إسلام ويب

حوريات الجنةللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنعم الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين في الجنة بنعم كثيرة، ومن تلك النعم: الحور العين، وقد جاء في السنة الغراء بيان يصف الحورية في الجنة وحالها مع زوجها من أهل الدنيا، مع ذكر وصف عام للجنة وما فيها من أنهار وأشجار، وما يأكله ويشربه أهل الجنة. مواضيع متنوعة تناولها الشيخ في محاضرته.

    1.   

    من صفات حور الجنة

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    اللهم إنا نسألك حسن الاعتقاد، وإخلاص العمل، وصلاح النية، ونور اليقين، وبرد الرضا، وحلاوة الإيمان، وبر الصدق، وإجابة الدعاء، وبركة الدعوة يا رب العالمين، اللهم حرم وجوهنا والحاضرين ووالدينا ووالديهم والمسلمين عن النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار الأخيار.

    اللهم إنا نسألك لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قائداً ربانياً، أسألك اللهم أن تنصر إخواننا المجاهدين في سبيل الله، وأن تثبت إخواننا الغرباء القابضين على الدين كالقابضين على الجمر، وأسألك اللهم أن تكرم إخواننا الشهداء، وأن تجعل أرواحهم في عليين، وأن تلحقنا معهم بعد طول عمر وحسن عمل مقبلين غير مدبرين في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. وأسألك اللهم أن تفرج عن إخواننا الدعاة المسجونين في سجون الطغاة، اللهم احفظ دينهم، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، واكشف غمومهم، وادفع همومهم، وأذقهم حلاوة الصبر والإيمان، اللهم آنسهم بذكرك، اللهم أنزل عليهم السكينة والطمأنينة، ورضهم بقضائك، وبارك لهم في قدرك، وخفف وطأة الطواغيت عليهم، آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور.

    أحبتي في الله: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في ظل عرشه، ومستقر رحمته، وألا يحرمنا بركة دعائكم الصادق الخالص لوجه الله الكريم.

    اطلاع حورية على أهل الأرض

    أحبتي: ننتقل من القرآن العظيم في وصف جنات النعيم إلى حديث الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم بالفم الطهور عما رآه بأم عينه في جنات النعيم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أراه الله الجنة في الدنيا قبل الممات، حتى إذا دعا لها دعا عن عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين صلى الله عليه وسلم، فهو رآها، وشم ريحها، ودخلها، ورأى قصورها وحورها ومنازل بعض أصحابه، ورأى الملائكة، ورأى رضوان ومالك وجبريل، ورأى كثيراً من الحقائق الغيبية التي أصبحت عند محمد صلى الله عليه وسلم شهادة، فهو يدعو عن شهادة كما يدعو عن غيب صلى الله عليه وسلم.

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً، ولأضاءت ما بينهما، ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).

    أحبتي في الله: هذا الحديث -وهذه الأحاديث ليس فيها حديث ضعيف والحمد لله- يتكلم عن نساء الجنة، يقول: (لو اطلعت امرأة من نساء الجنة) سواء كانت من الحور، وهن الزوجات اللاتي خلقهن الله الآن في الجنة ينتظرن المؤمنين، أو كانت المسلمة المؤمنة التي ماتت في الدنيا على الإيمان والإسلام يلحقها الله بزوجها أو يلحق زوجها بها إلى الدرجة العليا لأحدهما، ثم بعد ذلك يضاعف جمالها على الحور سبعين ضعفاً.

    يقول الحبيب المحبوب: (لو اطلعت) لو: تفتح عمل الشيطان إلا في الجنة فإنها ترضي الرحمن .. إلا عن الحديث في الجنة فإنها تفتح الخير؛ لذا نهانا الإسلام إذا فاتنا شيء أن نقول: لو فعلنا كذا وكذا لكان كذا وكذا، وإنما نقول: قدر الله وما شاء فعل، هذا من عقيدة الإسلام والإيمان بالقضاء والقدر.

    الشاهد: الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يقول: (لو اطلعت امرأة من الجنة) اطلعت، أي: أطلت برأسها ما بين السماء والأرض، أي: أخرجت رأسها من الجنة أو من باب من أبواب الجنة، يقول: تملأ ما بين السماوات السبع والأراضين السبع عطراً وطيباً وريحاً.

