إسلام ويب

سلامة الصدر من الأحقادللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك أعمالاً أجرها أعظم عند الله من الصيام والقيام والصلاة، وإن من هذه الأعمال سلامة الصدر وصدق اللسان من الحقد والحسد والغل. وإن من أعظم ما يبعد القلوب عن الأحقاد والضغائن إصلاح ذات البين، والتزاور بين الدعاة والعلماء وطلبة العلم.

    1.   

    بيان خطر التبشير وسببه في ضلال الناس

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أحبتي في الله! أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، ومخافته ورجائه وحبه سبحانه، وأسأل الله لي ولكم حسن الاعتقاد، وصلاح العمل، ونور اليقين، وبرد الرضا، وحلاوة الإيمان، وبر الصدق، وحسن الخاتمة، والستر في الدنيا والآخرة.

    أيها الأحبة الكرام! أسأل الله أن يحرم وجهي ووجوهكم ووالدينا والمسلمين على النار، وأن يدخلنا الجنة مع الأبرار الأخيار، ونسأله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وإني أحبكم في الله، راجياً من الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه، وينادي على رءوس الأشهاد: (أين المتحابون فيَّ؛ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي، على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء يوم القيامة) وإني لمسرور جداً بلقائي هذا معكم مساء كل سبت؛ وهي نعمة من الله لا تقدر بثمن، إذا الآباء والأبناء يلتقون سواء في بيت من بيوت الله، ويصبحون رواداً لهذا البيت، وقلوبهم معلقة بالمساجد، فهم من الذين يظلهم الله في ظل عرشه، فنسأل الله أن يجعلنا من رواد بيته، من الذاكرين الرافعين لهذه البيوت، هو ولي ذلك والقادر عليه، وأن يملأ قلوبنا محبة وأخوة وإيماناً وإسلاماً وصفاء، وأن نتعاون في تنشيط الأبناء بطاقة الفتوة والشباب إلى الخير، بتوجيه الآباء ذوي الخبرة وذوي الفهم والتجربة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وكنت حضرت لكم درساً في صفاء القلوب، واختيار الكلمة الطيبة، ولما دخلت المسجد قرأت هذا المنشور الذي يتكلم حول هدم المستشفى الأمريكي ومركز التبشير القديم، والجدل الذي دار عليه على صفحات الصحف، حيث كتب بعض الكتاب المشهورين يرفض قرار البلدية في هدم هذا المستشفى واعتباره معلماً من معالم التراث الكويتي، ويجب أن يحفظ، وما كتبته مجلة المجتمع حيث أنها اعترضت على مثل هذه الكتابات في الصحف وقالت: إن هناك مساجد كثيرة في الكويت هدمت وجرفتها الجرارات؛ بسبب امتداد العمران وتقسيم المناطق، فمن باب أولى أن يهدم هذا المستشفى الذي كان مبعوثاً بإرسالية أمريكية تبشيرية، وهذا معروف.

    أيضاً نحن لا ننكر الجميل الذي قدمه هذا المستشفى من علاج، حيث لم يكن في الكويت علاج، ولا طب، ولا وعي صحي، ولكن هذا في جانب، والرسالة التي جاء من أجلها في جانب آخر، فلا يوجد مواطن كويتي ينكر أن هذا المستشفى جاء بالتبشير بالدين النصراني، ولما قرأت هذا المنشور الموجود في المسجد هنا عدت بالذاكرة إلى الوراء، وتذكرت أحداثاً وقعت لي أنا شخصياً ولوالدي مع هذا المستشفى الأمريكاني، حيث أن والدي رحمة الله عليه، أصيب بمرض وهو يغوص، ضربتهم صاعقة، كانوا داخلين في شط العرب، ويحملون التمور، وكانت هناك سفينة كويتية معطلة تحتاج إلى بعض التصليح، فقال ربان السفينة للنوخذة الذي معه والدي: بأن يساعده فيجر معه المحمل حتى ينتشله من البحر الضحل إلى المكان العميق، ولكن مع الأسف -وهذا ليس من عادات الكويتيين- أن النوخذة كان مستعجلاً وكان معه بضاعة ثقيلة ويريد السفر عاجلاً، فقال لصاحب السفينة المعطلة: انتظر حتى تهدأ المياه، وبعد ذلك أسحبك إن شاء الله، لكن هذا النوخذة ما وفى بعهده، إذ خطف بالليل وذهب وترك صاحبه الذي عاهده، والدي يقول: فلما خرجت السفينة من الخليج العربي، جاءت سحابة فوق السفينة فبرقت ورعدت ونزلت منها صاعقة على المشراع حتى مال مركبهم فاحترق كله، فكان والدي ممن أصيب بهذه الصاعقة، إذ أصيب بمرض أشبه ما يكون بالشلل، وكان البحارة يلومون النوخذة ويقولون له: لو أنك سحبت هذا الرجل المسكين في سفينته وساعدته لما حدث لك هذا، الشاهد: أن والدي عاد به إلى بيته، وأصبح مقعداً لا يستطيع المشي، وأكل كل ما عنده من مدخرات حتى أصبح يخرج يزحف إلى الشارع، لعله يجد من يجود عليه بكسرة الخبز، ولما بلغت به هذه الحالة، وامتد مرضه سنين طويلة لعلها عشر سنوات، وهو جالس في البيت بلا علاج، وصفوا له شيخاً من المتدينين يقرأ على الناس الآيات والأحاديث فيشفون، واستدعي ذلك الشيخ، يسمونه الملا، فجاء الملا وأول ما سأل والدي مع الأسف الشديد، كم تدفع على هذه القراءة؟ فقال والدي: أنا فقير وما عندي في جيبي إلا نصف ربية؛ وهذا الذي معي يعني: طعامنا وشرابنا في النصف الربية هذه، فقال: هذه ما تكفي القراءة، أنا لن أقرأ عليك إلا بعد أن تدفع كذا وكذا.. وفعلاً ذهب الملا وما قرأ على الوالد شيئاً، فالوالد هنا تولدت عنده ردة فعل عنيفة كمريض عشر سنوات مع الفقر، ويأتي هذا بكلام أو ينفخ نفخات، يأبى أن يقرأ على مسلم، هذه ولدت عنده ردة فعل عنيفة جعلته يكره الدين والمتدينين، ويكره الملتزمين، وأصبحوا بسبب هذه الحادثة دائماً على لسانه، والوالد رحمة الله عليه أوتي من الفصاحة والبسطة في اللسان، وكان ذكياً يقول الشعر ويضرب الأمثال، فسلط تلك الطاقة على المتدينين بسبب هذا الموقف الذي وقفه ذلك الرجل.

