٌ ورجالٌ ونساء، يأتون من كل مكان، حتى أصبح الناس يشاهدون كل ليلة -بل كل ليلة جمعة التي من السنة أن يصلى فيها على الرسول- تُرى فيها راقصة عارية، تردح بأفخاذها على المسرح، تدخل في كل بيت عفيف.

    دور العلماء في إصلاح المجتمع الكويتي

    يرسل الله سبحانه وتعالى العلماء، الذين يقول الله فيهم: يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ المجادلة:11] وجاءوا بدرجاتهم يرفعون الناس إليها درجة درجة، فكان من أوائل من جاء من الخارج عالم من السودان فضيلة الشيخ/ حسن طنون نسأل الله له الشفاء، أخذ يجوب المساجد مع كل راكع وساجد؛ يقف يرتجل الخطبة وكأنه ينذر قوماً أن جيشاً صبحهم أو مساهم، تحمرُّ عيناه، ويتطاير الزبد من شفتيه، ويضرب بيديه على فخذيه، فترى الناس يثبون من مقاعدهم حماساً وقوة وكأنهم يرون الدين ويسمعونه لأول مرة، وبدأ الشباب الذين كانوا يشترون أجهزة التسجيل للأغاني أصبحوا يشترونها لتسجيل الخطب والمحاضرات، ويجرون خلفه من مكان إلى مكان، وأصبح حديث الناس، واشتهر بالعالم السوداني، وأخذ الناس يستضيفونه في دواوينهم ويستفتونه، ويبعث الله بعده فضيلة الشيخ/ حسن أيوب ، ويأتي في هذا الوقت في أواخر الستينات وأوائل السبعينات يبرز على ساحة الكويت علماء أفاضل منهم: فضيلة الشيخ/ عمر الأشقر، وفضيلة الشيخ/ عبد الرحمن عبد الخالق، وفضيلة الشيخ/ طايس الجميلي، ويقوم كل واحد منهم على ثغرته يجاهد على المنبر جهاد الجندي في الميدان، يحمل القرآن وينافح بالكلمة، فعم الخير وانتشر الحجاب، وبدأت السنة تظهر والبدعة تقمع، وبدأ شعار الناس حقيقة قلباً وقالباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، لا رب ولا خالق إلا الله، لا مشرِّع ولا مدبر ولا معين إلا الله، فالقانون منه، والاقتصاد منه، والتعليم منه، والتربية منه، وأصبح المسلم في هذا البلد لا يُدخل خيطاً في إبرة إلا ويسأل: ماذا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    ولله الفضل والمنة من قبل ومن بعد، وتمر الأيام سريعة، وأصبح الدين هو الحقيقة وزهق الباطل، وجن جنون أهل الباطل، استقدموا له الخبراء، واستحدثوا له الأجهزة، وأخذوا يمكرون مكر الليل والنهار، والحق متوجه كالطوفان الجارف لا يقف أمامه أحد، يصل إلى جمعيات النفع العام، ويصل إلى كل بيت من بيوتات هذا البلد، ثم أخذ الناس يلتفتون فإذا هي صحوةٌ عامةٌ في جميع الأقطار العربية والإسلامية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    الحماس المتزن والحماس المتهور

    الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ترك الكتاب محفوظاً لم يحرفه أحد: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] وتركَ السنة لم يحرفها أحد بعد أن قام إليها جهابدة الرجال يمحصونها ويصفونها حتى أخرجوا الحديث الصحيح والحسن ليعمل به الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم بأحاديثه كان يكافح أولئك الذين يظهرون بمظهر الناصحين وهم ذئاب طمس، الذين يلبسون لبس الحمل والوديع وهم ثعالب المكر، كان يقول في حديثه يوم أن شيع جنازة إلى مقبرة في المدينة قال للناس وهم عليهم الخشوع، قال: (من يذهب إلى المدينة الآن فلا يدع فيها قبراً إلا سواه بالتراب ولا وثناً إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها، فقام رجل متحمس) ودائماً الإسلام لا يعتمد على الحماس المتهور إنما يتوجه بالحماس المتزن (قام رجل بسرعة وقال: أنا يا رسول الله، فقال: اذهب، فذهب إلى المدينة ) وكان عهد الإسلام فيها قريباً، فلم يكن فيها جيش قوي وإنما كان فيها الكفار الذين لم يدخلوا في الإسلام بعد، وفيها اليهود بأعدادهم الهائلة وهم أكثر من الأوس وأكثر من الخزرج وأكثر من المسلمين، فأصبح الذي يريد أن يحطم الأصنام والأوثان ويلطخ الصور ويسوي القبور يحتاج إلى عزيمة رجلٍ الموت أحب إليه من الحياة.

