إسلام ويب

التربية القرآنيةللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قرآن ربنا شفاء لكل مؤمن من كل داء، وهو على الكافرين أذىً ووبال. فمن أخذه وأخذ علومه انتفع ونفع، وما نراه من صور وجدت في السلف إنما هي أثر من آثاره، وأما ما نراه من انقلاب الموازين وانحراف الأمة عن الوسطية، فإنما هو بسبب تركهم كتاب ربهم، ولهثهم وراء الغرب، سواء كان اللهث على الشهوات أو بغرض النيل من علومهم التربوية وأفكارهم التي هي نظريات تحتمل الصحة والخطأ.

    1.   

    (اقرأ باسم ربك) وما أحدثه في مجال التعليم

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، اللهم ألف على الخير بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك.

    اللهم اجعلنا لإخواننا المسلمين هينين لينين سمحين حبيبين، اللهم اجعلنا لإخواننا المسلمين مبشرين وميسرين ولا تجعلنا معسرين ومنفرين، اللهم اجعلنا لإخواننا المسلمين رحمة ولا تجعلنا فتنة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعلنا لإخواننا المؤمنين كالأرض الذلول يطؤها الكبير والصغير، وكالسحاب يظل البعيد والقريب، وكالمطر يسقي من يحب ومن لا يحب، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، انصر جندك وأولياءك المجاهدين، ثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وفك أسرهم، واجبر كسرهم، وحقق بالصالحات آمالهم، واختم بالطاعات أعمالنا وأعمالهم، واجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً.

    اللهم علمنا كيف نعفوا، وكيف نغفر اللهم إنا عفونا عن ما بيننا وبين عبادك فاعف ما بيننا وبينك، فإنك أجود وأكرم يا رب العالمين!

    لأن نلقاك بالعفو خيرٌ لنا من أن نلقاك بالخصومة، اللهم إنا عفونا عمن ظلمنا في صباحنا ومسائنا هذا، أيما عبد من أمة محمد يحبنا فثقل ميزانه، وحقق إيمانه، وفك رهانه، وأخسئ شيطانه، واجعلنا وإياه في الفردوس الأعلى، وأيما عبد أو أمة من أمة محمد اغتابنا أو بهتنا فقد عفونا عنه، اللهم أرنا وإياه الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

    أما بعد: أيها الأحباب: إني أحبكم في الله، وأتقدم بالشكر الجزيل من بعد الله رب العالمين إلى إمام هذا المسجد الذي تعاون معنا في إحياء هذا الدرس، وإلى أهل هذه المنطقة الذين ساهموا بالحضور، وإلى شبابها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فنسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولهم حسن الاعتقاد، وإخلاص العمل، وبرد الرضا، ونور اليقين، وحلاوة الإيمان، وصدق الكلام، وبركة الدعوة، وإجابة الدعاء، آمين، هذا الدعاء ومنك الإجابة.

    كيف تكون التربية على مبدأ (باسم ربك)

    أيها الأحباب الكرام: تربية النشء على القرآن هو المقصد الأول في قوله تعالى في أول كلام نبئ فيه محمد صلى الله عليه وسلم، تحول فيه من إنسان عادي إلى إنسان نبي بكلمة (اقرأ) وهل يستغني النشء عن كلمة (اقرأ)؟ لا يوجد نشء في العالم يعيش بدونها إلا ذلك المتخلف عن ركب الحضارة، البعيد هناك في ظلمات الغابات، أو مجاهيل الصحراء، أو مغارات الجبال المعزولين عن الدنيا، أما عامة أبناء البشر فهم يمارسون (اقرأ) وهو طلب العلم.

    ولكن التربية في كلمة اقرأ تحددها باسم ربك، فإن نشء الدنيا الذين يتعلمون تحت مظلة اقرأ ما نفعتهم اقرأ إلا يوم أن كان انطلاقها باسم ربك، وهنا جاء التخصيص والتحديد للغاية من التعليم والقراءة، ويوم أن يكون هناك الفصل بين التعليم والقراءة وبين أن يراد بها وجه الله يكون النكد، ويكون الفصام الخبيث الذي تشقى به البشرية ولا تسعد: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الأعراف:58] فالناس يعيشون الآن في النكد يوم أن انحرف منهجهم عن اقرأ باسم ربك.

    أيها الأحباب: إن لهاتين الكلمتين دور عظيم في أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، يوم أن نزلت ما كان يقرأ وما كان يكتب إلا أفراد يعدون على الأصابع، وما مر وقت على نزول هذه الكلمات المباركات إلا وكثر الكتاب والقراء حتى أصبح الآن ببركة هذه الكلمة الربانية تمتلئ مكتبات في العالم فيها ملايين الكتب، كلها منبثقة من قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1] ملايين الكتب، والذي أغرقه التتار لما غزو بغداد جعلوا جسوراً في الأنهار من إنتاج اقرأ باسم ربك حتى تغير لون النهر فصار أسوداً من الحبر.

