إسلام ويب

أذى الكفار للرسولللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أوذي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره من الأنبياء، وقد كان صبره أعظم من صبرهم، كيف لا وهو إمامهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فهو يتأدب مع الأنبياء ويثني عليهم؛ ليكون قدوة لأمته بذلك، وفي هذه المادة بيان لصور من أذى المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وصور لتأدبه مع أنبياء الله سبحانه وتعالى، ختمت بذكر مكر اليهود بموسى عليه السلام.

    1.   

    أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنبياء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سِلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك.

    اللهم إنَّا نسألك حسن الاعتقاد، وإخلاص النية، وصلاح العمل، ونور اليقين، وبرد الرضا، وحلاوة الإيمان، وبر الصدق، وبركة الدعوة، وإجابة الدعاء.

    اللهم إنا نسألك لأمة محمد خليفة ربانياً يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خوفنا رجاءً، ويأسنا رحمة، وفرقتنا وحدة، وذلنا عزاً، وضعفنا قوة، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    وأسألك اللهم أن تنصر جندك وأولياءك المجاهدين، في كل أرض يذكر فيها اسم الله، اللهم سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، واغفر ذنبهم، وحقق بالصالحات آمالنا وآمالهم، واختم بالطاعات أعمالنا وأعمالهم، وأسألك اللهم أن تكرم الشهداء، وتجعل أرواحهم وأرواحنا في عليين، وأسألك أن تثبت الغرباء، وأن تكف أسر المأسورين، وسجن المسجونين من إخواننا الدعاة المخلصين.

    اللهم زد إحسان المحسن، وتب على المسيء، وحط من وراءنا بالرحمة يا أرحم الرحمين!

    اللهم احقن دماءنا، وصن أعراضنا، واحفظ أموالنا، وحقق بالصالحات أعمالنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك.

    اللهم اجعلنا للمسلمين هينين لينين حبيبين قريبين.

    اللهم أيما عبد أو أمة من أمة محمد على الحق فثبته على الحق، ومن كان منهم على باطل وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين! أصلح أولادنا وأزواجنا وأرحامنا، واجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً برحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الأحباب: إني أحبكم في الله، وأحمد الله الذي جمعني وإياكم في بيت من بيوته نتدارس كتابه وسنة نبيه، راجين أن تحفنا الملائكة إلى السماوات العلى، وأن يذكرنا الله في ملأ خير من ملئنا، هو ولي ذلك والقادر عليه، نسأله أن يذكرنا عند جبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش، وأن يذكرنا عند رضوان خازن الجنة هو ولي ذلك والقادر عليه.. آمين اللهم آمين.

    أحبتي في الله: لقد صمتم يوم عاشوراء، والرسول صلى الله عليه وسلم رأى اليهود يصومونه، فسألهم عن ذلك، قالوا: (ذاك يوم نجى الله فيه موسى من الغرق وأغرق عدوه فرعون) فماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ قال: (نحن أولى بموسى منهم) ومن هذا الحديث يتبين ولاء المؤمن للمسلمين، ويتبين أدب الرسول صلى الله عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء والرسل، فما يأتي موقف يشابه مواقفهم إلا وذكرهم وأثنى عليهم، وطلب من أمته أن تؤمن بهم وبرسالاتهم، وأن تدعو لهم في ظهر الغيب، وهذا من أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم.

    لما علم أن اليهود يصومونه من أجل نجاة موسى قال: نحن من أمة موسى، وموسى منا، ونحن أولى به من اليهود، الذين حاربوه وحرفوا التوراة، وكذبوا في التلمود (نحن أولى بموسى منهم).

    «

    إن هذا الحديث والحدث يجرنا إلى مواقف تأدب فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء:

    تأدبه صلى الله عليه وسلم وذكر بعض مواقف أذاه

    فإذا أوذي صلى الله عليه وسلم من قبل الكفار من يتذكر في الأذى؟ يتذكر موسى، فيقول: (رحم الله أخي موسى! لقد أوذي في الله أكثر من هذا فصبر) وأذاه في الله أشد من أذى جميع الأنبياء والرسل؛ لأنه إمامهم وأكبرهم صلوات الله وسلامه عليه، واعترف هو بهذه الحقيقة فقال: (أوذيت في الله ما لم يؤذ أحد).

