إسلام ويب

الأخوة الإيمانيةللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأخوة في الله كنز لا يقدر بثمن؛ ولأجل ذلك بينت هذه المادة جملة من تلك الأحاديث، ثم عرجت على ذكر حقيقة الأخوة في الله ومراتبها، ثم ذكرت أمثلة على معاني الأخوة، وختمت بذكر صور من الأخوة عند السابقين من سلف هذه الأمة.

    1.   

    الأخوة في الله كنز لا يقدر بثمن

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، وكما يحب ربنا أن يحمد وينبغي له في الدنيا والآخرة، وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي، ومعلمي وقرة عيني محمد بن عبد الله.

    اللهم إنا نسألك لأمتنا قائداً ربانياً يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه.

    اللهم إنا نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، وأن تفك أسر المأسورين وسجن المسجونين من إخواننا الدعاة المخلصين، وأن تثبت إخواننا الغرباء في مشارق الأرض ومغاربها القابضين على دينهم كالقابضين على الجمر، ونسألك أن تؤلف على الخير قلوبنا، وأن تصلح ذات بيننا وتهدينا سبل السلام.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، اللهم اجعل بلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين سخاءً رخاءً. اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده واجعل تدبيره تدميره.

    اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك، وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين! منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم اليهود وأعوانهم، والصليبيين وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم.

    ونسألك اللهم تحرير أرض فلسطين والأقصى، وأن ترزقنا فيه صلاة طيبة مباركة برحمتك يا أرحم الراحمين!

    رحماك اللهم بالأطفال اليتامى، وبالشباب الحيارى، وبالنساء الثكالى.

    اللهم ارحم أمة محمد رحمةً عامة تنجيهم بها من النار وتدخلهم بها الجنة، وأسألك اللهم أيما عبدٍ أو أمةٍ من أمَّة محمد يحبنا ويدعو لنا فثقل ميزانه، وحقق إيمانه، وفك رهانه، واجعله برحمتك في الفردوس الأعلى، وأيما عبدٍ أو أمةٍ من أمَّة محمد على خطأ وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق رداً جميلاً، وأيما عبدٍ أو أمةٍ من أمة محمد اغتابنا أو بهتنا فإنا قد عفونا عنه وتركناها له، اللهم عفونا فاعف، وسامحنا فسامح، وتجاوزنا فتجاوز فأنت أجود وأكرم يا رب العالمين!

    اللهم اجعلنا لإخواننا المسلمين هينين لينين، سهلين حبيبين قريبين، ونسألك أن تجعلنا مبشرين وميسرين وألا تجعلنا معسرين ومنفرين.

    اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    أحبتي في الله: المحبة في الله والأخوة في الله كنز لا يقدر بثمن، وهذا الحديث الذي إذا تحدثت به ساعات وساعات فإني لا أمله ولا أكله، وإنما هو يتحدث عن حياتنا الحقيقة: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]

    وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يروي عنه صِدِّيق خان حديثاً موقوفاً في كتاب التفسير فتح البيان : [أخوان مؤمنان وأخوان كافران، مات أحد المؤمنين، فلما رأى ما أعده الله له من نعيم، قال: اللهم إني أسألك ألا تفتن أخي بعدي لتريه ما أريتني، فقبض الله أخاه وجمع بينهما، وقال: ليثنِ كل واحد منكما على أخيه، فقال كل واحد منهما لأخيه: نعم الأخ أنت! ونعم الصاحب أنت! ونعم الخليل أنت!

    ومات أحد الكافرين، فلما رأى ما أعد الله له من عذاب قال: اللهم إني أسألك ألا تهدي أخي بعدي لتريه ما أريتني، فقبض الله أخاه فجمع بينهما، وقال: ليثنِ كل واحد منكما على أخيه، فقال كل واحد منهما لأخيه: بئس الأخ أنت! وبئس الصاحب أنت! وبئس الخليل أنت!] وهذه الحقيقة المذكورة في الأثر يؤكدها القرآن الكريم، قال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:67-68] ويؤكدها قوله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] والنوع الثاني: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97] هذا ذكر حالهم وهم يختصمون قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:96-102] فأصبحت أمنية أهل النار أخوة الإيمان، ورأوا أن أخوة الشيطان قد تقطعت: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100] على كثرتهم في الدنيا: وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:101] على كثرتهم في الدنيا!! أين هم؟ لا يجدون شيئاً؛ لأنها لم تكن أخوة رحمان إنما هي أخوة شيطان، فتقطعت وهم أحوج ما يكونون إليها.

