إسلام ويب

الدعوة وناقة الرسولللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الانتساب لدين الله تشريف، وقد شرف الله الناقة مرةً حين نسبها إليه سبحانه، وشرفها مرة أخرى حين دعا عباده إلى التفكر فيها، وقرنها بآياته العظيمة: السماء والأرض والجبال. وهنا بيان لعلاقة الناقة بكثير من الأحداث العظيمة في تاريخ صدر الإسلام، ودورها في المواقف المشهودة، وعلاقتها بالأحكام الشرعية، وعموماً فقد أغنت هذه المادة موضوعها، وبينت في ختامها دلالات تشبيه المسلم بالناقة في السنة النبوية.

    1.   

    تشريف الإبل في القرآن

    الحمد لله الذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله؛ نحمده ونستيعنه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً، نسألك لنا والمسلمين الفردوس الأعلى، ونعوذ بك من النار وأصحاب النار، اللهم إنا نسألك العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر المجاهدين، وأكرم الشهداء، وثبت الغرباء، وفك المأسورين من إخواننا المسلمين، أصلح أولادنا، وأصلح نساءنا، وأصلح أرحامنا، وأصلح جيراننا، واجعلنا برحمتك يا أرحم الراحمين في بِرك ورضوانك.

    نسألك حسن الاعتقاد، ونور اليقين، وحلاوة الإيمان، وإخلاص النية، وصلاح العمل، وبركة الدعوة، وإجابة الدعاء إنك على ذلك قدير.

    أما بعد:

    فإني أحبكم في الله.

    تشريف ناقة صالح عليه السلام

    أيها الأحباب: إن دين الإسلام دين عظيم، حتى أصبح كل من ينتسب إلى هذا الإسلام ولو كان المنتسب إليه بهيمة فإنه يأخذ مقام التشريف؛ لأن هذا الدين عظيم، أما قرأتم في كتاب الله يوم أن نسب ناقةً إليه: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:13] فتشرفت هذه الناقة بنسبة التشريف، فالله سبحانه وتعالى شرف الكعبة، فقال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج:26]، والكعبة شريفة؛ لأنها بيت الله.

    الإبل آية من آيات الله

    ثم اسمعوا القرآن يشرف ناقة، بل وإن القرآن ليأتي فيعتبرها آية من آيات الله.. أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17]، ويجعلها بجوار أعظم ثلاث آيات كونية، الآية الثانية بعد الإبل: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية:18] والآية الثالثة: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية:19] والآية الرابعة: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:20] هل هناك في المخلوقات بعد العرش والكرسي أعظم من السماوات؟

    يضع الله بجوارها الإبل: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17] ما السر في ذلك؟ فيها سر، أن الله سبحانه وتعالى يخاطب بهذه الآيات الكافرين، فيقيم عليهم الحجة بآيات الله المشهودة، ومن أقرب آيات الله المشهودة على الكافرين في ذلك الوقت هي الإبل؛ لأنهم ما كانوا يستغنون عنها أبداً في حياتهم، بل كان الرجال يوزنون بعدد حمر النعم، أي: بعدد حمر الجمال التي يملكونها، فمن كان يملك أكثر؛ فهو أكبر، ومن كان يملك أقل؛ فهو أصغر، لهذا كانوا يتفاخرون بجمعها وأنواعها، فالله أقام على الكافرين الحجة: من خلقها؟ أنتم؟! لا. إذاً خلقها الله، فآمنوا بالله.

    كما أنه يخاطب المؤمنين الذين يستفيدون من هذه الآيات.

    الكافرون لا يستفيدون من هذه الآيات المنظورة، المستفيد هو المؤمن، فعندما يقول الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17]، ما هي أبرز صفة في الإبل؟ أبرز صفة في الإبل الصبر، لا يوجد أصبر منها في المخلوقات، تتحمل الظمأ الطويل، والجوع الكثير، والحمل الثقيل، والضرب الشديد، وتسير على الرمال الحارة، والصخور الحادة، وتستقبل العواصف، وتظل تستقبل الرياح بعينيها ومشافرها ومناخيرها، ويلوذ بها صاحبها، وقد تندس تحت الرمال، فلا تبقى إلا رقبتها، ومع هذا تصبر حتى تسكن العواصف ثم تقوم وتنفض وتمشي.

    فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: أيها الدعاة! خذوا من الإبل صبرها، وخذوا من السماء صفاءها وارتفاعها، فلتكن قلوبكم صافية، وتوحيدكم صافياً كصفاء السماء، وإنكم تستعلون بإيمانكم كعلو السماء، وليكن إيمانكم ثابتاً كثبات الجبال، وأن تكونوا في جماعتكم ومسجدكم وأمتكم متماسكين أقوياء كتماسك صخور الجبال وقوتها، وأن تكونوا لإخوانكم المسلمين أذلة متواضعين كذلة الأرض للذين يمشون عليها، لا ترد الصغير ولا الكبير، ولا تشتكي من أحد، يدوسون عليها ويمشون وهي صابرة، لهذا يقول الله للمؤمنين: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20].

    أيها الداعية المسلم: إذا أخذت من الجمال صبرها، ومن السماء علوها وصفاءها، ومن الجبال قوتها وثباتها وتماسكها، ومن الأرض ذلتها وانبساطها لمن عليها، عند ذلك ترشح لكي تكون داعية إلى الله ربانياً، فقال بعدها: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر [الغاشية:21-22] فأنت لا تسوق الناس إلى الإيمان بالنار والحديد والمعتقلات والمشانق.

    وهذه الآية نسختها آية السيف، وهي آية الجهاد التي أمر الله بها المسلمين أن يجاهدوا الكافرين في جزيرة العرب ، وأن يجاهدوا اليهود والنصارى والفرس: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123].

    فالشاهد أيها الأحباب أن هذه البهيمة المتواضعة كان لها دور أساسي فعال في حياة الجهاد والدعوة الإسلامية، فلا تعجبوا أن يقول الله في القرآن: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17].

    بعد هذه المقدمة سأسرد لكم الأحاديث فيها والحكايات.

    1.   

    أدوار الناقة في السيرة النبوية

    الرسول صلى الله عليه وسلم كانت هجرته، والهجرة هي: التحويلة الهائلة من الدعوة المسالمة في مكة إلى الدعوة المجاهدة في المدينة المنورة ، على أي شيء هاجر؟

    هاجر على الناقة، وطارده سراقة على حصان، فقال الله سبحانه وتعالى للرمال: سيخي تحت الحصان، فغارت أرجل الحصان في الرمال، وكبا الحصان على وجهه، وظلت الناقة تسير بأمر الله، فلما قدم المدينة ، اجتمعت قبائل الأنصار كل واحد منهم يريد أن يتشرف بضيافة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر محرج للرسول عليه الصلاة والسلام، فالأنصار أحبابه الأوس والخزرج وبني عوف وبني النجار قبائلهم، إن ذهب عند جماعة أغضب جماعة، فكيف خلصه الله من هذا الموقف؟

    أنزل الله وحياً بأن ناقته القصواء مأمورة بأن تحدد منزلها ومكانها ومكان الرسول صلى الله عليه وسلم، فكلما جاءت قبيلة وأمسكت خطامها قال: دعوها فإنها مأمورة، فإذا قال ذلك؛ تركوا حبلها استجابة لله ورسوله، وهكذا كلما استقبلوه قال: دعوها فإنها مأمورة، فلما جاءت إلى مكان مسجده الشريف، وكان ليتيمين من بني النجار، أناخت فيه، فأثارها من جديد، ورجع، وتركها، فعادت وأناخت فيه، فأثارها للثالثة، ورجع بها وتركها، فأناخت ومدت رقبتها، قر القرار، عند ذلك نزل، فأخذ أبو أيوب الأنصاري رحله ومتاعه، وذهب به إلى داره، وسأل عن الأرض واشتراها من أصحابها، وأمر بتنظيفها وكنسها، وبنى عليها مسجده الشريف، وبنى بيته بجوار المسجد الذي هو الآن غرفة عائشة التي دفن فيها صلى الله عليه وسلم.

    فهذه البهيمة كان لها دور عظيم في تحديد مكان كلنا نشد الرحال إليه، كلكم تشدون الرحال إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى إن شاء الله عندما يحرره الله من اليهود، وإلى المسجد النبوي، حددت موقعه -بإذن الله- ناقة.