    فإن الأذى الذي صب عليه أعظمه وأشده الأذى المعنوي، أذى اللسان، الجسد يتحمل، الإنسان بطبيعته معاند إذا ضربوه، ماذا يضر؟

    هذا بلال يجلدونه وهو يصبر ويقول: [أحد أحد] يحرمون الرسول صلى الله عليه وسلم من الطعام ثلاث سنوات في شعب أبي طالب ، يربط على بطنه حجرين، ولكن أمام أذى اللسان كان يتألم ألماً عظيماً، ويحزن حزناً كبيراً، يذكر حزنه القرآن فيقول الله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ [الأنعام:33] ويقول الله له: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [طه:130] وهذا القول هو الذي كان يتألم منه الرسول صلى الله عليه وسلم، فما عزاؤه في أذاه؟

    عزاؤه أن يتذكر موسى عليه السلام الذي بهته اليهود وقذفوه، واتهموه وشوهوا سمعته، فيقول: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي في الله أكثر من هذا فصبر).

    وسأذكر لكم بعض مواقف الأذى التي أصابته صلى الله عليه وسلم:

    كان يوماً يقسم الغنائم وجاءت من الغنائم ذهيبة (ذهب قليل) في أديم من جلد فيها ترابها أي: لم تنظف من التراب فكسرها صلى الله عليه وسلم، وكان حوله زعماء العشائر: عيينة بن حصن، وزيد الخير والأقرع هؤلاء الذين كانت القبائل تمشي وراءهم، قبيلة فزارة وغطفان... إلخ.

    فكان عليه الصلاة والسلام يتألف قلوبهم، ويتحبب إليهم، ويريد أن يثبت الإيمان في قلوبهم؛ لأن زعماء العشائر والقبائل إذا ثبتوا وآمنوا تبعتهم قبائلهم على الدين والتوحيد، فأعطى هذا وأعطى هذا وأعطى هذا، وكان عددهم أربعة أعطاهم وانتهى الذهب، فجاء رجل من المتنطعين فوقف على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، الحديث يصفه أنه بارز الجبهة، غائر العينين، بارز الوجنتين (عظام خدوده ظاهرة) من كثرة الصوم والعبادة؛ يقوم الليل ويصوم النهار -انظر كيف الوصف!- كث اللحية، أقرع الرأس، مشمر الثوب، ولكن كل هذا لم ينفعه مع الجهل، وقف على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد! اتق الله... إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، الله أكبر!

    فقال له: (ويلك! من يعدل إن لم أعدل؟ -وتغير وجهه، وحزن قلبه، وتألم ألماً عظيماً- يقول لمن حوله: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! فقال خالد بن الوليد: مرني يا رسول الله! أضرب عنقه).

    هذا الرجل أدبر لما سمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعجبه، فقال خالد رضي الله عنه: (مرني يا رسول الله أن آتيك برأسه -فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ انظر مع هذا الأذى العظيم!- قال: لا يا خالد ! لعله يصلي -انظر كيف أن الصلاة تشفع لصاحبها!- ثم قال: يخرج من ضئضئ هذا -أي: من ذريته وشاكلته- أقوام يقرءون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصيامه عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فتتبع الصحابة هذا الرجل ودونوه في التاريخ حتى يعرفوا حقائق النبوة ومعجزات محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج من ضئضئ هذا كما قال صلى الله عليه وسلم زعماء الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين.

    لهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون) والمتنطعون: المتشددون في الدين.

    وكان من أذاه صلى الله عليه وسلم أن اتهم في أشرف امرأة في الوجود عائشة ابنة الصديق ، يوم أن قذفها المنافق ابن سلول لما تأخرت تبحث عن عقدها الذي ضاع، فلما ذهب الجيش نامت مكانها وجاءها صفوان بن المعطل رضي الله عنه، وكان رجلاً لا يتزوج النساء، رجل عنين، رجل لا يملك الشهوة للنساء، ليس عنده حاجة للنساء بتاتاً، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يتركه في آخر الجيش لعل أحدهم يكون مريضاً أو سقطت حاجة يأخذها ويوصلها إلى الجيش، فوجد عائشة أم المؤمنين وأركبها على الجمل وسحبها، فقال ابن سلول المنافق: والله ما نجت منه ولا نجا منها، انظر! يحلف على هذا الزور والبهتان.