    فمرت الأيام ويقدر الله سبحانه وتعالى ويأتيه رجل يقول له: لماذا لا تذهب إلى المستشفى الأمريكاني الذي يمدحه الناس ويتكلمون عنه، وعنده علاج؟ ويوجد فيه طبيب اسمه اسكدر وفيه .. وفيه ..، فقال الوالد: أنا بيتي في المركاض، وما الذي سوف يذهب بي إلى الأمريكاني هناك على البحر، ما كانت على أيامهم وسائل مواصلات موجودة إلا العربات، وبعض السيارات التي تعد على الأصابع عند أناس معروفين، والمستشفى نفسه كانت لديه سيارة عند الدكتور اسكدر، الشاهد: إن الوالد عند أذان الفجر زحف على فخذيه من المركاض إلى المستشفى الأمريكان، فما وصله -زحفاً- إلا قبيل الظهر، وكان في فصل الصيف، لكن على ماذا أنت تتخيل هذا المشهد؟! يقول: فلما وصلت إلى جدار المستشفى لن يبقى فيَّ قطرة ماء، لا في فمي ولا في عيني ولا في جسمي، أحسست أن الشمس تحرقني وأنا أموت، حتى ما أستطيع أن أتكلم وأصرخ وأنادي، إلا أنني نمت أمام الجدار، ونمت وبدأت أتشهد حتى يأتيني أجلي تحت الجدار، يقول: ثم أغمي عليَّ، وظننت أنني مت.

    ثم بعد الإغماء ما أدري ماذا حصل لي، إلا أنني فتحت عيني ووجدت أنني في البيت وبجواري دواء، يقول: فسألت الناس الذين كانوا يدخلون يتعالجون، ماذا حدث؟

    يقول: فقالوا لي: إن الدكتور أتاه الناس وقالوا له: إن هناك رجلاً مريضاً تحت الجدار، فنظر من الشباك فرآه فنزل مع المضمدين والدكتورات وأحضروا المحمل وحملوه بها، ودخلوا به، ثم بعد ذلك شخصه تشخيصاً كاملاً وعرف المرض، وأعطاه حقنة، ثم بعد ذلك أعطاه الدواء وحمله بسيارته الخاصة ووصله إلى البيت.

    يقول الوالد: ثم وضعت يدي في جيبي وإذا أنا أجد فيه خمس ربيات، فسألت: من وضع الخمس الربيات؟

    قالت الوالدة: وضعها الدكتور الذي أتى بك، فأصبح هذا الموقف مؤثراً، وهذا الدكتور لم يدع أبي للنصرانية ، ولم يقل له: كن نصرانياً، أو علق الصليب.. أو كذا.. لكنه فقط أحسن معه المعاملة في جانب أساء فيه الملا معه المعاملة.

    ما هي ردة الفعل في هذين الموقفين؟

    من أصول الإرساليات التبشيرية التي تدرس لهم وقرأناها في الكتب ودرسناها نحن: بأنه ليس من الشرط أن تجعل المسلم نصرانياً، إذا جعلته نصرانياً فهذا تشريف للمسلم -هم يقولون ذلك- ولكن إذا عجزت أن تجعله نصرانياً، فاحرص على أن تتركه لا دين له، فإذا تركته لا دين له، فقد حققت المطلب الذي نريد.

    وفعلاً أيها الإخوة: الوالد بفضل الله شفي، وقام يمشي، وظل الدكتور كل أسبوع يزوره مرة، ويتلطف معه، ويمسح عليه، وينظفه ويعالجه، إلى أن مشى الوالد، وبدأ يعمل، ثم بعد ذلك تزوج، فلما رزقه الله ابنه الأول الذي هو أنا، ظل ولاؤه لهذا الطبيب لدرجة أني لما بدأت أعقل وأنا عمري ثلاث أو أربع سنوات، وبدأت أميز بين الأمور، كان يأخذني كل أسبوع زيارة مخصصة للدكتور اسكدر، وأدخل عليه ويلقني منذ الصغر، بهذا النص يقول لي: انظر هذا الرجل الذي أمامك كان سبب شفاء أبيك، هذا الذي كان يوماً من الأيام يعالجني ووضع في جيبي خمس ربيات، يوم أن تركني الملا ورفض أن يقرأ عليَّ؛ لأنه لا يوجد معي نقود أعطيه، اذهب حب يده، وأقوم أنا وأحب يد الدكتور اسكدر، وجلست مستمراً على هذه الزيارة وعمري خمس سنوات إلى أن صار عمري عشر سنوات، أو إحدى عشرة سنة، كل أسبوع زيارة -كأنها عبادة- إلى هذا الدكتور يدفع رأسي دفعاً عليه لكي أقبل يده.

    ثم بعد ذلك كان الوالد على ما هو عليه يسخر من المتدينين، فلما هداني الله إلى الدين والإيمان وأعفيت لحيتي بدأ يسخر ويستهزئ من اللحية، فقلت: مستحيل أنني أنزع صورة ذلك الملا من رأسه، وصورة هذا الدكتور من رأسه، إلا أنني كنت أحسن المعاملة معه أكثر من الدكتور هذا، وبدون هذه الطريقة ما أستطيع أن أنزع هذه الفكرة من رأسه، وكنت أنتظر الفرصة بعد الفرصة أن الله يهيئ لي الظرف لأن أستطيع أن أغلب جميل ذلك الدكتور النصراني المبشر، حتى يعود والدي يحب الدين مرة ثانية، ويحب الإسلام مرة ثانية، ويعود إلى فعل الخيرات، والوالد رحمة الله عليه كان سمحاً وكريماً وجواداً لا يبالي، ينفق إنفاق من لا يخاف الفقر، ومع هذا ظلت عقدة الملا في جانب وعقدة الدكتور المبشر في جانب، إلى أن قدر الله سبحانه وتعالى ومرض الوالد مرضاً عضالاً، بحيث أنه أصبح طريح الفراش في المستشفي تأتيه قضاء الحاجة فما يستطيع النهوض إلى الحمام، وأكون أنا في الليل والنهار بجواره، فقلت: هذه فرصة لا تقدر بثمن، فلما كنت بجواره كان رحمة الله عليه يتفنن في مطالبه، حتى يرى أني أنا أبره أو ما أبره، فمثلاً: الساعة الثانية عشرة بالليل كان يقول لي: يا بني اذهب فائتني (بالرقية) -البطيخ- في وقت الرقي ليس موجوداً، فأذهب أبحث في السوق وأذهب إلى الأماكن التي يباع فيها الفواكه في غير مواسمها، إلى أن ييسر الله سبحانه وتعالى (رقية) الساعة الثانية عشرة من الليل، فأذهب أقدمها وأفتحها له، ولا يأكلها وإنما مجرد أنه يأمر أمراً وأنا أطيع، فإذا جاء يقضي الحاجة لا يستطيع أن يقوم فهو مريض، فأضع يدي تحت مقعدته حتى يقضي حاجته في يدي، وينتهي ويتبول في يدي، وأظل أنا واضعاً يدي إلى أن يقضي حاجته، وهو يتعجب من هذا السلوك، ويتعجب من هذا التصرف، فإذا انتهى حملت يدي ودخلت إلى الحمام، ونظفت نفسي، وقد تتكرر هذه الحادثة بسبب المرض كل عشر دقائق مرة، فأنا كل عشر دقائق أضع يدي فجأة وما يمكنني أنني أحمله إلى الحمام، فلما رأى هذا التصرف يتكرر مني مرة أو مرتين، أخذ يبكي، وهذا البكاء كان فاتحة إيمان في قلبه، فقال: الحقيقة أنا ما عرفت قيمتك، وكل هؤلاء الشباب المتدينين مثلك بالشكل هذا؟