    والآن لو أردت أن تحصي عدد ما كتب في ظلال هذه الكلمة لا تستطيع إحصاءه، أرأيت فضل الله سبحانه وتعالى؟

    الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1-4].

    اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1] الله سبحانه وتعالى جعل القراءة باسمه تبركاً، أي: اقرأ وأنت تتبرك باسم ربك، وبدون هذه البركة لا فائدة لهذه القراءة، اقرأ مقتدياً بالله رب العالمين، أي: تريد بها وجهه سبحانه وتعالى.

    اقرأ داعياً ربك بالتوفيق، وهذا في قوله تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طـه:114] لاحظت! إذاً تتوجه عندما تقرأ إلى الله أن يزيدك علماً.

    اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1]أي: جاعلاً هذه القراءة التي تقرؤها بحول الله وقوته، ولولا هذا الحول وهذه القوة ما استطعت أن تجمع مسألة علمية واحدة.

    اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1] أي: ذاكراً لأسماء الرب الحسنى والصفات العلى؛ لأنه تفضل عليك بهذا العلم الوافر الذي ما كان لك أن تتعلمه لولا الله، ومعاني كثيرة جداً يحملها قوله تعالى: بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1].

    بعد (اقرأ) (قم فأنذر)

    انطلاقاً من هذه الآية الكريمة التي نبئ بها محمد صلى الله عليه وسلم ننطلق إلى الآية الثانية التي أرسل بها محمد: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر:1-2] فالعلم المكنوز يتحول إلى ترف ذهني، وطاقة مهدرة أو مقيدة ليس فيها نماء، وليس فيها عطاء حتى ينهض صاحبها ثم ينطلق يعلمها الآخرين، ويخترع ويبتكر ويتفكر ويعبد الله بهذا العلم، من أجل ذلك جاء الأمر بالقيام لكي ينطلق فقرأ وتعلم وتلقى الوحي؛ الآن قم فأنذر.

    وبدون هذه الانتفاضة وذلك القيام يعتقل العلم، يصبح العلم في قفص الصدور لا خير فيه، لهذا انطلق محمد صلى الله عليه وسلم ينادي أمته (بلغوا عني ولو آية) (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع).

    ثم نرى النشء المسلم وهو يتلقى القرآن في مراحله الأولى لنزوله، نرى القرآن يتمشى مع عمر الطفل، لم تنزل الآيات والسور الطوال، وإنما يدرب الله الخلق كبيرهم وصغيرهم، فكانت معظم السور التي نزلت من المفصل الذي إذا قرأه الإنسان بمستوى الشاب العربي قوي الذاكرة عند نزول القرآن الفصيح البليغ الذي يعرف أسرار اللغة وبلاغتها وفصاحتها ما إن يقرأه مرة واحدة حتى يحفظه.

    لهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يستمعون القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم كبارهم وصغارهم يقرءوه مرة أو مرتين فيحفظونه عن ظهر قلب، لهذا تجد أن السور المكية قصرها الله تدريباً للنشء وأنتم تلاحظون هذا في المدارس، اتفق علماء الأمة أن الطفل في الروضة والابتدائي والمتوسط يختارون له قصار السور، ثم في هذه السور القصيرة جمع الله معاني التوحيد والاعتقاد لأهميتها للعباد، وهي القاعدة التي من خلالها يتعامل الإنسان المسلم مع الله ومع كتابه ومع رسوله ومع نفسه ومع الناس على جميع الأجناس.

    وعندما نبدأ نراجع بعض هذه السور نرى هذه الحقيقة.

    1.   

    سورة الإخلاص ونسفها لعقائد الباطل

    خذ على سبيل المثال سورة الإخلاص، الإعلان النبوي عنها أنها تعدل ثلث القرآن، من قرأها مرة كتب له أجر ثلث القرآن: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4] هذه السورة نسفت في قلوب وعقول الناشئة المسلمة ثلاث ديانات باطلة، يعني: أنت الآن عندما تحضر ابنك تريد أن تخلص المبادئ الهدامة من قلبه، هذا أكثر ما يهمك، يعني: لا تريد أن يكون علمانياً ولا شيوعياً ولا بهائياً، ولا غيره من الفرق التي زادت على الثلاثة والسبعين، سورة الإخلاص ترد على اليهود الذين يقولون: يلد، وابنه عزير، فنسفت عقيدة اليهود، والنصارى يقولون: يلد، والسر في انحراف عقيدة النصارى كلهم حرف واحد، جاء في الإنجيل وإني ولدّتك من مريم البتول، النصارى قرءوها ولدتك، لا ولدّتك، تصور حركة واحدة، فجعلوا الله الذي ولد مريم هو الذي ولد منه المسيح عليه السلام.