    وهذه واحدة فكيف لو أطلت أخرى بجوارها؟! إذاً لامتلأ الكون منهما! فكيف لو أطلت ثالثة أو رابعة أو عاشرة؟! فلهذا أعد الله من الطيب والفضل لأهل الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    أحدنا يتعجب إذا جاءته هدية من المسك أو الطيب في قارورة بلورية .. يفرح كثيراً إذا شم رائحتها ورأى منظرها ويجد لقلبه بهجةً وانشراحاً تطيب له نفسه، وكما يقول الشاعر عن محبوبته:

    ما مسك الطيـب إلا     أهديت للطيب طيباً

    فنساء الجنة هن اللواتي إذا مسهن الطيب يهدين للطيب طيباً.

    الإنسان في الدنيا إذا مس الطيب يطيب، أما في الجنة إذا مس الزوج زوجته تطيب بها؛ فهي طيب ومسك وريح عطرة تعصف، لو أطلت لملأت ما بين السماوات والأرض طيباً.

    ثم يقول صلوات الله وسلامه عليه: (ولأضاءت ما بينهما) أي: ما بين السماوات والأرض، وبماذا أضاءت؟ (وبنور وجهها) وفي رواية: (لو أطلت بسوارها لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم في وضح النهار) أما وجهها ففيه من النور ما يضيء الظلمات.

    وأنت عندما تقرأ هذا الحديث تتعجب من العلم العظيم الذي أعطاه الله لمحمداً صلى الله عليه وسلم، أنتم تعلمون أن هذا النور النهاري الذي ترونه في النهار في حقيقته: أن أشعة الشمس تنحدر فتمر بأجواء مظلمة خالية من السديم أو الغبار، فإذا دخلت هذه الأشعة في نطاق الكرة الأرضية المملوء بذرات عاكسة؛ تحولت هذه الأشعة إلى نور النهار، فأصبحت الكرة الأرضية يحيط بنصفها نور، ويحيط بنصفها الثاني ظلام، وما وراء هذا النور ظلام ممتد إلى أجواء الفضاء، ولا يراه إلا من كان على مركبة فضائية أو عبر الأقمار الصناعية، فإنهم عندما يخرجون من حيز الكرة الأرضية يدخلون في ظلام دامس لا يرون أوله ولا آخره، فلا تظن أن نور النهار الذي أنت فيه يعم السماوات كلها، لا. إنما السماوات ينورها نور آخر. فهناك مجرات وهناك نجوم. وهناك كواكب يسميها الله مصابيح .. كلٌّ ينير حسبما أراد الله سبحانه وتعالى، ولكن بين السماء الدنيا وبين الأرض ظلمات بعضها فوق بعض، فما بالك بالسماء الثانية إلى السماء السابعة .. فهذه السماوات التي لو أطلت بها حورية لملأت ذلك الظلام نوراً بوجهها المنير.

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (ولتاجها) معنى هذا: أن على رأسها تاج، ملكة من ملكات الجنة، في الدنيا لا يلبس التيجان إلا الملوك وزوجات الملوك، أما في الجنة فكل الحور على رءوسهن تيجان، فعباد الأرض الفقراء هم ملوك الجنة والآخرة، وملوك الدنيا المتجبرون هم الأذلاء كهيئة الذر تحت أقدام العباد، يخرج عنق من النار يتخطفهم .. فالجزاء من جنس العمل، فمن سجد برأسه لله؛ يضع الله على رأسه وعلى رأس زوجته التاج، من شمخ متكبراً؛ يذله الله في الدنيا والآخرة، فتاج الحورية يقول عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).

    غناء الحور في الجنة

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أزواج الجنة ليغنين لأزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط).

    إذاً: في الجنة غناء، ومن يغني ليست الفرقة الفلانية والفرقة العلانية نسأل الله ألا يجمعنا معهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإنما اللواتي يغنين هن الحور وزوجات المؤمنين.

    أنت في الدنيا لديك زوجة يغلب عليها الحياء، في بعض الساعات تشتهي منها أن تغني لك أو تدللك بكلمة فتأبى.

    فتقول لها: لابد حتى يكون بيني وبينك مودة ورحمة، لماذا تجعليني أسمع الغناء في الخارج، دعيني أسمع بيني وبينك، صوتك عليّ ليس عورة، أنت زوجتي؟!