    فإذاً .. وجودك مع إخوانك هؤلاء في هذا التجالس والتزاور والتناصح كنز لا يقدر بثمن، توهم نفسك تسير في صحراء قاحلة مترامية الأطراف، لاهبة الرمال، حارقة الشمس، لا ماء ولا غذاء ولا ظل، وقد أضناك الظمأ؛ جف ريقك، ويبست شفتاك، وصار لسانك قطعة من حجر، والتهبت كبدك، وأنت تسير وتتعثر، ترى السراب من بعيد فتظنه الماء، في مثل هذه الحالة يفاجئك ظل عريش بارد تمر تحته مياه باردة فيه ثمار وأشجار، كيف ستكون فرحتك؟ إنها لا تقدر بثمن، وهذا العريش والأشجار والثمار لو أنك قدرته من الناحية المادية لا يصل إلى مائة دينار، فما بالك في صحراء يوم القيامة، التي يقف فيها الإنسان خمسين ألف سنة وليس يوماً أو يومين، بل خمسين ألف سنة، الشمس فوق الرءوس وقد كنت أنت في الصحراء وحيداً، وفي صحراء يوم المحشر تحتك بك الأجساد من الإنس والجن وقد أخذهم العرق كل مأخذ، وازدحموا يموج بعضهم في بعض، ثم في هذه اللحظات والكروب الشديدة تسمع نداء الرب جل جلاله: (أين المتحابون فيّ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) لا شك أنها فرحة لا توصف ولا تعبر عنها الكلمة المجردة، لأنها شعور وإحساس ووجدان كشعورك في الصحراء تحت ظل هذا العريش.. هل تعبر عنها الكلمة؟ وهل عندما تقول: إنك مرتاح، أو يقول عنك فلان: إن فلاناً مرتاح، هل عبَّرتْ هذه الكلمة عن واقعك؟ لا. فكلمة (مرتاح) غير الشعور بالراحة، الشعور بالراحة عاطفة وإحساس ووجدان، فكيف يوم القيامة ونداء الرب جل جلاله يصطفي من يشاء من عباده، لم يبذلوا بسبب هذا الاصطفاء مالاً، ولم يخسروا شيئاً، إنما صدقت نياتهم، فقال كل مسلم لأخيه: إني أحبك في الله، فقال الآخر: أحبك الله الذي أحببتني فيه، ولو مرة واحدة، ومرت الأيام، ثم يأتي يوم القيامة يحمل ذلك الوسام وتلك البطاقة التي بها يدخل تحت ظل العرش، والعرش أعظم مخلوقات الله، لا يوجد أعظم منه، فالعرش يحتوي الكرسي، والكرسي يحتوي السماوات والأرض والكون كله، فتصور هذا العرش العظيم وأنت في ظل عرشه بإذن ربك ومولاك، ومنه تفجر أنهار الجنة، وهو سقف الفردوس الأعلى، والله استوى على هذا العرش ينادي في أهل المحشر: (أين المتحابون فيّ؟ اليوم أظلهم في ظل عرشي) توهم هذا في عقلك، إنك لا تملك إلا أن تتشبث بتلك الأخوة كتشبث ذلك الغريق بين الأمواج المتلاطمة بحبل النجاة، الغريق عندما يلقى له حبل النجاة لو تتقطع يده، وتتفسخ عروقه، وتتفصم أصابعه ما ترك حبل النجاة، لأنه يصبر على هذه الآلام مهما كانت لأنها أخف من الموت والغرق.

    لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيّ) وهذا حق كتبه الله على نفسه بنفسه دون أن يلزمه أحد، وهذا الحق من رحمته وليس من استحقاق العبيد، هذا الحق الذي يقول الله عنه: حقت محبتي لكذا وكذا .. وكذا .. ليس من استحقاقك أنت؛ لأنه لو حاسبك بعدله لما وفت أعمالك كلها، ومنها الأخوة بنعمة العين أو الأنف، أو السمع أو البصر، أو أي نعمة من نعم الله، النعمة عندما توضع في الميزان تستوفي كل أعمالك ويبقى تقصيرك تدخل به النار، انظر كيف!

    إذاً: عندما يحق الله حقاً على نفسه، إنما هو نابع من رحمته وفضله لا إله إلا هو: (حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتجالسين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ) وفي رواية: (حقت محبتي للمتباذلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ) .. (المتحابون فيّ على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء عند الله يوم القيامة) وهذه الغبطة ليست حسداً، إنما الغبطة أن تتمنى مثل ما لأخيك مع الزيادة لأخيك، الحسد: أن تتمنى مثل ما لأخيك وأن يزول ما عنده، هذا هو الحسد، فلهذا يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء؛ مع علو درجاتهم عند الله إلا أنهم يتمنون مثل تلك الدرجة التي يجعلها الله للمتحابين فيه لما يرون من عظمتها عند الله، ومن أين تأتي هذه العظمة؟ من المقام المنصوب، ينصب الله منابر من نور على رءوس الأشهاد، الأشهاد والخلائق يقفون على أقدامهم في أرض المحشر والمتحابون فوق رءوسهم على منابر، منابر ليست من خشب أو ذهب إنما من نور، والنور كما تعلمون شيء مثل الهواء غير مادي لا يمسك، يصنع الله منه منبراً متماسكاً يجلس عليه المتحابون تحت ظل العرش، لماذا جعلهم الله على منابر ولم يوقفهم على الأقدام؟

    قال: لأنهم في الدنيا ارتفعوا على منبر الأخوة السامي، فإن الأخوة منبر لا شك، أي: عندما ترتفع عن مصلحة الدنيا ورغائبها وشهواتها، وقد تعادي رحمك الفاسق، وتحب أخاك في الإيمان والإسلام فتحقق أوثق عرى الإيمان وهي الحب في الله والبغض في الله، لا شك أن هذا منبر معنوي وليس منبراً حسياً، أنت حققت منبر الأخوة المعنوي في الدنيا وصعدت عليه، فكان الجزاء من جنس العمل أن رفعك الله على منبر يوم القيامة.