    ومع الأسف الشديد تورط بعض المسلمين الطيبين، وإذا كان الإنسان لا يضبط هذا اللسان فقد يقع في بلايا تسقطه في النار، هذه الكلمة لقفتها شياطين الإنس والجن وأخذوا ينفخون فيها حتى تورطت فيها حمنة بنت جحش أخت زينب زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتورط فيها مسطح بن أثاثة وهو من أهل بدر رضي الله عنه، وتورط فيها حسان بن ثابت ، وكل هؤلاء الثلاثة جلدوا ثمانين جلدة إقامة لحد القذف بسبب كلمة قالوها.

    ماذا قالوا؟ لم يقولوا شيئاً، قالوا: تعال يا فلان! هل سمعت ماذا يقول الناس؟ قال: وماذا يقولون؟ قال: يقولون: إن عائشة وقعت بالزنا مع صفوان بن المعطل ، هم يقولون لكن أنا لا أقول، أعوذ بالله أن أقول هذا، يكفي هذا فقد أصبحت من الذين يقولون، وهذه ورطة كم من الناس يتورطون فيها اليوم؟! لا يجوز أن تقذف امرأة بالزنا حتى يرى أربعة من المسلمين العدول كما يرون الميل في المكحلة، حتى تحفظ الأُسَر والبيوت، وإلا لصار كل واحد إذا رأى شخصاً وقف بالسيارة وكلمها أو عبر الهاتف وغير ذلك، شهد شهادة جبريل وميكائيل والناس أجمعين أنها وقعت في الزنا، لا. لا يجوز هذا، البيوت لها كرامة، والأسر يجب أن تحفظ.

    الشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوذي شهراً كاملاً، الوحي أمسك عن النزول وهو صلى الله عليه وسلم لا يقر له قرار حتى دخل فصلى بالناس في مسجده الطهور ثم قال: (أيها الناس! من يعذرني من أقوام أصابوني في أهلي؟ -أي: ليس فيكم رجل ينصرني من هذا العدو الذي اتهم أهلي- ووالله ما شهدت عليهم إلا بخير).

    وقصة الإفك قصة طويلة، ولكن أختصر هذا الموقف لكي تروا الأذى الذي وقع عليه صلى الله عليه وسلم، بَرَّأها الله في سورة النور براءة عظيمة تقرؤها الأجيال المسلمة إلى يوم القيامة.

    تأدبه صلى الله عليه وسلم مع سليمان عليه السلام

    موقف آخر من مواقف أدبه مع الأنبياء حتى نتخلق بأخلاقه عليه الصلاة والسلام:

    كان يوماً يصلي فاغتاظ إبليس من صلاته، والشيطان لا يتحول من صورته الجنية إلى الصورة الإنسية إلا إذا كان في كامل غيظه وحقده، لهذا لما عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على الهجر بعد العقبة الكبرى وعقد المؤتمر ليلة الهجرة واتفقوا على قتله وعندما خرج جيش الكفار لكي يحاربوا الرسول في بدر ، كل هذه المواقف الخطيرة ظهر فيها إبليس بصورة رجل، يساعد الكفار ويشاورهم وينصحهم ويوجههم.

    المهم رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي فلم يستطع أن يصبر، فذهب وأحضر شعلة من نار (عصاً مشتعلة فيها شحم وليف) وأتى يجري بأقصى سرعته يريد أن يحرق وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته ما قطعها، انظر إلى الثبات! تخيل نفسك وأنت واقف وأحدهم أتى بكبريت على وجهك! الرسول صلى الله عليه وسلم ظل ثابتاً حتى دنا منه عدو الله فمد يده صلى الله عليه وسلم وقبض في رقبته وخنقه، حتى سقط ريق إبليس على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمسكه المسكة النبوية حتى خنقه، ثم أخذه وجره وأراد أن يربطه بسارية المسجد. يقول: فتذكرت أخي سليمان، انظر الأدب والأخلاق! الواحد منا إذا صاد طيراً فرح! هذا صاد إبليس، لكن انظر إلى تأدبه مع الأنبياء، قال: فتذكرت أخي سليمان إذ دعا ربه: هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، فأطلقت سراحه.

