إسلام ويب

أهمية تعمير المساجدللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسجد مدرسة الرجال، ومحضن الأبطال، وبقدر الاهتمام به وتفعيل دوره يوجد الرجال، وفي هذه المادة بيان لأهمية بناء المساجد حسياً ومعنوياً، وأهمية إكرامها والتأدب بآدابها.

    1.   

    معرفة حقيقة عمارة بيوت الله

    إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعــــد:

    فيا عباد! الله اتقوا الله تعالى حق التقوى؛ فهي وصية الله للخلائق أجمعين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].

    معاشر المؤمنين! ابتداءً من يوم غد السبت ولمدة أسبوع تهتم الجهات الحكومية على اختلاف مهماتها، وطلبة الجامعات والمدارس، كل أولئك يهتمون ويبذلون مزيداً من الجهد للمشاركة في الأسبوع السنوي للمساجد، والموضوع اليوم متعلق بذلك.

    عباد الله: لقد ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم فضل وثواب المعتنين بالمساجد والمهتمين بها فقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] وعمارة المساجد ليست قاصرة على إنشائها أو بنيانها فقط، بل إن عمارة المساجد المذكورة في الآية شاملة للعمارة بكل معانيها، فيدخل في ذلك إنشاؤها وبنيانها؛ سواءً كان بانيها متبرعاً بذلك من خالص ماله وحله، أو ساعياً في جمع ذلك المال لبناء المساجد به، أو متبرعاً بشيء مما يصلح لبنيانه وإنشائه، ويدخل في عمارة المساجد عمارتها بالسعي إليها والصلاة مع الجماعة فيها، وقراءة القرآن وتعلم العلم وتعليمه فيها، وقد ذكر الله جل وعلا صفات عمار المساجد بقوله: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة:18] وبذلك دلت الآية أن من اتصف بهذه الصفات فهو بإذن الله من عمار بيوت الله، الذين ترجى لهم الهداية والتوفيق، إذ قد يعمر المساجد من يباهي ويرائي بعمارتها وقد يعمرها من مال حرام، والله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    بنى مسجداً لله من غير حله     فكان بحمد الله غير موفق

    كمطعمة الأيتام من كد عرضها     لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

    إن بعض المسلمين هداهم الله قد يتاجرون في أموال ربوية، وتجارة محرمة، وصفقات مشبوهة، وبعد ذلك يطيب خاطره بقوله: أبني مسجداً أو مسجدين من هذا المال، ويظن أن تبعة ماله بذلك قد انتهت، وقد نسي أنه سيحاسب على ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ديناراً ديناراً ودرهماً درهماً.

    ثناء الله على عمار بيوته بذكره وتسبيحه سبحانه

    عباد الله: لقد أثنى الله جل وعلا على عمار بيوته بالتسبيح والذكر والدعاء، ووعدهم بجزيل الأجر والثواب فقال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36-38] ولقد توعد الله من عطل مساجده، أو كان سبباً في قطع الناس عنها، أو بعدهم عن الصلاة فيها فقال جل من قائل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114].

    الحث على عمارة بيوت الله وفضل المشي إليها

    ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على بناء المساجد في الحديث الذي رواه الشيخان: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله؛ بنى الله له بيتاً في الجنة) وفي رواية: (من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاة..) ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً كان أول عمل قام به بناء المسجد، وذلك لأهميته، ولا غرو ولا عجب في ذلك، فالمساجد بيوت الله، ومأوى ملائكته، ومهابط رحمته، ودور عبادته، وهي ملتقى عباده المؤمنين، رتب الله على وجود المساجد أجوراً عظيمة، وخيرات عميمة، فجعل سبحانه المشي إليها سبيلاً لرفعة الدرجات، ومحو الخطايا والسيئات، يقول صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح) ويقول صلى الله عليه وسلم: (من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب حسنة ذاهباً وراجعاً) رواه أحمد بإسناد حسن، والطبراني، وابن حبان في صحيحه.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (إلا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط!) ويقول صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) رواه أبو داود.

    وهذا الفضل يفوز به الذين يحافظون على صلاة الفجر في المساجد، إذ أن تمام الظلمة في ذلك الوقت وفي صلاة العشاء أيضاً، أما الذين يتكاسلون عنها، ويتهاونون بها، فإنهم على حرمان وغبن عظيم، إذ يفوتون على أنفسهم، فالنور التام يوم القيامة -برحمة الله وفضله- إنما هو للمشائين في الظلم إلى المساجد يبتغون ما عند الله، والذي يعمر المساجد بالصلاة فيها مع الجماعة مشهود له بالإيمان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18] رواه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، في صحيحيهما.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) وروى البخاري: (إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يقم من مصلاه أو يحدث) فكل هذه الأجور، وكل هذه الفضائل والخيرات متعلقة بعمارة المسجد بالصلاة فيها مع الجماعة والذكر والدعاء والتلاوة والقرآن.