    ولأن علاقتك بأخيك نور على نور، فالذي في قلبك هو الذي على لسانك، لا تغتابه، لا تظلمه، لا تؤذيه، لا تحقد عليه، فكانت المنابر من نور، أرأيتم؟!

    أحبتي في الله: الله يذكر هذه الحقيقة وهذا الكنز الهائل، فيقول: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]فما في الأرض جميعاً لا يحقق لحظة من لحظات الأخوة التي بها تستقر على ذلك المنبر تحت ظل العرش، وأين كنوز الأرض من كنوز العرش؟ وأين نعيم الأرض من نعيم العرش؟ أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترتع بمعين الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش، والعرش وصفه خالقه بثلاث صفات: كريم، عظيم، مجيد، وناهيك بهذه الصفات من فضل!

    قال تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116] فالكريم صفة للعرش، أي: مصنوع من أحجار كريمة، وفيه كرم يفيض عليك إذا جئت تحته أو جنبه.

    الصفة الثانية: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:129].

    الصفة الثالثة: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج:12-15].

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الأحاديث الصحيحة: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً)انظروا إلى جمال هذا الحديث! تبدأ انطلاقتك بممشاك من بيتك أو من مقر عملك، ولكنها لا تنتهي عند أخيك الذي تعوده أو تزوره، إنما نهايتها كما يقول الحبيب: (وتبوأت من الجنة منزلاً) التبوء: هو الصعود. تنطلق من بيتك ثم تصعد.. تصعد.. تصعد إلى مكان عالٍ في الجنة، النهاية هنا: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً).

    1.   

    مراتب الأخوة في الله عز وجل

    حقيقة الأخوة في الله تقوم على ثلاث مراتب:

    المرتبة الدنيا: خلو الصدر.

    المرتبة الوسطى: المساواة بالنفس.

    المرتبة العليا: الإيثار.

    المرتبة الدنيا من مراتب الأخوة

    المرتبة الوسطى من مراتب الأخوة

    والدرجة الوسطى: وعندما أقول: وسطى، هي درجة عالية ثانية مأخوذة من قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)... (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)ولم يقل: سلموا، وإنما قال: أفشوا، والإفشاء زيادة على السلام، وهو: نشره وبثه وتوسيع نطاقه على من عرفت ومن لم تعرف، وهذه الدرجة هي أعلى من التي قبلها، لماذا؟

    لأن الإيمان نتيجة من نتائجها: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) والإيمان هو أعظم درجة تنالها أنت في الدنيا، بل الإيمان أعظم من الجنة كلها؛ لأن الجنة ثمرة من ثمرات الإيمان ونتيجة من نتائجه، لولا الإيمان ما صارت لك جنة، انظروا كيف أن هذه المنزلة عالية! أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأنت انظر وضع نفسك في الميزان، ماذا تحب لنفسك؟ لهذا الله سبحانه وتعالى وظف ملائكة لهذه المسألة، فإذا أحببت لنفسك الذرية الصالحة، يقول الحديث: ادع بها لأخيك في ظهر الغيب سيقول ملك: ولك مثل ذلك، فتستجاب دعوة الملك، فتقول: اللهم لا تذر أخي فرداً وأنت خير الوارثين، ارزق أخي ذرية صالحة، فيقول الملك: ولك مثل ذلك، فتستجاب دعوته، فإما يعجلها الله لك في الدنيا، أو يدفع بها عنك بلاء، أو يدخرها لك يوم القيامة.

    المرتبة العليا من مراتب الأخوة

    الدرجة العليا: الإيثار، وهو: أن تعطي أخاك ما تحتاج إليه اضطراراً، ضرورة، ليس الإيثار أن تعطيه وأنت في سعة وغير محتاج، لا. إنما الإيثار في شدة الحاجة، عند ذلك يكون إيثاراً، كما فعل الأنصار لإخوانهم المهاجرين، والقصص في ذلك معروفة كقصة الصحابي الذي استضاف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لزوجته: ما عندك من الطعام؟ قالت: عشاء الصبية -أي: عشاء الأطفال، البيت خال وليس فيه مخزون، ليس عندهم ثلاجات ولا لديهم صناديق، ولا عندهم مخزون ولا شيء من ذاك- فقال: شاغليهم ونوميهم، فنام أولاده جوعى بدون عشاء، ثم قال: إذا هم الضيف بالطعام فقومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه حتى يشبع الضيف ونتظاهر نحن بالأكل، وباتت الأسرة كلها، الوالد والوالدة والأطفال تلك الليلة طاوين من الجوع! فلما صلى هذا الصحابي الفجر خلف النبي صلى الله عليه وسلم، بادره النبي بوحي من الله قال: (إن الله عجب من صنيعكما البارحة) وفي رواية: (إن الله ضحك من صنيعكما البارحة) وإذا ضحك الله من عبد لا يعذبه: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة ٌ(أي: حاجة) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    وهذه الدرجة السامية العالية لا تأتي بالدروس والخطب والمحاضرات، إنما تأتي بالسلوك والتربية والاستعانة وتوفيق الله رب العالمين، فالكلام فيها سهل، والاستماع عنها ممتع، ولكن التنفيذ والتطبيق صعب جداً، لا يوجد أصعب منه إلا لمن يسره الله له، وسأضرب لكم المثل:

    سعد بن الربيع رضي الله عنه كانت له زوجتان حبيبتان، وليتوهم أحدكم نفسه أنه في موقعه، ثم جاءك أخ مسلم ملتزم في دعوتك، فلسطيني ليس عنده زوجة وعندك زوجتان، فقلت له: يا أخي! أنت هاجرت من بلدك مطروداً، وأنت رجل دعوة وصلاح، وأنا عندي زوجتين: تعال وانظر إليهما واختر أرغبهما إلى نفسك، فإذا قال الفلسطيني: هذه. تطلقها ثم تنتهي عدتها وهي راضية، ثم تعقد عليها.. من يطيق ذلك؟! الصحابة فعلوا ذلك، هذا هو الإيثار، هل رأيتم كيف أن الكلام فيه سهل ولكن التطبيق صعب؟

    ليتصور واحد منكم هذا في نفسه، انظر الآن كيف تتداعى في ذهنك العشيرة والقبيلة وغضب العائلة، وتتزاحم المسائل، وزوجتي وحبيبتي كيف أدعها؟ وكيف كذا؟ وأنا لن أتزوج على الثانية، لكن الصحابة: لا. " ما عند الله خير وأبقى " كانوا يضحون؛ الزوج يرضى والمرأة ترضى، لأن زمانهم كان زماناً مباركاً، خير القرون، ليس مثل زماننا: تقوم عليك القيامة لو فكرت، فقط مجرد تفكير بهذه المسألة، ويرمونك في الشارع، ويدعمونك بسيارات لكي يخلصوا منك، ويقولون: عار، العبادة صارت عاراً وشناراً الآن، الله يكفينا الشر.

    نرى ولكن لا نصعب المسألة ونخففها قليلاً: الإيثار .. قد يكون عندك مثلاً سيارة، ولكنك محتاج لها مثل حاجة جارك؛ جارك زوجته حامل، وعنده أطفال كُثر، وليس عنده خادمة في البيت، وامرأته تراجع المستشفى مرة أو مرتين في الأسبوع، وهي واقفة على الرصيف وتنتظر المواصلات في حال البرد أو في الشمس، فأتيت أنت وقلت: تفضل يا أخي! هذا مفتاح سيارتي خذها حتى تلد زوجتك بالسلامة وتخرج من المستشفى، وأنا أركب مواصلات، أنا أخفُ منك، هذه أخف من الأولى وأخف من تطليق الزوجة، من يستطيع عمل هذا؟ هناك مجال لهذا، وهكذا بحيث عندما تسمع هذه الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] السماع جيد، ولكن التطبيق نسأل الله الإعانة عليه فنحن ضعاف، نسأل الله أن يرحمنا، لدينا من الأنانية الكثير، وعندنا شح كبير في نفوسنا.

    أحبتي في الله: نسأل الله أن يوفقنا كما وفقهم، وأن يعيننا كما أعانهم، وأن يهدينا كما هداهم إنه هو القادر على كل شيء.

    1.   

    أمثلة على معاني الأخوة

    يقول الشاعر في مقام الأخوة في الله والمحبة في الله:

    زُر من تحب ودع مقالة حاسد      ليس الحسود على الرضا بمساعد

    لم يخلق الرحمن أحسن منظراً      من مُسْلِمَيْنِ على طريق واحد

    مُتَعَاوِنَيْنِ عليهما حلل الرضا      مُتَسَاعِدَيْنِ بدرهم وبساعد

    وإذا تآلفت القلوب على الرضا      فالناس تضرب في حديد بارد

    مهما حاولوا أن يفتنوكم لا يستطيعون.

    أذكر أخاً لي في أحد رحلات الحج، وكنا قد أخذنا معنا أهلينا، فكنت أنا أمير الرحلة، وأخي تباطأ في اللحاق بنا فحمقت عليه وزجرته وأهلُه يسمعون زجري له، فتقول له زوجته: كيف يصرخ عليك وأنت تضحك وتهز له رأسك وساكت؟! فيرد عليها ويريد أن يسمعني: هذا أخي وحبيبي، حتى -والله- لو لطمني لأقبل أنفه، قالت: الله أكبر! إلى هذه الدرجة أصبحت عندكم المحبة؟! قال: وأزيد من هذا. انظروا إلى هذا! قال: لو لطمني أقبل أنفه، نفهم من هذا بلا شك أن هذا استشعر مقام الأخوة والمحبة مع وجود من يثيره ولكنه لم يثر، بل رد بجواب آخر غير متوقع؛ ولهذا يقول الشاعر:

    لي أخٌ كلما كدرته صفا

    أنا أكدره وهو يصفو، حتى أن المأمون لما سمع هذا البيت قال لقائله: أعد، فلما أعاد قال: أين هذا الأخ؟ أحضره إلي وخذ الآن الخلافة مني، أعيش معه في مغارة، ولا يعرف حقيقة هذا القول إلا الذي عانى من الخيانات الأخوية وليس من الخيانات الزوجية، لأن الخيانات الأخوية أشد، عندما يقول له: جيبي جيبك، والحالة واحدة، ولما صارت الأزمة جرجره إلى المحاكم وفضحه وعرضه للتفليس! أين الجيب جيبك، والحالة واحدة؟ كذاب ابن كذاب، فتبين أن أُخُوَّتَهُ كاذبة، وأنه خائن في هذه الأخوة وليس صادقاً.

    فهذا البيت يبين هذه الحقيقة، بل هناك بيت أحسن من هذا وهو يقول لأخيه: إذا أنت أذنبت في حقي بادرت أنا بالاعتذار، يقول له:

    وإنك كلما أذنبت     جئت إليك أعتذر

    أنت تذنب وأنا أعتذر، أقول لنفسي: لولا أنه بسببي ما أذنب أخي في حقي، أنا الذي دفعته إلى أن يذنب في حقي، فيلتمس لأخيه العذر في اتهام نفسه.

    الله أكبر! أي قلب يحمل هذا الإنسان؟ لا شك أن قلبه واسع وسع الناس جميعاً، فهو كالأرض الذلول لإخوانه يطؤها الكبير والصغير، وكالسحاب يظل القريب والبعيد، وكالمطر يسقي من يحب ومن لا يحب.

    والأمثلة على هذه المعاني كثيرة كثيرة كثيرة، ففي القرآن العظيم يقول الله سبحانه وتعالى وخاصة لمن عانوا من العداء كالأوس والخزرج، شبت بينهم حرب اسمها (حرب بعاث) دامت اثني عشر عاماً تسعرها اليهود في يثرب، يدفعون لها السلاح والمال، فلما جاء الإيمان بأخوته وقامت المدينة على قاعدة الإيمان والأخوة، مات اليهود هماً وغماً فأرسلوا وأحضروا شعراء مرتزقة مثل: نزار قباني وأمثاله، وبدأ هؤلاء الشعراء يرددون على مسامع الأوس والخزرج بعض الأبيات التي تثير الفتن وتُذكِّر بالحرب، فجردوا سلاحهم واصطفوا صفين، فبلغ الأمر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟ دعوها فإنها منتنة) أي: دعوا هذه العصبية وهذه الفتنة فإنها منتنة عفنة كالجيفة، لا شك أن هذه الجيفة لا تُشم بالأنوف إنما تُشم بالقلوب والأرواح، وإذا أردت أن تعرف حقيقتها فانظر إلى اثنين متحابين ثم افترقا وتخاصما، بدأت حياتهما بالجدل ثم انتهت بالفراق، تشم لهما في قلبك رائحة لا تطاق، حتى إنك تستمع وأنت لم تدخل معهم في الحديث وأنت مجرد مستمع، هذا يقول وهذا يرد، وهذا يقول وهذا يرد، لو تستمع أنت فقط تشعر أن قلبك من الداخل انقبض، وتقول: أفٍ.. كفى! وكل واحد منهما يرجع إلى البيت وينام الليل ولكنه لا ينام وإنما يفكر، يجمع الأدلة ويحبك له مصيدة وغداً سيرى، وهكذا.

    لهذا قال: (دعوها فإنها منتنة) فألقوا السلاح وأنزل الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] وهل معنى هذا: أنه لا يكون خلاف بين الأحباب؟

    يكون، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فبعضهم فهم أن المراد الإسراع، فلما جاء وقت العصر صلاها في وقتها في الطريق، والقسم الثاني رأى أن ظاهر الحديث مطلوب، وأن القضية قضية تشريع وعسكرية، السمع والطاعة فيها واجب والتنفيذ الحرفي مطلوب، فصلى العصر وقت المغرب في بني قريظة التزاماً بالنص، فلا هؤلاء عابوا على هؤلاء ولا حقدوا عليهم ولا اختلفوا معهم ولا اغتابوهم، ولا قال له: تعال نغتاب في الله ساعة كما يحدث الآن كجماعة فلان وجماعة علان، وإنما اصطفوا صفاً واحداً على قلب واحد في موقع واحد ضد اليهود، ألم يحدث هذا يا أحباب؟

    إذاً: لماذا هذا الفهم الخاطئ السيئ الذي أوغر الصدور، وأتعب النفوس، وحطم أصول الدين؟

    ومن أصول الدين الأصيلة: الأخوة التي لا يحطمها شيء، حتى الحرب العسكرية بين طائفتين مؤمنتين بعد الاجتهاد لكل طائفة بأن الحق معها لا يؤدي ذلك إلى قطع الأخوة: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى [الحجرات:9] لأن الصلح يكون بطرح الأدلة وإظهار الحق مع إحدى الطائفتين: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9] إلى أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:10]

