إسلام ويب

الولاء والبراءللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، وفي هذه الأيام كثر الذين يميعون هذه القضية، ويدعون إلى التآلف والتآخي مع أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم. وفي هذه المادة ذكر لأهمية الولاء والبراء في الإسلام، ووجوب موالاة المسلمين، والبراءة من الكافرين، مع بيان بعض مظاهر موالاة الكافرين التي منها: التشبه بالكفار .. السكن في بلادهم .. مداهنتهم .. مناصرتهم ... إلخ

    1.   

    ستر الله علينا نعمة عظيمة

    الحمد لله الذي ستر القبيح وأظهر الجميل وزيننا بستره، ولو كشف الله عنا أستاره لما كان من مستمع ولا منصت، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأثني عليه الخير كله أوله وآخره وظاهره وباطنه، ملء ما خلق وعدد ما خلق، وملء ما أحصى كتابه وعدد ما أحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أيها الأحبة في الله: مما تعلمناه من مشايخنا ونعلمه أحبابنا وإخواننا أن يتجنبوا الثناء والمديح في مستهل المحاضرات واللقاءات، وكما قال ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر: يا مسكين! إن أعجب الناس بك، فإنما أعجبهم جميل ستر الله عليك، ولو كشف الله للناس كل سيئة من فعلك، لما رأيت أو سمعت في هذه الدنيا محباً، ليس منا أحدٌ إلا وله هنات وأخطاء وتقصير وتفريط، لكن الله جملنا بأن الناس يرى بعضهم من بعض محاسن الأعمال، وسترنا ربنا ليخفي عن الناس مساوئها، فلا ينبغي لعاقل أن يغتر بكلمة هو يعلم أنه دونها.

    وعلى أية حال، فحبيبـي وصديقي الشيخ/ محمد بن إبراهيم السبر أحسبه ولا أزكي على الله أحداً ممن يحترقون إخلاصاً وتفانياً وعملاً في الدعوة إلى الله عز وجل، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً، ومحبة بيني وبينه ربما ساقت على لسانه هذه الكلمات من غير كيل ولا حساب، ولكن كما قال أهل العلم: من عرف بعداوة شديدة فشهادته مجروحة، ومن عرف بمحبة شديدة، فشهادته مجروحة، فلعل ما سمعتم من ثنائه يرد بعضه -وإن شئتم كله- عليه لشديد محبته وشديد محبتي له، أسأل الله أن يرفع درجاته وإياكم ونفسي في الجنة، وأن يجعلنا من المتحابين بنور وجهه، لنكون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    أحبتي في الله: أهنئكم بشرف المكان وشرف المناسبة، فأما شرف المكان، فهو مهابط الرحمة، ومنازل الملائكة، حلق الذكر، رياض الجنة، والله ما من عبدٍ يندم يوم القيامة أنه جلس ساعة مع قوم يذكرون ربهم يتلون كلام الله ويتدارسونه، ويصلون على نبيهم صلى الله عليه وسلم، فمقامنا في هذا المكان شريف عظيم، وأي شرف أعظم من أن نكون في هذه الروضة التي تغشاها السكينة وتحفها الملائكة، وتتنزل عليها الرحمة، ويذكر الله أهلها والجالسين فيها في ملئه الأعلى، ولقد جلست مجالس عدة، وحضرت مواقع مختلفة، فلم أجد أشرح للصدر وأعز للنفس وأكرم للذات من هذه المجالس في هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.

    وأما شرف المناسبة، فاللقاء على هذه المائدة العلمية المفيدة التي نسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم فيها بما علمنا، وأن يعلمنا فيها ما ينفعنا، وأن يرزقنا إتباع العلم بالعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    سبب التحدث في موضوع الولاء والبراء

    أحبتي في الله: موضوعنا هو موضوع الولاء والبراء في سلسلة يبدو لمتأمل موضوعاتها أنها متعلقة بجوانب العقيدة، وإني لأشكر القائمين على هذا المسجد إماماً ومؤذناً، والشباب الدعاة المخلصين المعنيين بالأنشطة الثقافية والفكرية والدعوية، وتحفيظ القرآن وغيره على حسن عنايتهم وانتقائهم لهذه الموضوعات الجليلة.

    كثرة خوارم الولاء والبراء عند الكثير من المسلمين

    سبب طرق هذا الموضوع قد يطول، ولكنني أختصره: لما رأيناه من كثير من الأفعال والسلوك التي لا نشك أنها من خوارم الولاء والبراء في هذه الأزمنة التي اشتدت كربتها وعظمت محنتها، وأصبح الناس يستحسن بعضهم الولاء للكفار، ويعده من باب المجاملات الرقيقة، ويعده من باب اللطف في المعاملة، ولا يستطيع أن يميز بين ما يجوز التعامل به مع الكفار وبين ما لا يجوز، أي: أن هناك أضرباً من التعامل لا تدخل من قبيل الولاء وإن تعاملنا فيها مع الكفار، ولكن أناساً أدخلوا زيادةً على هذه أضرباً من المعاملات، وظنوها لا تخرم الولاء وذلك بسبب الجهل بهذه القضية التي قل من يطرقها ويتحدث عنها في هذا الزمان.

    كثرة الندوات والمقالات في نبذ البراءة من الكافرين

    إن كثيراً من الناس اليوم أصبحوا يسمعون دعوات وصيحات ذات اليمين وذات الشمال تدعو إلى نبذ البراءة من الكفار، بل وتدعو إلى موالاتهم واتخاذهم أحبةً وأصدقاء، ويزعمون أن لا ضير في ذلك؛ لأنه لا طريق للسلام العالمي اليوم والأمن والتعايش والوفاق الدولي إلا في ظل ذلك، وأنه لا يمكن أن يتحقق الوفاق والسلام العالمي إلا في ظل دفن أو وأد أو إجهاض قضية الولاء والبراء، وذلك أمرٌ في غاية الخطورة، لا يستطيع أحد أن يجمع الناس على كلمة واحدة، بل سنة الله عز وجل أن الخير والشر، والحق والباطل، الإسلام والجاهلية في صراع مرير إلى أن تقوم الساعة: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] فقضية الصراع لابد أن تستمر، ونظرية التفرد والسيادة التي يسعى إليها الغرب ليضرب بيده الطويلة عبر قواعده الضاربة بأساطيلها بحار الدنيا كل من يخرج عن النظام العالمي الجديد، وإن أرادوا ذلك، فإنه لن تتمكنوا؛ لأن من سنن الله: التدافع والتنازع، ليبقى المتفرد بالهيمنة التامة والسيطرة الكاملة الذي له الحكم والأمر وحده لا شريك له هو الله وحده سبحانه وتعالى.

    ولكل شيءٍ آفةٌ من جنسه     حتى الحديد سطا عليه المبرد

    لا يمكن أن تتحقق هذه النظرية التي يدندن عليها كثير من الكتاب، أو تطرق عبر الندوات التي تقام في القنوات الفضائية، مستحيلٌ أن يتم ما أرادوه؛ لأن من سنة الله في هذا الكون أن يمضي التدافع والتنازع بين الحق والباطل إلى أن تقوم الساعة، نعم للباطل صولةٌ، لكنها ساعة، وللحق جولةٌ لكنها إلى قيام الساعة: (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى أن تقوم الساعة) ينبغي أن ندرك هذه الحقائق.

    وقول الله عز وجل أبلغ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119] لا يمكن أن يتفق الناس، لابد أن يكون من الخلاف والنـزاع والتدافع ما يدعو المسلمين إلى أن يعودوا إلى نصوص كتاب ربهم وأحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم؛ ليقرءوا ما يتعلق بهذه المسألة الكبيرة الخطيرة الجليلة (مسألة الولاء والبراء).

    نعم. هم الآن يجلبون بخيلهم ورجلهم حيال هذه القضية من أجل تذويب مسألة الولاء، وتخفيف المناعة فيما يتعلق بالبراء من المسلمين، ولكن مهما كان: إن الأسود وإن عاشت مع الخراف فستزأر يوماً ما.

    نحن نعلم أن المسلمين اليوم، أو أن كثيراً من المسلمين اليوم قد روضت في حظائر الخراف، فأصبحت لا تعرف المهاجمة، ولا تعرف الزئير، ولا تعرف السيادة التي عرفت عن أسد الغاب وسيادتها على كل من حولها، لكننا على يقين أن هذه الأسود وإن نامت طويلاً في حظائر الخراف، فسيأتي لها يوم نسمع زئيرها، ونرى كيف ترد عن عرينها، وكيف تصد عن دينها: (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [الإسراء:51].