    انظر حرف واحد نسف توحيد أمة كاملة، ثم جاء العرب الذين يقولون: الملائكة بنات الله، قال: (لم يلد) فنسف عقيدة العرب كلهم، (ولم يولد) و(لم يكن له كفواً أحد) سحبت معها كل الفرق الضالة التي تؤول الأسماء والصفات والأفعال.

    يا جماعة! تفكروا في هذه الصورة العظيمة! الذين يؤولون أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، الله متصف أن له سمع، وبصر، ويد، وقدرة، وإرادة، وعلم.

    جاءت هذه الآية: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4] فنسفت كل التأويلات الباطلة، وجعلت هذه الصفات وهذه الأسماء معلومة المعنى مجهولة الكيف فلا يحيط بكيفها إلا الله، انتهت المشكلة، لهذا كانت عقيدة الصحابة كباراً وصغاراً صافية نقية خالية من الاضطراب والخلاف، لعلمهم وفهمهم وحسن تلقيهم.

    ثم الأسلوب الثالث من تعليم القراءة إلى الانطلاق بهذا العلم، إلى التأسيس على قاعدة التوحيد، جاء ربط السلوك والعبادة بالعقيدة حتى لا يكون هناك انفصام في تربية النشء، تجده حافظاً لمعاني الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ويوحد الله في أفعاله، ولكن في سلوكه مع الناس فظاً غليظ القلب، يُكفر هذا .. ويضلل هذا .. جافياً على إخوانه، لا يجدون عنده رحمة ولا رفقاً، ويَدرس علم الكلام ويجادل فيه، ولا يذكر أنه يقوم لله بركعة واحدة في الليل لكي يقشعر بدنه ويرق قلبه.

    1.   

    سورة الماعون وما فيها من جوانب تربوية

    فجاءت الصور المكية التي تربي النشء في سورة واحدة تعالج الجوانب الثلاثة: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ [الماعون:1] هذه عقيدة، الإيمان بالدين والتكذيب بالدين عقيدة، الدين هو يوم القيامة يوم الجزاء، الذي ذكره الله في أول سورة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وتفسير مالك، وملك يوم الدين، فسرتها سورة الانفطار: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:17-19] هذا هو التفسير، ففسرها الله في هذه السورة.

    أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ [الماعون:1] عقيدة فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون:2]أخلاق وسلوك، فجاءت الأخلاق والسلوك بجوار العقيدة وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:3] دعوة، تحض وتدعو الآخرين على طعام المسكين، هذا يفهم من باب مفهوم المخالفة، الله شنع على الذي لا يحض، إذاً أنت حض، أيها الناس! تصدقوا أنفقوا، هذه دعوة فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] عبادة، الله أكبر! عقيدة، أخلاق، دعوة: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ [الماعون:5-6] توحيد يراد بها وجه الله سبحانه وتعالى: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7].

    فالنشء المسلم لا يعجز عن حفظ هذه السورة، قصيرة جداً، لكن انظر إلى المعاني الكبيرة التي احتوتها!

    فتجد في أول سورة البقرة يجمع الله القضايا الثلاث في آية واحدة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] عقدية: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [البقرة:3] عباده: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] سلوك وأخلاق، تصدق وجود وكرم وبذل في آية واحدة.

    والنشء المسلم عندما يتأسس هذا التأسيس لا تجد عنده انفصاماً إيمانياً أو عقيدياً أبداً، بل حتى القضايا العقدية التي يقول عنها العلماء: إن موطنها القلب، لهذا سميت عقيدة، بحيث إنها تكون إيماناً في القلب يعقد عليه فلا ينحل كإيمانك أن الله واحد، وأن الله قادر، وإيمانك بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، هذه عقيدة معقود عليها في القلب لا تنحل إلا أن يشاء الله رب العالمين.

    1.   

    أثر العقيدة في أبنائها

    هذه العقيدة أوجد لها الإسلام متنفساً في واقع الحياة، ولعلك تسأل سؤالاً فتقول: أعتقد وأعقد في قلبي معاني أسماء الله وصفاته العلى كيف أجد لها متنفساً؟ كيف أجد لها مجالاً تعبدياً؟

    أقول لك: المجال التعبدي يوم أن تعلم أن الله عفو فتعفو أنت عن العباد، ويوم أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى كريم تكون كريماً، جواد تكون جواداً، صبور تكون صابراً وهكذا.