    قلت: أحسن مني، ولكن أنت ما تعرفهم، وفعلاً بدءوا يزورونه ويسلمون عليه، وبدأ يصلي ويصوم ويحب الدين، ويذكر الله ولا يبعد عن لسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أشهد أن الله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت حق، وأن القيامة حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن محمداً خاتم النبيين والمرسلين، وأسبغ الله عليه هذا الدين، قلت: سبحان الله! حقيقة أن الدين هو المعاملة.

    أيها الأخوة! انظروا أثر زيارة لمبشر نصراني على مسلم كيف حوله بهذه الزيارة تلك التحويلة الرهيبة، وانظروا تلك الزيارة التي قام بها الملا سامحه الله وعفا عنه، حتى حولت الوالد تلك التحويلة!

    إذاً: عندما نقول: إن الدين المعاملة، أو نقول: بأن هذا مركز إرسالي تبشيري، فهذه حقيقة، هذه تجربة أنا خضتها شخصياً مع والدي، وما أدري كم شخصاً من الناس وقع له مثل هذا الموقف؛ فكم من إنسان الآن لا يصلي بسبب أمثال هذه المواقف ولا حول ولا قوة إلا بالله! فتن الناس في دينهم!

    لهذا أيها الأحبة: كنت بين الحين والآخر ألتقط مثل هذه الأخبار عن مثل هذه الإرساليات، وقد رحم الله دولة الكويت؛ لأنها قريبة من أرض نجد، من الدعوة الوهابية التي قام بها محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، وهذه دعوة التوحيد العالمية التي جاء بها محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه حفظت الكويت من الشرك، ومن القبور، وحفظت الكويت من البدع وسؤال غير الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم قريبون من أهل نجد، يأتوننا ونأتيهم، ويزوروننا ونزورهم، فكان لهذا أثر، لهذا أنتم ترون العراق مملوءة قبوراً وأضرحة، وكثير من الدول المحيطة بنا فيها قبور وأضرحة إلا الكويت بفضل الله ورحمته، فهذا الشعب نشأ على التوحيد لا يشرك بالله شيئاً، حتى أن فيلكا فيها حجر يقال: بأنه وطأه الخضر، وكان الناس يذبحون له ويزورونه ... ويضعون فيه حناء ومسكاً إلى أن قام الأخ الفاضل: أحمد الحصين، متعنا الله ببقائه ونفعنا الله بعلمه، وأخرج ترخيصاً من البلدية بهدمة، وذهبت الجرافات يسوقها رجل ياباني من أجل أن لا يقولوا: والله خاف المسلم يعتقد أن هذا ينفع أو يضر، ونسف هذا الصنم في البحر وتخلصت الكويت من مظاهر البدع والشرك والعياذ بالله.

    الشاهد: أن هذا المستشفى -لا أدري هل من بينكم من شاهد هذا المشهد أو ما شاهده- كان يوجد فيه مضمدة ومضمد، يجمعون البدو والأميين بين الحين والآخر، لعلها مرة في الأسبوع على ما أذكر، ما كانوا يوزعون عليهم كتباً؛ لأن طبيعة الشعب عامي لا يعرف أن يقرأ ولا يكتب، لكن كانوا يبثون الفكر النصراني من خلال المواقف، فأذكر مرة أن أناساً يريدون أن يتعالجوا، وكان البدو عيب عندهم أن يأتي أحدهم يتعالج عند الطبيب، لكن لما اشتدت عليهم الأمراض وضيقت عليهم، سوء تغذية، وأمراض، بدأ الرجال يأتون المستشفى، وكان المستشفى يتفنن في توزيع الحبوب والعلاجات، وكان (الأسبرين) يصبغ بلون أحمر أو أزرق أو أصفر؛ لأن الأبيض هذا ليس له قيمة لا بد يكون له ذوق معين، وأحسن شيء إذا كانت هناك إبرة، فلهذا ظلوا بهذا الأسلوب يكسبون الناس إلى أن تجرأ البدو قليلاً وأتوا بحريمهم، فقليلاً قليلاً إلى أن أصبحوا يجتمعون لكثرتهم يملئون الدور، فأصبح الجو مناسباً للتبشير، فكانت تخرج عليهم هذه الدكتورة وتقول لهم: الآن عيسى اليسوع، المسيح ابن الله سيظهر علينا، بعد ما نطفئ الأضواء سيظهر من هنا نور يمر من هذه القاعة ومن هذا الممر، وبعد ذلك إذا مر، قولوا: يا يسوع! يا ابن الله! أعطنا خبزنا أعطنا رزقنا، تقدس اسمك إلهنا وأبانا الذي في السماء، فالناس مساكين لا يدرون ما الذي تقول؛ لأنهم يريدون أن يتعالجوا، فجلسوا وبعد ذلك أطفأت الأضواء عند المغرب، وإذا بها تقول: أتى يمر، وهم يقولون: مر المسيح، لا إله إلا الله اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، ما شاء الله مر، قالت: مر، لا إله إلا الله، فلما تكرر مثل هذا الحادث، مرة ومرتين وثلاث، لا توجد فائدة، أي: زادوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم صلِّ على محمد، فتركوا هذا الأسلوب، وبدءوا يبحثون عن أسلوب أمكر وأخبث، ولكن الله سبحانه وتعالى حفظ هذا البلد بكثرة المحسنين فيه، وبصدق نيات أهله، وبكثرة تعاطفهم وتآلفهم وتناصرهم، وبوجود التوحيد، التوحيد له بركة، التوحيد في هذا البلد أصيل لهذا كانت له بركة، حفظ الله سبحانه وتعالى هذا البلد من مثل هذه الإرساليات، ولكن المدارس الخاصة الموجودة الآن لها دور أفتك من دور المستشفى، ولهذا باسمي وباسمكم وبكل اسم غيور أطالب بهدم هذا الصرح التبشيري الذي كان سبباً في ضلال والدي فهداه الله بعد محاولات مستميتة، ولا أدري من أضل بعد ذلك ذلك المستشفى، أسأل الله أن ييسر هدمه وإزاحته، وأسأل الله أن يعمر بيوته بالعامرين الشاكرين، كما أسأله أن يهدم الكنيسة ويزيلها عن أكبادنا وقلوبنا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) والكويت من جزيرة العرب .