    (فذهب هذا الرجل فواجهه الناس بقولهم: قبور آبائنا، أوثاننا نعبدها كابراً عن كابراً، صوراً لنا نعظمها ونبجلها فارتعد فعاد، وأعلن خوفه فقام علي رضي الله عنه) - الذي لم يعرف خوف البشر أبداً والذي ضحى بنفسه ليلة الهجرة ولم يتقدم عليه في تلك الليلة إلا أبو بكر الذي هاجر مع النبي فكان يسير أمامه وخلفه ويمينه وشماله ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (مالك يا أبا بكر؟ قال: إذا تذكرت اللاحق صرت خلفك، وإذا تذكرت السابق صرت أمامك، وعن يمينك وعن شمالك، نفسي وأبي وأمي ومالي وولدي فداك يا رسول الله). (قام علي فقال: أنا يا رسول الله، فذهب علي وسوى القبور كلها بالتراب، وجاء إلى أوثان الكافرين بالمعول فحطمها، وجاء إلى الصور فلطخها، ثم عاد، قال: يا رسول الله! ما تركت قبراً إلا سويته ولا وثناً إلا كسرته ولا صورة إلا لطختها، عند ذلك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإعلان، التفت إلى الناس من حوله وقال: لا تكن فناناً)، بالنص وهذا الحديث يرويه مسلم: (لا تكن فناناً ولا تكن مختالاً)، أي: من الكبر والخيلاء، والعجيب التقاء الكبر والخيلاء بجوار كلمة الفنان: (لا تكن فناناً ولا مختالاً ولا تاجراً) ثم استثنى في التجارة، وقال: (إلا تاجراً في خير فأولئك المسبقون بالعمل) أي: هؤلاء الأصناف الثلاثة: الفنان والمختال والتاجر الكذوب يسبقهم كل الخلائق بالعمل وهم يؤخرون يوم القيامة إلى النار.

    كانت أمثال هذه الأحاديث قذائف حق يوم أن كان الراقصة باسم الفن تعظم وتبجل وتجرى لها المقابلات، حتى أصبح بعض قراء القرآن في الستينات وأوائل السبعينات تجرى معهم المقابلات فيقال لبعض قراء القرآن: أين اكتشفت نفسك؟ فيقلد الفنان ويقول: اكتشفت نفسي في الحمام، فيقال له: وما هوايتك؟ فيقول: هوايتي أن أسمع الموسيقى الهادئة، شرٌ عم وطم حتى أصبح قارئ القرآن لا تجرى له مقابلة في الصحف وفي الجرائد فلا يملك إلا أن يقلد ذلك الفنان.