    بلال وتذوقه لحلاوة الإيمان

    إذاً: عبدت الله بمعاني أسمائه الحسنى يوم أن أوجدت لنفسك سلوكاً وواقعاً ومتنفساً لها في حياتك، ولو تتبعت سير الصحابة رضي الله عنهم في ذلك لوجدتهم ينقلون القضية العقدية إلى سلوك عملي واقعي.

    وخير مثال أضربه لكم بلال ، أليس من الإيمان أن تعتقد أن الله واحدٌ أحد، بهذه العقيدة انتصر بلال على معسكر الكفر، لم يقف بجوار بلال مصفقون، ولا مطبلون، ولا مشجعون، ولا هاتفون، ولا جهاز إذاعة ولا إعلام ولا صحف، ولا كتبوا عنه أي شيء، مرمي على الرمل الحار والصخر على صدره وأمية بن خلف يضربه بالسوط حتى تتعب يده، ويقول: واللات ما تركتك رحمة بك إنما كلت يدي، ولأعودن إليك.

    فقالوا له: كيف صبرت يا بلال على مرارة العذاب، وحر الرمضاء؟

    قال: [كنت أخلط حلاوة الإيمان بمرارة العذاب فتطغى حلاوة الإيمان على مرارة العذاب فأصبر] بماذا؟! أحدٌ أحد، يضرب وهو يقول: (أحدٌ أحد) هذه لها معاني عظيمة، أحدٌ أحد هذا التوحيد، هذا المدح لله، هذا الإقرار، هذا الإيمان، هذه العقيدة، لو عددت معانيها لانتهى وقت المحاضرة وما استوفيتها، كانت تتداعى في فكر وقلب بلال خلال التعذيب، فأصبح التعذيب نوعاً من الحلاوة.

    سحرة فرعون يتمنون الموت في سبيل العقيدة

    وهذا الذي أحسه طلائع الإيمان من سحرة فرعون الذين آمنوا: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:124] قابلوه بهدوء المؤمن وسكينة المسلم لا ضير، إلى أن قالوا: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ [الأعراف:125] أنت سوف تصنع لنا معروفاً إذا أنت قطعتنا، سوف تنقلنا من الدنيا الظالمة إلى عالم أرحم الراحمين: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ [الأعراف:125] وهل سنجد أحسن من ربنا، أحسن من الفردوس، أحسن من الحور، من الأنهار، من رفقة الأنبياء؟

    آسية تختار العقيدة على لذة العيش

    ونفس الرد كانت ترد به زوجته آسية رحمها الله، لما هددوها بالتقطيع بالمناشير، قالت: لو قطعتموني إرباً إرباً ما ازددت في ربي إلا حباً: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].

    فأصبحت التربية على هذه الأسس الثلاثة: العقيدة، العبادة، السلوك تجعل الضعيف قوياً، والقليل كثيراً، والعذاب عذباً، ولا يعرف حقيقة ما أقول إلا الذي خاض تلك التجربة، واسألوا الدعاة المسجونين في المعتقلات الذين يصب عليهم العذاب صباً، ثم تعالوا وانظروا في لياليهم يوم أن يصفوا أقدامهم بين يدي ربهم تالين كتابه، تنهمر الدموع فتغسل الآلام والعذاب، وغيرهم يواصل النوم بالنوم والطعام بالطعام، ولكنه في ضنك: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124].

    كفار قريش يتذوقون حلاوة القرآن

    والنشء المسلم عندما نبدأ نربيه على القرآن، أول ما نعمل نحببه؛ لأنه إذا ما أصبح في قلبه حب لهذا القرآن يُخشى أن يكون هناك بينه وبينه حاجزاً، وهذا السر الذي جعل كثيراً من الكفار يعاندون مع إقرارهم واعترافهم بأنه كلام، كما قال الوليد بن المغيرة وهو خبير لغوي، وسيد من سادات آل مخزوم من قريش، لما سألوه، قال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة -الشيء المطلي الذي يلمع ويبرق، فرق بين الجدار عندما يصير إسمنت، وبين أن تضع عليه رخاماً وتصبغه بلون أبيض فالواحد يستأنس عندما يراه- وإن أعلاه لمثمر -الشجرة عندما تكون الثمار فوقها- وأسفله لمغدق -الثمار الناضجة تحت، والتي لم تنضج فوق، والأزهار فوق، منظر جميل! هذا الوصف في منتهى البلاغة- وإنه يعلو ولا يعلى عليه.

    كلما أتينا بقصيدة من المعلقات الفصيحة التي أجمع الخبراء اللغويون على فصاحتها وعلت وعلت وعلقناها حتى صارت من المعلقات في الكعبة، جاء القرآن فعلى عليها بآية واحدة، معلقة طويلة يعلو عليها القرآن بآية واحدة.