    هذه مقدمة أدعم بها هذا المنشور، مع أني لا أدري من نشره، ولكنني أدعم هذا المنشور بهذه الحادثة، وهي سر من أسرار حياتي لا يعلمها أحد، ولكن في سبيل الله أكشف هذا الأمر حتى أبين خطورة مثل هذه الإرساليات، وأسأل الله أن يغفر لنا ولكم ولأمواتنا وأموات المسلمين.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم

    أما درس اليوم فهو بعنوان: سلامة الصدر من الأحقاد.

    الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أذكاره في الصباح والمساء، أن يقول: (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر) يخبر أنه من قال ذلك فقد أدى شكر ليلته، إذا قال بالليل ثلاث مرات أو بالنهار ثلاث مرات أدى شكر ليلته ويومه، وهذه من الأذكار الطيبة سواء كان السند صحيحاً أو ضعيفاً، فهو أمر طيب مبارك فيه ذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، الشاهد: أن هذا الحديث في طياته شيء آخر:

    أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحمد الله ويشكره عن نفسه شخصياً للنعم التي أسبغها الله عليه، ويحمد الله عن الناس كلهم؛ عن المؤمن وعن الكافر: (ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك) كلهم المؤمن والكافر، الإنس والجن، الوحش والطير، الملائكة: (فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر) عن نفسي وعن الإنس والملائكة وعن العاصين والطائعين، أحمدك وأشكرك على ذلك، وهذا يدل على أن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم كان قلباً رحيماً، كان قلباً كبيراً، كان قلباً واسعاً سعة السماوات والأرض؛ صلى الله عليه وسلم، فلهذا كان يحمد الله سبحانه وتعالى، يقول: كثير من عبادك لا يحمدك يا رب ولا يشكرك، تتقرب وتتودد إليهم بالنعم وهم يتبغضون إليك بالمعاصي؛ خيرك إليهم نازل، وشرهم إليك صاعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أما أنا فأقول: (اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر).

    سلامة الصدر -أحبابي في الله- هي التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا النوع من التوحيد والحمد لله رب العالمين، الواحد منا إذا أكل الأكلة قال عن نفسه: الحمد لله، ولكن هل خطر في بالك أيها المسلم أو في بالي في يوم من الأيام أن أقول: يا رب! أحمدك وأشكرك عن المسلمين كلهم، أحمدك وأشكرك على أمي وأبي وإخواني وجيراني والمسلمين الأحياء منهم والأموات، لأنك أنت هديتهم ووفقتهم، هذا قد لا يخطر ببال أحدنا يا أخي الكريم، ولكنها عبادة كان يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن قلبه رحيم، والإمام ابن باز متعنا الله ببقائه ونفعنا الله بعلمه، أذكر أنه مرة سئل: هل يحمد ويشكر الذي يصلي الجماعة في المسجد؟ أي: عندما أرى هذا الشخص الكريم يصلي في المسجد ويحافظ على الجماعة، هل من حقه عليَّ كمسلم أنني آتي إليه وأقول له: مشكور جزاك الله خيراً على صلاتك معنا العصر جماعة.

    الإمام ابن باز يقول: نعم. وذلك من حق المسلم، ومن لا يشكر للناس لا يشكر لله، وهذه صورة من صور الشكر لله، فإن هذا الإنسان تشكره إذا فعل لك معروفاً مادياً، كأن سدد عنك ديناً، وصافحك بيده، أو زارك إذا مرضت، أو قدم لك وجبة طعام فتقول له مثل ما يقولون: شكراً، إن حرصه على الجماعات، وتكثير سواد المسلمين، وإقامة هذه الفريضة عبادة يشكر عليها المسلم، فلهذا تقول له: مشكور وكثر الله من أمثالك، وعسى الله ألا يحرمنا إن شاء الله أن نراك في الفريضة.

    فهذه عبادة قليل من يعملها، ولو فعلها الناس لتشجعوا على فعل الخيرات وترك المنكرات، ولكن أصبح شعار الناس مع الأسف الشديد: نفسي.. نفسي.. نحن لسنا في يوم القيامة حتى نقول: نفسي.. نفسي، شجعوا إخوانكم على فعل الطاعات، واحمدوهم عليها، واشكروهم عليها، فإن ذلك أسلم للصدر، وأكثر للخير، وأدحر للشر.

    صورة من صور الاستغفار للرسول صلى الله عليه وسلم، محمد عليه الصلاة والسلام لا يقول الشعر، قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] ولكن بين الحين والحين لفصاحته وبلاغته، يجري كلام عادي على لسانه موزوناً، عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أفصح ولد آدم، وبينما هو يستغفر يوماً من الأيام إذ جرى على لسانه كلام موزون يخرج من قلب نظيف خالٍ من الحقد على الناس، يقول:

    إن تغفر اللهم تغفر جماً      وأي عبد لك ما ألما

    هذا الاستغفار الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم معناه: يا رب! إنك إن تغفر تغفر مغفرة عظيمة كبيرة تسع جميع المسلمين، واللهم: ليس معناها الله، وليس معناها فقط: يا الله، وإنما فيها معنى آخر، الله هو لفظ الجلالة العلم الدال على الذات الإلهية سبحانه وتعالى، هذا هو الاسم الأعظم، لكن الميم التي جاءت في الأخير تسمى باللغة العربية الميم الجامعة، ماذا تجمع هذه؟ ما المقصود منها بإضافتها إلى الله هنا؟ المقصود منها: جمع أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فاللهم: أي يا الله بأسمائك الحسنى وبصفاتك العلى التي أعلمها، والتي أنزلتها في كتابك أو علمتها أحداً من خلقك، أو استأثرت بها في علم الغيب عندك، كلها هذه أجمعها في الميم الجامعة وأدعوك بها أن تغفر للمسلمين جميعاً، انظر البلاغة! انظر الفصاحة التي كانت في كلام محمد صلى الله عليه وسلم!