    فتقول: أنا لا أعرف هذا الشيء.

    هذا لا يخالف، اصبر عليها، وتذكر صلاتها وصيامها وقيامها، وتذكر إن جعلها الله من أهل الجنة؛ سيكون جمالها سبعين ضعفاً، وتغني لك هناك في الجنة إن شاء الله، إذا لم تغني لك في الدنيا؛ غنت لك في الجنة، فاصبر فما هي إلا لحظات.

    وما هو غناؤهن؟

    اسمع. يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن معاني الغناء، أما اللحن وأما الصوت والأداء والإخراج الشعر فلا يعلمه إلا الله، يقول صلى الله عليه وسلم: (مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان، نحن الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا نضعنه) أي: لا نرتحل ونحن عندكم، أينما تكونوا .. سواء في القصور أو الدور أو على الأسرة في الرياض، عند الأنهار، على الأرائك والأسرة، تجدوننا بجواركم في أي مكان تريدون. ولا نضعنه أي: لا نسافر ولا نرتحل، وأكثر ما يعاني المؤمن في أسفاره هو بعده عن زوجته.

    إخواننا من الوافدين تجد معاشه (150 أو 200) ريال ولا يسمحون له أن يأتي بزوجته، وقد يكون إمام مسجد أو مؤذن أو فراش أو نحوه، وهو صالح تقي لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا ينظر إلى فلانة ولا علانة، عفيف خفي تقي نقي، ومع هذا يضيقون عليه حتى لا يأتي بأهله، ويظل هذا المسكين في صراع بين ما أودع الله فيه من الفطرة والغريزة، وبين ما يراه من مغريات الدنيا.. ويظل يتعذب عذاباً مريراً، أتمنى أن يعذب به من شرع هذه القوانين حتى يذوق ما يذوقه الآخرين، قولوا آمين. ويحدون بالصالح إلى أن يفعل الفجور والفاحشة، ويا ويله لو سقط سقطة لتتسلطن عليه أقلام وصحف وإشاعات وإذاعات لا تعينه على الطاعات، وإنما تعين الشيطان عليه.

    ينظر وجهه في خدها

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة) الله أكبر! يتكأ فقط على جنبه على أريكة سبعين سنة، هل تستطيع أنت أن تتكئ ساعة؟ لا تستطيع، يتعب جنبك، وتتحول إلى الجنب الثاني وتمد رجلك ثم تضمها، ثم تنام ولا تستطيع، أما جو الجنة الناعم المنعم الهادئ الوارف فإن الإنسان فيه يتكئ على أريكته سبعين عاماً لا يمل ولا يكل ولا يتحول ولا يتعب، ومعنى هذا: أنه في نعيم متجدد متلون، وأن هذا الاتكاء ليس عن تعب كما هو اتكاء في الدنيا، إنما هو اتكاء لذة وأنس، فما يدريك بمن يطوف حوله، ويخدمه، ويسقيه، ويؤكله، ويعطره، ويهدي له، ويسلم عليه، ويمر عليه، ويزوره، سبعين سنة وهو متكئ وفرحان ومستأنس.

    (إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأته فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة)الله أكبر! اصبر يا أخي المسلم! إذا رزقك الله زوجة قليلة الحسن والجمال، إنما الجمال جمال الدين، ونور اليقين العفيفة الشريفة الصابرة المحتسبة، اصبر.. اصبر ما هي إلا لحظات إن شاء الله فإذا ما مت أنت وإياها على التوحيد، ترى وجهك يدور في وجهها كما يدور في المرآة الصافية.

    كان أبو ذر رضي الله عنه قد تزوج امرأة سوداء نحيفة قبيحة فقالوا له: يا أبا ذر ! ألا أخذتها حسناء جميلة؟ قال: [ لو تعلمون ما أعلم لما قلتم هذا، إنها تعينني على ديني، تقوم الليل وتصوم النهار ] انظر.. انظر أين قلوبهم متعلقة! الواحد منا له ستون شرطاً إذا أراد أن يتزوج! شعرها وطولها وعرضها ولونها وجمالها .. أين يا أخي؟ اذهب إذن إلى أوروبا وأمريكا في بيوت الأزياء حتى تنظر إلى هذه المناظر القبيحة أعزنا الله منها ورفعنا عنها.