    بعد هذا الاعتراف لماذا لم يسلم ولم يؤمن؟

    الأخنس بن شريق، وأبو سفيان، وأبو جهل، وغيرهم إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، يتسللون في الظلام ويستمعون واقفين إلى أن يطلع الفجر، ثم إذا كشف بعضهم بعضاً استحوا، وقالوا: ويحكم! لو رآكم الناس لآمنوا به، ويتعاهدون ألا يعودوا ثم يعودون في الليلة الثانية، لا يستطيعون أن يصبروا عن فصاحة القرآن وبيانه.

    إذاً لم يكن بينهم وبين هذا الذي يقرأ القرآن محبة، ما السر في ذلك؟ ما السر الذي جعلهم يحقدون عليه، ويحولون اسمه من محمد إلى مذمم؟

    يسمونه مذمماً عكس محمد؛ إنه فقير، إنه يتيم، إنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، وهم أصحاب الأموال والأولاد والثراء، فتحرك الحسد في قلوبهم، فهم لا يكذبونه: وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] جحد وعناد.

    1.   

    كيف كان يربى النشء في العهد النبوي

    فعندما تريد أن تربي النشء المسلم اجعل بينك أنت كمربي ومعلم وبين هذا النشء محبة ومودة حتى يأخذ منك القرآن وهو يحبك ويحبه، فالذي يمسك العصا، ويكون وجهه مقطباً ومكفهراً، وينهر، ويزجر، ويضرب، قد يطيعونه مؤكداً، لكن بعد ثمانية عشر سنة من حفظ المصحف كله يصير شيوعياً أو علمانياً.

    وقد رأينا ممن حفظ المصحف ثم بعد ذلك ما إن تقابله الجاهلية والدنيا بفتنتها حتى ينسلخ منه ويصير شيوعياً أو علمانياً أو ماسونياً، نعم! فهو تلقاه تلقي المغصوب، لهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخولهم في الموعظة، يقرأ عليهم عشر آيات حتى يحفظونها ويطبقونها، يتلطف معهم: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215].. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].. وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54] آيات عظيمة كلها تدل على التلطف بهؤلاء الأحباب، لهذا لا يتكلم معهم إلا وهو يبتسم، وإذا جاءه ابن أم مكتوم فرش له برده وأجلسه عليه، وإذا أراد أن يكلمهم أو أن يأمرهم أو أن ينهاهم تجده لطيفاً معهم إلى أبعد حد عليه الصلاة والسلام.

    هذا منهج تربوي في تعليم القرآن، ما كان يوجد غير القرآن ينزل في هذه المرحلة، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصله لهم كما يقولون: على أحسن طبق، أي: أنت عندما أضع لك أكلة شهية في لوح عفن لن تأكلها، لكن إذا وضعتها لك في طبق جميل أصبحت نوراً على نور، المحتوي يؤثر على المحتوى، هذا شيء معروف، لو أعطيك أحسن مسك وأضعه لك في علبة معجون طماطم من أجل أن تبيعه، لن يشتريه أحد حتى ولو بربع دينار، لكن إذا أحضرت قارورة كأنها كوكب دري، ووضعت فيها هذا المسك وأخذ الناس ينظرون من بعيد، لها فص، ولها بريق، الناس سيشترونها.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن بهذه الطريقة، والمتتبع لصفاته في تبليغ دعوته للمؤمنين -وهذا الذي يهمني الآن؛ لأن الموضوع تربية النشء- وفي تبليغ القرآن لهم وجد أنه كان في غاية اللطف: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] على ما أنت عليه من ذكاء وفهم، فإنهم رغم ذلك سينفضون ولا يأخذون منك شيئاً، لكن اللين والرحمة والرفق جعلهم يتلقون منك، ويقول كل واحد منهم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أي: أفديك بأبي وأمي يا رسول الله، الذين لا يوجد أغلى منهما.

    1.   

    جوانب تربوية من سور قرآنية

    أنتقل معكم الآن إلى بعض السور لكي نلتمس الجوانب التربوية فيها، القرآن ربى النشء بالترغيب أولاً وبالترهيب ثانياً، غالباً يتقدم الترغيب على الترهيب، فالله سبحانه وتعالى وصف جنته وما فيها من نعيم، وجعل الحرف بعشر حسنات، وجعل سورة بثلث القرآن، ومدح كلامه ونفسه، وجعلك تحبه من خلال المدح لذاته سبحانه، ولصفاته لا إله إلا هو.