    جهل الكثير من الناس في مسألة الولاء والبراء

    المسألة المهمة المتعلقة بأسباب طرق هذا الموضوع أيضاً هي: أن كثيراً من المسلمين لا يعرف شيئاً البتة عن الولاء والبراء، بل لو سألته عن حقيقة الولاء والبراء، أو ما تقتضيه لا إله إلا الله محمد رسول الله من الولاء والبراء، لرأيته لا يعرف في هذه المسألة نقيراً ولا قطميراً، وهو على حد قول القائل:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    إذاً.. نحن نلاحظ فئةً تجهل هذه القضية تماماً، ونلاحظ فئةً أخرى تعيش انفصاماً بين قضية الولاء والبراء، فأناسٌ يوالون المؤمنين، لكن لا يتبرءون من الكافرين، ولا إله إلا الله إثبات ونفي، ولاء وبراء، تحقيق وتبرؤ، فلابد أن نجمع بين هذه، وأن نضم أختها إليها لأولئك الذين لا يعرفون لهذه المسألة إلا فقهها الأول وهو الولاء، لابد أن يضموا إليه الجانب الآخر من البراء.

    إدخال شيء في البراء مما ليس منه

    كذلك من دواعي طرق هذا الموضوع: أن من المسلمين من يخلط بين بعض القضايا وبعضها، وتختلط الأوراق لديه كما قلت بصدر كلامي آنفاً، فيدخل في البراء ما ليس منه، ويخرج من الولاء ما هو من لوازمه، ولذا تراه بسبب قلة علمه، أو جهله، أو عدم اهتمامه بهذه القضية لا يستطيع التمييز بين من يستحق الولاء ومن يستحق البراء.

    1.   

    تعريف الولاء والبراء وأهميته وأدلته

    جديرٌ بنا في صدر هذه الكلمات أن نعرف الولاء والبراء، الولاء هو: النصرة والمحبة والإكرام والاحترام، من نصرته وأحببته وأكرمته واحترمته، فأنت تواليه، وله في نفسك ولاء، وكونك معه ظاهراً وباطناً، فذلك أيضاً من الولاء، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257] فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم، وإظهار المودة لهم بالأقوال، أو بالأفعال، أو حتى بالنوايا، أي قلب أضمر أو انطوى على حب للكفار، حتى وإن لم يصدر منه قول أو فعل يدل على ذلك، فليعلم أن مسألة الولاء والبراء في نفسه فيها خلل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الولاية ضد العداوة، وأصلها المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد.

    والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه كما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) وفي الصحيحين أيضاً عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه، قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر منها قال: على أن تنصح لكل مسلم، وأن تبرأ من الكافر) والله المستعان على ما نرى ونسمع في هذا الزمان من ذوبان مسألة الولاء والبراء إذا عرفنا معناها على ضوء ما سلف ذكره.

    لقد أصبح غالب أحوال الناس اليوم ولاؤهم وبراؤهم لأجل هذه الدنيا: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة:58].

    أما البراء فهو: البعد والخلاص، والعداوة بعد الإعذار والإنذار، قال ابن الأعرابي : برئ إذا تخلص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، ومنه قول الله تعالى في صدر سورة التوبة: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:1] أي: إعذارٌ وإنذار.

    الولاء والبراء عقيدة جميع الأنبياء

    أيها الأحبة! الولاء والبراء ليس شريعة جاءت فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل الولاء والبراء عقيدة الأنبياء المرسلين جميعاً، والله سبحانه تعالى لما ذكر أولي العزم من أنبيائه ورسله، وذكر صفوة خلقه من أنبيائه ورسله، قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] أي: فنحن مأمورون أن نقتدي بنبينا وبهدي الأنبياء الذي لا يختلف مع هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في كتاب الله عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ [الممتحنة:4] انظروا إلى صريح المفارقة، وصريح المقاطعة، وإلى الكلمات التي لا تجد في أحرفها أدنى شبهةٍ من المجاملة، أو المداراة، أو التميع، أو التقرب: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    فهذا إبراهيم عليه السلام خليل الله، صاحب الملة الحنيفية الذي حطم الوثنية نادى بالولاء والبراء كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:26-28] تتوارثها أجياله من الأنبياء وأتباعه: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:28] وهي كلمة (لا إله إلا الله) المتضمنة والمشتملة على حقيقة الولاء والبراء، ولا تزال هذه العقيدة عقيدة الولاء والبراء باقيةً تتوارثها أجيال الأنبياء والمرسلين، فمن هنا نعلم أن الولاء والبراء ليس أمراً جديداً جاء في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو أمر قديم، بل هو دين الأنبياء والمرسلين جميعاً؛ لأن جميع الأنبياء والمرسلين دينهم واحدٌ وهو إفراد الله وتوحيده بالعبادة، وهذا يقتضي مقاطعة أهل الشرك وأهل الكفر وأهل الأوثان وأهل الجاهلية ولم يتخلف عن ذلك نبي من الأنبياء.

    سورة الكافرون أصل في البراءة من الكافرين

    ظل الأنبياء يضربون بمطارق النبوة هامات الخرافة والذلة لغير الله، ويلهبون بسياط التجرد الخالص لله كل من عاداهم، أو أراد أن يذوب هذه المسألة، لقد حاولت قريش عبر المفاوضات الدبلوماسية الطويلة، وقدمت العروض من أجل أن تنال شيئاً يفت في قضية الولاء والبراء قالوا: يا محمد! اعبد ربنا سنة ونعبد ربك سنة، فماذا كان منه صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل الله عز وجل عليه قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6].

    فقضية الولاء وقضية البراء وقضية الفيصل الفارق الواضح البارز الجلي بين الحق والباطل، بين الإسلام والجاهلية؛ لابد أن يكون واضحاً بيناً لا يلتبس على أحد أبداً، لقد حاولوا كل شيء، حتى عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم الملك والرئاسة والجاه والسؤدد بعد أن عرضوا الأموال والنساء، وكل ما استطاعوا أن يبذلوه، فلما عرضوا عليه الملك والرئاسة، قد يقول قائل: لماذا لا يجاملهم فترةً حتى يكون صلى الله عليه وسلم رئيساً زعيماً وملكاً على قريش، ومن ثم بمقتضى السلطة ومقتضى قوة الرئاسة والزعامة يستطيع أن يأمر وينهى فيهم؟ حتى هذا الأمر لم يقبله صلى الله عليه وسلم، بل قال كما جاء في السيرة: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أن تندق هذه السالفة) أي: فالمسألة لا تحتاج إلى تفاوض، أو هدنة، أو تأجيل، أو مراحل، نجامل الكفار هذه السنة ثم بعد ذلك نفاصلهم أو نعلن البراء منهم، لا. مسألة البراء لابد أن تكون جلية واضحة، لا يقبل فيها أي عروض، أو أي مفاوضات.. تماماً.

    ونبينا صلى الله عليه وسلم اعتنى غاية العناية بهذه المسألة، بل لقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود في سننه : (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، ألا لا تراءى ناراهم) وهذا الحديث يحسنه بعض أهل العلم، وهو في الحقيقة حجة على كل مسلم ظل يعيش في بلاد الغرب بلاد الكفر دون حاجة أو مصلحة أو ضرورة على تفصيلات سوف يأتي بيانها.

    أيها الأحبة: إن كون كثير من الناس اليوم أصبحوا بسبب التضليل الإعلامي لا يعطون قضية الولاء والبراء نصيبها من الإدراك والتأمل، وحظها من السلوك والمعاملة، فإن هذا لا يعني أن القضية أصبحت ميتة، إن الذهب يبقى ذهباً وإن لم يحصل عليه الفقراء، وإن الشهد يبقى شهداً وإن لم يستطع المرضى أن يتناولوه، فقضية الولاء والبراء قضية مهمة حتى وإن جهلها من جهلها، أو غفل عنها من غفل عنها، وحسبنا أن كلمة (لا إله إلا الله) التي نرددها في ذكرنا وعباداتنا وصلاتنا هي في الحقيقة مشتملة على الولاء والبراء، ومن لوازمها مسألة الولاء والبراء، والتطبيق العملي الواقعي لكلمة التوحيد لا يتحقق إلا بالولاء والبراء، وحسبنا أن نعلم أن كتاب الله عز وجل قد امتلأ بهذه المسألة، وعلى سبيل المثال من هذه الآيات:

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23].

    وقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] فمسألة الولاء قد امتلأت بها آيات القرآن، ولا نظن أنها مسألة نادرة، أو جزئية، أو مسألة شكلية، وإذا تأملنا أنها تناولت البراء من الكفار عامة، وحتى لا يبقى في ذهن أحدٍ أدنى شبهة من أن من كان قريباً أو نسيباً أو تربطنا به صلة رحم أن مسألة البراء يستثنى هو منها، بل جاءت الآية: لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ [التوبة:23].