    لأن الجن سخروا لسليمان عليه السلام، وسليمان بينه وبين الله عهد أنه لا يأتي إنسان إلى يوم القيامة وله ملك وسيطرة على الجن كملك سليمان، فلما تذكر عليه الصلاة والسلام هذا العهد بين سليمان وبين الله أطلق هذا الشيطان وعفا عنه، وفك سراحه، تأدباً مع أخيه سليمان عليه السلام.

    ونراه عليه الصلاة والسلام يتأدب في القيام وفي الصيام، وفي الدعاء أمام نبي الله داود، فماذا يقول عن داود؟

    يقول صلى الله عليه وسلم: (خير القيام قيام داود، وخير الصيام صيام داود ) مع أن الصيام والقيام والدعاء خيره من محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن هكذا الأدب، وكان من دعاء داود أن يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك. انظر! صعد إلى حب الله، ونزل إلى حب المؤمنين الذين يحبون الله حتى يحشر معهم، فالمؤمن يحشر مع من أحب، لهذا يقول علي بن أبي طالب: [كن عالماً أو متعلماً، أو مستمعاً أو محباً، ولا تكن الآخر فتهلك] وهو أن تكره العلم وأهله، فتكون والعياذ بالله مع الفجرة: (خير الدعاء دعاء داود: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبَك -وفي رواية- والعمل الذي يبلغني حبُك -أي: أسألك العمل الذي يبلغني حبُك: حبُك يدفعني إلى أعمال صالحة أسألك هذه الأعمال- وأن تجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد ) الله أكبر! انظر إلى الماء البارد إذا كنت ظمآناً في الصيف أو في رمضان وأتى وقت الإفطار، وأخذت الكأس وسميت الله وشربت جرعة منه، كيف ينزل بارداً على قلبك ولا تجد أحلى منه! مهما أكلت من طعام، ومهما تلذذت فلن تجد أشهى ولا ألذ من الماء البارد، وهذا هو الذي يشتهيه أهل النار: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ:54] يقول عبد الله بن المبارك : وإنهم والله يشتهون الماء البارد فلا يجدونه. هذا المذكور في القرآن: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50].

    (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) فقيامه فيه اعتدال عليه السلام، وليس فيه تشدد ولا تنطع، كالثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم، عبادته الظاهرة معروفة، لكن هم ذهبوا يسألون زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بيتاً بيتاً وزوجة زوجة: كيف كان يصلي الليل؟

    ماذا تريدون بسؤالكم عن صلاة ليله؟ أنتم عليكم أن تصلوا فقط كما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) لكنهم ذهبوا وسألوا فكأنهم تقالوا عبادته صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذاك رسول الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هذه الكلمة لو أخذت على ظاهرها لكانت كفراً، وهل أنت تدري معناها؟ عندما قال الراوي: فكأنهم تقالُّوها وقالوا: ذاك رسول الله غفر له ما تقدم من ذنبه، فمعنى ذلك أنه قد كان بوسعه أن يقوم أكثر، وأن يصوم أكثر، لكنه علم أن ربه غفر له فتواكل على المغفرة وترك العمل، هذا هو معناها.

    والخطيئة الثانية من هذه المقولة: أن الله حابى محمداً، يعلم أنه مقصر في الصلاة ومقصر في الصيام لكن حاباه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!

    انظر إلى هذه الكلمة التي هي مجرد هوى يخرج من اللسان، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغته هذه الكلمة ما عنت ولا شدد ولا شهر، وإنما جمع الناس وقال: (ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا وكذا، ألا إنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم -هذه سنتي- فمن رغب عن سنتي فليس مني) عليه الصلاة والسلام.

    تأدبه صلى الله عليه وسلم مع يوسف عليه السلام

    ومن أدبه مع إخوانه الأنبياء أنه ذكر قصة يوسف لما جاءه الإفراج الرسمي من ملك مصر بعد سجن دام سبع سنوات أو تسعاً فماذا قال يوسف؟

    ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50] كلمة "ربي": لا تعني الله سبحانه وتعالى بل الملك، كانت كلمة الملك يطلقون عليها الرب أي: السيد المطاع، ومن معاني الرب في اللغة العربية: الملك والسيد المطاع، وكانت هذه الكلمة مستخدمة بين ملوك مصر (الهكسوس)، كان يوسف عليه السلام في عهد ملوك (الهكسوس) وليس في عهد الفراعنة،.و(الهكسوس) هؤلاء هم رعاة بقر هجموا على الفراعنة وغلبوهم وأخذوا نصف مصر ، ثم أتى الفراعنة في عهد موسى وانتصروا على (الهكسوس) واستردوا مصر مرة ثانية، فهذا ليس فرعون بل ملك من ملوك (الهكسوس).

    الشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع قصة يوسف أنه جاءه الإفراج من السجن بعد سجن طويل أبى أن يخرج وقال: لا أخرج من السجن حتى تعود إلى الملك ويحقق في التهمة التي بسببها دخلت السجن، لكي يعلم أني بريء وعفيف وشريف، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله أخي يوسف لو كنت مكانه لأجبت الداعي) أي: لو كنت مكانه مسجوناً هذه المدة وأتاني هذا وقال: اخرج يا محمد! أفرج عنك الملك، سأخرج حباً للحرية وبغضاً للسجن والاعتقال، أرأيت؟!

    مع أن صبره وثباته كان أكثر من صبر وثبات يوسف عليه السلام، ولكنه يتأدب مع إخوانه الأنبياء تربية لأمته؛ لأن الصحابة يسمعون هذا الكلام، فكل واحد منهم يتأدب أمام إخوانه الذين هم أسبق وأفهم وأعلم منه، فيعطيهم أقدارهم ومقاماتهم، ونحن ماذا نقول عن أبي بكر وعن عمر وعن عثمان وعن علي وعن السابقين الأولين؟

    لابد من تقديرهم واحترامهم وإجلالهم لا كما يفعل بعض الناس عندما يتهجم على الصحابة رضي الله عنهم وأمهات المؤمنين أو بعض الجهال الذين يقولون: هم رجال ونحن رجال، ويردون كلام أبي بكر وكلام عمر رضي الله عنه وأرضاه، ويسيئون الأدب في ألفاظهما معهما.

    تأدبه صلى الله عليه وسلم مع يونس عليه السلام

    وكان من أدبه مع إخوانه الأنبياء أنه ذكر يونس عليه السلام الذي بعث رسولاً في العراق وهو من أنبياء العراق في منطقة اسمها نينوى فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى) حيث إن يونس عليه السلام غار غيرة عظيمة، وغضب غضبة عظيمة، ثم ترك قومه وانصرف، وكما تعلمون أنه ركب البحر فهاج البحر وماج، فقال من في السفينة: معنا رجل آبق عصى الله ولابد أن نعمل قرعة حتى نخفف حمل السفينة فلا تغرق بنا، فأتت القرعة والسهم على يونس عليه السلام، ثلاث مرات؛ فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت.

    حتى ينتبه المسلم فلا يتكل على العمل ولا يستكثره، فهذا نبي من أنبياء الله ورسول من رسل الله، ذنب واحد كاد أن يخلده حياً معذباً في ظلمات بطن الحوت إلى يوم القيامة، فإياك إياك أن تصر على المعاصي! وأكثر من التسبيح والاستغفار، أول ما نزل يونس في بطن الحوت نادى: أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] ولا تظن أن بطن الحوت هو غرفة النوم التي أنت فيها، بل تنزل عليه فيها الأحماض والمعدة تطويه والظلمات والاختناق، ورعب وخوف وقعقعة وغرغرة ومياه مالحة تنزل عليه، وأهوال عظيمة، وما أشغله ذلك الهول عن التسبيح والاعتراف بالظلم، حتى أنجاه الله سبحانه وتعالى وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فأسلموا كلهم بإذن الله رب العالمين!

    أمام هذه الحادثة يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يقولن أحدكم: أنا خير من يونس بن متى) وهو يعني بهذا أنك سمعت القصة في القرآن فتقول: أنا أحسن من هذا النبي عليه السلام، هذا النبي عصى الله سبحانه وتعالى وأنا أحسن منه.

    فنحن لا نساوي غبار الأنبياء، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يحذر أمته من أي خدش أو مدخل من مداخل الشيطان على قلب الإنسان، وهذا دليل حرصه صلى الله عليه وسلم وهو الراعي ونحن الرعية، وكان يخاف علينا أن الواحد منا يزل فيقول: أنا أحسن من يونس، فهو عصى الله سبحانه وتعالى فعاقبه الله في بطن الحوت، أنا أحسن منه أنا ما عصيت، فيحلف ولا حول ولا قوة إلا بالله، فجاء التحذير والإنذار من الرسول صلى الله عليه وسلم: (إياكم أن يقول أحدكم: أنا خير من يونس بن متى).