    (إن تغفر اللهم تغفر جماً) ولهذا نسمي الشّعَر المجموع في الناصية جُمة؛ لأنه جمع الشعر في الناصية، فكأن الرسول يقول: اجمعنا في المغفرة، لا تجمعنا في الطاعة.

    ثم بعد ذلك كأنه يعتذر صلى الله عليه وسلم عن العاصين يقول: يا رب! أنت خلقت ابن آدم خطاء، وأي عبد لك ما وقع في اللمم؟ إلا الأنبياء المعصومون، والملائكة المقربون المعصومون؛ لأن الملك جبل على الطاعة، أما المسلم فهو بين نزعين، بين نزع الخير ونزع الشر (وأي عبد لك ما ألما) إذا أردت أن تؤاخذهم على اللمم والزلات، وتريد أن تؤاخذهم على الخطايا، ما يبقى أحد إلا وتدخله في النار، لأنهم كلهم خطائين: (كل ابن آدم خطاء) إذاً اغفر لهم يا رب العالمين مغفرة عامة ترحمهم.

    لهذا كان من وصاياه لأمته صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح: (من قال: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات؛ كتب له في كل نسمة مسلمة حسنة، من آدم إلى يوم القيامة) انظر الفضل والخير! فأنت لا تتعامل معي، إنما أنت تتعامل مع من بيده خزائن السماوات والأرض، الذي بيده خزائن كل شيء من يوم أن خلق الخلق إلى يوم القيامة، يمينه سحاء عليهم، لن ينقصها الإنفاق عليهم، وهم يسألونه في السماوات وفي الأرض كل يوم هو في شأن سبحانه وتعالى ما نقص ذلك إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، والمخيط ملك الله، والبحر ملك الله، والرطوبة التي على المخيط ملك الله، إذاً ما نقص من ملك الله شيء.

    هذا دعاء عظيم، قولوه وكرروه: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    إن تغفر اللهم تغفر جماً      وأي عبد لك ما ألما

    1.   

    صفات مخموم القلب

    ثم أيها الأحباب الكرام! جلس الصحابة حول الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتونه ويستنبئونه عن أفضل الناس؟ وهذا السؤال يدل على حرص الصحابة رضي الله عنهم، فالصحابة ما قالوا له: يا رسول الله! علمنا أحسن الأكلات، أو يا رسول الله! علمنا ذوقك مثلاً في النساء: أي النساء تحب الطويلة أو القصيرة (في الحلال وليس في الحرام؟) هذا حديث الناس الآن في مجالسهم وفي الدواوين، أصبح الواحد منهم يسأل عن هذه الأشياء، والصحابة رضوان الله عليهم سؤالهم أخطر وأعظم، يسألون عن أفضل الناس؟ لماذا؟ حتى يبذلون أسبابه ويكون كل واحد منهم هو أفضل الناس، فكانوا حريصين على فعل الخيرات، قيل: (يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ -اسمع الجواب حتى تكون أنت أفضل الناس إن شاء الله- قال: كل مخموم القلب) انظر التعبير النبوي! مهما حاولت أن تبدل كلمة (مخموم) وتضع مكانها أخرى فلن تستطيع، ماذا تقول مثلاً: سليم القلب، صالح القلب، مخموم، يعني: كأنه هو أمسك بآلة التنظيف في روحه، لا ينتظر أحداً ينظف قلبه، وجعل يخم.. ويخم.. حتى أصبح نظيفاً مخموم القلب.

    من صفات مخموم القلب أنه صدوق اللسان

    قال: (كل مخموم القلب، صدوق اللسان) هذه الصفة الثانية؛ لأن القلب هو جهاز الإرسال إلى اللسان وإلى السمع وإلى العين، فإذا كانت محطة القلب نظيفة؛ المذيع نظيفاً، والمدير نظيفاً، والوزير نظيفاً، ووكيل الوزارة نظيفاً، كان جهاز الإرسال نظيفاً يعمر ولا يدمر، فيبدأ جهاز الإذاعة في اللسان لا يتكلم إلا صدقاً وحقاً، وإذا كانت المحطة القلبية الداخلية خربة، مظلمة، أصبحت لا تسمع إلا الأغاني والفجور وعظائم الأمور ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! (مخموم القلب، صدوق اللسان) وصدوق على وزن فعول، أشد من كلمة صادق صدوق، فهو لا يفارق الصدق أبداً، والإنسان يوزن بأصغريه: القلب واللسان: (وفي الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد) اللسان هو عنوان القلب، المكتوب عليه.. عنوان قلبك لسانك، وهذا مقياسك، وظل الأدباء والشعراء دائماً وأبداً يدورون حول هذا المعنى:

    احفظ لسانك أيها الإنسان     لا يلدغنك إنه ثعبان

    احفظ لسانك واحترز من لفظه      فالمرء يسلم باللسان ويعطب

    احفظ لسانك ولا تكن      ثراثارة في كل نادٍ تخطب

    بعض الناس لغوي، تجلس معه فتجد: قالوا.. وقلت.. وقالوا.. وقلت.. يدوخ رأسك، تريده أن يسكت، ولا يترك أحداً يتكلم، يأخذ المجلس كله على أمر تافه جداً، ذهبت البحر ووقع... وساعة يحكي ما فعل.. يا ابن الحلال! اتركنا نذكر الله..اتركنا نسبح.. اتركنا نطرح قضية فينا.

    فلهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن القلب الصافي النظيف المخموم يكون لسانه صدوقاً ونظيفاً، قال: (كل مخموم القلب، صدوق اللسان).

    هناك حكمة جاءت من الصين ، يقال: إن هذه الحكمة من الصين فما أدري من أين هي، لكن يقول المثل الصيني: إذا قلت كلمة تمنيت أن لي رقبة زرافة، فقيل للحكيم الصيني لماذا؟!! قال: حتى إذا أرادت الكلمة أن تخرج يطول عليها الطريق فأفكر هي لي أم عليَّ؟ والإسلام أحسن من المثل الصيني، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (فليقل خيراً أو ليصمت) قدم قول الخير على الصمت، كما يقول الشاعر:

    خل جنبيك لرامي     وامض عنه بسلام

    مت بداء الصمت خير     لك من داء الكلام

    الكلام فيه دواء وداء، أنت خذ الدواء واترك الداء.