    أدلة واضحة في الولاء والبراء

    فقضية الولاء والبراء قربت بلالاً الأسود، وأقصت أبا لهب الأحمر، وقضية الولاء والبراء قربت صهيباً الرومي وأبعدت أبا جهل القرشي المخزومي ، وقضية الولاء والبراء قربت سلمان الفارسي وأبعدت كل نسيب وكل حسيب من أرومة قريش أو من جرثومتها.

    إذاً: فحتى القرابات والأنساب والمصاهرات، والخئولة والعمومة، والأبوة والبنوة ينبغي أن تتحطم أمام مسألة الولاء والبراء إلا في حدود ما شرع الله من الصلة الداعية إلى الإحسان بقصد الدعوة والقربى إلى الله سبحانه وتعالى، يقول أحد أئمة الدعوة النجدية الشيخ / حمد بن عتيق رحمه الله من أئمة الدعوة السلفية، يقول: إنه ليس في كتاب الله تعالى حكمٌ فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم وهو الولاء والبراء؛ بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده، وقد أوجب الله سبحانه وتعالى علينا موالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم، كما أوجب علينا البراءة من المشركين وبغضهم وعداوتهم، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1] وخص أهل الكتاب أيضاً، فهناك آيات تنهى عن موالاة الكفار عامة، وآيات تنهى عن موالاة الكفار أهل الكتاب على وجه الخصوص، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] بل إن من في قلبه صريح الإيمان وصادق اليقين، لا يمكن أن يقبل بأن يساكن قلبه موالاة للكافرين أبداً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23].

    لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22].

    من كان في قلبه صريح الإيمان وصادق اليقين بالله وبرسوله، فلا يمكن أن تسكن قلبه موالاة للكفار حتى ولو كان هذا الكافر أباً أو ولداً، قريباً أو نسيباً، وقد جهل كثير من المسلمين اليوم هذه المسألة حتى بتنا -ويا للأسف- نسمع في بعض المناسبات من يقول: الكفار إخواننا، اليهود إخواننا، النصارى إخواننا، سبحان الله العلي العظيم! يشرفنا الله فيرفعنا فوقهم، فنصر إلا أن نكون أذلاء لنكون بجوارهم ومقامهم، بل إن الكفار كما أخبر تعالى يتمنون أن ننزل إلى حضيض مستنقع مستواهم، اليهود والنصارى يتمنون أن ننزل بترك الإيمان والسقوط في الكفر إلى مستواهم، ولذا قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].

    الذي يتمنى أن يساويك بنفسه لاشك أنه إنما يريد أن ينتشلك من الحضيض ليرتفع بك إلى الأعلى، والكفار لا يتمنون لنا أن نرتفع إلى مستواهم لا في صناعة، ولا في زراعة، ولا في تجارة، ولا في سياسة، ولا في قيادة، ولا في ريادة، ولا في اقتصاد، ولا غير ذلك، إذاً بقي شعورهم بأننا فقط بالإيمان أعلى منهم، فيتمنون أن نكفر كما كفروا: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] يتمنون أن نهبط من مستعصم مواقعنا وعزةٍ شماء نرتفع إليها بسبب تعلقنا بديننا، يريدون أن نهبط إلى مستواهم، فإذا كان الله يكرمنا ويذلهم، ويرفعنا ويدنيهم، ويجعل مقامهم وضيعاً، فلماذا نصر ونقول: هؤلاء إخواننا، ولماذا نصر ونقول: هؤلاء وهؤلاء؟

    يا أخي الحبيب! ليسوا لنا بآل، وليسوا لنا بإخوة، وليسوا لنا بأولياء، حتى وإن حصل بيننا وبينهم تعامل، حتى وإن حصل بيننا وبينهم أمور، فإن ذلك مفصلٌ أحكامه في بابه، لكن لا يعني ذلك الرضى بقوتهم بأي حال من الأحوال.

    1.   

    وجوب موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين

    وكما أن الله سبحانه حرم علينا موالاة الكفار، فقد أوجب علينا موالاة المؤمنين، فقال سبحانه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:55-56] وقال سبحانه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] وواقع بعض المسلمين اليوم أن تراهم مؤدبين طيبين لينين، رفقاء بالكفار أشداء على المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إما جهلاً وإما تأولاً باطلا، والله عز وجل قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] فالمؤمنون إخواننا في الدين والعقيدة وإن تباعدت الأنساب والأوطان والأزمان كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    ما الذي يجعلنا نحب خالد بن الوليد وأبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن تيمية وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والشافعي والإمام مالك وإبراهيم النخعي، وأقواماً لم نعرفهم وبيننا وبينهم قرون؟

    ذلك هو الولاء الذي لا يقف عند حاجز الزمن، فمن سبقنا بالإيمان أحببناه، والذين يجيئون بعدنا نحبهم، وإن كانوا لا يزالون في أرحام النساء أو في أصلاب الرجال، هذا مقتضى الولاء، ومن عاش من الكفار على ظهر الدنيا، فإننا نبغضه حتى وإن لم يقتل لنا قريباً، أو يسطو لنا على منزل، أن يكون بيننا وبينه معركة بأي حال، والكفار الذين لا يزالون في أصلاب الرجال أو أرحام النساء، فإننا نبغضهم ونكرهم.

    الولاء والبراء أوثق عرى لا إله إلا الله

    عقيدة الولاء ترتبط بلا إله إلا الله منذ أن نزلت على هذه الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا شيء يحبس ولاءنا للمؤمنين، الموالاة للمؤمنين لا تحبسها لغة، فنحن نحب الأعاجم من المسلمين الذين لا يعرفون من العربية حرفا إلا الفاتحة والشهادة وبعض الأحكام التي لابد من العربية فيها، ونحن أيضاً نحب أقواماً تفصل بيننا وبينهم البحار والمحيطات، ونحب أقواماً ليس بيننا وبينهم من القرابات والأنساب شيء:

    إن يختلف ماء الوصال فماؤنـا     عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ

    أو يختلف نسبٌ يؤلف بيننا     دينٌ أقمناه مقام الوالدِ

    هذه من أهم الأمور وأهم القضايا، وبناءً على ذلك: فإذا شجر بين المسلمين قضايا في باب الاقتصاد، أو في باب السياسة، فينبغي لعامة المسلمين ألا يتدابروا ولا يتقاطعوا بسبب تقاطع الأنظمة أو تقاطع الحكومات.

    أي: فلو أن حرباً وقعت بين دولتين مسلمتين، فإن هذا يعني ألا نتبرأ من إخواننا المسلمين، وألا يفضي بنا ذلك إلى بغضائهم وكراهيتهم، بل يبقون إخواننا ويبقون أحبابنا، وما ذنب إخواننا إذا تسلط عليهم من قال الله فيه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28] فهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن بعض الناس يظن أن مسألة الولاء والبراء مسألة جغرافية، فما كان داخل الحدود الجغرافية شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً فإنه يستحق الولاء، وما كان خارج الحدود إن كان بيننا وبينه حرب أو معركة معينة، فلا يستحق الولاء، لا. يبقى المسلم مستحقاً للولاء أياً كانت قيادته التي تقوده، قد تكون قيادة كافرة، أو ظالمة جائرة، أو قيادة مستبدة، لكن حتى وإن أوذينا من قبل قيادته، لكن الولاء بيننا وبين هذه الشعوب المسلمة لابد أن يبقى حياً يقظاً.

    الأصل الولاء لكل مسلم والبراءة من كل كافر

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الأصل الولاء لكل مسلم مهما كانت ذنوبه، والأصل البراء من كل كافر مهما كانت محاسنه.

    فالكفار مهما كانت إبداعاتهم وما يقدمونه من أسباب الترفيه في أمور الحياة، نعم نستفيد منها، لكن لا يعني ذلك موالاتهم، سنظل نتبرأ من الكافر والكفار، والمؤمن أياً كان الأمر لابد أن نظل نواليه بحسب ما فيه من الإيمان والطاعة، ونتبرأ مما فيه من المعصية على تفصيلٍ سوف يأتي بيانه قريباً.

    وهذه مسألة مهمة: إنني أعجب من بعض الشباب، مثلا:ً تراه يكره لاعباً مسلماً ويحب لاعباً كافراً لا لشيء، إلا لأن هذا اللاعب المسلم في فريق لا يشجعه، وهذا اللاعب الكافر في الفريق الذي يشجعه، وهذه مسألة خطيرة جداً، لسنا الآن نريد أن نقول: تعالوا نشجع فريقاً معيناً، لكن خطورة الأمر التي تفوت على كثير من المسلمين هو أنه يجهل أن الأصل هو البراء من كل كافر حتى وإن كان في شركتك، أو كان في النادي الذي تشجعه، أو كان في المكان الذي أنت تحبه أو ترتضيه مثلاً، والأصل الولاء لكل مسلم.

