إسلام ويب

الأسماء والمسمياتللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإسلام دين عظيم وشامل، فالإسلام يحرص على التسمي بالأسماء الطيبة؛ لذلك جعل من حقوق الابن على الأب اختيار الإسم الحسن له، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على اختيار الأسماء الفاضلة، ونهاهم عن التسمي بالأسماء القبيحة. وإن أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمنافقين يتلاعبون قديماً وحديثاً بالألفاظ، فتارة يسمون الخمر بغير اسمها، وتارةً يلمزون الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه الأذل، ويسمون النفاق مجاملة، والكذب دبلوماسية... إلخ، فالتلاعب بالأسماء والمسميات والألفاظ أمر خطير جداً.

    1.   

    الهدي النبوي في الأسماء والتفاؤل بها

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك.

    اللهم اجعلنا لإخواننا المسلمين هينين لينين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

    اللهم إنا نسألك العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك حسن الاعتقاد، وإخلاص النية، وصلاح العمل، ونور اليقين، وحلاوة الإيمان، وبرد الرضا، وبركة الدعوة، وإجابة الدعاء، وأُنس الذكر، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    أيها الأحبة: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه وفي الفردوس الأعلى، آمين.

    الإسلام يعتني اعتناءً كاملاً بالأسماء ومدلول الأسماء من المسميات، فديننا الإسلامي لا يعرف اللف ولا الدوران، إذا أعطى شيئاً اسماً فهو كما سماه، لا يعرف الخداع، لهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبرز حق الولد على الوالد فيقول: من حقه حسن اختيار أمه وحسن اختيار اسمه؛ لأن لكل اسم على المسمى أثراً.

    فالذي يسمي اسماً حسناً، لا بد أن يؤثر عليه ذلك الاسم، وإذا سمي اسماً سيئاً سيجد لهذا الاسم السيئ أثراً في حياته، فالذي يسمونه مثلاً: سفاحاً أو سكراناً، يمر عليه زمن طويل والناس ينادونه بهذا الاسم: ذهب سفاح، وأتى سفاح، وأكل سفاح، وقام سفاح، بعد ذلك يضجر من هذا الاسم ويصبح عاراً عليه، فيولد في نفسه عقدة، هذه العقدة تتفاعل وتكبر كالورم المعنوي الخبيث، فلا يملك يوماً من الأيام إلا أن يستجيب فيكون سفاحاً، لهذا ليس من السنة التزكية في الأسماء ولا أن تسمى بأسماء قبيحة أو بأسماء الحيوانات، وخاصة الحيوانات الرديئة، جحيش، عفير، هذه الأسماء التي تسلب الإنسان كرامة والله قد كرم الإنسان، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].

    تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للأسماء السيئة

    والرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على هذه القضية حرصاً عظيماً، حتى يُخْرِج أمة سوية ابتداءً بالاسم وانتهاء بالمسمى، فكان إذا مر عليه رجل قال: ما اسمك؟ فإذا رأى أن اسمه لا يليق بالإنسان بدله، فإن قبله كان له البر والخير والبركة، وإن رفضه تعنتاً وتكبراً وعصبية حل عليه معنى اسمه إلى أن يموت، عقوبة من الله، وهذا شيخ كبير من الصحابة اسمه حُزن وفي رواية حَزن ، يعني: المكان الصعب الوعر، وهو عكس السهل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت سهل -سماه سهلاً من السهولة واليسر- قال: لا. لا أدع اسماً سمانيه أبي) انظر كيف التشدد، رد ما اختار له النبي صلى الله عليه وسلم! يقول حفيده: لا يزال الحزن في دارنا من يوم أن رد جدي الاسم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الحزن لم يفارق بيته، هَم وغم؛ يموت حبيب .. يموت قريب، فهم دائماً محزونون لأن الله سبحانه إذا وهب نعمة لعبد فلم يرعها أخذها منه، وحل مكانها النقمة، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ به الأمر أنه كان يتفاءل بالأسماء الحسنة ولا يتشاءم بالأسماء السيئة، عكس أهل الطيرة الذين يتشاءمون، إذا سمع النبي صلى الله عليه وسلم اسماً جميلاً تفاءل، فإذا خرج من بيته فسمع واحداً ينادي: يا نجيح .. يا فلاح .. يا مفلح، هذه الأسماء كان ينشرح لها صدره صلى الله عليه وسلم، وإذا سمع اسماً لا يسره فلا يتشاءم، بعكس ما عليه الناس، الناس في زمانه كانوا يتشاءمون ويتطيرون من الأسماء، وظل هذا الخلق الجاهلي يسري في الناس إلى يومنا هذا، حتى أن بعض الناس إذا خرج وسمع اسماً من الأسماء وهو ذاهب إلى تجارة أو إلى وزارة أو إلى وظيفة، يرجع إلى بيته ولا يكمل عمله، يقول: أعوذ بالله، ما هذا الاسم؟ فلا يستطيع أن يقدم رجلاً لأجل العمل، مع أن الخير والشر والقدر كله من الله سبحانه وتعالى قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51].