    رب لفظ جر آجا     ل نيام وقيام

    انظر .. حتى النائمون؛ فقدم النائمين على القائمين، مساكين هؤلاء الأطفال والنساء، لكن بسبب اللفظة هذه عرضهم للإبادة ولا حول ولا قوة إلا بالله العليَّ العظيم!

    وأذكر لكم قصة تنطبق على هذا البيت قرأتها في كتب الأدب:

    أن ملكاً من الملوك خرج إلى الصيد والقنص، وكان معه نديمه، وكان الملوك لا يستأنسون في الصيد والقنص إلا إذا كان معهم النديم، والنديم هذا أشبه ما يكون بمهرج، يعني: إن أراد أن يضحكه يضحكه، أو أراد أن يبكيه أبكاه، دائماً يساعده على الشرب وعلى الفكاهة، يسمى نديم.

    وبينما هذا الملك جالس على صخرة فوق قمة جبل، وإذا بالنديم وهو يشرب مع الملك ينظر إلى صخرة منحدرة بيضاء ملساء، فقال للملك: لو ذبح رجل فوق الصخرة لسال دمه إلى قاع الوادي، انظر الكلمة، الملك سكران، فنظر إلى النديم، فقال للسياف: اذبحه على الصخرة لأرى دمه يصل أو لا يصل، فالسياف ما يعاند الملك، سواء كان بعقله أو أغلق، أخذ الرجل وشدخه، نام الملك وأصبح الصباح يسأل عن النديم ما يراه، أين النديم؟ قالوا: ذبحناه، قال: ويحكم، كيف ذبحتموه؟ قالوا: أنت الذي أمرت بذلك.

    ما السبب؟ نظر إلى الصخرة فقال: لو ذبح رجل فوق الصخرة لسال دمه إلى قاع الوادي، فقلت: اذبحوه، فذبحناه، فقال الملك: (رب كلمة قالت لصاحبها: دعني) فصار مثلاً، فهذا مثل عربي، ولكن لما قالها كانت سبباً في هلاكه.

    هذه القصة يقول الشاعر:

    رب لفظ جر آجا     ل نيام وقيام

    ألبس الناس على الصحة      منهم والسقام

    إنما العاقل من      ألجم فاه بلجام     

    شبت يا هذا وما      تترك أحلام الغلام

    أنت شبت وما زال تفكيرك تفكير صبي، عيب، استح على وجهك، هكذا يقول الشاعر.

    والمنايا آكلات      شاربات للأنام

    المنايا تتخطف الناس، كل يوم نسمع: انتقل إلى رحمة الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون! الساعة التاسعة.. وكثير من الناس لا يعتبر.

    والمنايا آكلات     شاربات للأنام

    الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل: صدوق اللسان نعرفه يا رسول الله! فما مخموم القلب؟ هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد) رواه ابن ماجة.

    من صفات مخموم القلب ملازمة التقوى

    التقي: من التقوى، دائماً يتقي الله سبحانه وتعالى في كل أمر، يؤمن بالتنزيل ويوقر الجليل، ويستعد ليوم الرحيل.

    الصفة الثانية: النقي، وهذا غير التقي، النقي: سمعته نظيفة في الماضي وفي الحاضر، كالثوب الذي تغسله بالصابون فيكون أكثر بياضاً، فيقال: إن ثوبك نقي، لهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ونقني من ذنوبي وخطاياي كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) تنظيف نبوي، نسأل الله أن ينظفنا من ذنوبنا وخطايانا.

    الشاهد: الصفة الثانية: قال: نقي، والنقي عنده حساسية اجتناب مواطن الشبهات يا أحبابي في الله! والله يا أحباب ما رأيت مثل الوقوع في الفتنة، ما رأيت مثل الاقتراب منها يسبب اقترافها، والنقي لا يقترب من الفتنة يا أحبابي في الله، هل أنت تجرب نفسك وتجرب إيمانك، أم تجرب ربك سبحانه وتعالى، تقول: اجعلني أنظر، دعني أقعد مع الذين يزنون وأنظر هل إيماني قوي أو ليس بقوي، يثبتني أو ما يثبتني؟ دعني أذهب أجلس مع الذين يشربون الخمر، أنظر هل يثبتني الله أو لا يثبتني؟

    لا يا أخي ابتعد عن الفتنة، لا تقربها، إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن هذه الحقيقة حديثاً خطيراً: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) هذه الأمور المشتبهات هي التي تورط الإنسان، يقول لك: يا ابن الحلال! أنت في هذا الوقت لا تفعل شيئاً، تعال واقعد.. تعال واسمع.. تعال كذا.. وهذه أول خطوة من خطوات الشيطان ولا حول ولا قوة إلا بالله! وكم من إنسان ذهب يجرب ووقع أكثر من الواقعين، نسأل الله العافية، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) يبتعد عن مواطن الشبهات، ويضرب عليه الصلاة والسلام مثلاً، فالعرب تعرف المثل. يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن لكل ملك حمى) الملوك في الجاهلية كان من ظلمهم وطغيانهم يحمون الأرض حق إبلهم وأغنامهم، يقول لك: من جبل عسفان إلى وادي العقيق، هذه كلها محمية للملك فلان، يا ويل من يأتي بأبقاره أو أغنامه إليها، انظر الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) حمى الله مثل الأرض التي فيها زرع، وليس حدود الدول العربية لكل زعيم حمى، فهو حامي الحدود، فتجده يحارب جيرانه يميناً وشمالاً والعياذ بالله، أو أنه يضرب الدعاة المسلمين الصالحين في تلك الديار، كل المسلمين أصحاب العقول المستنيرة في أمريكا أو في لندن أو في فرنسا فارون من جور العروبة، الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: (وحمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه) لأن الراعي المسكين، ينظر إلى الحمى المحمي فيه عشب كثير، فيدنو.. ويدنو.. ويدنو.. والغنم لا تفكر، بل تدخل وتدخل حتى يفاجأ بالملك وجنوده قد ألقوا القبض عليه. كذلك العبد يدني العبد.. ويدنيه إلى أن يقع والعياذ بالله في المعصية، فإذا وقع في الحرام ما ينتبه إلا عندما يقبضه الله وهو في الحرام، فيلقى الله بالوجه العاصي، نسأل الله العفو والعافية.