    فضل الشيخ حسن طنون

    لقد قام أولئك العلماء الأشاوس ينشرون الدين واليقين حتى ضرب الدين (بجرانه) وخيم ولله الفضل من قبل ومن بعد، وفضيلة الشيخ/ حسن طنون منذ تسع سنوات ذهب إلى فريضة الحج فابتلاه الله بحادث بعد الفريضة أصيب بشلل أقعده فلا يتحرك فيه إلا بعض يده، وهو على فراش المرض منذ تسع سنوات، وهو الآن يعالج في الخارج، أُحضر أهله من بلده لكي يكونوا قريبين منه، وإذا ذهبت إليه في المسجد تعظه وعظك، وذكرك وأبكاك وكأنك أنت المبتلى وهو المعافى، وهكذا يبتلى المرء على قدر دينه وقوته، فإذا كان في دينه صلابه شدد الله عليه: (وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل) وتمر عليه الأيام الطوال وهو على ظهره مُلقىً في سرير المرض لا تجده إلا صبوراً وشكوراً، وضاحكاً مبتسماً والأوجاع تنتهبه في جنبات ظهره وبطنه، وناهيك عن إنسان يلقى على ظهره سنين، أنت بعد النوم الطويل لا تطيق الفراش وأنت في عافيتك، فكيف بالمريض فسبحان الذي صبره! وإذا جاء شهر رمضان حملوه على الكرسي المقعد وذهبوا به إلى المسجد لكي يلقي بعض المحاضرات طلباً للأجر والثواب.

    أحبتي في الله .. هذا الشيخ الفاضل يعالج في الخارج فوفاء للعهد أن ندعو له بالشفاء كما أنه على مرضه ألَّف على سرير المرض كتاباً، هذا الكتاب اسمه زهرات من الروض سأقرأ عليكم في الخطبة الثانية بعض فقرات هذا الكتاب، وهو من الكتب القيمة التي جمعها من نفحات روحه وسقاها بدماء بلائه الذي هو فيه، فكأنها كتبت من دموع الأمهات، وأرواح الحيارى، وأنات المبتلين، فنسأل الله سبحانه وتعالى له شفاءً عاجلاً، اللهم فك أسره واجبر كسره واشفِ جرحه، اللهم عافه يا من أطلقت رجلي عبدك أيوب أطلق رجليه ويديه، إنك على ذلك قدير، اللهم ألبسه لباس العافية ودوام العافية وتمامها، والشكر عليها في الدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

    1.   

    فقرات من كتاب زهرات من الروض

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فقرة في وصف عظمة الله

    عباد الله: يقول فضيلة الشيخ/ حسن طنون في هذا الكتاب وهو أسلوبه المميز في المحاضرات ولعل الذي حضر محاضراته سيتذكر النبرة والعبارة والإشارة: يقول الله تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، بقدرته ينمو الزرع ويدر الضرع، وتجري الأنهار وتطيب الثمار، وتعيش الكائنات في قاع البحار، وله تسبح الأملاك والأفلاك وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء:44] تعاليت يا رب ما أدق نظامك! وما أعظم شأنك! وما أوسع ملكك! وما أبدع بنيانك لك السماوات بشمسها وقمرها ونجومها، وأفلاكها وأملاكها، وعظيم آياتها ودقيق أسرارها، ولك الأرض بجبالها وأنهارها وبحارها، ومحيطاتها وزرعها وثمارها، وكنوزها ومعادنها وخيراتها، وإنسها وجنها، ملائكة السماوات المطهرون خدامك، وملوك الأرض المتوجون عبيدك، يدك فوق أيديهم، وقدرتك آخذة بنواصيهم، وحكمك العادل نافذ فيهم، أنت السيد القادر العزيز، والناس كلهم عبيد ضعفاء عجزة أذلاء، تباركت تباركت! يسبح الرعد بحمدك، ويشدو الطير بذكرك، وتنطق الدودة في الحجر الأصم بوحدانيتك .. (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد:13] سبحانك آمن بك المؤمن ولم يرك، وجحدك الجاحد ووجوده ناطق بوجودك، ربِّ إن الهدى هداك، والويل لمن طمست قلبه وأعميت بصيرته وأنكر الشمس في رابعة النهار، كيف تخفى يا مولاي والشمس بعضها ساري قدرتك؟ أم كيف تدرك الروح من أسرار ربو بيتك؟

    فيا عجباً كيف يعصى الإله     أم كيف يجحده الجاحد

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    فأنت الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، فلا أول قبلك ولا آخر بعدك، رب من أين للورد شذاها وحسنها وبهاها؟! تنمو في حرارة الشمس وتتفتح على ضوء القمر وتزهو في سجسج نسيم فإذا هي ملء العين بل! ومن أين للعين نورها يا رب وهي نقطة سوداء على سطح الماء؟! ثم من أين لهذا اللسان أن يتصدر زعامة الجسم كله في الذوق ودقة الإحساس ورغبة المتمني وبهجة القلوب وهناءة النفس وجمال العين؟! ومن أين للأشجار طعومها المختلفة .. وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4] تباركت يا مخرج الخضراء من الغبراء، يا خالق العجم من طين وماء، أعجزت الإنسان بآياتك البينات في ملكوت الأرض والسماوات .. وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].