    أثر تعظيم المعلم على نفس المتعلم

    الناس الآن يعتزون بكلمات بعض القادة من الكفرة والفجرة لا لشيء إلا أنهم أظهروا بعض البطولات، قال نابليون ، قال هتلر، لماذا؟

    قال: لأنه قائد عسكري استولى بالنار والحديد على عدة دول، فأصبحت كلماتهم تكاد تكون كأنها مأثورة عند بعض الناس، لا أحد يناقشه، إذا قال نابليون ، لا يقول له أحد: قال أو لم يقل، صحيح أو ضعيف، كلامه مُسَلَّمٌ عندهم، ونابليون قائد يهودي فرنسي أوجده اليهود أعرج ويديه مشلولة، ومات مريضاً سكراناً، وهو منفي في جزيرة، هذا نابليون .

    فكيف إذا جاء محمد صلى الله عليه وسلم وما أودع الله فيه من صفات: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]؟! الله سبحانه وتعالى يزينه للناس حتى نحبه، فنأخذ منه الكلام من الحب والولاء والنصرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً [الأحزاب:41-44] إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:45-47].

    كيف إذاً لا يحب ولا يتلقى منه هذا القرآن صلى الله عليه وسلم؟

    لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] عزيز عليه ما يهلككم وما يؤذيكم وما يزعجكم، الشيء الذي يعنتكم ويزعجكم يزعجه، والذي يفرحكم يفرحه، هذا معنى الآية.

    فعندما نريد أن نربي النشء نرغب كما رغب الله، نرغب بالقرآن، نرغب في الله، نرغب في جنته، فنعطيهم بعض صفات الله سبحانه وتعالى حتى يحبون لذاته سبحانه فيتلقون كلامه، نمدح هذا المدرس المدح الذي يحبب التلاميذ فيه، الآن المدرس المحبوب مدرس الرياضة، لماذا؟ لأن الإعلام يخدمه، الإعلام في الملعب، الإعلام في الكرة، لكن مدرس الدين يُعطى آخر حصة ويصبح التلميذ مريضاً فلا أحد يحبه.

    لهذا لا أحد ينتفع بالدين في المدارس إلا من رحم الله والذي وراءه أسرة متدينة، لكن لو أن مدرس الدين أعطي التقدير والاحترام وأحيط بهذه الأمور التي أحاط الله به نبيه، لأصبحت حصة الدين من أجمل وأبهى الحصص.

    جوانب تربوية من سورة المطففين

    فقضية الحلال والحرام فصلت في المدينة المنورة ، لكن هل غابت كتربية عن العهد المكي والقرآن المكي؟

    لا. وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:1-6] أي: تخيل أنك غافل والذين في المسجد كلهم قاموا مرة واحدة، سيصيبك رعب، فكيف بقيام البشرية كلها، والجن كلهم يوم القيامة لرب العالمين؟!

    أي قلب يثبت إلا أن يثبته الله، لهذا لما انتبه لها عبد الله بن عمر وقرئت عليه كاد أن يغمى عليه، وضرب كفاً بكف، وقام عن المجلس واصفر وجهه، وذهب يردد وهو يبكي: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] وسقط مريضاً.

    فكيف بمن استشعر أن مع الناس تقوم السماوات السبع والأرض؟

    وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [الروم:25-26] حاول أن تتخيل! لن تستطيع؛ لأنه لا يوجد واحد من البشر شاهد ذلك حتى الآن، الخيال يقف، هذا شيء فوق الخيال.

    بنو إسرائيل لما رأوا أن الجبل ارتفع، قالوا: سمعنا وأطعنا، جبل واحد، فكيف السماوات كلها؟! فعندما يستمع الطفل والتاجر والكبير والصغير: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] إلى أن يصل: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:4-5] يقول: فلن أطفف في الكيل، ولن أسرق، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم أجرني من شر هذا اليوم، ويبدأ في تجارته وفي بيعه وفي شرائه يكون صادقاً.

    عابد الذهب الحقود البخيل الذي يجمع، ومن ثم يدخل الدار ويغلق الغرفة عليه، ويفتح الخزينة ويخرج الذهب ويبدأ يعد، لا يعد مرة واحدة، ولكن يعد كلما وصل إلى النهاية رجع مرة أخرى، يقول: ربما أنني أخطأت في العد، ربما أنا عندي أكثر، ومن ثم يقول: لا والله كأنه أكثر، ويعود مرة ثالثة يعد، ثم يجد فجأة بأن هذا الذي كان يعده أصبح منبوذاً هو وإياه في النار، وأن هذه النار دخلت داخل جسمه وبدأت تطبخ هذا القلب وهو يطفئها لكنه لا يستطيع، منظر مرعب!

