إسلام ويب

مكابد الدنيا ومشاقهاللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وضحت هذه المادة حال الإنسان في الدنيا، مبينة أنه في كبد فيها، ومركّزة على حقيقة هذه الدنيا، وأنه لا استئناس ولا اطمئنان فيها إلا بذكر الله وطاعته .. وأن حلال الدنيا حساب وحرامها عقاب، ولا خير إلا فيما عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    بيان حقيقة الدنيا

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى بفعل أوامره واجتناب زواجره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: سمعت الحسن بعد أن روى من طريق أبي مورود قرأ هذه الآية، فقال: [يكابد أمراً من أمر الدنيا وأمراً من أمر الآخرة]، وفي رواية: [يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة] واختار ابن جرير أن المراد بالآية: مكابدة الأمور ومشاقها.

    أيها الأحبة في الله: كلكم يعلم أنه ما من راحة تامة أو سعادة دائمة إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأما هذه الدنيا فدار الابتلاء والكبد والشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش الإنسان فيها في كبد ومشقة، ولولا ما فيها من عبادة الله واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت الدنيا لأهلها من الأكدار والمصائب لركنوا إليها واطمأنوا بها، ولما اجتهدوا في الأعمال الموصلة إلى دار النعيم والخلود المقيم.

    قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله: يا أبت! متى الراحة؟ فقال: الراحة يا بني! عند أول قدم نضعها في الجنة.

    عباد الله: تأملوا هذه الدنيا وما فيها من خلق الإنسان في كبد، وهي برمتها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل ذلك ما سقى منها كافراً شربة ماء، فالاجتماع في الدنيا مآله إلى الفراق، قال صلى الله عليه وسلم: (جاءني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) فنهاية الحياة إلى موت، وغاية الاجتماع فراق، أما اللذات في الدنيا من المآكل والمشارب والمناكح فتزينها الصحة والعافية، وأكثر أرباب الدنيا والأموال الطائلة والثراء الفاحش فيها يعانون أنواع البلاء والأمراض والأسقام، فيرون نعيماً ونعماً، ولذائذ ولذات لا يتمتعون بها، وأعمار الخلائق في هذه الدنيا محدودة الأجل، ورب معمر شقي بعمره سيما إذا كان مفرطاً فيما مضى من شبابه، قيل للأعشى ميمون بن قيس وقد بلغ من الكبر عتياً: كيف وجدت الحياة؟ فقال:

    المرء يرغب في الحيـاة     وطول عيشٍ قد يضره

    تفنى بشاشته ويبقـى     بعد حلو العيش مره

    وتسوؤه الأيام حتـى     ما يرى شيئاً يسره

    كم شامتٍ بي إذ     هلكت وقائلٍ لله دره

    فلا أنس ولا لذة في الدنيا إلا بذكر الله، ولا راحة ولا نعيم في الدنيا إلا بطاعة الله، وذلك هو الذي يحقق السعادة ويربطها بالحياة ربطاً وثيقاً، فاجتهدوا يا عباد الله! اجتهدوا في طاعة ربكم ومرضاته، وتنافسوا في الأعمال الصالحة والتجارة الرابحة، ولا تغبطوا أحداً في مال أو منصب أو جاه إلا في طاعة الله ومرضاته، وما سوى ذلك فحطام غير حقيقي، وليس بكفء أن يحسد صاحبه، واعلموا أن كل من ترون في هذه الدنيا شقي لا محالة إلا من ربط نفسه بذكر الله وطاعته، لابد أن ترى كثيراً من الخلق والخلائق في شقاء؛ إما بأنفسهم، أو بأموالهم وأولادهم، أو سلطانهم، أو فقرهم أو غناهم، أو ذلة أو عزة، أو غير ذلك، إلا من شدَّ وثاق نفسه عن المعاصي والآثام، وأحكم السير وجد في المسير وأمسك بالزمام، وإلا فهذه الدنيا ومن فيها كما يقول القائل:

    كل من لاقيت يشكو دهـره     ليت شعري هذه الدنيا لمن

    عباد الله: إن بعض المسلمين قد انشغلوا باللهو عن ذكر الله، وغرهم إقبال الدنيا عليهم، وخدعهم تردد خلان الرخاء والغناء إليهم، وما تأملوا حقيقة دنياهم، وما تأملوا حقيقة النعيم الذي فيها، وأنه زائل، وأنه دولة بين الناس يتقلب، يكون عند قوم وينتقل إلى آخرين: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] وكأن الكثير منا ما سمعوا وما عرفوا أحوال الأمم السابقة والحاضرة في هذا الزمان كيف هوت وسقطت من عز إلى ذل، ومن قوة إلى ضعف، ومن غنى إلى فقر، ومن شمل مجتمع إلى شتات وتشرد وتفرق.

    قالت هند بنت الملك النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس. وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجو مالنا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا ويرحمنا مما نحن فيه. قال إسحاق بن طلحة : دخلت عليها يوماً، فقلت لها: كيف ترين الأمر بكم؟ فأنشدت قائلة:

    فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا     إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصفُ

    فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها     تقلب تارات بنا وتصرفُ

    قال صلى الله عليه وسلم: (حق على الله ما رفع شيئاً إلا وضعه) فلا تغتروا بالدنيا -عباد الله!- وكونوا منها على حذر، وخذوا حذركم في كل صباح ومساء، فإن الإنسان لا يدري ماذا يفجأه من طوارق الزمان.

    يا نائم الليل مسروراً بأوله     إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

    وقال الآخر:

    لكل شيءٍ إذا ما تم نقصـان     فلا يُغر بطيب العيش إنسان

    هي الحياة كما شاهدتـها دولٌ     من سره زمنٌ ساءته أزمان

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الدنيا دار عمل .. حلالها حساب وحرامها عقاب

    الحمد لله الواحد الأحد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد نصبح ونمسي منك في عافية وأمن، وطمأنينة وستر، ونعيم ورخاء، وكل ذلك منك وحدك لا شريك لك، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، عليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    معاشر المؤمنين: إننا نرى كثيراً من المسلمين في دعاء بالويل والثبور على واقعهم وما هم فيه، أهم يدعون بالويل والثبور على ما هم فيه من المعاصي؟ أم على ما هم فيه من الآثام؟ أم أنهم يتسخطون ويعترضون على قدر الله سبحانه وتعالى؟ وليس الأمر في ما يدعون عليه من أمر أو مصيبة شديدة، كلا والله، بل ترى الواحد حينما يرى مركباً فارهاً سب الدنيا ومن فيها لأن فلان بن فلان ركب هذا المركب وهو لم يركبه حتى الآن، وإذا مر بقصر شامخ سب هذه الدنيا وحظوظها لأنه لم ينل هذا القصر أو جزءاً منه، وإذا رأى صاحب مال أو ثراء تجده يحتقر نعمة الله عليه، وما درى ذلك المسكين أن الله جل وعلا قد ابتلى صاحب القصر والدابة والمركب والمال والثراء، وقد اختصه بنعمة لم يجدها صاحب تلك النعمة، قد تجد هذا الذي يتسخط ويشكو ويسب هذا الدهر -ولا يجوز سب الدهر- معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه وغده وسنين قادمة أيضاً، ومع ذلك فإنه لا يقنع ولا يرضى.

    إن كثيراً ممن ترون من أرباب الأموال والثراء وغير ذلك، ليسوا في نعيم إلا من قيد ماله ونعمته في شكر الله، وخاف على نفسه وحاسبها من هذه الأموال التي دخلت عليه ديناراً ديناراً ودرهماً درهماً، وإلا فإن مثل أولئك لا شك مرتحل عن الدنيا، ومن بعده يأكلونها حلالاً وهو يحاسب عليها في الآخرة، حلالها حساب عليه، وحرامها عقاب عليه!!

    إذاً: أيها الإخوة: هل نغبط أحداً في هذه الدنيا لماله أو لجاهه أو لمنصبه، والله! لا يغبط أحد إلا في طاعته لله، قال صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً- هل ادخره؟ هل جَمَّعه في رصيده؟ هل اشتغل به من هنا وهناك؟ لا- فأنفقه في سبيل الله هكذا وهكذا) تلك والله! هي الغبطة، ومن تمنى المال من أجل أن ينفقه في سبيل الله كتب الله له أجر نيته تلك.