    أخي! إذا كانت المرأة صالحة ومقبولة وتقية ونقية فاحمد الله، وتذكر من لا زوجة له، فوالله لقد رأيت إخواناً لنا وهم يجاهدون في أفغانستان: شباب يتفجرون قوة وحيوية، أقول لهم: أليس عندكم زوجات؟ يقولون: هه! لقد ذكرتنا شيئاً نسيناه منذ زمن، فنقول: كيف؟ يقولون: والله ما نتذكر في هذه الخنادق إلا الحور العين. انظروا كيف! نعم. الإنسان كلما اقترب من الجهاد كلما اقترب من الجنة، الجنة تحت ظلال السيوف، لما اقترب لقاء جعفر بن أبي طالب بجيش الروم في مؤتة قال:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبةٌ وباردٌ شرابها

    والروم رومٌ قد دنا عذابها     عليّ إن لاقيتها ضرابها

    أنس بن النضر في أحد يقول: [ إني لأجد ريح الجنة دون أحد ]. وحرام بن ملحان لما صكه الفارس على رأسه بالرمح وفار الدم من رأسه تلقى الدم ومسح به وجه وقال: [ فزت بها ورب الكعبة ].

    فالحبيب المحبوب قال: (إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأته فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تُضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه) اللؤلؤة الواحدة تضيء ما بين المشرق والمغرب، وتسلم عليه بعبارة رشيقة أنيقة حلوة جميلة! يقول: (فيرد السلام ويسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد) والمزيد نعيمان: أعلاه النظر إلى وجه الله رب العالمين، ثم نعيم من نعيم الجنة أعده الله يفاجئ الله به المؤمنين منها هذه المفاجأة: جالس على أريكة له سبعين سنة مستأنس فرحان، ثم تمر هذه الحورية عليها اللؤلؤة تضيء وتشرق؛ فيعتدل في الجلسة، وينظر إلى وجهها فيرى صورة وجهه في خدها، فتقول: السلام عليكم، يقول: وعليكم السلام، من أنت؟ ماذا تريدين؟! فتقول: أنا من المزيد.

    أثواب حور الجنة وتيجانهن

    يقول: (وإنه ليكون عليها سبعون ثوباً أدناه مثل النعمان من طوبى، فينفذها حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان ما إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب) هذا الحديث يتحدث عن أمور مهولة، منها: أنه يكون على هذه الحورية سبعون ثوباً من الحرير الرقيق الناعم -هذه أول واحدة- وكل ثوب له لون. ما الحكمة؟ ما الوضع الجمالي بأنها تلبس سبعين ثوباً من الحرير الرقيق وتأتيه؟ الحديث يفسر هذا، يقول: (عليها سبعون ثوباً أدناه) أي: أدنى أنواع هذا الثوب من حرير يسمى شقائق النعمان، والنعمان هذا: نوع من أنواع الحرير ناعم أحمر، وهناك ورد تسمى شقائق النعمان لونها أحمر قرمزي جميل، فلون هذا الحرير بهذا اللون وهو أدناه، يعني: إما أسفل أنواع هذه الفساتين أي أن الفستان الملاصق لجسدها لونه أحمر ثم تتعدد بعد ذلك الألوان، ما الحكمة؟ ما الوضع الجمالي؟ اسمع، يقول: (فينفذها) (الهاء) تعود إلى الفساتين السبعين، ينفذها بالبصر، أي أن الله يعطي المؤمن بصراً يتحكم فيه، تلبس سبعين لوناً إذا أراد اللون الأحمر لا يقول لها: اذهبي غيري، لا. هو بنفسه يخطر في باله اللون رقم واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة مرة يراها تلبس أحمر، ومرة يراها تلبس أصفر ومرة تلبس أزرق، ومرة تلبس أبيض.

    سبحان الله! كل لون يضيف إلى هذه الحورية والزوجة جمالاً غير الجمال إلى أن يصل إلى أدناها وهو شقائق النعمان الأحمر، ثم وراء ذلك يقول الحديث: (ولو أراد أن يرى مخ ساقها لرآه).