    لهذا من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه، فهذا الشاهد من الحديث للكلمة التي قلتها: أن الاقتراب من الفتنة -يا أحبابي في الله- هو أكبر أسباب الوقوع فيها، لهذا لا تمش في التجمعات إذا انتشرت فيها النساء، بل اذهب في وقت لا يوجد فيها نساء كثيرات، ولا تخرج هذه الأيام أو في رمضان أو قبل العيد أو بعد العيد، أو تدخل في المجمعات، بل حاول أن تبتعد عن هذه المواطن لأنها فتن تقسي القلب، وتقول: الله أكبر! الكويت بهذا الشكل؟! وانظر ما يقع من اختلاط الشباب بالشابات، ومغازلة، وتدخل المرأة على صاحب المحل فيحدث قهقهة وسوالف وتأخذ الهاتف، وهي كذابة ما تتصل وإنما رافعة الهاتف وما تضرب أرقام وتكلم صاحب المحل من أجل أن الذين في الخارج يظنون أنها تتصل وليس كذلك، كيف حالك؟ أريد عيونك، وكيف أظافرك وشعرك طويل؟ وكل مرة الذي ينظر يقول: المسكينة تتصل وهذه فاتحة خطوط.

    لهذا أحبابي في الله! لا يوجد مثل الابتعاد عن مواطن الفتن، هي التي تجعلك نقي القلب، وإلا فالإدمان والنظر إلى المعصية يجعلك تستهين بها فتستهين بالله رب العالمين، فتجعل الله أهون الناظرين عليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! رحم الله ابن القيم حيث يقول: لا تنظرن إلى صغر ذنبك , ولكن انظر إلى عظمة من تعصيه، الله رب العالمين!

    من صفات مخموم القلب عدم ارتكاب الإثم

    (كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه) هذه الثالثة، قلب نظيف لا إثم، وإذا حل الإثم غسله بالاستغفار مباشرة، ومن رحمة الله: أن الملك الذي يكتب السيئة يأمره الملك الذي يكتب الحسنة: (إذا فعل العبد معصية، أمسك ملك الحسنات ملك المعاصي وقال: أمهله.. أنظره ست ساعات، لعله يتوب .. لعله يستغفر) هذا حديث صحيح، رواه السيوطي في الجامع الصغير ، ست ساعات وهو رافع القلم وواقف عليه، يا رجل! سبح.. كبر.. هلل.. استغفر.. تب. فإذا تاب واستغفر كتب الملك له تسع حسنات، وأخذ العاشرة ومسح بها السيئة، قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]

    ذكرى للذاكرين وليس للغافلين -يا أحبابي في الله- أليس الله هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين؟!

    لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يتعجب من القلب يكون فيه إثم مع وجود الاستغفار والكفارات لهذا يقول: (لا إثم فيه).

    من صفات مخموم القلب ترك الجور والظلم

    ثم جاءت الصفة الرابعة للقلب المخموم، قال: (ولا بغي) والبغي: هو الظلم والجور؛ الظلم في المعاملة، الظلم في الكلام، الظلم للزوجة، الظلم للأولاد الذي يفرق بين عيال فلانة وفلانة من حريمه، الظلم في العمل كأن يكون مديراً ومسئولاً، متسلطاً على الموظفين، يؤذيهم، هو لا يداوم إلا إلى الساعة التاسعة، ويجعل لهم التوقيع من الساعة السابعة، ولا يعطيهم الدرجات، ولا يعطي إلا زملاءه، وهذا المخلص الصادق لا يجد إلا القهر والذل والاستعباد، هذا ظلم، وهذا بغي ما بعده ظلم، نسأل الله العافية، فلهذا صور الظلم كثيرة، ولو أننا تفكرنا فيها وتدبرنا لما وقع، لهذا يقول: (ولا بغي).

    من صفات مخموم القلب ترك الغل والحقد

    والصفة الخامسة قال: (ولا غل) الغل: هو الحقد، لكن ما قال: الحقد، والغل في اللغة العربية: سلسلة، السلسلة هل توضع في الرجل؟

    لا. الذي في الرجل اسمه قيد.

    هل هي التي في اليد؟

    ليست في اليد فقط.

    أين توضع؟

    في اليد والرقبة، هكذا، هذا اسمه ظلم، لهذا يقول: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33] فلا يكون غلاً إلا إذا وضع في الرقبة، فكأن الحقود خانق نفسه بالحقد، لهذا ترى صدره ضيقاً؛ لأنه حقود، فلهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يسميه غلاً، فإذا خلا قلبه من الغل انشرح خاطره واستأنس وأحب الناس، وأصبح ينظر إلى الحياة بمنظار آخر أخضر جميل لطيف، وليس أسود حقود، نسأل الله العافية.

    من صفات مخموم القلب ترك الحسد

    الصفة السادسة: (ولا حسد) والحسد ما هو؟

    الحسد نوعان: حسد ممدوح، وحسد مذموم:

    الممدوح اسمه: حسد الغبطة، وهو: أن ترى أخاك في نعمة، فتتمنى أن يعطيك الله مثلها ويديمها على أخيك، لهذا: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يحكم بها) أو في حديث آخر: (القرآن يقوم به الليل).

    أما الحسد المذموم، فهو: أن تتمنى زوال نعمة أخيك المسلم، وهذا والعياذ بالله مهلكة.

    اصبر على كيد الحسود      فإن صبرك قاتله

    والنار تأكل نفسها      إن لم تجد من تأكله

    فالحسود يأكل نفسه بنفسه، لذلك دائماً تلقاه مهموماً، ضائقاً حزيناً، مريضاً، كلما رأى رجلاً راكباً سيارة جديده احترق، كلما رأى رجلاً يبني بيته مات، كلما رأى رجلاً يربح في تجارة هلك، كلما رأى رجلاً يزوج عياله غشي عليه، حياته كلها -والعياذ بالله- هم وغم، لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم جعل هذه الصفة الأخيرة لأهميتها؛ لأن جمال الحياة وسعادتها أنك تكون غير حسود؛ لأن الحسود واقع حاله يقول: يا رب! أنا معترض عليك، هذا وإن لم يقل بلسانه فواقع حاله: أنا يا رب! معترض عليك، لماذا تعطيه ولا تعطيني؟ هذا معنى الحسد، فهو عبد حقير يعترض على المعبود في تقسيم أرزاقه على العباد، لا حول ولا قوة إلا بالله!