    فما حال الذين لا يعمرون المساجد بالصلاة فيها مع الجماعة، الذين يصلون في بيوتهم، الذين يصلون فروضاً في المسجد، ويتركون أغلب فروض اليوم فيصلونها في بيوتهم، هل ينالون فضل السعي إلى المسجد؟! كيف يسعى إلى المسجد وهو يصلي في بيته؟! هل ينالون فضل نور المشائين في الظلم إلى المساجد وأحدهم يصلي بجوار فراشه؟! هل ينال فضل دعاء الملائكة له بقولهم: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وهو لا يصلي إلا حينما يفرغ من شغله، سواء فوت الصلاة مع الجماعة أو أخرها إلى التي تليها عياذاً بالله من ذلك؟!

    إن الذين يتركون الصلاة مع الجماعات ليسوا من عمار بيوت الله، ويفوتون على أنفسهم ثواباً وفضلاً عظيماً، فيا غبن صفقتهم! ويا خسارة تجارتهم!

    عباد الله: ما دامت هذه الأجور العظيمة مرتبطة ومبنية على وجود المساجد، وعمارتها والصلاة فيها، وما يترتب على ذلك من السعي والمشي إليها، فالله الله! بالتبكير إلى المساجد ولا تتهانوا بها، وكونوا من عمارها تشهد الملائكة لكم عند ربكم، يقول صلى الله عليه وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فإذا جاء الليل صعد ملائكة النهار إلى الله، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ يقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهو يصلون)

    فيا فوز من شهدت له الملائكة عند ربه بالصلاة مع الجماعة! ويا خيبة من خسر هذه الشهادة بالصلاة في داره وبيته!

    عباد الله! إن التأخر عن الصلاة رويداً رويداً مما يجر الإنسان إلى تعطيل عمارة المسجد، والتهاون بذلك، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) رواه مسلم.

    عباد الله! إن عدم عمارة المساجد بالصلاة فيها مع الجماعة قد يجر إلى تعطيل الجماعات، وتعطيل الأذان، وإن التأخر عن الصلاة والتهاون بها من صفات المنافقين الذين لا يشهدونها مع الجماعات ويتهاونون بها، ولقد وصفهم الله بقوله: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] ويقول الله أيضا: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54].

    1.   

    من اعتناء الشرع بالمساجد

    المساجد يا عباد الله فضل الله فيها عظيم، ورتب الله خيرات عميمة لعمّارها، والمهتمين بالصلاة فيها، والمبادرين المتسابقين إلى الصفوف الأولى فيها، فيا بشراهم بفضل الله ورحمته عليهم!

    الأمر بصيانتها من الأقذار

    إن من عناية النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتنظيفها ونهيه عن توسيخها ببصاق ونحو ذلك، فيقول صلى الله عليه وسلم: (البصاق في المسجد خطيئة؛ وكفارتها دفنها) والدفن إنما هو في المساجد التي تكون تربتها من الحصباء، أما المساجد في هذا الزمان فهي بحمد الله على أحسن حال، وأفضل صورة، فينبغي صيانتها عن كل شيء، وينبغي العناية بها وتنظيفها.

    النهي عن إنشاد الضالة في المسجد

    عباد الله: لقد نهى صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المساجد فقال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

    النهي عن رفع الصوت في المساجد

    ونهى صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت فيها، فعن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: [كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف ، فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم] رواه البخاري.

    النهي عن الإتيان بالروائح الكريهة إلى المسجد

    فالشريعة جاءت بالعناية بالمساجد واحترامها وتكريمها، ولا أدل علىذلك من تكريم المصلين والملائكة عن كل ما يؤذيهم، وينفرهم، إذ نهى صلى الله عليه وسلم الذين يأكلون الثوم والبصل من إيذاء المصلين فقال: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) ولا يتخذن أحدٌ هذا الحديث حجة أو وسيلة للتهاون بالصلاة، فيأكل ثوماً وبصلاً ويقعد في بيته متخلفاً عن الجماعة ويقول: أكلت ثوماً وبصلاً.

    ألا وإن مما هو أسوأ من الثوم والبصل الدخان، وما يسمى بالشيشة أو النارجيلة أو ما داخل هذا المعنى فإنه مما يؤذي المصلين، ويؤذي الملائكة، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم، فاستغفروه من كل ذنب وتوبوا إليه؛ يمتعكم متاعاً حسناً، ويرسل السماء عليكم مدراراً.

    1.   

    ضرورة فتح بيوت الله ليل نهار

    الحمد لله الذي أنزل الكتاب، وأنشأ السحاب، وخلق عباده من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    عباد الله! علمتم فضل المساجد ومكانتها في دين الإسلام، وأن المساجد اليوم لا تعرف من دورها إلا الصلاة والأذان فيها فقط، أما ذلك الدور الذي عرفه الآباء والأسلاف والأجداد، ذلك الدور الذي أنشأ القادة، ذلك الدور الذي أعد الرجال والأجيال، ذلك الدور الذي رفع الحماس في قلوب المصلين، وسيرهم بالجهاد مستبسلين يبتغون الشهادة، ذلك الدور الذي خرج العلماء وطلبة العلم، ذلك الدور الذي جعل المسجد قنديلاً، وجعل المسجد مشكاة يستنير بها من حولها، فهو مفقود في هذا الزمان، وما هو إلا أن الناس لم يعرفوا من دور المسجد إلا أن يأتوا ليصلوا فيها، أو يحضروا قليلاً، فإذا أقيمت الصلاة صلوا فيها، ثم خرجوا منها.