    تميز الأمة المسلمة بالأسماء الحسنة

    الرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على الحرص على الأسماء الطيبة، أهديت إليه يوماً ناقة فيها حليب فقال: (من يحلبها؟ قال رجل: أنا، قال: ما اسمك؟ قال: مرة، قال: لا. اجلس - ما كان يضر لو أن مرة حلب، لكنه يريد أن يلقن أصحابه أن أحدهم إذا أراد أن يسمي فلا يسمِّ بهذا الاسم (مرة): من المرارة ومن العلقم- ثم قال: من يحلبها؟ قال رجل آخر: أنا، قال: ما اسمك؟ قال: صخر، قال: لا. اجلس، قال: من يحلبها؟ قال ثالث: أنا، قال: ما اسمك؟ قال: يعيش، قال: احلبها يا يعيش).

    هذا تأكيد من الرسول صلى الله عليه وسلم على أن أمته تتميز عن سائر الأمم، أنت لو رأيت الأمم وأسماء رجالات تلك الأمم، لرأيت كثيراً منها لا يعبأ، فيتسمون بأسماء قبيحة، لو عرفت ترجمة هذا الاسم لوجدته من أقبح الأسماء.

    أمة محمد صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يكون لها شخصية مميزة من الاسم إلى المظهر إلى المخبر، إلى العقيدة.. إلى العمل.. إلى الإخلاص، كل هذا يميزها عن سائر الأمم؛ لأنها أمه قيادة، أمة متبوعة وليست تابعة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

    1.   

    صور من منكرات الأسماء وتحويرات الألفاظ

    الذي يتعاطى التلاعب بالأسماء إما الكفار أو المنافقون، فالكفار أحضروا أصناماً صنعوها إما من الحجارة أو من التمر، فقال القائل لهم: ما هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء آلهة، عندما تعطي اسم الإله على حجر أو شجر، أو بقر أو بشر، فهذا اسم على غير مسماه، لهذا عاب الله سبحانه وتعالى عليهم ذلك في القرآن، فماذا قال؟

    قال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم:23] فقالوا: هم شفعاء أي: يشفعون لنا عند الله، فماذا قال الله سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] وقال تعالى: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:22] أي: فليشفعوا لكم الآن، فأصبحوا غير شفعاء وأن الشفاعة لله، ولمن يأذن له من خلقة سبحانه ويرتضيه، فأصبح اسم الصنم (شفيعاً) اسماً على غير مسمى.

    إبراهيم عليه السلام عندما حصر المشركين في زاوية حرجة، انتظر حتى جاءوا عند الأصنام وهم يقدمون لهم الطعام، ولا يأكلون، ليس له يد ولا فم ولا أذن ولا عين، شيء واقف ميت جماد، ماذا قال إبراهيم وماذا قالوا له؟ قال: الله سبحانه وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:69-71]. هنا اعترفوا ولم يقولوا آلهة، أما كفار قريش فقالوا: آلهة.. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] قوم إبراهيم لما أقام عليهم الحجة كان جوابهم: قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71] .. قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75-77] وقال قبل ذلك: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:72-73] ضيق عليهم إبراهيم عليه السلام حتى اعترفوا أنها أصنام لم يقولوا آلهة، فردهم إبراهيم إلى الاسم الذي ينطبق على المسمى.

    الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً حاول مع الكفار حتى جعلهم يعترفون أن دينه دين هدى، واستخلاص الصدق من فم الكافر ليس بالأمر السهل وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57] هذا اعتراف واضح صريح أن دين محمد هو دين هدى، ومن الذي يعترف بهذا، وكانوا يقولون: إنه ساحر .. إنه كذاب، اتهموا نيته (إن هذا لشيء يراد).

    الآن وضعوا الاسم على المسمى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57] وظل النبي صلى الله عليه وسلم يعالج هذه القضية بهدوء حتى أنه مرت عليه امرأة قال: (ما اسمك؟ قالت: برة -من البر أي: أنها بارة عند الله، أي: أخذت الضمان من الله أنها من الأبرار، وهي برة، من يعلم ذلك؟ من يعلم أني أنا بار أو أنت بار عند الله سبحانه وتعالى؟ هذا غيب وهذا فيه تزكية- فقال: إنما أنت زينب ) فسماها زينب ، فأصبح الاسم لا إفراط ولا تفريط، وإنما الاعتدال والوسطية واضحة بينة في اختيار الأسماء.

    تلاعب اليهود بالأسماء والألفاظ

    تورط اليهود والمنافقون في الأسماء ورطة عظيمة فضحها القرآن وكشفها، ومع الأسف الشديد أن بعض المؤمنين الذين كان إيمانهم ضعيفاً، وعندهم تردد تورطوا، والقرآن يذكر لنا ذلك، فمثلاً: اليهود يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيلقون عليه كلمة فيها تحوير وتزوير، ظاهرها خير وباطنها الذي يريده اليهود شر، فيأتون فيقولون: السام عليك، ويأكلون حرف اللام، لأن اليهودي إذا تكلم لغته العبرية تسمع له خنخنة في أنفه، فلهذا هم يأتون إلى حرف اللام ويبلعونه: السام عليك، فإذا احتج واحد وقال: أين حرف اللام قالوا: نحن لغتنا من الصعب أننا ننطق حرف اللام بوضوح وكذا وكذا، ولكن السام معناه الموت، أي: الموت عليك يا رسول الله، يدعون عليه بالموت.

    فماذا كان يجيبهم عليه الصلاة والسلام، كان يجيب بقوله: (وعليكم) إلى أن كفوا عنه.

    أخذوا يقولون: يا محمد راعنا، أي: أنظرنا .. اصبر علينا.. أمهلنا، لكن الذي يريده اليهود لا يريدون هذا المعنى، يريدون معنى الرعونة وهو الجنون، أي: إنك أنت أرعن أي: مجنون، انظر كيف التلاعب بالاسم!

    وهنا تكون الخطورة -أيها الإخوة- يأتي إنسان معروف بمجونه، فيتسمى اسماً شريفاً، تصور أنا كنا نرى فيلماً بطله عمر الشريف ، عمر -انظر عمر الفاروق رضي الله عنه- وعمر والشريف أيضاً وأبوه نصراني وأمه يهودية.

    1.   

    تلاعب المنافقين بالأسماء في هذا العصر

    وتجد هذه الأسماء تلعب دوراً في حياة الناس، يتستر خلفها كثير من المدمرين الذين لا يعمرون، تسمع أغنية، أو ابتهالاً دينياً مصحوباً بالموسيقى، والموسيقى كما تعلمون نهى عنها الشرع، لكن يقول: هذا ابتهال، الابتهال في الشريعة الإسلامية أن ترفع يديك هكذا، فيظهر بياض إبطيك، ثم تدعو الله سبحانه وتعالى، هذا الابتهال الشرعي، هم يقولون: لا. الابتهال أن تأتي امرأة اسمها: نور الهدى، ومصحوبة بفرقة موسيقية تبدأ تتكلم ببعض الكلمات، تستغيث ببعض الأموات، وتطلب المدد من بعض المقبورين، ويسمون هذا كله ابتهالاً دينياً تسمعه قبل الأذان أو بعد الأذان، فالجيل الناشئ عندما يسمع هذا ويتربى عليه، اسمها: نور الهدى، العنوان: ابتهال، والكلمات ظاهرها إسلامي، فلا يميز في قضية العقيدة، أسأل من؟ أستغيث من؟ أتوب إلى من؟ أستغفر من؟ أذبح لمن؟ أنذر لمن؟ وتصل القضية حتى يبدأ أعداء هذا الدين يخططون، فلم تكن المسألة فردية أو عشوائية.