    فالشباب الذين يسجنون الآن في سجون انفرادية بسبب جرائمهم، أو بسبب تعاطيهم للمخدرات، لهم علينا حق الولاء فيما بقي عندهم من الإسلام والإيمان، ونتبرأ مما يفعلونه من المعاصي والمنكرات، وهم أعظم قدراً في أنفسنا من أولئك الكفار الذين لا يعبدون الله ويشركون به أنداداً ونظراء وآخرين، لابد أن ندرك هذه القضية الدقيقة حتى لا تذوب لأدنى مشكلة، أو لأدنى شائبة، ثم لنعلم أنه لابد من تلازم الولاء والبراء، فهذا مرتبطٌ بهذا، وحقيقة الولاء داعيةٌ إلى البراء، حقيقة الولاء للمؤمنين داعيةٌ إلى البراء من الكافرين، وحقيقة البراء من الكافرين داعيةٌ إلى الولاء للمؤمنين.

    الإمام محمد بن عبد الوهاب في الولاء والبراء

    يقول الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22].

    وقال رحمه الله في الأصول الثلاثة : إن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22].

    1.   

    سلوكيات تقدح في الولاء والبراء

    وهنا سؤال إذا علمنا وأيقنا أن هذه هي منزلة الولاء والبراء، وهذه هي حقيقة الولاء والبراء؛ فيا ترى: لماذا يصر أقوامٌ بعد ذلك على الولاء للكافرين وعدم البراءة منهم، وضعف الولاء مع المسلمين، أو يوشك أن ينعدم عند بعض المسلمين الولاء، فلا يبالي بأي وادٍ هلك المسلمون ولا يسأل عنهم؟

    بعض المسلمين يقع في خللٍ تجاه هذه القضية (قضية الولاء والبراء) ويمارس من السلوكيات ما يوقعه في الولاء للكافرين؛ كلٌ بحسب نوع عمله وتعامله الذي يفضي به إلى هذا الولاء مع الكفار، بعضهم يقول: هؤلاء كفار، ونحن لابد أن ندخل معهم في هذا الأمر، ولابد أن تكون لنا مكانة عندهم، وأن تكون لنا منـزلة عندهم، والله عز وجل قد بين هذه القضية؛ لأن الله قد خلق هؤلاء البشر ويعلم ما يدور في أنفسهم، وما سوف يقولونه منذ خلقهم إلى أن تقوم الساعة، ولذلك قال تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النساء:139] يريدون المنعة والرفعة والمنصب والمال والتسهيلات، قال الله عن الذين هدموا عقيدة الولاء والبراء من المنافقين: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النساء:139] فبعض من يوالي الكفار يقول: نحن نواليهم ولا نتبرأ منهم، نريد أن تكون لنا عندهم مكانة، نريد أن يكون لنا عندهم شأن، يا أخي الكريم! لا يمكن أن يكون لك عند الكافر شأن إلا بمقدار ما تتمسك به في دينك، أي: فبمقدار التمسك في الدين يجعل الكافر يحسب لك ألف حساب، ويهابك ألف هيبة، ويقيم لك أعلى وزن، وإن مجاراة الكفار وضعف البراء منهم، وذوبان الولاء فيهم يجعلهم يحتقرونك حتى وإن ضحكوا وابتسموا ابتسامةً صفراء.

    إذا رأيت نيوب الليث بـارزةً     فلا تظنن أن الليث يبتسم

    قد ينبت المرعى على دمن الثرى     وتبقى حزازات النفوس كما هي

    قضية فلسطين الآن كم قدم المسلمون فيها من تنازلات؟ ولو ذهبت تستقرئ التاريخ من ثمانية وأربعين إلى سبعة وستين إلى ثلاثة وسبعين إلى أوسلو وقبلها مدريد وغير ذلك، الآن رغم كل هذه التنازلات تأتي شركة دزني بأورلاندو لتقيم مهرجانات تقرر فيها أن القدس عاصمة يهودية، ماذا يفعل هؤلاء؟ كل هذه المفاوضات وكل الأعمال والتنازلات والأمور التي حرصنا أن نقترب بها، أو نصلح القضية بها، أو نصل إلى ما يسمى بالسلام، والأرض مقابل السلام إلى آخر ذلك ما قدمت شيئا، لا يزالون على مبدأ خذ وطالب، خذ وطالب، خذ وطالب، وحسبكم أن المؤمنين في فلسطين الآن والمجاهدين المسلمين المساكين في كربٍ شديدٍ لا يعلمه إلا الله، سواءً في الأراضي الفلسطينية التي تسمى تحت الحكم الذاتي، أو في مناطق الانتشار اليهودي، فإذاً ينبغي أن نعرف أن مسألة البراء من الكفار هي التي تجعل الكافر يحسب لك ألف حساب.

    1.   

    أسباب تميع قضية الولاء والبراء

    ضعف الإيمان سبب في ذوبان الولاء والبراء

    إن بعض الذين يتولون الكفار، أو يميعون مسألة الولاء والبراء سبب وقوعهم في ذلك: ضعف إيمانهم، كما أخبر تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:81] الفسق والخروج عن الجادة والصراط المستقيم والصواب والحق الذي لابد منه.

    أقول: إن ضعف الإيمان من أسباب ذوبان قضية الولاء والبراء، وكما أخبر تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:81].

    الخوف والخشية من الكفار

    كذلك من الأمور التي أوقعت بعض المسلمين في نسيان وذوبان قضية الولاء والبراء: الخوف والخشية من الكفار، نخاف المقاطعة، نخاف من أذية، نخاف من كذا، نخاف من كذا، نعم المسلم يحسب لأعدائه حساباً ولا يتساهل، ويعد العدة: وَأَعِدُّوا لَهُمْ [الأنفال:60] لكن إن كنت تظن أن تذويب الولاء والبراء يعصمك من أذية الكفار، فاعلم أن الأمر كما أخبر تعالى عن الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6] كان أناسٌ من العرب إذا نزلوا في أودية موحشة، واستوحشوا المكان، قالوا: إنا نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يعني: ما يستعيذون بالله، ما يلوذون بالله، بل يلوذون بكبير الجن (بالشيطان أو بالمارد) يقولون: إنا نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فما الذي يكون؟ الشياطين عندما يجدون هؤلاء العرب يستعيذون بالجن من دون الله، يقولون: تعالوا، هؤلاء قومٌ ضعفاء تسلطوا عليهم، فيزدادون عليهم تسلطاً وإرهاقا، كما أخبر تعالى في سورة الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6].

    كلما ازداد لياذ المسلمين بالكافرين، ازداد الكافرون لهم رهقاً وإذلالاً وتجويعاً وتشريداً، لكن الكفار لا يفرقون بين الجنسيات، اليوم تجويع في العراق، وهنا ضرب في السودان، وهنا فعل في داغستان، وهنا إبادة في الشيشان، الكفار لا يعرفون تمييزاً بين جنسية وجنسية أخرى.

    فإذا علمنا تمام العلم أن الركون إلى الكفار، أو أن ذوبان قضية الولاء والبراء لا تنفعنا أمامهم، بل إن ذوبان القضية بدعوى أننا نخشى منهم هي في الحقيقة مدعاة لمزيد تسلطهم علينا، يتسلطون علينا وعلى أموالنا، على أولادنا، ولذا قال تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة:52] فبين تعالى أنه لا يذوب قضية الولاء والبراء ويسقط في مآسٍ الموالاة للكافرين إلا من في قلبه مرض: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة:52] لماذا تسارعون فيهم؟ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52] وعسى من الله واجبة، والحمد لله لقد جاء فتح مكة، وأصبح مرضى القلوب (أهل الظنون الفاسدة) على ما أسروا في أنفسهم نادمين.

    فكذلك الآن إذا سئل من سئل عن هذا التهافت والتساقط والانبطاح أمام الكفر، وقيل له: لماذا؟ يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة، مثل ما قالت قريش لما جاء نهي النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت سورة براءة ألا يحج البيت مشرك، وألا يطوف في البيت عريان، ومنع المشركين من قدوم البيت، قالوا: هذا ربما يضر بالاقتصاد، هذا يمنعنا، فأنزل الله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28] أي: ما أغناكم إلا هؤلاء الكفار الذين يطوفون بالبيت عراة، هؤلاء الذين تنتظرون قدومهم عراةً بأنجاس الشرك والوثنية ، وترضون ببقائهم جوار البيت حتى تضمنوا استمرار التدفق الاقتصادي أو المالي الذي تجنونه من ورائهم؟ وكذلك كل من عصى الله عز وجل بمعصية وهو يرجو وراءها من المطامع المالية، والله لا تزيده إلا رهقا، ولا تزيده إلا نقصاً وخسارة، سواءً كان ذلك من الأمر الظاهري، أو الأمر الباطني، ومن هنا نعلم أن كل شيء لا نستجلبه بما يرضي الله، فإنه ينقلب علينا بعد سخط الله بنقيض ما قصدناه وأردناه.