    إن المساجد -يا عباد الله- ينبغي أن تكون مفتوحة ليل نهار، وإن كان هناك ما يخشى من سرقته أو يخشى من فقده أو العبث به، فإن الدولة مشكورة وفقها الله قد هيأت خدماً وحراساً للمساجد، وهيأت مساكن فيها، فهم الذين يعتنون بها.

    إن المساجد لا بد أن تكون مشعلاً حياً في الأمم والمجتمعات، ولا بد أن تعود حلقات العلم فيها، ولا بد من السعي لإيجاد حلقات تدريس القرآن الكريم للصغار والكبار فيها، فإن ذلك من أهم الأمور التي تحفظ أبناء المجتمع، أرأيتم لو أن كل مسجد فيه حلقة للكبار والصغار لتعليم كتاب الله، وأن المسجد يبقى مفتوحاً مع عناية وحراسة والتزام وتنبه لما فيه، أتظنون أن غريباً لا يجد من يؤويه سيجد مشكلة أن يتوضأ ويصلي ركعتين فيجلس في بيت من بيوت الله؟ ولا أعني بذلك أن يتخذ المسجد سكناً أو أن يتخذ مكان إقامة، وإنما هو يجد بيتاً من بيوت الله جل وعلا، ليجد فيها أمناً وراحةً واطمئناناً، حتى يدبر شأنه، وييسر سبيله، وينجح قصده، أما الذين يتخذون المساجد مكاناً للنوم، أو يتخذونها مكاناً لقضاء الوقت والفراغ فيها، فإن أولئك في الغالب لا يعمرونها بذكر الله أو الطاعة والعبادة.

    لذا يا عباد الله! ينبغي لمن كان مسئولاً في مسجد من المساجد أو إماماً أو له كلمة في مسجد قد بناه أو قام بشأنه، ينبغي أن يحرص على ذلك، وأن ينشئ فيه حلقة من حلقات القرآن الكريم لتدريس الناس وتعليمهم، وإن من أهم الأمور التي ينبغي أن توجد في المساجد إيجاد مجموعة من الكتب فيها، أو إنشاء مكتبة في زاوية من زوايا المسجد أو في ناحية من نواحيها، فبفضل الله جل وعلا، ثم بهذه المكتبة يأوي شباب الحي وأطفالهم فيجدون متسعاً نظيفاً لقضاء الوقت، ويجدون مكاناً مهيئاً يقضون أوقاتهم فيه إما بتلاوة أو بذكر أو بعبادة، أو بقراءة واطلاع، أو بنقاش.

    ومما ينبغي أن يعاد إلى المساجد وذلك بتبرع أهل الخير فيها تبرعاً مالياً أو تبرعاً جهدياً، لتدريس أبناء المجتمع شيئاً من المواد قرب مواسم الامتحانات، فجزى الله من بادر وتبرع بجهده لتعليم أبناء الحي شيئاً من المواد التي سيختبرون، وسيجد فضله وثوابه عند الله جل وعلا.

    كذلك الدروس الأسبوعية أو الشهرية أو المحاضرات، وتعويد الصغار على الجرأة في المساجد بإلقاء الكلمات، وبالوقوف أمام الناس، على الجرأة بالسؤال والجواب، في سبيل تحصيل العلم، فإن المساجد حينما تقوم بهذه الأدوار عن طريق المهتمين بها وعن طريق جماعات المساجد فيها، فإنهم بذلك يعيدون دوراً حياً ومكانة للمسجد في كل مكان.

    أسأل الله جل وعلا أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين.

    عباد الله! إنها لمن أعظم النعم بفضل الله ومنته أن إذا حان دخول وقت صلاة من الصلوات ضجت هذه البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، ارتفعت أصوات التكبير من المآذن خفاقة عالية بتكبير الله جل وعلا، وحث المصلين وندائهم إلى حضور المساجد، وهذا أمر يندر في كثير من الدول، فالحمد لله على هذه النعمة، نسأل الله أن يجعله صوتاً خفاقاً، وذكراً عاطراً باقياً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بعزة الله جل وعلا للإسلام والمسلمين، وولاة أمورنا خاصة، وولاة أمور المسلمين عامة.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله بإخوانه، اللهم لا تفرح عليهم عدواً ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم ما علمت في أحد خيراً له فقربه منه، وما علمت في أحد شراً له ولأمته فأبعده عنه برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا أيماً إلا زوجته برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا الله سبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا خلق من خلقك، وعبيد من عبيدك، فلا تحرمنا بذنوبنا فضلك، اللهم إن كثرت معاصينا فإن فضلك أعظم، وإن كبرت ذنوبنا فإن فضلك أكبر برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واجعل ختامنا وميتتنا وفراقنا من هذه الدنيا على الشهادتين ما ظلمنا وما بدلنا وما غيرنا، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وافسح اللهم لهم قبورهم مد أبصارهم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم وفيهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه التي لا تستطيعون حصرها ولا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.