    تسمية أماكن الفسق بأسماء معظمة

    في أواخر الخمسينات وفي أوائل الستينات، ما كان عندنا هذا الوعي الديني الموجود الآن، لكن الذين كانوا يخططون في قضية الأسماء والمسميات كان عندهم وعي غير الوعي الذي عندنا نحن، يرسمون مخططاً إلى خمسين أو ستين سنة، تجد مكاناً للهو يشغل عن الصلاة، وعن القرآن وعن الذكر، لا يختارون اسماً خاصاً باللهو، يختارون اسم رمز من رموز الإسلام، هل كان موافقة أو مصادفة أو اعتباطاً أن تكون دور السينما في الخمسينات والستينات بهذه الأسماء؟!

    مستحيل. قد تكون واحدة، فيأتي اسم الحمراء -الحمراء هذه مدينة في الأندلس- وقصر الحمراء مشهور، والأندلس بلدة إسلامية حكم فيها بالإسلام أكثر من سبعة قرون، فتحوه بالدين، وأخذوه منهم لما تركوا الدين، تلحقها أخيراً بعد سنين طويلة غرناطة، هذا البلد الحضاري يشع حضارة وعلماً، ومساجد الإسلام موجودة فيه حتى الآن، فإذا أردت أن تفتح غرناطة أو أردت أن تفتح الأندلس فاذهب إلى السينما.

    أدهى من ذلك وأمر أن يتحول أسمى مطلب بوصية محمد صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى) أن يتحول إلى مكان للهو والمجون: ذاهب إلى الفردوس.. آتٍ من الفردوس.

    هذه القضية إن كنا نتسامح مع أسماء مدن وبلدان إسلامية، فلا نتسامح بقضية عقيدة أو دين، لا يجوز شرعاً أن يسمى ذلك المكان بهذا الاسم، بل لا بد من صدور فتوى من وزارة الأوقاف فيغير حالاً هذا الاسم، يسمى أي اسم آخر.

    قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن) وإذا أردت أن تجد محمداً عليه الصلاة والسلام فستجده -بإذن الله- في الفردوس، وكافل اليتيم في الفردوس، وحارثة لما استشهد وجاءت أمه، قالت (يا رسول الله! إن ابني قتل، فإن كان في النار فأخبرني أبكيه، وإن كان في الجنة فأخبرني فلا أبكيه، قال: إنها ليست جنة، يا حارثة، ولكنها جنان، وقد أصاب ابنك الفردوس الأعلى) أفتبلغ المهانة بهذا الاسم الإيماني الإسلامي العظيم الذي يتجلى الله لعباده وهم في الفردوس فينظرون لوجهه؛ إلى ذلك المكان الذي يتفل فيه ويدخن فيه ويسهر فيه مع الملاهي.. في الغناء والرقص والشياطين من الإنس ومن الجن! لا شك أن القضية ليست اعتباطاً.

    لم يتناقشوا في خمسة أسماء ويستسيغوا هذا الاسم، لا. لقد عودتنا الصليبية العالمية والصهيونية العالمية والشيوعية العالمية على أنها تخطط تخطيطاً دقيقاً ابتداء بالاسم -الذي لا ينتبه إليه الإنسان- إلى التوحيد داخل القلوب، وأنت تعجب كل العجب عندما ترى ذلك القاموس الهائل الذي يعرض عليك على صفحة الحياة كل يوم، تمارسه تسمعه، لأسماء قد حورت وأشياء قد لفقت، وقد قال المنافقون ذلك: إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62]، ولكنه ليس بتوفيق، إنما هو تلفيق على الدين والإسلام.