    جوانب تربوية من سورة الهمزة

    وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ [الهمزة:1-3] انحراف في العقيدة، الخلود مع المال، الموت بلا مال، مسكين لا يدري أن كل المليونيرات والمليرديرات كلهم ماتوا وبقي الله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58]هو يظن أن وجود المال دليل الخلود يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة:3-4]ينبذن: منبوذ؛ لأنه كان منبوذاً مبغوضاً عند الناس، لا أولاده يحبونه، ولا أرحامه يحبونه، لا يعطي أحداً، يذبح أولاده كل يوم يؤكلهم العدس، وإذا وضعوا اللحم، قال: الله أكبر! إدامين في وقت واحد لحم وعدس؟ بخيل يملك ملايين وعمارات وفيه فقر دم؛ لأنه فقير، فقر دم أي: فقير، بخيل، حريص.

    هذا السورة كيف تربي وتأخذ دورها؟ إذا أعطى الناس أعطاهم الهمز واللمز: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة:5-7] الفؤاد أرق، تطلع النار على القلب وتحرقه: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة:8] لأنه أوصد الخزينة فأوصد الله عليه النار: إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16].

    فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة:9] انظر دور هذه السورة التربوية، إنها من أروع الأدوار.

    1.   

    أثر إهمال التربية القرآنية على النشء

    النشء المسلم أيضاً علينا أن ننتقي له من الآيات والسور التي تعالج معه مرحلة من مراحل عمره، الآن الناس يعانون من أولادهم من مرحلة اسمها: (مرحلة المراهقة) لم يكن العرب والمسلمون في القرون الأولى وأيام ما كان التعليم في الكتاتيب والمساجد يمرون بهذه المرحلة أبداً، اقرأ كتبهم، اقرأ ماذا كتب الغزالي في التربية، لا تجدهم يذكرون قضية مرحلة المراهقة هذه، هذه جاءتنا بعد أن انتقلنا وأخذنا مبادئ التربية من الغرب، ماذا قال فرويد، وجامبول سارتر؟ فعند ذلك ظهر عندنا المراهقون، لماذا؟ لأن هناك في القرآن آيات نزلت لهذا العمر من الناس.

    فالطفل إذا بلغ الحلم، يعلمه الإسلام كيف يستأذن في الدخول وكيف يستأذن في الخروج قبل صلاة الفجر وبعد صلاة العشاء وعند الظهيرة بعد أن ننزع الملابس، والواحد يتحرر من ملابسه ويجلس مع زوجته، كذلك المرأة إذا جاءها الحيض كيف تغتسل؟ وما هو القرء؟ وكيف تتطهر؟ والطفل إذا احتلم ما هو الاحتلام؟ وكيف يغتسل منه ويتطهر؟ وما نوعية الاغتسال؟

    هذه يتلقاها من القرآن والسنة في المدرسة التربوية، فإذا جاءت هذه المرحلة جاءت مرحلة طبيعية لها تمهيد إيماني؛ لأنه لم يكن يتلقى من فلان وعلان، إنما يتلقى من الله، فدراسته لهذه القضية مربوطة بعبادة في داخل المسجد، ليس في مدرسة بعيدة، إذا جاءت الفرصة وضعوا له أغنية، لا.

    فكان الطفل يمر في مرحلة المراهقة لا تؤثر عليه بالمرة، الآن إذا جاءت مرحلة المراهقة أصبح وحشاً إلا من رحم الله، ويبدأ بالمخالفة مع كل واحد: هو الذي يفهم والناس لا يفهمون، وهو الذي يعلم والناس لا يعلمون، وهو الذي على حق، وهو المظلوم... إلى آخره، ويصبح منغصاً لأهله وعيشتهم، ويجر والده إلى المخافر، ويضرب المدرس، ويعمل الفاحشة إلى آخره؛ لأن التربية القرآنية الهادئة فقدت.

    انفراط عقد العلاقة بينه وبين الطبيعة

    كذلك القرآن عندما تعرض في تربيته للآيات المنظورة وظواهر الطبيعة .. الطبيعة الجغرافية الإحياء والعلوم، كان هناك ربط بين الكون والمكون، بين المخلوق والخالق، لم يكن المربي في الماضي يقف عند المخلوق وعند الآية أبداً، مستحيل، بل يرى ذلك حراماً، ولو وقف عندها لأصبح مثل عقرب الساعة، المكان الذي انتقل منه عاد إليه، لا: قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:190-191].. انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام:99].. وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5].. إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى [فصلت:39] انظر الربط! يبدأ في رحم الأرض والبذور تهتز إلى أن يوصلك إلى الله الذي أحياها: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18] مشاهدات يومية: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم:19] يربطك بالبعث.