    قصة سرقة الناقة العضباء

    وكانت له ناقة ثانية اسمها العضباء، ولم تكن عضباء، إلا أن الصحابة من خوفهم عليها من العين يسمونها العضباء؛ لأنه ما كان يسبقها شيء أبداً، وهذه الناقة سُرقت في غزوة غزاها الكافرون على المدينة ، واختطفت معها امرأة من المسلمين، انظر، فلما أصبح المسلمون الصباح، وإذا بناقة الرسول صلى الله عليه وسلم مخطوفة، وبعض الإبل مسروقة، وامرأة من المسلمين مخطوفة، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعد العدة، وبينما هم يتجهزون، وإذا بهم يشاهدون العضباء وقد حملت المرأة على ظهرها، وهي تقطع الأرض، عجباً ما الذي حدث؟

    هذه المرأة المأسورة استسلمت، فتركوها ولم يشدوا وثاقها، فلما هجم الظلام، ونام الناس متعبين، حلت وثاقها، وجاءت تزحف في الظلام إلى الإبل، وهي معقولة، وهي تريد ناقة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها تعلم بأنها لا يلحقها شيء، ولكن كيف تهتدي إليها في الظلام؟

    إبل كثيرة، لكنها تعرف أخلاقها، وتعرف صوتها ورغاءها، فجاءت إلى الإبل في مرابضها وأعطانها تنخسها بأصبعها، فكلما نخست بعيراً، رغى، فعرفت أنه ليس بالعضباء حتى جاءتها فنخستها، فسكتت، فمسحت عليها فأحست بنعومتها، فعرفتها، فامطتها على ظهرها، فثارت، وقطعت عقالها، ثم التفتت يميناً وشمالاً، وحددت اتجاه المدينة ، ثم انطلقت في الليل لا تلوي على شيء، وثار الإبل من حولها، وسمع القوم رغاء الإبل، فتقافزوا وركبوا، وانطلقوا خلفها إلى الصباح، فلم يدركوها، فقالت المرأة التي على ظهرها: نذراً لله علىَّ لئن سلمني الله على ظهرك لأذبحنك لله، انظر الجزاء! فلما دخلت واستقبلها الناس، وصاحوا: العضباء العضباء، وصلت العضباء يا رسول الله! قالت: لا تمسوها نذرتها لله إن أوصلني الله على ظهرها لأذبحنها، فقال صلى الله عليه وسلم: (بئس ما جازيتها، لا نذر فيما لا يملك) العدل ألا تنذر شيئاً لا تملكه، أنت تنذر الذي تملكه، وإلا لصارت الأمور فوضى، آتي إلى الأخ عنده مكتبة إسلامية وأقول: نذرتها لله، لا. الإنسان ينذر ما يملك، فظهر حكم شرعي ما كنا نعلمه إلا بعد هذه الحادثة مع تلك الناقة.

    رياضة سباق الهجن في العهد النبوي

    كان سباق الهجن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتسابقون على الخيل، ويتسابقون على الإبل، ويتسابقون على الأرجل، ويتجالدون، كل ذلك استعداداً للجهاد، ما كان عندهم هوايات مثل: هوايات المترفين اليوم، يأكل ملء شدقيه، وينام ملء عينيه، ويضحك ملء شفتيه، وبعد ذلك على الراحة يذهب يجلس في السباق، ويعطى مشروباً في كوب شاي، من أجل أن يوهموا الناس أنه شاي، والشاي لا يدخن.

    الشاهد: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كان سباقهم ورياضتهم من أجل الجهاد، وأراد الله أن يربي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على درس، حيث أن الأعرابي الذي تسابق مع ناقة الرسول سبقها، فحزن الصحابة لذلك، قالوا: سبقت العضباء يا رسول الله! انظروا حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام، يحبونه أن يكون دائماً متفوقاً في كل شيء حتى في الناقة، وهذا الشعور يجب أن يكون في قلوب المؤمنين تجاه العلماء بحيث يريد أن يرى عالمه قدوةً في كل شيء، فلا يبخل عليه بالنصيحة، ولا يبخل عليه بالمشورة، فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟

    أعطاهم درساً أن الله ما رفع شيئاً إلا وخفضه، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الكون، والذي يبقى دائماً العلي الأعلى هو الله، فهو الخافض الرافع، القابض الباسط، المحيي المميت، الأول والآخر، والظاهر والباطن لا إله إلا هو، وتريدونها دائماً وأبداً تسبق! لا. هناك خافض يخفض، هناك رافع يرفع لا إله إلا هو، وأعطاهم درساً في العقيدة والتوحيد من خلال حادثة ناقة.