    منكر تسمية الخمر بغير اسمها

    قال صلى الله عليه وسلم: (يأتي زمان يشرب أقوام فيه الخمر يسمونها بغير اسمها) بالنص النبوي الذي يذكر هذه القضية الخطيرة، الخمر خمر.. (ما أسكر كثيره فقليلة حرام) ولعن بها عشرة كما ورد في الحديث، ثم يأتي زمان تهون بسبب ماذا؟ بسبب تبدل الاسم من خمر إلى مشروبات روحية.

    الروح سر وجود حياة الإنسان التي لا يعلمها إلا الله: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] أصبحت الخمر رمزاً من رموز تلك الروح، فصارت مشروبات روحية.

    وتعجب عندما يستخدم نفس الاسم في الجانب الخيري، دروس روحية إيمانية، تنعش الروح والقلب؛ لأنها تذكر فيها الآيات والأحاديث، فإن من يسمي الخمر مشروبات روحية، ومن يسمي مجالس الذكر دروساً روحية، تلتقي الروحية بين الخير والشر، يا لها من جريمة!!

    القاموس المملوء يسمي الكذب: دبلوماسية، وهذا أصبح شعار كثير من الناس، إذا أخذ يلف ويدور ويلعب على الحبل, يقف على منتصف السلم، ويتلَّون ويعطيك عشرين وجهاً أو خمسين وجهاً، قالوا: هذا هو الذكي الشاطر .. هذا دبلوماسي.

    ولو أنك التقيت مع إنسان مأجور، وما هو المأجور؟ يعني يؤجرونه لعملية جريمة، هذا موجود في العالم، يعني أنتم ما شاء الله رواد المسجد؛ من البيت إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت، أنتم في خير عظيم، لكن هناك عالم غير عالمكم أنتم، شخص عنده ثمانية جوازات وحقيبة، والحقيبة فيها جوارب فيها نظارات بيض، ونظارات سود، ونظارات خضر، ونظارات زرق، وقميص بالرصاص، وأجهزه خاصة، وعناوين، و(آريل) صغير، ويدخل كل بلد، مسكنه الأرض، ليس له أم ولا أب ولا عائلة؛ لأنه لقيط، هذا معروف مشهور عند أكابر مجرميها كما يقول الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:123].

    على طول يريدون التخلص من فلان أو من فلانة، كما حدث مع بنان علي الطنطاوي رحمها الله في سنة (1981م) في ألمانيا بالتلفون:

    - ألو، فلان.

    - نعم.

    - قال: نريدك أن تقضي على فلان أو فلانة.

    - نعم، كم تدفعون؟

    - مليون.. وسيارة، وما هو الضمان أنك تنفذ؟

    - الضمان: روحي!!

    إذا ما نفذ العملية يقتل هو، هناك أناس مؤجرون من أجله.

    وطبعاً هو على طول ألماني ما عندهم لحية يحلق الشارب ويحلق اللحية ويلبس نظارة مثل نظارة الجستابوا الهتلرية ومعه جواز خاص ألماني مختوم وينزل رسمياً في البلد، ويعيش في أحسن فندق في البلد، والناس يستقبلونه ويرسم الخطة وينفذها ويعود.

    تنفيذ هذا كله على أنفاس ماذا يقوم؟ لو سألته: أنت كيف صارت عندك الجرأة على ذلك؟ قال: من المشروبات الروحية، يجلس ليلة سكر وعربدة ويأخذ له بعض المخدرات وبعض المشروبات، وبعد ذلك إذا كان شيطاناً رقم (1) يتحول إلى شيطان رقم (1000) ولا يستطيع هو وأمثاله وكل مأجور عند تنفيذ مثل هذه العمليات إلا بما يسمونه بجلسات السكر والعربدة هذه -نسأل الله أن يعافيكم منها- وأن يحفظ هذا البلد وسائر بلاد المسلمين.

    فعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أقوام يستحلون الحر -الفروج- والحرير والمعازف، ويشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) كان له بعد نظر لما ستئول إليه هذه الأمة حول خطورة تزييف تلك الأسماء، وما يدريك لو أن هذا قتل لأصبح بطلاً، ولوضع له نصب تذكاري، تقدم له الزهور، وتسمى مدرسة باسمه، بإمكانهم بالأجهزة أن يحولوا المجرم إلى بطل، كأنه ذاهب ليحرر فلسطين.