    على سبيل المثال: السياحة، السياحة أمرٌ جيد إذا أردنا أن نحول دون تدفق الناس إلى الخارج ليكون سواحنا في أرضنا، وإنفاق السواح يعود إلى بلادنا وتقوية اقتصاد وطننا، هذا شيء جيد جداً، لكن هل من ذلك أن نجعل في السياحة من معاصي الله عز وجل ونرضاه حتى نقول من أجل أن تتدفق إلينا الأموال؟ لا. لأننا ما اعتمدنا على السياحة في اقتصادنا، بل على فضل الله الذي أنعم علينا وأعطانا وأكرمنا وآوانا، لا بكدنا ولا بكد آبائنا وأجدادنا، نعم الآباء والأجداد والقادة والسادة والأمراء والعلماء الذين سلفوا، وموحد هذه الجزيرة عليه شآبيب الرحمة وأسكنه الله فسيح جناته الملك/ عبد العزيز له علينا حق الدعاء بالمغفرة والرحمة والجنة لما كان له من دور يدركه الآباء والأجداد، وبضدها تتميز الأشياء، لكن هذه الخيرات التي تدفقت، بماذا؟ بفضل من الله، ثم بالتوحيد والعقيدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن حافظنا على العقيدة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح المجتمع، تستمر هذه الخيرات، وإذا أردنا أن نظن أن مزيداً من الخيرات سوف يأتينا، أو معالجة أي مشكلة سوف تأتينا بمعصيةٍ نرتكبها في أي مسمى، أو في ظل أي شعار، فإن ذلك لن ينقلب علينا إلا بنقيض ما أردناه بعد سخط الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    إذاً فالذين لا يتبرءون من الكفار، ولا يوالون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، فأولئك على خطر عظيم؛ لأن الأمر بيد الله، وإليه يرجع الأمر كله، فينبغي ألا نخشى أحداً إلا الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    إبراهيم عليه السلام قدوتنا في البراءة من الكافرين

    إن موقف إبراهيم عليه السلام في براءته من الشرك وأهله لموقفٌ حريٌ بالتأمل والتدبر كما قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي : لا تصفو الموالاة إلا بالمعاداة، وكما قال تعالى عن إمام الحنفاء أنه قال لقومه: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75-77] فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، أعني: من الكفار، فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بعد البراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28] أي: جعل هذه الموالاة والبراءة من كل معبود سوى الله عز وجل كلمةً باقيةً يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض وأتباع الأنبياء يتوارثونها أيضاً، وهي كلمة: لا إله إلا الله، ولم يخش منهم، ولم يخش مقاطعتهم، ولم يطلب عندهم شيئاً من العزة، فاستحق عليه السلام بالتزامه بعقيدة الولاء والبراء أن جعله الله أمَّة: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120] وجعله الله إماماً يقتدى ويتأسى به: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة:4].

    وبلغ من براءة إبراهيم عليه السلام من المشركين وشركهم أنه فارقهم ببدنه كما خالفهم بقلبه وعقيدته، كما أخبر عنه تعالى بقوله: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً [مريم:48] أي: سأجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، وأدعو ربي أي: أعبده وحده لا شريك له عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً، فانظروا إلى تضحية إبراهيم بالوطن، وتضحيته بمراتع الصبا من أجل الولاء والبراء، وانظروا إلى تضحيته بالقرابات والوشائج والصلات من أجل الولاء والبراء، فأورثه الله بركةً وخيراً، وعوضه الله عز وجل بها بدلاً من الخلطة السيئة للمشركين ولده إسحاق وولده يعقوب، وأنعم عليه في ذريته بالنبوة، كما قال تعالى: وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [الأنبياء:72] وقال مبيناً عقبى وبركة الفرار في الدين لما اعتزلهم، لما حقق الولاء لله والبراء من المشركين من قومه: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً [مريم:49].

    1.   

    مظاهر موالاة الكافرين

    الرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم

    أيها الأحبة: إن من مظاهر موالاة الكفار: الرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذاهبهم الكافرة، وهذا لا يحتاج إلى دليل، فالرضى بالكفر كفر، ومن لم يكفر الكافر فقد كفر.

    مسألة خطيرة أن نجامل أو نداهن في مسألة تكفير الكافر، وللأسف أن نسمع من بعض الطلاب يقول: إنه سمع بعض المدرسين، أو قرأ، يقول: لا يمكن أن نسمي هؤلاء اليهود أو النصارى كفاراً: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:1] إذا لم يكن هؤلاء الكفار، فمن هم الكفار إذاً، الوحوش والزرافات والنعام؟! إذا لم يكن هؤلاء اليهود والنصارى هم الكفار الذين أمرنا بالبراءة منهم، وكتاب ربنا وسنة نبينا مليئة بالأحكام التي تضبط تعاملنا معهم بدقة، وضرورة الإعداد في مواجهتهم، فمن هم الكفار إذاً؟

    اتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء

    ومن مظاهر موالاة المشركين: اتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء، أو الدخول في دينهم، قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران:28].

    قال ابن جرير : من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين؛ فليس من الله في شيء، أي: قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.

    وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله: صحَّ أن قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] إنما هو على ظاهره بأنه كافرٌ من جملة الكفار، يعني: من والى الكفار وظاهرهم على المسلمين وأعانهم على المسلمين، فلا شك أن هذا من أسباب المروق من الملة ونقض الشهادة والدخول في الكفر، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أخبر الله في هذه الآية أن متوليهم منهم.

    الإيمان ببعض ما هم عليه أو التحاكم إليه

    كذلك من صور موالاة الكفار: الإيمان ببعض ما هم عليه، أو التحاكم إليهم دون القرآن، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60] وقد يقول قائل: هل يعقل أن مسلماً يتحاكم إلى الكفر؟ نعم. في جولات متعددة في بلاد الغرب، ومقابلة بعض إخواننا المسلمين فرج الله عنهم من الجالية المسلمة المقيمة في الغرب، تجد أن منهم من إذا صار بينه وبين مسلم آخر شجار أو نزاع، فإنه يقاضيه ويشكوه ويتحاكم معه لدى محكمة كافرة؛ لأن حكم القانون الوضعي يحقق له من الربح المادي والعوض المالي أضعاف ما يمكن أن يستحقه حينما يحكم له إمام المركز الإسلامي بحقه.

    أو مثلاً: امرأة مسلمة، ربما تتحاكم ضد زوجها في قضايا مدنية غربية كافرة، ومعلومٌ شرعاً أنها لا تستحق مثلاً من النفقة إلا كذا، ولأولادها إلا كذا، لكن القانون الوضعي يحسب إلى مدة، ويحسب إلى مال، ويحسب إلى ثروة، ثم تجد المرأة المسلمة تقاضي وتحاكم زوجها لدى المحاكم الغربية الكافرة، وهذا لا يجوز أبداً، بل هذا من موالاة الكافرين، لا يلزم من موالاة الكافرين أن تمسك يد كافر وتقعد تقبل يده، كونك تذهب لتقاضي مسلماً مسلماً عند قاضٍ كافر، هذا من موالاة الكفار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    التشبه بالكفار في الملبس والكلام

    كذلك من مظاهر موالاة المشركين: التشبه بهم في الملبس والكلام وغيره، ولأن التشبه بهم في الكلام والملبس وغيره يدل على محبة المتشبه به، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية : اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ، يعني: الصراط المستقيم الذي أنت تدعو الله أن يهديك إليه كل يوم في المفروضات سبع عشرة مرة في الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] في كل ركعات الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، اقتضاء الصراط المستقيم هذا أن تخالف أصحاب الجحيم، فلا تتشبه بهم البتة فيما هو من خصائصهم، أما ما أصبح عاماً ليس من خصائصهم، فلا يدل ذلك على موالاتهم، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم وسمتهم وأخلاقهم وما يقعون فيه، وللأسف الآن أصبح بعض المسلمين يتشبه بهم حذو القذة بالقذة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

    مرة من المرات لقيت شاباً في ولاية اسمها ساندياجو على حدود المكسيك، فسلم علي بعد محاضرة أقيمت، ولكن لفت نظري أن له ظفيرة وعليها ثلاث ربطات، فقلت: هذه فتاة التزمت وحضرت المحاضرة، فلما دنا، عرفني بنفسه، فإذ به يتلكم العربي واللهجة التي أعرفها تماماً، ما شاء الله! من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان من المكان الفلاني والحي الفلاني، قلت: يا سبحان الله! ما الذي حدث لك حلقت شاربك على لحيتك، وعصبت شعرك؟ فأخذ يبتسم، وقال: لا. أنا جئت وسكنت مع مجموعة من الطلبة والطالبات في دورات لغة ودورات أخرى.