    الله أكبر! إذاً نعيم الجنة فوق الخيال وفوق التصور! وهذه الفساتين من أين جاءت بها هذه الحورية؟ اسمع، لتسمع الأخوات اللاتي تتعلق قلوبهن في بيوت الأزياء، هل عرفت يا أبا محمد؟ وصل فستان جديد من إيطاليا، من فرنسا، من أسبانيا، هيا يا أبا محمد ادفع الراتب كله لكي تشتري الفستان.

    يقول: اتقي الله، علينا إيجار ولنا أطفال.

    قالت: لا، لا، لا تكون فلانة أحسن مني؟! اصبري على ما أنت عليه.

    وبيت الأزياء هنا يذكره الحديث: جنة كاملة اسمها طوبى، هذا التفسير الأول، والتفسير الذي أرجحه أنها شجرة اسمها طوبى مخصصة لصناعة فساتين نساء الجنة، لأن هناك أحاديث أخرى تفسر، فتقول: إن ثياب أهل الجنة تخرج من أكمام الأشجار، أي أن الشجرة تكون فيها وردة ثم تتحول الوردة إلى ثمرة حمراء ثم إذا أردت أنت ثوباً تنفتق الثمرة الحمراء وينـزل منها ثوب يصير لك، إن أردت أن تلبسه فلا بأس، وإذا أردت أن ترميه أنت حر، مدلى في هذه الشجرة كالزينة على شكل وردة، وهذا مذكور في الأحاديث.

    إذاً: الحديث يقول: (سبعون ثوباً أدناها مثل النعمان من طوبى) وطوبى فسرتها الأحاديث الأخرى أنها اسم لجنة واسم لشجرة في الجنة، فهذه الشجرة هي معرض فساتين نساء الجنة، فإذا أرادت الحورية أن تلبس سبعين ثوباً ما عليها إلا أن تذهب إلى هذه الشجرة المباركة وتختار سبعين لوناً وتلبسهم وتأتي إلى هذا الزوج، والزوج جالس على أريكة مرة يراها لابسة أحمر، ومرة أصفر، ومرة أخضر، ومرة أبيض، وإذا أراد أن يرى مخ ساقها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فيراه كالشراب الأحمر في القارورة البيضاء).

    قال: (وإن عليها من التيجان) هذا الحديث يتكلم عن تيجان وليس تاجاً واحداً، إذاً هناك تيجان بعضها فوق بعض جمال وأناقة إلهية خاصة.

    1.   

    من نعيم أهل الجنة في جنتهم

    قال: (قيل: يا رسول الله! أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟) ونفضي أي: نأتيهم كما يأتي الرجل امرأته، فقال صلى الله عليه وسلم: (إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء) في اليوم مائة عذراء! هنيئاً للشباب الذين يعصمون أنفسهم من الوقوع في الزنا والفاحشة ويعالجونها بالصيام أو بالزواج المبكر.

    خيمة المؤمن في الجنة

    يقول صلى الله عليه وسلم: (إن للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، طولها ستون ميلاً، للعبد المؤمن فيها أهلون لا يرى بعضهم بعضاً) هذا ليس كل ما له بل بعض ما له، الحديث يعدد أنواع النعم منها: خيمة، هذه الخيمة كلها مصنوعة من لؤلؤة، هذه اللؤلؤة مجوفة، من الخارج لؤلؤة ناعمة بيضاء ارتفاعها في الفضاء ستون ميلاً ، وفيها مرافق كثيرة من الداخل، ففيها زوجات لا يرى بعضهم بعضاً، أي أن التي في الزاوية الشمال لا ترى التي في الزاوية الجنوب، وإنما يستمتع عند هذه مرة وعند تلك مرة.

    ولا تظن أن هذه الخيمة مضروبة في أماكن تفوح منها الروائح العفنة، أو في شارع محمد بن القاسم رضي الله عنه -من كبار الفاتحين- فاسمه على شارع تفوح منه العفونة أربع سنوات، والآن الناس سكارى وما هم بسكارى.

    وإنما توضع هذه الخيمة اللؤلؤية ذات الزوجات الحسناوات على روضة من رياض الجنة الخضراء تتفجر فيها أنهار خمسة: الكوثر والخمر والعسل واللبن والماء.