    هذا هو أسلوبه في خطبه وإني لأقترح على مكتبات التسجيل أن تختار أشرطة لأحد هؤلاء العلماء الأفاضل فتسميه بعنوان شريط الأسبوع يباع عند المساجد لكي نحيي ذكراهم فإن أهل الباطل يسعون لباطلهم، فلماذا لا يسعى أهل الحق إلى الحق؟! .. وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81].

    فقرة في وصف اليوم الآخر

    أختم بفقرة من فقرات هذا الكتاب يذكرها فضيلة الشيخ حفظاً على قلبه وكان آية من آيات الله في الحفظ على صدره فهو يذكر أسماء يوم القيامة فيقول: عباد الله! إن يوم القيامة له أسماء فهو يوم القيامة، ويوم الحسرة، ويوم الندامة، ويوم البقاء، ويوم القضاء، ويوم الجزاء، ويوم البلاء، ويوم البكاء، ويوم الخروج، ويوم العرض، ويوم الوزن، ويوم الحكم، ويوم الفصل، ويوم الجمع، ويوم الفتح، ويوم الخزي، ويوم عسير، ويوم الدين، ويوم اليقين، ويوم النشور، ويوم المصير، ويوم النفخة، ويوم الصيحة، ويوم الرجفة، ويوم الزجرة، ويوم السكرة، ويوم الفزع، ويوم الجزع، ويوم المنتهى، ويوم المأوى، ويوم الميقات، ويوم الميعاد، ويوم المرصاد، ويوم القلق، ويوم العرق، ويوم الافتقار، ويوم الانكدار، ويوم الانكسار، ويوم الانشقاق، ويوم الوقوف، ويوم الخلود، ويوم عبوس، ويوم التغابن، ويوم معلوم، ويوم مشهود، ويوم لا ريب فيه، ويوم تبلى السرائر، ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ويوم تشخص فيه الأبصار، ويوم لا يغني مولاً عن مولاً شيئاً، ويوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، ويوم يدعون إلى نار جهنم دعاً، ويوم يسحبون في النار على وجوههم، ويوم تقلب وجوههم في النار، ويوم لا يجزي والد عن ولده شيئاً، ويوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصحابته وبنيه، ويوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ويوم لا مرد لهم من الله، ويوم هم بارزون، ويوم هم على النار يفتنون، ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ويوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، ويوم ترد فيه المعاذير، وتظهر الضمائر وتكشف الأستار وتخشع الأبصار، وتسكت الأصوات، وتظهر الخطيئات، ويقل الالتفات، يوم يساق العباد يوم الأشهاد، يوم يشيب فيه الصغير، ويشكو فيه الكبير من شدة العذاب.

    وهكذا - أيها الأحبة الكرام - بهذا الاسترسال القوي ينقلنا فضيلة الشيخ/ حسن طنون كلمة كلمة إلى مشاهد يوم القيامة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يخفف علينا فيها وأن يجعلنا في ظل عرشه، وفي مستقر رحمته، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

    أيها الأحبة الكرام: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة: اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.

    اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والنصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنا نسألك تحرير الأقصى وفلسطين وأرض، أفغانستان والفلبين، وكل أرض يذكر فيها اسم الله، وما ذلك على الله بعزيز، منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل يا رب العالمين، اللهم اجعلها ساعة إجابة وساعة إنابة في هذه الأيام المباركة إنك على ذلك قدير.

    عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر! والله يعلم ما تصنعون.