    إن كان هذا حقك فطالب فيه، لكن هذا هو حق الله، يعطيه من يشاء، ويمنعه من يشاء، ويرزق من يشاء، تطالب وتحسد على شيء ليس حقك، يا لها من نفس كنود حقود مظلمة! نسأل الله أن يكفينا شر البغي وشر الظلم وشر الحسد، وشر الغل وشر الحقد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يعطينا صورة لصاحب القلب المخموم، متمثلة بدعاء قرآني إيماني لطيف يجب أن يردده كل مسلم حتى يتربى عليه، فهذا التوحيد الذي نحن فيه، وهذا الإيمان وهذا العلم، وهذه الصلوات التي نحن فيها، كان للعلماء الذين قبلنا فضل، الشيخ الفاسي رحمة الله عليه وغيره من العلماء الذين ماتوا من المجددين لهذا الدين، وأئمة المذاهب رحمة الله عليهم والسلف الصالح رحمة الله عليهم، والتابعين وأتباع التابعين والصحابة والرسل والأنبياء، كل هؤلاء لهم الفضل علينا لا ننكر فضلهم، ولكن بعض الناس لا يذكر هذا الفضل ولا يخطر بباله، فالله سبحانه وتعالى يذكرنا في القرآن فيعطينا هذا الدعاء ويمدح هذا الصنف: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10] وهذه الآية تنطبق على كل الناس، لأن كل الناس إما قبل وإما بعد، فالله أعلم إما بعد وإما قبل، وهكذا، فأصبح هذا الدعاء لا يستغني عنه واحد: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10] انظروا كلمة (غلاً) التي ذكرتها أنا، التي هي منبع الحسد ومنبع الحقد.

    رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] ويمدحون الله بصفة الرأفة والرحمة كأنهم يقولون: يا رب! أنت مصدر الرأفة فأعطنا رأفة على الناس، وأنت مصدر الرحمة فارزقنا رحمة حتى نرحم الناس فلا نحقد، فإذا دفعت لنا الرحمة وأنت الرحيم، ودفعت لنا الرأفة وأنت الرءوف، أصبحنا نحب المسلمين والمؤمنين كلهم، وإذا منعت منا الرحمة وأنت الرحيم، والرأفة وأنت الرءوف أصبحنا نكره الناس ولا ندعو بهذا الدعاء، فالله يعلمنا ماذا نقول، ويعلمنا كيف نمدحه، وكيف يستنزل منه الرحمة، وكيف يستنزل من الرأفة بهذا الدعاء رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    وهناك مدخل -يا إخواني- للشيطان! وهذا من باب توضيح الحق، ونقد الخطأ، من باب تصحيح مفاهيم الناس، قد يتورط الإنسان في مثل هذا الغل وينضبط فيه، ويأتي يوم القيامة وهو مربوط وهو لا يدري ولا حول ولا قوة إلا بالله! فليكن شعارنا لأئمتنا وعلمائنا ودعاتنا ومن علمنا فيه الخير هو هذا الدعاء، والإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه إمام أهل الحديث، يقول: إني لأدعو كل ليلة لمن علمني علماً يقربني إلى الله، ومنهم الإمام الشافعي، أخصه بالدعاء؛ لأن الشافعي شيخ الإمام أحمد رحمة الله عليهما وعلى أئمة المسلمين، فانظروا كيف القلوب الرحيمة!

    1.   

    أهمية إصلاح ذات البين

    أحبابي في الله! أختم هذا الدرس وله بقية وبقيته أخطر مما فات، أختم بهذا الحديث أبين فيه للناس نوعاً من العبادة مفقوداً، وأول من يفقده مع الأسف الشديد من يتنطع في الشعائر التعبدية، والمراد الذي يتنطع ليس الذي يقيم الشعائر، هناك فرق، هناك دعاة صالحون مخلصون طيبون يقيمون الشعائر التعبدية، لكن هناك من يتنطع بالشعائر التعبدية، كيف يتنطع؟ ما معنى هذه الكلمة؟ يعني: يهتم بمظهر من مظاهر الصلاة، ثم يسمع أن مشكلة بين أخوين ولا يأتي ليصلح بينهم يقال: تعال لتصلح بيننا؛ رجل مع زوجته لا يصلح بينهم، قريب مع قريبه لا يصلح بينهم، جار مع جاره، ما خطر في باله أنه يصلح بين اثنين، قد تمضي عشر سنوات ما ظهرت منه مبادرة في أن يصلح بين اثنين، لكنه يقوم الليل، ويصف نفسه بالعدل، ولعل أمه وأباه مختلفان ولم يخطر بباله أن يصلح بينهما، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! الرسول صلى الله عليه وسلم ينبه المتعبدين إلى هذه العبادة، هذا الحديث أيضاً صحيح يرويه السيوطي ، يقول: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام -يعني النوافل- والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) فساد ذات البين تحلق الدين، فيصبح الناس متعادين، فلا يكون للصلاة طعم ولا للصيام طعم ولا للصدقة طعم، كيف يتصدقون وقلوبهم متعادية؟!

    كيف يجتمعون لصلاة الجماعة وهم متعادون؟!

    كيف يصومون ويفطرون جميعاً وهم متنافرون؟!

    لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بهذه العبادة: إصلاح ذات البين، لهذا أنا دائماً وأبداً في دروسي والخطب والمحاضرات أقول: أيها المسلمون! أيها الدعاة! أنظر في كل درس من دروسي أجد وجوهاً من عدة جماعات إسلامية موجودة، ما شاء الله .. تبارك الله، وأفرح فرحة عظيمة وأقول: هذه بادرة خير من هؤلاء، والله إني لأدعو لمن أراه من الجماعات الإسلامية يأتي لدرسي، ويحضر محاضرتي، أخصهم بالدعاء بالليل؛ لأنه يقوم بعبادة إصلاح ذات البين؛ لأني أراه وهو يراني ويرى أخاه هذا ويراه أخوه هذا فتلتقي القلوب.

    تعالوا نلتقي في محبة الله، في إخوة الله، نقدم انتخابات الجامعة، لكن ما نقدمها على الأخوة والمحبة في الله، انتخابات جمعيات النقابات العامة، نقدم النقابيات هذه لكن ليس على حساب الأخوة، ويظل مقام الأخوة في قلبي صافياً، أحبك وأحب أباك وأحب أخاك وأحب المصلين في المسجد، أشيعوا، والله إن الحياة المنبثقة من هذه الصورة أسعد حياة وأجمل حياة، وأتعس حياة هي حياة المجادلين الحاقدين الحاسدين.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل قلوبنا سليمة مخمومة من الغل والحسد والحقد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اجعلنا مبشرين وميسرين، ولا تجعلنا معسرين ومنفرين، أنت ولي ذلك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.