    دفاع الحورية عن زوجها وهو في الدنيا

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذي امرأة زوجها) لتسمع النساء اللواتي يؤذين الزوج، تتسلط عليه خاصة إذا كانت شخصيتها قوية وهو مسكين فقير هين لين سمح تستغل طيبته وتمسح به الأرض، لا يجوز، الزوج الصالح نعمة لا تقدر بثمن، نعمة على رءوس الزوجات لا تعرف قيمتها إلا من تزوجت سكيراً عربيداً.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا) الله! تدافع عنه وهي في الجنة، ثم تدعو على زوجة الدنيا إذا صارت مؤذية، ودعوة الحورية التي ما عصت ربها ولا مرة دعوة مجابة، وعندما تدعو الحورية على الزوجة المؤذية فتقول: قاتلك الله. فالويل لمن قاتلها الله، فعلى كل امرأة تؤذي زوجها بدون مبرر وبدون وجه حق؛ فعليها أن ترتدع، أي أنه إذا جاء الزوج لا تكن له مفتاح شكاوي: الأولاد فعلوا والجيران فعلوا والخدم قالوا، وهو قد أتى متعباً منهكاً، لا يجوز، بل عليها دائماً أن تترفق به ويترفق بها: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

    (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل) أي: ضيف نزيل، أي: هو ليس عندك مواطن، الوطن الحقيقي الجنة، لا يوجد على وجه الأرض مواطن، لا يوجد شيء اسمه مواطن وغير مواطن، الوطن الأم والحقيقي الجنة والكل مسافر، كلنا ضيوف ونزلاء على الأرض ثم نلقى الجنسية والتابعية ونتجه إلى الوطن الأم الذي تدخله بجواز لا إله إلا الله محمد رسول الله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    فلهذا الحورية هي التي تعرف هذه الحقيقة ونحن لا نعرف هذه الحقيقة، كثير من الناس أصحاب التشريع والقوانين لا يعرفون هذا، يهينون العالم، ويحسبون أنهم مستقرون على الأرض خالدين عليها: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة:3-4].. وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل:11].

    فتقول الحورية: (إنما هو عندك دخيل) ضيف ونزيل مؤقت واستقراره الأبدي عندنا، فلماذا تؤذيه وهو عندك مؤقت وهو عندنا مخلد لا نؤذيه، أليس عيب عليك؟ فهو سوف يستقر عندنا للأبد ونحن متشوقون إليه، وهو عندك مؤقت وأنت تؤذيه! (إنما هو عندك دخيل يوشك) (يوشك) والصحابة عند هذه الكلمة لا يأمنون قبض أنفاسهم في مجاري الأنفاس، أمل الواحد منا يمتد حتى يتخرج ويبني البيت ويحصل على الشهادة ويتزوج ويزوج الأولاد ويبني عمارة.. لا، ابن عمر رضي الله عنهما يقول: [إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح] (يوشك أن يفارقك إلينا) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) الله أكبر! المعاهد: هو الذمي، أو الذي بينه وبين الله عهد، والآن أصبح المسلم والمؤمن دمه رخيص، فالآلاف يقتلون في السجون والمعتقلات والمشانق، والإحصائيات تقول: إن الذين قتلهم حكامهم في الدول الإسلامية أضعاف أضعاف أضعاف من قتلهم أعداءهم.

    لهذا فإن الحديث يقول: (من قتل معاهداً -أي: مسلماً مؤمناً من أمة محمد بينه وبين الله عهد الإيمان أو ذمياً من أهل الذمة بينه وبين حكومة الإسلام العهد من قتله دون وجه حق- لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً).

    خلود أهل الجنة

    روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً) هذا مناد خاص في الجنة غير مناد الحياة والموت، هذا مناد يذكر شيئاً آخر بالإضافة إلى الحياة والموت وهي الصحة (تصحوا فلا تسقموا) وما مرر العيشة والحياة إلا السقم، اذهب إلى المستشفيات وانظر إلى المرضى كيف تنغص حياتهم، هذا سيخ في ظهره له ثمانية أشهر، وهذا سيخ في فخذه له أربع سنوات، وهذا عنده عظمة الترقوة أو الرقبة كسرت ووضع له حديد في رأسه، ولا يتحرك لمدة أربعة إلى ثمانية أشهر، المرض مفسد للحياة.