    انظروا خطورة الاتصال الذي لا يسبقه مناعة وحذر من الموالاة، يقع الإنسان في التشبه مباشرةً من حيث لا يشعر، انظروا إلى ما في قلبه أيضاً، انظروا إلى الجانب الطيب في شخصيته أنه جاء ليحضر المحاضرة، وجاء ليشهد معنا الصلاة جماعةً، فهذه من الأشياء التي يشكر عليها أنه قدم واستمع إلى المحاضرة، وجاء يسلم وشكر واستفاد، لكن مسكين نسي أنه في حال منكرة من هذا الحال الذي هو عليه، تشبه بالكفار تماماً، حلق لحيته وشاربه، ما كنا نرى ونعرف أن الشباب يعصبون شعرهم ويجعلونه ظفيرة واحدة ويربطون عليه بكله إلا لما فعل الكفار ذلك، وأصبحت -للأسف- ترى أن من شباب الإسلام اليوم من يفعل ذلك، بل وأصبح من ذلك التشبه بالنساء ليس تشبهاً بنسائنا، لكن تشبهاً بشباب الكفار هناك لما وضعوا الأقراط، القرط يضعه بعض الشباب في أذنه، وبعضهم يضع قرطين، وبعضهم يلبس القلادة والسلسلة، من أين جاء هذا؟ من ضعف الولاء والبراء، وإلا أمة لا تسجد لله وتكفر بنعم الله وتتسلط على أولياء الله وتجوع شعوب المسلمين، هل يستحقون أن تشابههم؟

    تصور أن قبيلةً من القبائل مثلاً غزو أهلك وجماعتك وقبيلتك، وذبحوكم وآذوكم، وفتكوا فيكم شر الفتك، وهذه القبيلة لها سمتٌ معين في شعرها، وسمتٌ معين في لباسها، وسمتٌ معين في هيئاتها، أفتظن أنك يا ولد القبيلة التي نحرت وذبحت وأوذيت وجوعت وطردت وشردت تقبل أن تتشبه بهم، أو ترى أحداً من قبيلتك يتشبه بتلك القبيلة الذين آووك وذبحوك وشردوك وطردوك؟ الجواب: لا. فلماذا يتشبه أبناؤنا بهؤلاء الكفار الذين لم يألونا خبالاً؟ لماذا يتشبه أبناء المسلمين بهؤلاء الكفار الذين هم أنفسهم لا يرون لنا قدراً ولا وزناً؟

    هذا الفنان الغربي الذي يسمى مايكل جاكسون قيل له: إن العرب يعجبون بأغانيك، قال: لو علمت أن العرب يسمعون غنائي لغنيت للخنازير ولا أغني للعرب، انظر إلى أي درجة بعض المسلمين يتعلقون في محبة من لا يرى لهم قدراً، ويتعلقون بأقدام من لا يراهم إلا كالصراصير والجرذان والفئران، فيا عجباً كيف تتعلق بمن لا يراك إلا حشرة؟! وكيف تتشبه بمن لا يراك إلا نقيصة؟! وكيف تتبع وتقلد من لا يراك شيئاً أبداً؟! تلك وايم الله من العجائب والمشكلات. إذاً فالتشبه بالكفار بهذا السمت من دلائل التأثر بهم، أو تحقق نوع موالاة لهم.

    الإقامة في بلد الكفار والركون إليهم

    أيها الأحبة: ومن صور موالاة الكفار: الإقامة في بلدهم والركون إليهم، وعدم الانتقال من ديارهم إلى بلد الإسلام لمن تيسر له ذلك لأجل الفرار بالدين؛ لأن هناك من المسلمين من اضطر إلى البقاء في دار الكفار اضطراراً، فلم يجد بلداً تؤويه، وقد أهدر دمه، أو خشي على دينه، وأصبح في حال لا يأمن فيها على نفسه وعرضه في بعض بلاد الإسلام، فاضطر اضطراراً أن يهاجر ليفر بنفسه وعرضه ودينه.

    إن خطر ذوبان المسلمين في مجتمع الكافرين لا يستطيع أحد أن يتصوره، بل لا يصفه لسان ولا يخطه قلم، فالإقامة في بلدهم وعدم التحول منها لمن قدر على ذلك يعتبر من موالاتهم، وقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:97] يعني: الذين جاءت الملائكة لتقبض أرواحهم وهم لا يزالون في مكة ، والعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهؤلاء الذين نزلت بهم المنية وحل بهم الموت ولم يهاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أذن الله لنبيه وأتباعه بالهجرة، نزلت بهم هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً [النساء:97-99] فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كانت في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في بلادهم، فلا شك أن إقامته مما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، لكن البقاء بين كثرتهم الكاثرة مع كثرة الإمساس وقلة الإحساس تقلل العداوة، وتذيب حديد البراء، وتؤثر على سلوكيات المسلم الخلقية.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى أقل إيماناً من غيرهم؛ لأن الإنسان اجتماعي ومدني بطبعه، وهذه جبلة جبل الله عليها بني آدم، فكثرة المساس والمخالطة تفقد الإحساس، لا سيما إذا كان الذي يخالطهم لا يحمل هدفاً في دعوتهم وبيان الحق الذي شرعه الله عز وجل، وهذا معلوم، بل إن الإنسان إذا عاشر بهيمة من البهائم تأثر بطباعها، فمن عاشر نوعاً من البهائم اكتسب بعض طباعها، ولذا صار الفخر والخيلاء في أهل الإبل، وصارت السكينة والوقار في أهل الغنم، وصار أصحاب الجمال والبغال فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق البغال والجمال، بل وصار الحيوان إنسياً ووحشياً فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة وقلة النفرة، ولأجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم -وصدق بأبي هو وأمي-: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود.

    فإذا كان الأمر كما نسمع، فما بال أقوام لازالوا يعزفون على وتر النشاز، ويعقرون عقائرهم بنداءات مرفوضة وليست بمقبولة، بدعوى التقارب والتآلف والتآخي ... إلى آخره مع هذه الشعوب الكافرة، نعم. نحن لا ندعو إلى ظلم أحد، لكن لا ندعو المسلمين أن يذيبوا مسألة الولاء والبراء، لقد قال صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله) رواه أبو داود والترمذي، فلا تجوز مساكنتهم في ديارهم وتكثير سوادهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، ألا لا تراءى ناراهما).

    اتخاذ الكفار مستشارين من دون المؤمنين

    كذلك من صور الولاء: اتخاذ الكفار مستشارين من دون المؤمنين، اتخاذهم بطانة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران:118-119] والتقدير: تؤمنون بمحمد وعيسى وموسى، وهم طبعاً لا يؤمنون بمحمد: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:119] بطانة الرجل: خاصته، سميت البطانة بطانة تشبيهاً ببطانة الثوب التي تلي البطن، يعني: من جعل أحداً بطانةً، فهو يستبطن أمره، وهذه البطانة تطلع منه على ما لا يطلع عليه غيره، وقد بينت العلة في النهي عن مباطنتهم في القرآن: لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً [آل عمران:118] يعني: العلة في النهي عن اتخاذ الكفار بطانةً وأولياء لأنهم لا يألونكم خبالا، يعني: لا يقصرون في أذيتكم وما يجركم إلى الخبال والوبال، ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد، ثم إنهم يودون عنتكم ومشقتكم والضرر والهلاك بكم، ثم إن العداوة التي ظهرت منهم دليلٌ واضح على ما يكنونه في أنفسهم، فحينئذٍ لا يجوز أن يكون الكفار بطانةً من دون المؤمنين، فالقرآن يبين لنا دخائل الكفار ويحلل نفسياتهم وما يكنون وما يضمرون من بغض وكيد وخيانة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين لإيقاع الضرر بهم.

    روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ، قال: [قلت لـعمر بن الخطاب : لي كاتب نصراني، فقال عمر: ما لك قاتلك الله؟! أما سمعت قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ألا اتخذت حنيفاً؟ يعني: مسلماً، قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه، فقال عمر: لا أكرمهم وقد أهانهم الله، ولا أعزهم وقد أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله].

    وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: (إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، فقال صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: ارجع فلن أستعين بمشرك) ومن هذه النصوص يتضح لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين الذين يتمكنون بواسطتها الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141].