    أدبه مع أيوب عليه السلام

    ومن أدبه مع إخوانه الأنبياء أن الله سبحانه وتعالى لما شفى أيوب عليه السلام، صاحب القلب الراضي، وأرضى قلب هو قلب أيوب؛ لهذا فقلوب أهل الجنة على قلب أيوب، طولهم ستون ذراعاً على مسحة أبيهم آدم، صورة وجوههم على صورة يوسف الذي أوتي شطر الحُسن عليه السلام.

    وقد ابتلى الله سبحانه وتعالى أيوب بالمرض فصبر .. وصبر .. وصبر .. ثم ابتلاه الله بالمال فأذهب ماله كله فصبر، ثم ابتلاه الله بالأولاد ولم يعطه أولاداً فصبر، ثم ابتلاه الله بالزوجة التي كانت تعينه فصارت ضده فصبر، فلما أراد أن يشكو همه إلى الله قال في ثلاث كلمات: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] وعندما أراد أن يوجه الشر والبلوى بَرَّأ اللهَ منه، ووجهه إلى الشيطان فقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص:41] فقال الله تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42] أيوب عليه السلام رد عليه الله أهله وأولاده وماله، وأكرمه وأعطاه من الخير الشيء العظيم! حتى أنه كان يسقط عليه من السماء جراد من ذهب! تصور أنك ترى جراداً من ذهب يطير .. ويطير .. وتمسكها وأنت تحسبها جرادة فإذا هي ذهب خالص! فكان عليه السلام يجمع ويجمع ويعبئ جيوبه وأكياسه فأوحى الله إليه قال: ألم أغنك؟ لماذا هذا الجمع السريع للذهب؟ ألم أرد لك أهلك وشفيتك وعافيتك؟ فماذا كان جوابه؟

    قال: بلى أغنيتني، وليس لي غنىً عن بركتك يا رب، هذه بركة ومن الذي يرد البركة؟ إذا أتاك الخير هل ترده؟ لا، ولا يستغني إنسان عن بركة الله كثر ماله أو قل؛ وبالبركة يصبح القليل كثيراً، وإذا محقت البركة فكأن الكثير لا وجود له.

    لهذا كان عليه الصلاة والسلام حين يذكر الجبل الذي سيظهر في نهر الفرات -هذا حديث صحيح- قال: (يوشك أن يخرج جبل من ذهب من نهر الفرات -الذي في العراق - يقتتل عليه الناس مقتلة عظيمة، حتى يقتل من المائة تسعة وتسعون، ولا ينجو إلا واحد -ويقول: لعله لي أنا فيقتل- وقال: إذا رأيتموه فلا تأخذوه) اتركوه، جبل من ذهب، وهم يقتتلون عليه، حرب دائمة طاحنة ويقتل من المائة تسعة وتسعون لماذا؟

    لأنه ليس فيه من البركة شيء، وإذا أنزل الله بركته أصبحت التمرة يمصها أبو عبيدة عامر بن الجراح من أول النهار إلى آخره -في غزوة ذات الرقاع وهو أميرها رضوان الله عليه- من أول النهار إلى آخره يمص التمرة، وإذا ذهبت التمرة يمص النواة، والله يبارك فيها.

    الشاهد: أن أيوب قال: أغنيتني وليس بي غنىً عن بركتك يا أرحم الراحمين! وهذا درس من دروس الأنبياء يخبرنا به محمد صلى الله عليه وسلم حتى نستفيد منه عندما يكثر الله أموالنا وأولادنا فنسأل الله المزيد، لأن من دعائه: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وامنحنا ولا تمتحنا، وأعطنا ولا تحرمنا.

    1.   