    فمن تمام نعيم أهل الجنة أن ينادي مناد فيقول: (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً) وهذه بشرى لمرضى السكر، فهم لا يأكلون إلا الخبز الحارق، لكن في الجنة كل ولا تخف من السكر، واشرب من نهر العسل ولا تخف من السكر، لأن الحديث يقول: (تصحوا ولا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً) إذاً خلق الإنسان مخلداً .. يستقر في جنات النعيم أو في النار لشهادة هذا الحديث: (وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، أن تشبوا فلا تهرموا أبداً) تشبوا: أي يكون لكم شباب متجدد لا يصيبك الشيخوخة ولا الهرم التي ينغص الحياة (وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً) أي: نعيم متصل فلا بؤس ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أخبار عن حرب ولا أخبار عن ضرب ولا بلاوي ولا صحف، هذا يكتب عن بيت التمويل، وهذا يكتب ضد الصحوة الإسلامية، وهذا يتهم شباب الدعوة بأنهم متعصبون متطرفون، وكل يوم وأنت غضبان ومغتم ومهتم، ليس في الجنة شيء من هذا أبداً، إنما هو نعيم متصل.

    (وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً) أين المنفيون من فلسطين والأقصى فليبشروا فإن فقدوا الهناء والنعيم والاستقرار النفسي الذي يتنعم به المواطن في وطنه، وقلوبهم قد علقت في الأقصى الذي يدنسه اليهود؛ فإن جنات النعيم تبشرهم بنعيم لا بؤس فيه، فما عليهم إلا أن ينفضوا عنهم كل الشعارات الزائفة اللينينية والاستالينية والإبليسية والشيطانية ويأخذوا شعار لا إله إلا الله، فيكون النعيم الذي لا بؤس فيه.

    ثم يقول: (وذلك قول الله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]) الحديث يفسر هذه الآية فيعطيك بعض النداءات.

    وفي صحيح البخاري ومسلم : (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه) الله أكبر! انظر.. انظر كيف فرحة هؤلاء وشقاوة هؤلاء! يتوهم الإنسان نفسه أنه في النار ويسمع هذا النداء كيف يكون حاله؟ والآيات تقول: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً [النبأ:30] أي أن العذاب في زيادة.

    شجرة طوبى وأنهار الجنة

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها) ويقول: (ما من شجرة في الجنة إلا وساقها من ذهب) الساق من ذهب وتخرج الثمر، عجب!! الساق من ذهب وتخرج ملابس وأنغام وألحان وأزهار وتذلل الأغصان! قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:23].. وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً [الإنسان:14].. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن:54] والجذع ذهب! لا تقل لي النخل الذي في شارع البدع أو تقول الزينة ويوم الزينة.. لا، هذه جنة أعدها الله سبحانه.

    ويقول: (طوبى شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مسيرة مائة عام وثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها) ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد) هذا الحديث يبين معنى جديداً للمياه، أن الأنهار تبدأ ببحار ثم تتفرع الدلتا وتنزل الأنهار، والبحار هذه تتفجر من العرش، والعرش أعظم المخلوقات قد استوى عليه الله رب العالمين، وهو يغطي ويسقف الفردوس الأعلى، والكرسي والسماوات والأراضين كحلقة في العرش، وصفات العرش في الكتاب ثلاث: الكرم، والعظمة، والمجد: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:129] .. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116] .. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:14-16] فجاءت المجيد صفة للعرش واسم للرب، إذا قلنا المجيدُ صار اسماً من أسماء الله وصفة من صفات الله، وإذا قلنا المجيد صارت صفة للعرش.

    فمن أراد الكرم والعظمة والمجد فعليه أن يسبح بحمد رب العرش، وليتجنب كل العروش فلا يسبح بحمد أربابها، إنما التسبيح لرب الكرسي الواحد والعرش الواحد، فمن سبح بغير هذا الحمد يحشر معه، فالمرء مع من أحب، فإما أن تحشر مع حملة العرش والملائكة المقربين، ومن هم حول العرش يسبحون ويشفعون، أو يحشر الإنسان وهو يقول: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب:66-68] وليختر الإنسان.