    ومن عجبٍ أيها الأحبة! ما وقع في هذا الزمان من تساهل الكثير من المسلمين في جلب الكفار إلى بلاد الإسلام وإلى جزيرة العرب خاصة، وجعلهم عمالاً وسائقين ومستخدمين ومربين وبطانةً وغير ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

    مداهنة الكفار والركون إليهم ومجاملتهم

    أحبتنا في الله: الحديث في صور موالاة الكفار كثير، ومن صور موالاة الكفار: الركون إليهم ومداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين، والاستغفار لهم والترحم عليهم، والثناء عليهم، ومشاركتهم في أعيادهم، والمساعدة في إقامة هذه الأعياد، وطاعتهم، ومجالستهم، والدخول عليهم في وقت يستهزئون فيه بآيات الله، والله عز وجل يقول: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [النساء:140].

    ومن صور موالاتهم: مودتهم ومحبتهم ومعاونتهم على أذية المسلمين، ومعاونتهم على ظلمهم ونصرتهم والتسمي بأسمائهم.

    بالمناسبة: الآن بعض المسلمين أصبح يبحث عن قاموس الأسماء والكنى ثم لا يثق فيه ولا يجد فيها اسماً لولد أو بنت، لكنه يتحرى أن يسمي ولده أو ابنته باسم كافر، ويفتخر والعياذ بالله، بل بعض المسلمين الذين ذهبوا في مجتمعات الغرب يفتخر أن ولده لا يعرف من العربية شيئاً، ويفتخر أن ولده يجيد رطانة الكفار.

    نكتفي بما سبق، وأسأل الله عز وجل أن يحقق لنا ولكم في قلوبنا البراءة الحقة من الكافرين، والموالاة الصادقة لإخواننا المؤمنين المسلمين، وإن كان بقية العناصر تتعلق في صور موالاة المسلمين، وما يجب للمسلمين من الموالاة، لكن لعل الشق الأول قد أخذ كل وقت هذه المحاضرة.

    أسال الله بمنه وكرمه أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعله حجةً لنا لا علينا، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك يا رب العالمين، نسألك اللهم لنا ولإخواننا ولأخواتنا في هذا المكان، وآبائنا وأمهاتنا ألا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، اللهم استعملنا في طاعتك، وتوفنا على أحسن حال ترضيك عنا يا رب العالمين.

    اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، وجزاكم الله خيراً.

    1.   

    الأسئلة

    مسائل لا تقدح في الولاء والبراء

    السؤال: فضيلة الشيخ! سعد البريك أسعده الله في الدنيا والآخرة: هل تقليد الكفار لاعبين أو ممثلين يعتبر ناقضاً من نواقض الولاء والبراء؟

    الجواب: قبل أن أجيب على ذلك هنا مسائل دقيقة تتعلق بصلب الموضوع ولابد من ذكرها، فمع تأكيدنا على قضية الولاء والبراء فيجوز للمسلم أن يرد السلام، يعني: إذا سلم الكافر على المسلم بتحية معلومة إذا علمتها وما تضمنتها، فتحيي بمثلها، فإذا قال لك الكافر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليكم السلام.

    الآخر: إذا حييت بتحية ولم تعرف مضمونها، فقل: وعليكم، كذلك إذا دعاك الكافر إلى مناسبة تطمع في كف شره بحضورك، أو في استدرار خير منه لنفع المسلمين، أو في هدايته إلى الله عز وجل، فلك أن تجيب، والنبي صلى الله دعته يهودية فأجاب، ودعاه يهودي إلى خبز شعير فأجاب، كذلك الولاء والبراء لا يمنع من المعاملة كالبيع والشراء، إلا أن قصدك الشراء من المسلمين ومصانعهم والبلاد الإسلامية ينبغي أن يقدم على ما عند الكفار ما استطعت إلى ذلك سبيلا، بل وأنت تذهب لتشتري الآن خضاراً من السوق، فتجد دكاناً فيه عامل كافر ودكاناً بجواره فيه عامل مسلم، من الولاء أن تتجه إلى هذا الدكان الذي فيه العامل المسلم وتشتري منه، وتدع الدكان الذي فيه العامل الكافر، حتى وإن كان صاحب الدكان مسلماً؛ لأنك بعقيدة الولاء والبراء تقاطعه حتى تأتي بعامل مسلم مكان هذا الكافر، وقس على ذلك أموراً كثيرة.

    كذلك المعاملة مثلاً: شركة كافرة احتاجت إلى أعمال وعمال وخبرات، ومن المسلمين من عنده هذه الخبرة، ووجدها وظيفة مناسبة، أو لم يجد من المسلمين من يعطيه هذه الوظيفة التي تناسبه ويحتاج إليها، نقول: يجوز لك أن تعمل، فإن علي بن أبي طالب قد نزح الدلاء ليهودي على تمرات كان يعطيه إياها.

    كذلك ليس من الولاء والبراء ظلم الكافر: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] فمهما كان الكافر كافراً، إلا أن كفره لا يجيز لك ظلمه، بل قال تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ [الممتحنة:8-9] فمعاملة الكافر بالحسنى -كما قلت- رجاء خيره للمسلمين، حتى وإن لم تطمع في إسلامه، لكن كي يصير في معاملته هذه خير للمسلمين، على سبيل المثال: قد نعامل دولة كافرة معاملة حسنة من أجل أن ينعكس الوضع على الجاليات المسلمة التي تعيش في بلاد الغرب، هذا التعامل لمصلحة وهو مقصود، ليس من شرط أي تعامل تقوم به الدولة أو الجهات المسئولة أن تقول: انتبهوا لا تسيئوا فينا الظن، فنحن نبين لكم ما هو قصدنا، لا.

    وبالمناسبة ندعو في عدم المسارعة في الأحكام على الهيئات والمؤسسات والنظم وغير ذلك، لكن كل شيء بضوابطه، والله أعلم بالنيات، فكل تعامل مع الكافر يراد منه دفع وكف شر الكافر عن المسلمين سواءً كان كف شرهم عنا، أو كف شرهم عن المسلمين هناك في بلادهم، أو رجاء خير للمسلمين، أو نعلم بأهميته، فلا يدخل ذلك فيما يجري النهي فيه.

    أشجع لاعباً كافراً وأحبه .. فما الحكم؟

    السؤال: فضيلة الشيخ: أنا أحب مشاهدة الكرة، والفريق الذي أشجعه يلعب له أحد الكفار، فأنا أحياناً أحب هذا الكافر وأحب له الظهور والتميز على لاعبي الفرق الأخرى وإن كانوا من أهل الصلاح والاستقامة، فما حكم هذه المحبة جزاك الله خيراً؟

    الجواب: هذه مما تنقض قضية الولاء يا أخي الحبيب! وهذه الخطورة أن بعض المسلمين في سبيل الفن، أو في سبيل الرياضة أصبح يحب كافراً، وهذا الكافر لا يألو المسلمين سباً وشتماً وخبالاً واحتقاراً.

    يا أخي: إذا كان وجود هذا الكافر قد دعاك إلى محبته وتفضيله على هذا المسلم، فلا شك أن هذا خلل في قضية الولاء والبراء عندك فاتق الله في هذا.

    لا بأس بحسن المعاملة مع الكافر طمعاً في إسلامه

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما رأيك في تحسين المعاملة مع الكافر وذلك طمعاً في دخوله الإسلام، وذلك بتحسين الكلام والبشاشة في وجهه؟

    الجواب: لا بأس، الله عز وجل قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] فلا يتناقض مع الولاء والبراء حسن المعاملة، لأن الله قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] ما دمت تتعامل بمعاملة حسنة رجاء إسلامه وهدايته، فلعل الله سبحانه وتعالى أن ينفعه بك، أحد الطلاب في الولايات المتحدة كان له جار يهودي، واليهود أشد عداوة: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82] فغاب هذا الجار اليهودي وقتاً، هم طبعاً عندهم لا يوجد من التواصل الاجتماعي، أو أن أحداً يسأل عن أحد، يقول هذا الشاب المسلم: فلاحظت أن الجرائد تراكمت عند بابه وقوارير الحليب واللبن، إذا تجمعت ثلاث أو أربع قوارير عند البيت معنى ذلك أن صاحب البيت غائب، فقام هذا الأخ -جزاه الله خيراً- صار يجمع الجرائد ويدخلها، أول ما تأتي الجريدة وقارورة الحليب يأخذها ويدخلها في بيته حتى تجمع لديه الكثير منها، فلما عاد ذلك اليهودي إلى بيته، طرق عليه أخونا المسلم، قال: تفضل هذه القوارير التي تجمعت لك مدة الأيام الماضية وهذه الجرائد التي تخصك، قال: لماذا فعلت هذا؟ قال: خشيت أن يعلم أحد أنك غير موجود بسبب تراكم الجرائد وقوارير الحليب عند الباب فيسطون على بيتك ويسرقونه، فلأجل ذلك جمعتها حتى يظن أنك موجود، فلا يسطو أحد على البيت، قال: وما الذي دعاك إلى هذا؟ قال: والله أنا لا أعرفك، وأنت تعرف أنك يهودي وأنا مسلم، لكن ديننا يأمر بالإحسان إلى الجار، فالله عز وجل يقول: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النساء:36] فقال: دين يأمرك بهذا، فأنا أحب أن أتشرف باعتناقه، فشهد الشهادتين وأصبح من المسلمين.