    أنا أذكر هذا، أعلم الدعاة كيف كان عليه الصلاة والسلام ينتهز المواقف، ويربي مرة على العقيدة، ومرة على الفقه، ومرة على الجهاد، ومرة على التوحيد، من خلال الموقف العابر دون تكلف، فما كان عليه الصلاة والسلام يعد الدروس مثلنا، ولا يضع نقاطاً، كانت صفحة دعوته الأرض، ومجالها الناس، والأحداث التي بين يديه، ما كان يسحب فتاوي من المكتبات ويجهزها، الأحداث اليومية هي التي تأتي بفتاويه صلى الله عليه وسلم، وأحكامه الشرعية، أليس هذا درساً في العقيدة؟

    أن الذي رفعها هو الله، وأن الذي خفضها هو الله، فهو الخافض الرافع لا إله إلا هو، وأنه ما رفع شيئاً إلا خفضه.

    انحباس القصواء على مشارف مكة

    ونراه عليه الصلاة والسلام يعطي درساً، وهو يذهب على ناقته لدخول مكة ، وفي موقع من مواقعها تقف، فلا تتقدم خطوة واحدة، عند ذلك قال الصحابة: خلأت القصواء، خلأت يعني -كما يقولون اليوم-: عاندت، وهي أطوع ناقة لا تعاند أبداً، فقال: (ما خلأت، وما هو لها بخلق، إنما حبسها حابس الفيل) وينتهز الرسول صلى الله عليه وسلم وقوف الناقة في مكان معين لكي يخبرهم بحقيقة علمية، بل بحدث تاريخي عظيم لعله غاب عن أذهانهم ونسوه، وهي حادثة الفيل، يوم أن جاء أبرهة الصليبي الأشرم يريد أن يهدم الكعبة، فأرسل الله سبحانه وتعالى ملائكة تحرس مكة، وتحرس الكعبة، فلم تدع الفيل يتقدم خطوةً واحدةً إليها، وظل حابس الفيل في مكانه حتى جاءت القصواء بعد مرور أكثر من خمسة وأربعين سنة، فحبست القصواء كما حبست الفيل.

    إذاً: الله الحي الذي لا يموت يجب أن يتوكل عليه الدعاة، هذه حادثة ما كانت تمر في الأذهان، لكن أحياها الرسول صلى الله عليه وسلم من جديد، فتداعت ذاكرة كل صحابي، وبدأ يجدد قراءة سورة الفيل لهذا الحادث: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:1-5].

    الحداء وأثره على الإبل

    لا تعجبوا -أيها الأحباب- فإن هذه البهيمة لها في تاريخ دعوتنا سيرة، أما سمعت الحادي وهو يحدو، الحادي: هو الذي يقود الركب، الإبل إذا كلت وملت، وطال عليها السرى، حدى حاديها، فحثت المسير، وتجدد نشاطها، ماذا كان يقول؟

    خلِّ المطايا تنسم الجنوبا -تنسم الجنوبا- أماكنها في الجنوب تتنسم هواها لعلها تعود له، هذه طبيعة وأخلاق موجودة في الإبل، أنها إذا تغربت عن أرضها؛ تحن لها، فكلما مشت التفتت، وشمت الهواء إذا كان يهب من تلك الديار التي ربت فيها.

    خلِّ المطايا تُنسمُ الجنُوُبا     إن لها لنبأً عجيبا

    حنينها وما اشتكت لغوبا     ينبؤ أن قد فارقت حبيبا

    إن الغريب يؤنس الغريبا

    الناقة غريبة، والمسافر عليها والحاج عليها غريب، فكل واحد منهم يؤنس صاحبه، فهذه غريبة تؤنس الغريب.