    إلى أن يربطك بالوردة والزهرة والطير والعصفور: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [النور:41] فيبدأ الطفل الذي يقرأ الطير، يقول له مدرس العلوم: انظر هذا عنده منقار، رأسه مدبب حتى يلتقط الحبة، عيونه مستديرة، أجنحته لها قوادم فقط، ماذا استفاد؟ لم يستفد شيئاً، لكن عندما يربطها أن الله فعل ذلك، أن الله أبدع ذلك، الله فاطر السماوات والأرض، الله الخلاق العليم، انظر هذه آية من آيات الله، انظر الطير صافات، تسبح، تكبر، تهلل، تصلي: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44] فتتحول جميع الدروس إلى محراب إيماني يزيد من إيمان الأطفال، فتصبح نظرتهم للشمس وللشجر وللمطر وللبحر وللقمر كلها نظرات إلى آيات في الأرض والسماء، فكما يقرءون القرآن آيات مقروءة ينتقلون إلى الآيات المنظورة فيوحدون الله رب العالمين.

    انظر لتلك الشجـره     ذات الغصون النظره

    هذه محفوظات ممنوعة الآن؛ لأنها تزيد الإيمان:

    كيف نمت من حبـه     وكيف صارت شجره

    فاسأل وقل من ذا الذي     أوجد فيها الثمره

    ذاك هو الله الذي     أنعمه منهمره

    ذو حكمة بالغة     وقدرة مقتدره

    انظر إلى الليل وقـل     من شق فيه قمره

    من ذا الذي زينه     بأنجم مزدهره

    هذه كلها معاني مأخوذة من القرآن: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5].

    وانظر إلى الشمس التي     جذوتها مستعره

    فيها ضياء وبها     حرارة منتشره

    من ذا الذي أوجدها     في الجو مثل الشرره

    ذاك هو الله الذي     أنعمه منهمره

    ذو حكمة بالغة     وقدرة مقتدره

    وانظر إلى المرء وقـل     من شق فيه بصره

    من ذا الذي جهـزه     بقوة مبتكره

    وانظر إلى الغيم وقـل     من ذا الذي أنزل منه مطره

    وصير الأرض به     بعد اغبرار خضره

    ذاك هو الله!

    وانظر إلى البحر وقل     من أوجد فيه درره

    إلى آخره القصيدة وهي طويلة.

    تتنقل معك من البحر إلى الأرض إلى السماء إلى القمر إلى المطر إلى الغيم، فيتحول بعدها الإنسان، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    عدم معالجة القضايا العقدية داخل نفوسهم

    هذا الأسلوب الآن يكاد يكون معدوماً، تجول في مدارس العالم العربي والإسلامي إن وجدت واحد أو اثنين يربط المادة العلمية هذا الربط الذي ربطه القرآن، لهذا أولادنا مع الأسف الشديد يتعلمون ثمانية عشر سنة دين وغير دين، ومن ثم لا يحفظ الفاتحة لأنه لا يصلي، دكتور في الجامعة لا يصلي؛ لأنه لا يحفظ الفاتحة، وأول سورة الفاتحة وآخر سورة الناس عالجت ثلاث قضايا عقدية من أخطر ما يكون: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الملك، ولخطورتها ذكرها الله في أول سورة وفي آخر سورة، أول سورة الفاتحة، ماذا يقول الله سبحانه وتعالى في هذه القضايا الثلاث؟ يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ هذا توحيد الألوهية رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] وهذا توحيد الربوبية الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:3-4] هذه توحيد الملك.

    في سورة الناس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] توحيد الربوبية مَلِكِ النَّاسِ [الناس:2] توحيد الملك إِلَهِ النَّاسِ [الناس:3] توحيد الألوهية.

    فنحن نربي أولادنا على هذه القضايا العقدية الثلاث، تتفجر من خلالها بعد ذلك كل القضايا في التوحيد والعقيدة، وإذا غابت هذه المعاني عن أذهان أبنائنا لا يعرفون إله الناس، ولا رب الناس، ولا ملك الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولاهماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها برحمتك يا أرحم الراحمين!

    نسألك العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد يا رب العالمين! اللهم استعملنا فيما يرضيك، ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاك، واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحداً غيرك.

    اللهم إنا نعوذ بك أن نضل في هداك، أو نذل في سلطانك، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده واجعل تدبيره تدميره، اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك، وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أحم الراحمين!

    اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم.

    اللهم منـزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب اهزم أحزاب الباطل.

    اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعله غيثاً مغيثاً، صيباً نافعاً، عاماً طبقاً، علينا وحوالينا، وعلى منابت الشجر وبطون الأودية، أنبت به الزرع، واملأ به الضرع، وادفع به البلاء، وارفع به الغلاء، وارفع به الداء، اللهم اجعله عطاء إيمان، ورزق إيمان، إن عطاءك لم يكن محظوراً، اللهم اسقنا، اللهم أغثنا، ولا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

    اللهم اجعل في أرضنا سكنها وزينتها ومرعاها أنت ولي ذلك والقادر عليه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015686683

    عدد مرات الحفظ

    723714822