    الشاهد: أن الإسلام يظل يحافظ على أصل الأخوة الأصيل حتى عند القتل العمد بين مسلم ومسلم، عندما يتنازل ولي القتيل عن القصاص ويرضى بالدية .. ماذا يقول القرآن؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178] فولي القتيل الذي تنازل عن القصاص ورضي بالدية يسميه الله أمام القاتل: (أخاً) فيقول: انظر! هو راعى فيك حق الأخوة يا ظالم! وأنت ما رعيتها! قتلت حبيبه؛ أو قتلت ابنه أو قتلت أخاه، وكان بإمكانه أن يجري عليك القصاص ويقطع رأسك، لكنه راعى فيك الأخوة فعفا عنك ورضي بالدية، فإذاً: أدها له بإحسان، ودون تعنت وتأخير، وأنت أيها المحترم الذي عفوت اطلبها أيضاً بالمعروف ولا تشدد حتى تتيسر.

    انظروا كيف؟ هذا الجو المتوتر؛ الأعصاب مشدودة، عائلة مقتول منها رجل، وأبطال ورجال هذه العائلة يشهرون السلاح ويا للثأر! والثأر ولا العار! رجل يقول: نحن بدأنا، وآخر يقول: أنا سأريكم ماذا سأفعل فيه، والإسلام يقول: لا.. لا.. لا: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178] حتى قال الفقهاء: لو أن ولي القتيل الذي عفا وثبت العفو بشهود عاد مرة ثانية فقتل القاتل فإنه يقتل به، انظروا إلى أي حد يقتل به إذا ثبت عليه، أنا عفوت وانتهى كل شيء، ثم اطلب الدية الآن!!

    1.   

    صور من الأخوة

    الأخوة في الله كنز عظيم، كان الأوائل يحرصون عليها أشد مما يحرصون على أنفسهم، عقدت وليمة حضرها الإمام أحمد وكان فيها أصناف الأطعمة، فقال أحد طلبة العلم من المتنطعين للمضيف: يا هذا! لقد أسرفت، كان يكفينا أقل من هذا. فرد عليه الإمام قائلاً: مه! والله لو جمعت الدنيا كلها فصارت لقمة فرفعتها إلى فم أخيك ما وفيت حقه! ويمر الإمام أحمد على هارون بن يزيد المحدث فيراه جالساً في الظل وطلبة العلم في الشمس؛ فلا ينام الإمام أحمد ليلته إلى منتصف الليل وهو يتقلب، ثم قام وقرع عليه الباب، قال: من؟ قال: أحمد ، قال: يرحمك الله، حاجتك مقضية، ما الذي جاء بك في هذا الوقت المتأخر؟ قال: رأيتك اليوم تجلس في الظل وطلبة العلم يجلسون في الشمس فلا تفعل فتوغر صدورهم عليك، وهكذا يبين الإمام أحمد هذا المقام السامي ويحافظ عليه.

    وكان أخوان في الله يسيران يلقي أحدهما ظله على أخيه، فإذا عاد وقف أخوه في الشمس يلقي ظله ويقول: الذهاب لك والإياب لي.

    ويأتي أخ فيأخذ ثوب أخيه من الجارية ويمد يده إلى جيبيه ويأخذ من المال، فإذا عاد صاحب الدار أخبرته الجارية فيقول: إن صدقت فأنتِ حرة لوجه الله، لقد صدق أخي بأخوته إن فعل ذلك.

    وآخر يدعوه أخٌ له فيقدم له عنقوداً من العنب من بستانه حامضاً يأكله مرة ومرتين وثلاثاً، فمد يده مرة معه فإذا هو لا يؤكل قال: أكنت تأكل هذا؟ قال: نعم، قال: ولمَ لمْ تخبرني؟ قال: لا. أأخبرك فأكسر قلبك وقد قدمته لي؟ أصبر على مرارته وحموضته وأحافظ على أخوتك.

    والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولكن العبرة بالعمل والتطبيق.

    إخوانكم لا شيء أغلى منهم     لا شيء يعدلهم من الأشياءِ

    كونوا لهم نعم المعين وراقبوا أعمالهم في مصبحٍ ومساءِ

    يقول ابن تيمية : أحق حق تقدمه إلى أخيك دعوته إلى الله. وما ألذَّ الحياة عندما تخدم أخاً لك في الله، أعرف أخاً جزاه الله خيراً لم أر مثله في خدمة الإخوان! ما أرسلت له رجلاً يحتاج أمراً بعيداً أو قريباً إلا وسعى وحققه، عشرات الطلبات ما رد حتى الآن طلباً واحداً، ولا شك أنه أمر متعب وشاق، لكن لذة استشعار ثوابه والسكينة والطمأنينة والحلاوة التي يقذفها الله في القلب تجعل الإنسان يداوم على هذا، وفعل المعروف يقي مصارع السوء، وله أنس، عندما ترى إنساناً فارشاً له في البيت حصيراً وليس عنده مال ليؤثث بيته، وعرفت أن أخاك الفلاني ثري وعنده محل للأثاث وهو رجل قد يسر الله له، لكنه ليس عنده وقت، مشغول بتجارته، ليس عنده وقت لكي يتفقد إخوانه الفقراء، فذهبت أنت ودليته عليه وسعيت في هذه وحققتها وفرشت بيت أخيك، وكلما زرته ورأيت بيته مفروشاً دخلت السعادة في قلبك والأنس.