    ويقول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : (بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فضرب الملك بيده -أي: أدخل يده في الماء يخرج الطين- فإذا طينه مسك أذفر) وجاءت من صفات هذا الماء أنه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وله ميزابان يصبان في حوض الحبيب صلى الله عليه وسلم، ومنه يشرب أهل المحشر من أمة محمد، من الكوثر الذي إذا شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، فيصبح الشرب بعد ذلك شرب لذة وليس شرب ارتواء من ظمأ.

    يقول: (حافتاه من قباب اللؤلؤ المجوف) أي: قباب لؤلؤ مرصوصة مبنية يمر عليها النهر وليس من البحر الذي عليه الطحالب وبقعة النفط المزيفة.

    طعام أهل الجنة وشرابهم

    قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الحجر:45] وقال: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً [الإنسان:5-6] وقال: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً [الإنسان:17-18] فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين: بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخر السورة، فإن الكافور فيه من البرد وطيب الرائحة، والزنجبيل فيه من الحرارة وطيب الرائحة، فيتم المزج مرة بشيء بارد ومرة بشيء حار، فيحدث لهما باجتماع الشرابين من اللذة والأنس ما لا يعلمه إلا الله.

    ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك) يتجشأ فيخرج ريح له رائحة المسك، فيخف الطعام الذي في البطن، أو يرشح العرق فيخرج منه مسك، فيأكل مرة ثانية فيتجشأ، ويرشح العرق المسكي، فيأكل مرة ثالثة، ولو ظل يأكل طول عمره هكذا لا يدفع إلا مسكاً ولا يخرج منه إلا طيباً، بعكس ما على الإنسان من عفن، مساكين هؤلاء الجبابرة يظنون أنه إذا وضع له بخور الكيلو بألف دولار يظن أنه أصبح مقدساً مطهراً، لا يدري أنه آخذ معه حمام ينام ويقعد مع حمامه، وجوفه حمام، والله سبحانه وتعالى أبى أن يذل الإنسان ولو كان هذا الإنسان نبياً، فهذا عيسى بن مريم وأمه يقول الله عنهما: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75] ومصير الطعام في الجوف معلوم، ولا نجاة من هذه النجاسة بطهارة أبدية إلا في جنات النعيم.

    والله سبحانه يُطعِم ولا يُطعَم، لهذا فإن من أسمائه القدوس المطهر من النجاسات لا إله إلا هو، فلهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (جشاؤهم كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس) فتصبح عبادتهم لله ليست عبادة تكليفية اختيارية، نحن مكلفون بالأمر الشرعي في الدنيا، أمرنا بالصلاة نصلي، بالزكاة نزكي، وبالصيام نصوم، لكن في الجنة لا يخطر التكليف في بالنا، ولكن عبادتنا كعبادة الملائكة، عندما تأخذ الهواء هذا وتتنفسه دون أن تحسب له حساباً، كلكم الآن يتنفس ولا يحمل هم التنفس، كذلك يجعل الله عباده المؤمنين في الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، فهم يسبحون الله تعالى كما يتنفسون.

    والجنة دار جزاء وليست دار عمل، فلهذا يكون تسبيحهم بالقدر الكوني من الله رب العالمين يوم أن أطاعوا القدر الشرعي في الدنيا.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (أول ما يأكلون كبد الحوت) أول ما يأكل أهل الجنة، ويعقد الله لهم الوليمة، من ماذا؟ من كبد الحوت، عجب! ما حجمه؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ لا يعلم ذلك إلا الله، يعقد الله وليمة من كبد الحوت لأهل الجنة كلهم كرامة لهم.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن) وهذا الرداء ينزعه الله بين الحين والحين فينظرون إلى وجهه الكريم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] أما الكفار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15].. إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:22-28].

    اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها، ونعوذ بك من النار وجحيمها، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم أدخلنا من جميع أبواب الجنة، ونسألك الفردوس الأعلى ورفقة الحبيب محمد وأبي بكر وعمر والصحابة أجمعين.

    اللهم إنا نسألك الدرجات العلا في الجنة، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم اجعل قلوبنا معلقة بقناديل من ذهب في العرش، اللهم اجعل قلوبنا معلقة بما عندك من نعيم وفضل، اللهم اجعل قلوبنا معلقة في بيوتك، اللهم اجعل قلوبنا معلقة في المسجد الحرام والأقصى ومسجد رسول الله، اللهم اجعل قلوبنا معلقة في الصالحات الباقيات برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.