    ولعل الإنسان يحس بهذا الأنس من خلال كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لحاديه أنجشة يوم أن كان يحدو والنساء في الهوادج التي تسمونها أنتم الغبيط، كما يقول امرؤ القيس :

    تقول وقد مال الغبيط بنا معاً      عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ

    فقلت لها سيري وخلي عنانه      ولا تبعديني عن جناك المعللِ

    فالرسول صلى الله عليه وسلم لما حدا أنجشة اضطربت الهوادج، وخشي على النساء، فماذا قال؟ اسمع الألفاظ العذبة الرقيقة التي لم تجد أطيب، ولا ألذ، ولا أرق منها، قال: (يا أنجشة رفقاً بالقوارير) فيسمي النساء قوارير، جمع قارورة، وهي الزجاجة، نقية، ناعمة، شفافة، جميلة، أنيقة، من يستطيع أن يصف النساء بهذا الوصف؟ محمد صلى الله عليه وسلم، (رفقاً) خفف حداءك حتى لا تنكسر القوارير على ظهور الجمال في الهوادج.

    وبعض الناس لا يعطي اعتباراً للقوارير، لا يعلم أنها قارورة، يكسر قلبها، يجرح شعورها، ولا يأخذ ما في خاطرها، ويهينها ويعتبرها كالبهيمة في البيت، ما هي إلا مجرد شهوة، وإذا تزوج عليها فيا ويل الأولى من الثانية، المال للثانية! والبيت للثانية! والخير للثانية! وأم الأولاد الأولى مهضومة مغمومة كئيبة، والرسول صلى الله عليه وسلم ينذره أنه من كان له زوجتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل.

    1.   

    مواقف النبي صلى الله عليه وسلم المشهورة وهو على ظهر ناقته

    ونراه صلى الله عليه وسلم، وهو يربطنا هذا الربط العجيب من خلال هذا المخلوق، فيبين أعظم الفرائض، وهو على ظهرها.

    قيام النبي صلى الله عليه وسلم بمناسك الحج على ظهر ناقته

    فالحج كان على ظهر ناقته، والناس من حوله كالبحر عن يمينه، وعن شماله، وأمامه، وخلفه، وينادي: (خذوا عني مناسككم) والصحابة يرددون بصوت عالٍ حتى يسمع الناس، ومع هذا كان يسحب زمام ناقته حتى لوَّى عنقها على رحله، وإذا وجد فسحة أرخى لها فأسرعت، وإذا كانت زحمة شد عليها، هذا درس يجب أن ينتبه إليه الحجاج، الناس تمشي وهو على ناقة، ويخاف أن يجرح مسلماً بخف الناقة، والناس إذا أفاضت من عرفات، يقتل بعضهم بعضاً، يقول: (السكينة! السكينة! السكينة! السكينة!) ويسحب فيها، وانظر الناس عند الإفاضة من عرفات، شيء عجيب، كأن الناس في سباق إلى موت -والعياذ بالله- وكأن الشياطين ركبت رءوس البشر، شيء عظيم هذا عن يمينه، وهذا عن شماله حتى يصبح المشي صعباً، ويثور الغبار، وهذا يضرب مَنْ وراءه، وهذا يضربه مَنْ أمامه، والله إني رأيت منظراً عجيباً، رجل مسكين لعله مصري، نتفوا سيارته نتفاً، هذا أخذ من جانبها الأيمن، وهذا أخذ من جانبها الأيسر، ووراءها باص ما وقف إلا عليها، وقام المسكين يلطم على رأسه، أين الخلق والتربية الذي نأخذها من هذه الناقة وهي تسير بالرسول صلى الله عليه وسلم؟

    يلوي رقبتها إليها، ويقول: (السكينة! السكينة! خذوا عني مناسككم) وهذه من المناسك، لا تظن أن المناسك هي أركان الحج، بل الحج من أوله إلى آخره خلق وعبادة، وتوحيد وتربية، وسلوك، وتجارة واقتصاد.. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28].

    دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح منحنياً على ظهر ناقته

    ونراه عليه الصلاة والسلام يربي أمته تربيةً عجيبةً من خلال هذه البهيمة البسيطة التي لا يكاد يلتفت إليها إنسان، يدخل في أعظم فتح بشره الله به: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح:1].. إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، كيف دخل؟ ساجداً على قتب الناقة، لا يرفع رأسه إلى مداحين، ولا إلى شعراء، ولا إلى هتافين، ولا إلى مثنين، على ظهر الناقة ساجداً يتذكر عظمة الله الذي تفضل عليه بهذا الفتح، ويتذكر يوم أن خرج من مكة مطروداً يتآمرون عليه، أربعون سيفاً على رأسه في ليلة الهجرة، والآن يدخلها فاتحاً.

    وللنصر نشوة وهزة إن لم يتمالك المنتصر نفسه، ويتواضع لله، السجدة التي سجدها على ظهر الناقة من نتائجها أنه اجتمع الناس حوله ألوف، قال: (ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟!)، قالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم -انظر الذل- قال: (فاذهبوا فأنتم الطلقاء) وعفا عنهم أجمعين، الذي ضربه، والذي هدده، والذي أهانه، والذي شتمه، والذي تفل عليه، كلهم عفا عنهم، وقد كانوا يضعون سلى الناقة على رأسه وهو ساجد، ويأتيه عقبة بن أبي معيط ويدوس على رقبته وهو ساجد حتى تكاد عيونه تسقط على الأرض، وفي النهاية: اذهبوا فأنتم الطلقاء؛ لأنه أول ما دخل دخل ساجداً على ظهر الناقة، ليتعلم القادة الذين لم يحققوا ما حقق، ولم يفتحوا ما فتح، ولم ينتصروا كنصره، ولم يؤيدوا كتأييده، وإذا خطب أحدهم خطبة انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وتطاير الزبد من شفته كأنه فاتح القسطنطينية ، أو روما ، والهزائم بعد الهزائم، لماذا كلّ هذا؟

    لأن شعاره وهو الغازي، شعاره وهو المنتصر، شعاره وهو المجروح والدماء تسيل من وجهه، شعاره: أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ليس لي شغل، وأنا ما فعلت شيئاً، لا أقدم ولا أؤخر، ولا أرفع ولا أخفض، ما أنا إلا عبد من عبيده، هو وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، هكذا يجب أن يكون شعار المقاتلين والمجاهدين والمكافحين، لا أن يقول: بقوتنا الباسلة، وضربنا في الأعماق، وصواريخنا أرض أرض، وجو جو، وثقةً بأنفسنا، من وثق بنفسه وكله الله إلى نفسه، الثقة بالله الذي لا إله إلا هو.

    ما قالها مرة محمد صلى الله عليه وسلم ثقة بأنفسنا، دائماً الثقة بالله: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما).

    1.   

    أبيات في وصف رحلة حج

    وتظل هذه الناقة تؤدي أدوارها، فإذا كان في سفره يصلي على ظهرها النوافل أينما اتجهت به، وكأنها مسجد متنقل، وهي تخطو بخطاها الوديعة الهادئة فوق هضاب الرمال عبر الصحراء، وكأنك تسمع الشاعر وهو ينظر إلى الإبل متجهة إلى الحج، الآن الإنسان يذهب إلى الحج وإلى العمرة خلال اثنتي عشرة ساعة لهذا لا يجد الشوق الذي يجده المسافر الأول والحاج الأول، كانوا يسافرون شهراً ذهاباً، وشهراً إياباً، وأكثر من ذلك، نعم، فكان كما يقول الشاعر:

    خوصٌ كأشباح الحنايا ضُمَّر     يرعفن بالأمشاج من جذب البُرى

    البُرى: الخطام الذي يضعونه بأنف الناقة، ويجرونه إلى أن ينزل الدم من كثرة السحب! ناقة تسحب ناقة، ويذهبون إلى الحج.

    أخفافهن من حفا ومن وجا     مرسومة تخضب مبيضَّ الحصى

    أخفافهن مقطعة من الوجع، يخرج منها الدم إذا داست على الحصى الأبيض، ثم الأحمر، ومع هذا تصبر وتمشي وتواصل المسير إلى الله.