    أخ لك في الله عليه أقساط ترهقه، وراتبه لا يسدد هذه الأقساط، فسعيت إلى رجل من هؤلاء الأثرياء المحسنين وسدد عنه ديونه، وهكذا وهكذا، هناك أمثلة كثيرة، ولكن ما على الداعي إلا أن يتلمسها ويتابعها ويحققها، لا نريد أن تكون دعوتنا فقط دعوة دروس ومحاضرات، وعقائق وعزائم ورحلات، وعند السعي في قضاء الحاجات لإخواننا تشق المسألة، وتصعب وتثقل، ويبدأ يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً.

    أحبتي في الله: لم أر مثل فعل المعروف، وما رأيت مثل خدمة الأخ المسلم، إذا أردت أن يخشع قلبك، وتدمع عينك، وأنت لم تصل الليل ولا أقمته، ولا صمت النهار اسع في حاجات الناس، نعم. (الساعي في حاجة اليتيم والمسكين والأرملة كالمجاهد في سبيل الله) نعم. كالمجاهد في سبيل الله: (إذا أردت أن يلين قلبك، وتقضى حاجتك، وينسأ لك في أثرك فامسح على رأس اليتيم وأطعمه من طعامك) هذه كلها أحاديث واردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما تعلمون أن ابن عباس كان معتكفاً في المسجد فجاءه ذو حاجة فخرج معه فصاح الناس به: اعتكافك اعتكافك! قال: [لأن أسعى في حاجة أخي لأقضيها خير لي من أن أعتكف ستين يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم] هذا نفعه مقصور عليه وخروجه مع أخيه نفع متعدٍ: (وأحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله) أي: لعباده.

    أحبتي في الله: حققوا معاني الأخوة عملاً وتطبيقاً.

    أسأل الله سبحانه وتعالى فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، ونسأله أن يجعلنا مفاتيح للخير يجري الخير على يدينا إلى يوم القيامة، مغاليق للشر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقضي بنا حاجات عباده الصالحين، وأن يجعلنا ممن يدخل السرور على قلوب المسلمين: (أحب عبادة إلى الله إدخال سرور على قلب مسلم) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم أخذ المقابل على عمل الإقامات

    السؤال: سمعت أنك قلت في بعض الخطب أن السعي في عمل الإقامات جائز وأنك حددته بـ (150) دينار، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: الذي يسعى في عمل الإقامات ويكون سعيه ذاتياً يأخذ من وقته وجهده يأخذ بقدر ما يكلفه الجهد والوقت من مال، لأن الوقت له ثمن والجهد له ثمن، فهذا الإنسان إذا كان يسعى بنفسه فإما أن يسعى في عمل آخر أو في قضاء حوائج هؤلاء وإيجاد الإقامات لهم، فهو يأخذ مبلغاً بقدر هذا الوقت وهذا الجهد، ولا يكلف هذا المسكين ما يحدث الآن، الآن يأخذون ما يقارب الألف والستمائة والسبعمائة وهذا مسكين يستلفها ويستدينها، لكن لو أنه قال له: أنت وما تمد به يدك أو ما تقدر عليه أو ما في وسعك، أو حدد نسبة معينة بحيث لا يضر هذا الرجل، وفي نفس الوقت يأتيه ربح في المسألة، فلا بأس في ذلك.

    يعني: يجوز؟

    الجواب: كيف لا يجوز وهو يسعى بنفسه وبجهده وبوقته، لكن الذي لا يجوز هو ما يفرضونه الألف والتسعمائة والستمائة، ثم بعد هذا يكلفون هذا المسكين الذي هو فيما بعد يسرقها أو يسير في طريق غير مشروع؛ يبدأ يصنع الخمور ... إلخ يجوز هذا العمل للموظف القائم على هذا الشيء، لا يستغل وظيفته في إنجاز مثل هذه الأمور فهذا لا يجوز، لا تستخدم الوظيفة للعمل الخاص، أما الرجل الذي فرغ نفسه، وجعل هذا عمله، وعنده مكتب لهذا، ويقضي يومه أو دوامه في إيجاد هذه المعاملات فله الحق أن يأخذ ويحدد ولكن لا يرهق هذا المسكين.