    النفاق وتسميته بالمجاملة

    ثم النفاق يقابله مجاملة، فكلمة النفاق انتهت الآن من القاموس، لا تسمعها، تسمع بديلاً لها: المجاملة، هذا يجامل، يهجمون على الدين، يستهزئون بالله ويستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وبأحكامه وهو ساكت، ولم هذا السكوت؟ قال: يا أخي! أنا مضطر أن أجاملهم، نقول: لا. أنت منافق، هذه ليست مجاملة.

    وأصبح الإلحاد بالتهجم على ذات الله ثورية وتقدمية، المجون: فن، الخلاعة: حضارة، السفور: مدنية، الله أكبر! علاقات الحب والغزل والغرام: حرية شخصية، أسمى ما يسمو إليه الإسلام في تحرير الإنسان لكي يكون عزيزاً على وجه الأرض، لصقوه بالغزل والزنا وقالوا: حرية شخصية.

    بداية الدرس ما كنتم تظنون أن تصل المسألة إلى هذه الخطورة، لكن انظروا إلى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يبدأ الانحراف بين الضلعين في زاوية صغيرة ثم ينفرج الضلعان حتى تصبح قضية تغيير الأسماء والمسميات تطيح بدول وأنظمة وجماعات، ولكنا لن ننسى أبداً قوافل الشهداء التي علقت على المشانق، ثم في الصحف العريضة، القردة تغزو الجامعة.. المتطرفون.. الإرهابيون.. المتعصبون.. الرجعيون، هذا التلاعب بهذه العبارات والأسماء يقولونها لفتية آمنوا بربهم وزادهم هدى.

    فتبينت خطورة هذه القضية التي كان يحرص النبي صلى الله عليه وسلم على علاجها من أول فيروس وميكروب ينزل؛ لأن علاج المرض في أوله أهون بكثير منه إذا استشرى واستفحل، ويأتي الشاعر الذي يعاني كل المعاناة من هذه القضية، فيقول: أمتنا فريدة القيم -القيم: عندما تسمع العادات والتقاليد والأخلاق التي تسمو بها أمة من الأمم، قيم لها قيمة: دِيناً قِيَماً [الأنعام:161] يعني: قيم على جميع الأديان، قال تعالى: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة:36] لكن يقول: أمتنا فريدة القيم، ثم يعطيك صورة هذه الأسماء والمسميات قال: وجودها عدم، موجودة لكن في الحقيقة معدومة، موجودة شعارات، جامعة عربية وإلى غيرها. .. يقولون:

    وجودها عدم. . لاءاتها نعم

    لا صلح مع اليهود

    لا عهد مع اليهود

    لا سلم، لا حرب

    لا سلم، لا حرب

    بعد ذلك تحولت كل اللآت فصارت مشاريع نعم .. نعم .. نعم،

    وجودها عدم. . لاءاتها نعم

    والكل فيها سادة لكنهم خدم

    أمتنا مؤمنه

    تطيل من ركوعها..

    تطيل من سجودها...

    وتطلب النصر على عدوها من هيئة الأمم

    أمتنا تجمعها أصالة ولهجة ودم

    وبيتنا عشرون غرفة به، لكن كل غرفة من فوقها علم

    فأصبح البريء متهم

    كلها تدور حول الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الأسماء والمسميات، فكم ضللت من أجيال، وكم زيفت من حقائق، ويأتي كاذب فيوقع بعد أن يكتب تقريراً من أوله إلى آخره أملاه عليه مسيلمة الكذاب، يوقع هو تحت، فلان الصادق.

    1.   

    نماذج من المتلاعبين بالألفاظ قديماً وحديثاً

    أيها الأحبة الكرام: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يشدد في هذه القضية في مجتمع مسلم راقٍ جداً أثنى الله عليه في كتابه.

    قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الفتح:29] ليسوا راكعين ولكن رُكع، وليسوا ساجدين وإنما سُجد بالتشديد.