    إذاً: فاحمدوا الله على نعم تتقلبون فيها يا عباد الله! احمدوا الله على نعم تتقلبون فيها، وغيركم إما في فقر وذل، أو شتات وتفرق، وغيركم من أرباب المال والثراء يرون نعيماً لا يتمتعون به، إن كثيراً تمتد أمامه المائدة الطويلة قد حجب عن هذا الطعام، ومنع من هذا الطعام، ونهي عن هذا الطعام، فلا يأكل إلا زاداً قليلاً يقدم أمامه، وفقراء الناس يأكلون من كل شيء أمامهم وهو لا يأكل إلا هذا القليل القليل مما أمامه، أترون هذا نعيماً؟ تباً لدنيا هذا مآلها، يجمعها ويكد وينصب في جمعها ويحاسب عليها، ومع ذلك لا يهنأ بقليل من العيش فيها، وترى الآخر قد انشغل بدنياه حتى وصل به الدهر من عمر زمانه عتياً، ثم أصبح مريضاً ضعيفاً لا يستطيع أن يتمتع بشيء، إن أراد النكاح فهو عاجز، وإن أراد الأكل فقد ذهبت لذة الشباب التي تجعل كل شيء هنيئاً مريئاً.

    إذاً: فعلى أي شيء نغبط الناس في دنياهم؟ على أي شيء نحسد الناس في مراتبهم، أو مراكبهم أو قصورهم، أو قليلهم أو كثيرهم؟

    إن الغبطة والله في طاعة الله، إن الغبطة يوم أن ترى شاباً صغيراً يحفظ كتاب الله، أو ترى رجلاً سباقاً إلى المساجد، أو ترى شاباً داعيةً إلى الله قد أمضى وأفنى وقته وشبابه في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما سوى ذلك فليس بحقيق أن يغتبط الناس فيه أو أن يتحاسدوا، لكن أيها الإخوة! كل ما نراه من هذا الاعتراض والسخط على هذه الدنيا وأهلها ومن فيها، إنما هو بسبب عدم القناعة، وإن عدم القناعة إذا بلغ بصاحبه أمراً، فإنه قد يقوده إلى خطر عظيم وهو الاعتراض على ما قدر الله سبحانه وتعالى، قد يعترض الإنسان بطول وكثرة تسخطه على مراتب الناس وحظوظهم ونصيبهم في الدنيا عياذاً بالله من ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أمسى آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) ما الفرق بين الأغنياء والفقراء؟ ما الفرق بين الرفعاء والوضعاء؟ ألهم ثلاثة بطون وللفقير بطن واحد؟ ذلك له بطن واحد وهذا كذلك، ألهم ثلاثة أعين وهذا له عينان؟ كلا والله، كلهم يشتركون في ما خلق الله لهم، إذاً فلا دنياً تستحق أن يغتبط الناس بها!!

    واعلموا أن كل إنسان مهما صغر أو عظم أو كبر فإنه لابد أن يكون في مصيبة من دهره، وهذه الدنيا أيها الإخوة! إذا كان الإنسان في نعيم وهو على حال غفلة، وبُعدٍ عن طاعة الله فليخش الانقلاب وتغير الأحوال، كما يقول القائل:

    أحب ليالي الهجر لا فرحاً بـها     عسى الله يأتي بعدها بوصال

    وأكره أيام الوصال لأنني     أرى كل وصلٍ معقباً بزوال

    وإن الذين ترونهم في هذا الثراء الفاحش والنعيم على بعدٍ وغفلةٍ عن طاعة الله لعلى خطر عظيم، بل إنهم يعيشون في داخل قلوبهم حسرات وأنَّات مما هم فيه، ويصدق عليهم قول القائل:

    من ذا الذي قد نال راحة فكره     في عسره من عمره أو يسره

    يلقى الغني لحفظه ما قد حوى     أضعاف ما يلقى الفقير لفقره

    فيظل هذا ساخطاً في قله     ويظل هذا تاعباً في كثره

    عمَّ البلا ولكل شمل فرقةٌ     يرمي بها في يومه أو شهره

    والجن مثل الإنس يجـري فيهمُ     حكم القضاء بحلوه وبمره

    أوما ترى الرجل العزيز بجنـده     رهن الهموم على جلالة قدره

    فيسره خيرٌ وفي أعقابه     همٌ تضيق به جوانب صدره

    وأخو التجارة حائرٌ متفكرٌ     مما يلاقي من خسارة سعره

    وأبو العيال أبو الهموم وحسرة     الرجل العقيم كمينةٌ في صدره

    وترى القرين مضمراً لقرينـه     حسداً وحقداً في غناه وفقره

    ولرب طالب راحةٍ في نومـه     جاءته أحلامٌ فهام بأمره

    والطفل من بطن أمه يخرج إلى     غصص الفطام تروعه في صغره

    ولقد حسست الطير في أوكارها     فوجدت منها ما يصاد بوكره

    والوحش يأتيه الردى في بـره     والحوت يأتي حتفه في بحره

    ولربما تأتي السباع لميتٍ     فاستخرجته من قرارة قبره

    كيف التذاذ أخي الحياة بعيشه     ما زال وهو مروع في أمره

    تالله لو عاش الفتى في أهله          ألفاً من الأعوام مالك أمره

    متلذذاً معهم بكل لذيذةٍ     متنعماً بالعيش مدة عمره

    لا يعتريه النقص في أحواله     كلا ولا تجري الهموم بفكره

    ما كان ذلك كله مما يفي     بنزول أول ليلةٍ في قبره

    كيف التخلص يا أخي مما ترى     صبراً على حلو القضاء ومره

    فاقنعوا يا عباد الله! واشكروا الله على نعم أنتم فيها: أعيناً تبصرون بها، وآذاناً تسمعون بها، وأيدي تبطشون بها، وأرجلاً تمشون بها، ونعماً عظيمة لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى.

    أنتم والله في خير عظيم: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18] فاحمدوا الله تعالى على ذلك، وقيدوا النعم بشكر الله، إياكم واللهو، إياكم والغفلة عن ذكر الله، إن كثيراً من المسلمين قد ابتلوا بالغفلة فجرتهم هذه الغفلة إلى السخط وعدم القناعة، ترى الواحد منهم منذ أن يصبح إلى أن يمسي ومزامير الشيطان في داره، لا يذكر الله في بيته إلا قليلاً، ولا تسمع آية من آيات الله في بيته تتلى، وتراه منشغلاً بهذه الأمور، ومنشغلاً بهذه الدنيا وحطامها وكل ما فيها.

    إن حياة تدوم على المعاصي والآثام الموت خير لصاحبها من الحياة ومضاعفة السيئات والآثام.

    أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية والثبات.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] ويقول الله جل وعلا: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:1-8].

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضلالاً، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً واختلاطاً مع الرجال في تعليمهم ووظائفهم، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم عجل هلاكه، وأرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوأ من ذلك يا جبار السماوات والأرض.

    اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح إخوانه وأعوانه وارزقهم البطانة الصالحة، واجمعهم على كتابك وسنة نبيك، وسخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، يا أرحم الراحمين.

    لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً، سحاً غدقاً، نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد.

    اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكبر.

    اللهم لا تحرمنا فضلك ونعمتك بسبب ما اقترفنا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيِّماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم ارزقهم العلم النافع والعمل الصالح، اللهم سدد خطاهم، وبارك جهودهم، ووفقهم لما تحبه وترضاه.

    اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم وحد صفهم، واجمع شملهم، وسدد رصاصهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

    اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم ارزقنا توبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ونعيماً في القبور بعد الموت، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم يوم القيامة، اللهم لا تجعلنا عن وجهك محجوبين، اللهم لا تجعلنا عن فضلك محرومين، ولا مبعدين ولا مطرودين، اللهم أدخلنا الجنة مع أول الداخلين، وآتنا صحفنا باليمين، واجعلنا على الصراط من العابرين، واحشرنا في زمرة نبينا محمد أجمعين.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم افتح عليهم مد أبصارهم أبواباً إلى جنات النعيم يا رب العالمين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.