    إيذاء اليهود لموسى عليه السلام

    وكان من أدبه عليه الصلاة والسلام مع إخوانه الأنبياء أنه يذكر مكر اليهود مع موسى عليه السلام وما اتهموه به من تهمة شنيعة بأنه آدر، وانظر إلى هذه التهمة العظيمة! آدر: تعني أنه مشوه في المثانة والجهاز التناسلي، هذا معنى الآدر، فمن يكشف حتى يُبَرِّئ الله نبيه ورسوله من تهمة اليهود؟

    واليهود قوم بهت، يقذفون بالبهتان ولا يبالون، والأنبياء لابد أن تكون صفحتهم نقية نظيفة من العيوب الحسية والمعنوية، أكمل الخلق أنبياء الله ورسله، فالله سبحانه وتعالى -وهذا ثابت في الحديث الصحيح- ترك موسى يغتسل عرياناً، وكان هذا جائزاً في شريعتهم أما في شريعتنا فقد نهى صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الإنسان عرياناً ولكن يستر عورته؛ لأن الله أحق أن يستحيا منه؛ الشاهد أنهم كانوا يتهمون موسى، ويتجسسون عليه، حتى يتأكدوا أنه آدر أو ليس بآدر، انظر.. الموضوع الذي يضعونه في مجالسهم وفي دواوينهم، بدلاً من أن يذكروا الله ويسبحونه ويهللونه، يتساءلون: موسى جهازه التناسلي سليم أو غير سليم؟

    انظر إلى تفكير الأمة الضالة المنحرفة!

    في بعض الدواوين يدور كلام أشد من هذا، يأتي فقير مسكين يقول: أعطونا مما أعطاكم الله، فيضحكون عليه وينكتون عليه: أنت فقير؟

    يقول: نعم، أنا فقير، يقولون: ومن أمرك أن تصير فقيراً؟!! هيا انهض واصبب القهوة للناس ونعطيك، ويصب.. ويصب.. ويقولون له: صب أيضاً، فيصب.. ويصب.. ثم بعد أن ينتهي يقولون له: اذهب الآن وتعال إلينا غداً، ويتضاحكون عليه ويغمزون وهو عبد من عباد الله سبحانه وتعالى! وليس له ذنب إلا أنه فقير.

    فموسى عليه السلام أراد أن يلبس، فالصخرة التي كانت عليها ثيابه، بعث الله فيها الحياة ففرت الصخرة بالثياب، وموسى بالعصا يجري وراءها يريد أن يمسك ثيابه حتى رآه اليهود عارياً بكامل جسمه وقوته فذهبت تهمة اليهود، عند ذلك نزل الغضب والسخط عليهم من الله سبحانه وتعالى، وذكر الله هذه الحادثة في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69] هذه الآية لهذه القصة.

    هذه القصة من يستفيد منها؟ اليهود لا يستفيدون منها، إن الذي يستفيد منها هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يذكرها لأمته لكي تحترم أمته أنبياءها وتقدرهم، ويكون شعارهم: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] وليس شعار اليهود: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93] أدخلوا العجل في قلوبهم من دون الله رب العالمين.

    أحبتي في الله: لا أطيل عليكم، ولكن هذه القصص والحكايات تفيد أدب محمد صلى الله عليه وسلم واحترامه لإخوانه الأنبياء، وكان يذكرهم أمام أصحابه لكي يعتبروا ويتعظوا ويتخلقوا بأخلاقهم، ويقتدوا بسيرهم، ويصبروا صبرهم، ويجاهدوا جهادهم، ويحترموا إخوانهم السابقين المسلمين، ويكون شعارهم الدعاء القرآني: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    اللهم إنا نشهدك على حب محمد صلى الله عليه وسلم، وحب أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعشرة المبشرين بالجنة، والسبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب، ونسألك اللهم أن تحشرنا وإياهم أجمعين، ونشهدك على حب حملة العرش، وعلى حب ملائكتك وأنبيائك ورسلك، والصديقين والمحدثين والشهداء والصالحين.

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلى سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.

    اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا برحمتك شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.

    اللهم إنا نسألك بعزك وذلنا بين يديك إلا رحمتنا، وبقوتك وضعفنا إلا قويتنا، وبغناك عنا وفقرنا إليك إلا أغنيتنا، هذه نواصينا بين يديك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، عبيدك سوانا كثير وليس لنا سيد سواك، نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه، يا أرحم الراحمين!

    يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء! اكشف ما بأمتنا من سوء، اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وبرك وإحسانك، واحرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم من أراد بنا سوءاً وهذا البلد والمسلمين فأشغله بنفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، اللهم ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل، وانصر حزب الحق، اللهم ارحمنا وارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم، واغفر زلتهم، واقبل حسنتهم، وإذا صرنا إلى ما صاروا إليه فاجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، أمدنا فيها بالروح والريحان، والنور والإيمان، والبر والرضوان برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.