    وقال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23] لاحظ التبديل هنا، قضية التبديل من أخطر القضايا، يقول: وما بدلوا تبديلاً.

    تلاعب المنافقين بالألفاظ بعد معركة أحد

    في معركة أحد ، وكما تعلمون أن المعركة بدأت بالنصر وانتهت بالهزيمة، انظر التلاعب بالألفاظ، قال بعض الناس: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران:154] أنت ماذا تفهم من هذه العبارة القرآنية، التي قالها أناس في معركة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وخاضوا المعركة ثم قالوا هذه الكلمة، أنت بنيتك المسلمة الطيبة، تفهم أن هذا قضاء الله وقدرة لو أن لنا شيئاً في هذه القضية لعملناه، لكن إذا نزل القدر عمي البصر، ولكنهم لا يريدون هذا المعنى يريدون معنىً ثانياً وهو: أن عبد الله بن أبي المنافق أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يخرج من المدينة يقاتل الكفار في أحد، وإنما يقاتل قتال الدفاع على المدينة ويشترك معه الأطفال والنساء والشيوخ والرجال من على السطوح بالحجارة والسلاح، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض هذه المشورة، وأخذ بالأغلبية، أغلبية الأصوات كانت تطالب بالخروج، وكان يحرص على تطبيق قاعدة الشورى في أصحابه صلى الله عليه وسلم، فخرج فلما حدثت المعركة، وقتل سبعون، قال المنافقون: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران:154] أي: لو أخذ محمد مشورتنا أو شيئاً من المشورة، أو كان لنا رأي عنده وأخذ مشورتنا الأولى، ما قتلنا هاهنا، وهذا كلام (ملفوف) وأخطر ما يدمر الأمم هو الكلام الملفوف هذا، عندما تكون خطبة مفتوحة والناس تسمع، كلها عهود ووعود وبعد ذلك عند التحقيق تعال، أنا لا أقصد هذا.

    قول البعض: (أنا لا أقاتل اليهود ولكن أقاتل الصهيونية)

    عندما يأتي شخص ويكون في قمة الدفاع عن الأقصى ثم يقول: أنا لا أقاتل اليهود إنما أقاتل الصهيونية، وتسمع هذا الكلام عندنا، لو قال هذا الكلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود تحت الحكومة الإسلامية، نقول: هذا كلام صحيح، يهود أهل ذمة يحكمهم الإسلام، يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون، لكن الآن هل يوجد يهودي في الدنيا لا يعمل على قتلي وقتلك؟

    فعندما تأتي هذه الكلمة: أنا لا أقاتل اليهود كيهود إنما أقاتل الصهيونية ، الصهيونية حزب من عشرات الأحزاب التي تعمل من أجل هيكل سليمان ونجمة داود المزعومة.

    فيا أيها الأحبة: هذه قضية خطرات سريعة، ألقيها هكذا كبذور حتى لا يكون هناك اختلاط في قضية تزييف الأسماء، بل قد تصل القضية إلى شهادة زور أو غموس تلقي بصاحبها في النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذه الكلمة عندما تخرج قد تكون كلمة واحدة، يعني: الله سبحانه وتعالى عندما عنف في سورة براءة، لو تعد الكلمات التي قالها المنافقون ثم وصفوا بعدها بالنفاق بشهادة القرآن ستجدها كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً، لكن هذه الكلمة مزيفة مزورة، كلمة مزيفة مزورة، راجع سورة براءة، وستجد الآيات تنطق بهذه الحقيقة، أيضاً في قصة الإفك: ما نجت منه ولا نجا، هكذا.

    تلقفتها الألسنة ووصلت القضية إلى تهمة عائشة رضي الله عنها وأرضاها بأعظم تهمة، أعظم بيت.. بيت الصديق وبيت الرسول.