    نصائح لمن يستقدمون العمال

    السؤال: شخص من الخارج طلب مني أن آخذه إلى الكويت لكي يأتي يسعى هنا، بحيث أخرج له فيزة على أساس يشتغل عندي وفي الحقيقة أنا آخذه إلى هنا وآخذ منه مالاً، وأتركه في الكويت لكي يذهب ويبحث له عن عمل؟

    الجواب: إنك بهذا الفعل تعرض البلد للدمار، والبلد بلا شك أنه تعرض إلى كثير من اللصوص وقطاع الطرق، ومصانع الخمور التي تكتشف كل يوم بسبب هذا الأمر، إنهم يأتون بإنسان غير مستوثق فيه، والهدف منه فقط أخذ المقابل لهذه الإقامة ثم يتركه يعيث في الأرض فساداً، فلابد من تنظيم المسألة، والدولة قامت بتنظيمها وحددت لها قوانين، ورتبت عليها عقوبات، فلا يجوز لأي مواطن ليس له مكتب رسمي مراقب ومحاسب ومعروف أن يفعل ذلك إلا من أراد وجه الله، والذي يريد وجه الله ينتقي انتقاء، يبحث عن الدَّيِّن، الصالح، المزكَّى، مثل أن تأتيك رسالة من أناس موثوق فيهم أن فلاناً في حاجة وعنده أيتام وعنده كذا، وهو معروف لدينا ذو صلاح وذو دين... إلخ، فتسعى له أنت ولا بأس من أنك تُهديه مادام أن هناك من يزكيه، أما أن تترك المسألة هكذا يتاجر بها أناس فيملئون البلد مما هب ودب، فيعرضون أمننا وأعراضنا وأموالنا وديارنا إلى ما نحن فيه من زعزعات، لا. هذا لا يجوز، هذه أمانة، كيف نستقدم هؤلاء ليصنعوا الخمور ويصورون الأفلام الجنسية؟

    أنتم لستم في المشكلة، أنا في المشكلة أكثر منكم؛ لأنه يصلني أخبار يومياً أنهم يعثرون على أفلام فيديو جنسية مصورة في الكويت ، يقوم فيها هؤلاء الأجانب الذين أحضروا وتركوا هكذا، شركة وهمية وملك وهمي يعبأ بأمثال هؤلاء وهذا يدفع له ألف دينار أو ستمائة أو سبعمائة كيف يعوضها ويستردها، فالطريق الحلال أصبح الآن في المنظمات الربوية التي يسيطر اقتصادها اليهود على معظم الدول أصبح المكسب الحلال صعباً جداً بالنسبة لهؤلاء، فيبدأ يبحث له عن الطريق القصير؛ يتفق مع اثنتين أو ثلاث من الداعرات ويُصورهن عرايا في بعض الشقق المشبوهة، ثم يبدأ يوزع هذه على الشباب المنحل والعياذ بالله ويكسب من ورائها مكاسب.

    فلا شك أن هناك شركاء للجريمة أخفياء وهم الذين تسببوا، والحديث ينطبق عليهم: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) فالوزر يصيب من أحضر هذا دون شرط أو قيد أو تأكد من أجل المال فقط.

    أما النصارى فلا يجوز إحضارهم للإقامة الدائمة في منطقة جزيرة العرب ، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر ألا يبقين دينان في جزيرة العرب ، وبناء الكنائس لهم وإحضارهم للإقامة لا يحل شرعاً، ويا حبذا لو أن المسألة نظمت حكومياً بحيث أن الحكومة نفسها هي التي تجعل مكاتب خاصة حكومية لهذا الأمر وأن يشرف عليها هيئات إسلامية مثل هيئات الأوقاف، وتشارك في ذلك الأوقاف، بحيث أن الذي يحضر لا يحضر إن كانت امرأة مثلاً يحضرون معها ابنها أو أخوها كمحرم وكعامل، إن لم تجد لها مسكناً عند مخدومها تكون مع أخيها أو مع والدها أو مع زوجها أو مع ابنها أفضل من أن يأتي هذا القطيع والكم الهائل من النساء المسرحات في الطرقات يتصيدهن الفسقة لعدم وجود المحارم.

    فلو نظمت المسألة واشتركت فيها هيئات وحكومات إسلامية، وتدخلت وزارة الأوقاف في ذلك لنظمت المسألة، أن تتعاون الشئون مع الداخلية ومع الأوقاف في هذه المسألة وتنظم وتضبط.

    ويؤسفني أن الخادمات من بلاد شرق آسيا جميلات صارخات الجمال، صارخات النعومة، قليلات الحياء، ضعيفات الإيمان إلا من رحم الله، لا يرددن يد لامس، طبيعة موجودة فيهن بسبب قلة الدين، وبسبب قلة الورع هناك، ومن هذا فلا ترد يد لامس، فإذا صار رب البيت عندها قليل الدين تحدث مآسٍ، ومن ثم هناك اكتشفت حيل عجيبة حيث أنه يأتي على أنه امرأة، ويكتشف أنه رجل وليس امرأة، جواز مزور، وهو مُرَبٍ لشعره فهم كلهم يربون شعورهم، ذكورهم وإناثهم يتشابهون لو أطلقوا الشعور، يتشابهون بالأجسام وبالصور ذكورهم وإناثهم، لأن ذكورهم جرد مرد لا يطلع فيهم شعر إلا النادر اليسير، فهم إذا أطلق الذكور منهم الشعر يتحول أحدهم وكأنه امرأة بالضبط، فإذا لبس فستاناً صار مثل المرأة.