    يرسبن في بحر الدجى وفي الضحى      يطفون في الآل إذ الآل طفا

    الدجى: الليل، إذا صار الليل لا ينامون، يرسبون في قاع البحر الليلي، ويمشون في الظلام

    يرسبن في بحر الدجى وفي الضحى      يطفون في الآل إذ الآل طفا

    وإذا لمع السراب طفحوا مثل السفن فوق السراب.

    يحملن كل باسلٍ محقوقفٍ      من طول تدءاب الغدو والسرى

    محقوقف أي: ظهره معوج على ظهر الناقة من كثرة السفر

    ,الغدو: المشي في النهار من الفجر، والسرى: المشي في الليل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:1] عند الصباح يحمد القوم السرى، فهذا يمشي في النهار، ويمشي في الليل، عليها ينام! وعليها يأكل! وعليها يتنفل! ولا ينزل إلا للفروض! يريد الحج، قلبه مشغول بالكعبة، أين هو ذاهب؟ قال:

    ينوي التي فضلها رب العلى     لما دحا تربتها على البنا

    هي الكعبة شرفها الله.

    حتى إذا قابلها استعبر لا      يملك دمع العين من حيث جرى

    إذا رأى الكعبة ثارت الأشجان، وتحركت العواطف، وتحدر الدمع من العين يسبح ويصلي، حتى إذا قابلها استعبر، السين هذه تسمى في اللغة العربية سين الطلب، كأن دمعة تطلب دمعة، دمعة تجر دمعة معها.

    ثمة طاف وانثنى مستلماً      ثمة جاء المروتين وسعا

    مستلماً أي: الحجر الأسود:

    وأوجب الحج وثنَّى عمرةً     من بعدما عج وثج ودعا

    عج يعني: عج بالدعاء، ثج، يعني: ذبح يوم النحر: (الحج: العج والثج) ودعا ربه سبحانه وتعالى أن يقبل حجه.

    1.   

    دروس نبوية من قصص الناقة

    أيها الأحبة الكرام! الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الناقة، هذه البهيمة يعطي أمته دروساً تربويةً حركيةً جهاديةً فرائضيةً عباديةً حتى في الجود والبذل والكرم.

    قيس بن سعد وجوده وكرمه في نحر الإبل للضيف

    كان هناك من الصحابة رجل اسمه قيس بن سعد بن عبادة، وهو سيد من سادات الأنصار، وريث أبيه سعد بن عبادة، هذا من النقباء، سيد الخزرج رضي الله عنه وأرضاه ابنه اسمه قيس، كان طويلاً مهيباً إلا أنه كان كوسجاً لا يظهر في وجهه شعر، فكان الخزرج يقولون: لو أن اللحى تشترى لبذلنا كل أموالنا واشترينا لحية لـقيس، هذا قيس كان من جوده أنه كل ليلة يصلي ويرفع يديه، ويقول في دعائه: اللهم إنك تعلم أنه لا يصلحني إلا الغنى فأغنني، فكان الله ينزل عليه الخير، ويبارك في أمواله.

    ذهب الصحابة إلى عمر بن الخطاب، وقالوا: يا عمر! إننا نرغب بزيارة قيس بن سعد، ولكن جوده يمنعنا حيث أنه إذا زاره أو عشرة نحر جزوراً، يا عمر! أخبره ألا يفعل ذلك، قال: سأخبره.

    فقام معهم عمر رضي الله عنه وأرضاه، وقيس بن سعد جالس، وقد عقل ناقته الراحلة، وهي أطيب النوق، مائة من الإبل لا تجد فيها إلا راحلة واحدة، الراحلة هذه التي تقود الإبل معها، إذا تركها راعيها يرعى عيونها على الراحلة هذه، إذا قامت قمن، وإذا ذهبت ذهبن، وإذا بركت بركن، وإذا غرد صاحب الإبل التفتت الراحلة، وطالعت، وحددت مكانه، وجرت معها الإبل، هذه الراحلة غالية، أقبل عمر، وقال: [السلام عليك يا ابن سعد ] فقال: وعليك السلام، وأمسك الخنجر، قال: [أحرج عليك بالله] قبل أن ينهي كلامه، نحر راحلته التي بجواره، ثم قطع من أطيبها، وأشعل النار، ورمى عليه قطع اللحم الطيب، وأخذ ينضج لهم ويطعمهم بيديه، فلما أكلوا وشبعوا، ذهبوا يشتكونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما اشتكوه إلى عمر، قالوا: يا رسول الله! نحبه ونشتاق إليه، ولكن نمنع عن زيارته، ما يزوره أحد إلا نحر له حتى ما ترك راحلته التي يركب عليها، فابتسم صلى الله عليه وسلم وقال: (دعوه، إنه من بيت جود وكرم) والذي ينشأ على الجود والكرم لا يوقفه أحد ولو نام على الحصير.