    فالمعاملة الحسنة والقصص على المعاملة الحسنة التي أفضت إلى هداية كثير من الناس إلى الإسلام هي في الحقيقة كثيرة جداً، لكن المعاملة الحسنة لا تتعارض مع الولاء والبراء، لكن الولاء أن يكون في القلب ميل ويظهر هذا الميل في التشبه وفي المظاهر، ويظهر هذا الميل في قصد نفع الكافر وتفضيله على المسلم، هناك سلوكيات دقيقة تدل على ضعف الولاء والبراء في نفس بعض المسلمين أهمها ما ذكرناه آنفا.

    حسن الأخلاق والمعاملة من المدرس الكافر للطالب المسلم

    السؤال: هذه أسئلة تكاثرت وتعاظمت حول قضية تدريس الكفرة لبعض طلاب المسلمين، أو تدريب بعض المهندسين في الأمور العسكرية وغيرها للمسلمين، سؤال هؤلاء يتركز عن قضية البشاشة والمعاملة والمصافحة، والتمسية بالخير والتصبيح وما إلى ذلك، وهذا سؤال يقول في المعنى: نحن طلاب في الجامعة ويحصل أن يدرسنا في بعض المواد أحد الكافرين من المدرسين خاصة في الأمور العلمية، والغريب أننا نجد منهم كريم الأخلاق وحسن الأدب، وعلى النقيض من ذلك نجد الجفاء وضيق البال ممن هم من بني جلدتنا، ماذا يجب علينا أن نعتقده تجاه هؤلاء وهؤلاء، وجزاك الله خيرا؟

    الجواب: أما بنو جلدتنا الذين لا يقابلونك بما ذكرت، فلأنهم لم يحرصوا أن يدعوك إلى شيء، ولذلك هو يقوم بوظيفته فقط، أما هذا الأستاذ الذي يباشرك بهذه العلاقة الطيبة والابتسامات الجميلة، لا شك أنه يريد أن يغرس شيئاً في نفسك، والبعض يستبعد أن بعض الأطباء وبعض المدرسين وبعض الخبراء هم قساوسة وأصحاب دعوة إلى الكنيسة بطريقة غير مباشرة، يظن البعض أنه لا يمكن أن يخطر على بالك أن هذا قسيس، أو أن هذا داعية إلى مذهبي ومذهبك، لكن أخي الحبيب! نقول لك بما قال الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] ونقول: لا بأس أن تعاملهم بالحسنى، ولا يجوز لك أن تظلمهم، ولا بأس إذا دخلت مكاناً، فلك أن تقول كلاماً لا يصدق فيها التحية، فلا تبدؤهم بالسلام، لكن بابتسامة تحتسب عند الله عز وجل أن تتألف بها قلبه، وأن تكون طريقاً لإيصال بعض الكتب والنشرات التي تهديها إليه ولو بطريق غير مباشر، بعض الشباب المسلم يدعون الكفار بطريق كتيبات عن الآثار والمتاحف في المملكة، الثقافة الشعبية في المملكة، الثقافة التراثية والاجتماعية في المملكة، وفي ثنايا الكلام أمور تتعلق بالتوحيد والعقيدة تدعوهم بدعوة غير مباشرة؛ لأنه لا يمكن إنسان عاش ثلاثين أو أربعين عاماً على كنيسته وملته تريده أن يتأثر بك من أول ابتسامة أو من أول كتاب، فأنت أيضاً اجعل عندك النفس الطويل والمعاملة الحسنة، ولكن إياك أن تركن، بمعنى: أن يميل قلبك إلى حبه، أو أن يكون في ذلك تفضيلاً له على إخوانك المسلمين مهما رأيت من تقصير إخوانك ومهما رأيت من حسن أخلاقهم.

    أخبار المجاهدين في داغستان

    السؤال: ما هي أخبار المسلمين المجاهدين في داغستان ؟

    الجواب: أسأل الله سبحانه وتعالى بقدرته التي لا يعجزها شيء، وأسأله سبحانه بأسمائه وصفاته أن ينصر إخواننا المسلمين في داغستان.

    روسيا تعيش مرحلة من مراحل الجنون والتهور الذي أشك أنه سينعكس إن شاء الله بإذن الله قريباً عليهم بانفجار داخل دول الاتحاد الروسي الباقية، بدليل أنهم عادوا يلوحون باجتياح الشيشان، وبدءوا، وهم لماذا يضربون الشيشان؟ لأنها تعتبر الطريق الرئيسي، أو المنفذ الرئيسي لتدفق المؤن ومراكز التدريب ومواقع العدد والعتاد وغير ذلك، بقية الحدود نصرانية بما يتعلق بـجورجيا وأذربيجان ، وقد تكون القبضة مشددة، وما هناك إمكانية دخول بحر قزوين من جهة الشرق، قد تكون البحرية الروسية مسيطرة، لكن تبقى الشيشان هي وسيلة قوية وجيدة، وإخوانكم -بحمد الله- قد جمعوا لهذه المعركة منذ سنتين وهم يعدون لها إعداداً طويلاً، وحسبكم أن تعلموا أن داغستان فيها قبور أكثر من أربعين صحابي، فتحها في عهد عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني، فأرض قد فتحها الأجداد، واستشهد فيها الصحابة، ولا تزال آثارهم فيها باقية، لا تظنوا أن الغرب سوف يسكت؛ لأنه يعرف أن هذا موقع استراتيجي وخطير، ولذلك صرحت إسرائيل بتقديم المعونات للاتحاد السوفيتي؛ لأنهم غير راضين عن مستوى التكتيك في العمليات العسكرية، فقالوا: إن روسيا تدير الحرب بطريقة عشوائية، وعشوائيتهم واضحة بدليل آلاف القتلى من الروس، والذين قتلوا من إخواننا حتى الآن لا أظنهم بلغوا المائة، ربما أقل من الستين، والذين قتلوا من الروس من بداية الهجوم في داغستان والعمليات بفضل الله عز وجل، الآن بدءوا يدخلون في عشرات الآلاف، ورفعت الدولة الروسية راتب الجندي الروسي إلى ألف دولار، ألف دولار شيء لا يحلم به روسي، الدولار كم يساوي من روبل؟ مع ذلك رفعوا راتبه إلى ألف دولار، ولا يستطيعون التقدم إلا بعد شرب الفوتكا والأشياء التي تهون من الخوف والرعب الذي في نفوسهم.

    ولله الحمد والمنة إخوانكم على درجة قوية من الثبات، ولكم أن تتابعوا الأخبار عبر الإنترنت في صفحة صوت القوقاز، ففي صفحة صوت القوقاز كل أخبار تتعلق بـداغستان ستجدونها من واقع المعركة من إخواننا هناك يبعثون بها، طبعاً الصفحة القديمة لإخواننا في الإنترنت اتصل عليهم من الغرب من اتصل وقال: سندمر موقعكم في الإنترنت خلال ثلاثة أيام، وبالفعل بعد ثلاثة أيام من هذا البلاغ الذي جاء للإخوة سلط على هذا الموقع من الفيروسات والتخريب والإفساد حتى خرب تماماً، وفتح الإخوة صفحة جديدة، وأودعوا فيها كافة المعلومات، وفي الحقيقة: لو أن الطريق متيسر ومفتوح إلى داغستان، فما أجمل الموت هناك!

    أحبابي: المسلمون يواجهون الروس الملاحدة، حرب إسلامية صحيحة، معركة مقدسة، ولكن هم يعرفون تماماً أن أخطر شيء يواجههم هو أن تفتح ثغرة ينفذ منها مسلم وخاصةً العرب، المجاهدون العرب إذا وصلوا هناك، تحولوا إلى أسود وفعلوا الأفاعيل، وأتوا بالغرائب والأعاجيب، فلك اللهم الحمد على ما أكرمت به هذه الأمة، ونسأل الله أن ينصر إخواننا، وإني أدعوكم -أيها الإخوة- أن تبحثوا بكل وسيلة عن الطريق الموصل إليهم لتدلوا من أراد الذهاب إلى هناك، وأيضاً أن تجتهدوا في إيصال التبرع لهم بالبحث والسؤال والتتبع، لعل الله عز وجل أن يفرج صدورنا عاجلاً غير آجل باندحار الروس وقيام دولة إسلامية في داغستان تتبعها دول، وما ذلك على الله بعزيز.