    الجد بن قيس ونفاقه في باطن كلامه

    الجد بن قيس منافق، الله سبحانه شهد عليه بالنفاق في القرآن، قال كلمة واحدة: وَلا تَفْتِنِّي [التوبة:49]، ورد عليها الله أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49] من يوم أن قال الكلمة، مع أنها كلمة دينية، ظاهرها أنا أخاف على نفسي الفتنة، أنا لا أتحمل أن أذهب معك في غزوة تبوك ؛ لأن بنات الروم شقراوات جميلات، وأنا ضعيف من جهة النساء، أخاف أن أرى امرأة فتعجبني وأصير عميلاً، وأنضم إلى الرومان، وتفقدني الدولة الإسلامية، فهذه فتنة في الدين انظر إلى هذه الكلمة الدينية صارت كلمة نفاقية أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49].

    كلمة سقط هذه تبين أنها كبالوعة سقط فيها، كلمة لها مدلول، لها وقع نفسي، يعرفه المنافق الذي يتلاعب بالكلمات.

    كلمة ظاهرها نصيحة، يا بن الحلال! اذهب وصلِّ، قالوا: اليوم حَر، الله سبحانه وتعالى شهد عليهم بالنفاق: وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة:81] فهذه الكلمة التي ظاهرها نصيحة سببت بنفاق بعض الناس.

    عبد الله بن أبي وتلاعبه بالألفاظ

    وهكذا لو عدت تقرأ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون:8] هذه كلمة عائمة، لو جئت تحقق مع الذي قالها تقول له: تعال، من تعني بالأذل وبالأعز؟ قال: أعني بالأعز رسول الله، وأعني بالأذل: الكفار، لكنه كذاب، كان يعني الأعز هو نفسه ابن سلول، ويعني بالأذل رسول الله، لهذا ممن فهمها ولده عبد الله بن عبد الله بن سلول ، وانتظر حتى هدأ الرسول من الغضب، فقال: (يا رسول الله! إن كنت آمراً أحداً أن يقطع رأس أبي فمرني أنا، آتيك برأسه ويعلم العرب أنني أبر ابن بوالده، قال: لا. بل نحسن صحبته، حتى لا يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، قال: إذاً اصبر، فلما وصولوا عند أبواب المدينة سحب سيفه ووقف على أبواب المدينة ، وقال: والله لا تدخلها إلا بإذن رسول الله، أنت الأذل ورسول الله الأعز -أي: أنا أترجم هذه الكلمة المبهمة، أنا ابنك، أنت الأذل ورسول الله الأعز- فقام يصيح: يا ناس! يا عالم! ابني يمنعني من دخول بيتي -يستعطف العواطف، من أجل أن الناس يقولون: هذا أبوك، هذا كذا- قال: لا. لا تدخل حتى يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما أذن له النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة ) بهذا الحزم يعود الاسم إلى مسماه الحقيقي وابن القيم رحمة الله عليه عندما ذكر كفار قريش أن هذه الحجارة آلهة، قال: مثلهم كمثل الذي يأكل قشر البصل الناشف فإذا سألته: ماذا تأكل؟ قال: آكل اللحم المشوي، والله ما أكل من اللحم إلا اسمه.

    فيا أيها الأحبة: الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يبين هذه الحقيقة البينة الواضحة عندما زعموا أن المسيح ابن الله، وسموا عزيراً ابن الله، وسموا أنفسهم أبناء الله وأحباءه، قال في أول سورة الكهف هذه الحقيقة التي تنجيك من الدجال، لأن الدجال أول من يحرف الأسماء على المسميات، عنده صورة يقول: هذه جنة وهي نار، وصورة ثانية يقول: هذه نار، مكتوب على جبينة كافر، ك ف ر، يقول: أنا الله.

    تصور انقلاباً هائلاً في زمانه، لكن الله سبحانه وتعالى أعطاك العلاج، تقرأ عليه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف:1-5].

    اللهم اجعلنا من الصادقين، اللهم اجعلنا من الصادقين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] وأمتنا أمة الصدق، ورسولنا الصادق الأمين وخليفته الصديق ، اللهم إنا نشهدك على حبهم، فاحشرنا معهم، نسألك لساناً صادقاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً طيباً وشفاء من كل داء، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مؤمناً إلا ثبته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.

    اللهم اجعل هذا البلد وسائر بلاد المسلمين سخاءً رخاءً وأمناً وإيماناً، أنت ولي ذلك والقادر عليه، أصلح أولادنا، وأزواجنا , وأرحامنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.