    دروس من قصة فقد عقد عائشة

    ونراه صلى الله عليه وسلم يجعل هذه البهيمة تتحكم حتى في قضايانا الفقهية، إذ أن عائشة الصديقة بنت الصديق التمست عقدها فلم تجده، فأخرت النبي صلى الله عليه وسلم، وذهبت تبحث، والناس يبحثون، فغلبها النوم، فوضع رأسه في حجرها ونام صلى الله عليه وسلم، وجاء وقت الصلاة، وليس مع القوم ماء، جيش يريد أن يتوضأ وليس هناك ماء، والرسول صلى الله عليه وسلم نائم، والناس تبحث عن عقد عائشة ، فجاء أبو بكر إلى ابنته، وأخذ ينخسها في خاصرتها: أخرتِ رسول الله حتى عطلت الناس!! تقول: وهو يؤلمني، لكن لا أتحرك لمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ما تريد أن تخرج صوتاً لئلا تزعجه، لأنه نائم، فأفاق عليه الصلاة والسلام، وتغشاه الوحي، وإذا به يقرأ عليه حكم التيمم: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43] فصاح أسيد بن حضير وقال: [هذه ليست بأول بركتكم يا آل أبي بكر الصديق ] هذه ليست أول بركة، كلكم خير وبركة، فيسر الله على أمة محمد إذا كانوا في البر أو في الصحراء وليس عندهم ماء أن يتيمموا، فلما ثارت الناقة، وإذا العقد تحتها باركة عليه.

    دلالات تشبيه المسلم بالناقة

    وأختم حديثي، وقد قرب الأذان حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يصف المسلم الحبيب اللبيب الرفيق المحبوب المتواضع، وصفه بالناقة، كيف؟

    قال: (المؤمن هينٌ لينٌ حبيبٌ قريبٌ كالجمل الأنُفُ -الأُنُف: المطيع- إذا قِيد انقاد، وإذا استنيخ على صخرة استناخ) الصخرة اليابسة إذا أنخت الجمل المطيع عليها ناخ عليها، ولو دست في لحمه قال: هكذا المؤمن، لهذا كان عليه الصلاة والسلام يتمثل واقع هذا الحديث، يأتيه صاحب الحاجة ويجره من ثوبه، يجره من رقبته، ويمشي معه عليه الصلاة والسلام.

    فيا أيها الأحباب! من عظمة ديننا أن جعل لهذه البهيمة التي لا قيمة لها في الميزان المادي تلك المكانة، العظمة تنبثق من أحداث معها وأحكام وسير وقصص وعبر، والذي قدمته لكم غيض من فيض، ولو كان في الوقت متسع لسمعتم أكثر وأكثر من ذلك.

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يدخلنا الجنة محمولين حيث أنه أخبر أن في يوم الحشر: الناس عشرة على ناقة، واثنان على جمل، وواحد على جمل، ونسأل الله أن يدخلنا الجنة محمولين، هو ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا عدواً إلا قصمته، هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان.

    أيها الأحباب: أشكركم على اجتماعكم، وحسن إنصاتكم، وأشكر إمام هذا المسجد لتعاونه، وأشكر من قدم لنا طعام الإفطار، ولشباب المنطقة الذين حرصوا على إحياء هذا النشاط المبارك، وأسأل الله ألا ينقطع وأن يدوم، ففي هذا البلد علماء أفاضل، فاستفيدوا منهم، وأحضروهم كل يوم إثنين، فإن مجالس الذكر هذه عظيمة، تحفها الملائكة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.