إسلام ويب

النفخ في الصورللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لهذه الدنيا ومن عليها نهاية بأمرٍ من الله ووقوع آية من آياته، وسيأتي على الخلائق يوم يصعق فيه الجن والإنس، والمخلوقات جميعاً إلا من شاء الله، والنفخ في الصور من أعظم علامات يوم القيامة، ويلي ذلك أهوال وأحوال، ومصائب تشيب لها الولدان، وعن تلك الأحوال والأهوال يتحدث الشيخ حفظه الله.

    1.   

    أحوال الناس بعد النفخ في الصور

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن المثيل وعن الند وعن النظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد..

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    معاشر المؤمنين! اعلموا أن لهذه الدنيا بما فيها ومن عليها نهاية، نهاية بأمر الله ووقوع آية من آياته، وسيأتي على الخلائق يوم وهو يوم جمعة يصعق فيه الجن والإنس والمخلوقات جميعاً إلا من شاء رب العالمين وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68] وإذا وقعت تلك النفخة فحينئذ لا يستطيع أحد أن يستدرك من أمره شيئاً مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:49-50] وعند ذلك تنطلق صيحات الندم والتمني كما في الحديث الصحيح، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن سرعة هلاك العباد حين تقوم الساعة فقال صلى الله عليه وسلم: (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها)رواه البخاري .

    والنفخ في الصور -يا عباد الله- هو من أكبر وأعظم علامات يوم القيامة، والنفخ في الصور مرتان وقيل ثلاث مرات: الأولى: يصعق فيها العباد، والأخرى: يبعثون بها وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] فبعد النفخة الأولى ينزل الله جل وعلا من السماء مطراً فتنبت منه أجساد العباد، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية، وهي نفخة البعث والنشور، خرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلاً ويقولون: من بعثنا من قبورنا؟ من بعثنا من مراقدنا؟ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:52-53].

    واعلموا -يا عباد الله- أن نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول من تنشق عنه الأرض، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) ثم يحشر الخلائق أجمعون إلى الموقف العظيم، يحشر الله الأولين والآخرين أينما كانوا، أينما كانوا فإن الله يأت بهم جميعاً، سواء كانوا في القبور أو في البحار، أو في بطون السباع، أو في حواصل الطير أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:148].

    وفي ذلك اليوم لا يبقى أحد صغيراً كان أو كبيراً عزيزاً أو حقيراً إلا جاء خائفاً وجلاً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] ويقول جل وعلا: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف:47] ثم تأملوا وتفكروا في ذلك اليوم الذي يحشر فيه الخلائق كلهم أجمعون، ويحشر معهم الوحوش والبهائم والطير والسباع، فإذا تأملت حال الخلائق في ذلك الكرب العظيم، وجدتهم حفاة عراة غرلاً أي: غير مختونين، وفي هذا يقول سبحانه وتعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104] يوم أن سمعت عائشة رضي الله عنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً قالت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) متفق عليه.

    1.   

    تبديل الأرض غير الأرض والسماوات

    وفي ذلك اليوم يحشر العباد على أرض غير هذه الأرض التي يعرفونها، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي) قال سهل أو غيره: ليس فيها معلم لأحد يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48] وفي هذه الآية يقول ترجمان القرآن عبد الله بن مسعود : تبدل الأرض أرضاً كأنها القصعة، كأن لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة. وعند عبد بن حميد من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة ، قال: بلغنا أن هذه الأرض -يعني أرض الدنيا- تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها.

    وفي حديث الصور الطويل تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها، وفي تلك اللحظة التي فيها تبدل الأرض غير الأرض أين يكون الخلائق؟ لقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! يوم تبدل الأرض غير الأرض أين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: على الصراط) رواه مسلم ، وفي صحيح مسلم -أيضاً- عن ثوبان أن حبراً من أحبار اليهود سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هم في الظلمة دون الجسر).

    وفي ذلك اليوم العظيم يوم القيامة يطوي الجبار سبحانه وتعالى السماوات ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يأخذها بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي هذا يقول سبحانه وتعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    أما الجبال في ذلك اليوم العظيم فتدك دكاً وتكون مثل كثبان الرمل المهيلة، بعد أن كانت حجارة صماء، وتكون كالعهن المنفوش، كالصوف المتطاير يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً [المزمل:14].. وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طـه:105-107]. أما البحار في ذلك اليوم فإنها تفجر وتشتعل نيراناً عظيمة قال تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:3].. وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:6] أما السماء فتمور موراً عظيماً، وتضطرب اضطراباً، وتنفطر وتتشقق فتكون بعد ذلك واهية إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار:1].. إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق:1].. وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:16].

    أما الشمس الجميلة المشرقة فإنها تكور وتجمع ويذهب ضوؤها، وأما القمر فإنه يخسف ويذهب ضوؤه، وأما النجوم المتلألئة فإنها تنكدر وتتناثر، وتنصب كأن لم تكن شيئاً.

    فما حالكم معاشر العباد في هذه الأهوال؟ وما مكانكم في تلك العظائم؟ وما موقفكم من الجبار جل وعلا؟ هل تكونون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؟ هل تكونون عند الفزع من الآمنين؟ هل تكونون من الذين يبعثون مطمئنين؟ أم -ولا حول ولا قوة إلا بالله ونسأل الله ألا نكون جميعاً منهم- من الذين يبعثون صرعى سكارى تخبطهم الشياطين، وتتمايل بهم بطونهم من الربا، ويدورون في هذا الهول وهذا المحشر سكارى ومجانين، نعوذ بالله أن نكون في حال أولئك.

    معاشر المؤمنين .. تأملوا وتدبروا حال ذلك اليوم العظيم، إننا لفي غفلة، وإن الكثير منا في لهوه وفي سكره، لا يتذكر موته، ولا يتذكر قبره، ولا يتذكر بعثه، ولا يتذكر نشوره، ولا صحيفته، وهل يقبضها بيمينه أو بشماله، ويتذكر الصراط هل يمر عليه أم تختطفه كلاليب جهنم، لا يتذكر هل يكون من أهل النار أم من أهل الجنة، أي غفلة في القلوب وأي سكرة في العقول، وأي إعراض عن ذكر الله وهديه؟ نعوذ بالله أن نكون من الغافلين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير:1-13] عند ذلك عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14] ولا ينفعها ليت ولا تمني.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    هول يوم القيامة

    الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله.. اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

    عباد الله! اعلموا أن من عقيدة كل مسلم أن يؤمن بالبعث والنشور، والحساب والصراط، وأن يؤمن بأهوال يوم القيامة، ودقيق وجليل أمورها وما يكون فيها من الأهوال والعظائم، فإذا حصل الاعتقاد بذلك وجب الإعداد والعمل، ووجب الاستعداد لهذه النقلة العظيمة، يوم يقبل العباد على ربهم ليس ثمة إلا الحسنات والسيئات، ليس ثَم إلا الجنة والنار، وقبل ذلك كل يرجو رحمة ربه الواحد القهار، اللهم فارحمنا وتجاوز عنا وتلطف بنا وكن لنا ولا تكن علينا.

    معاشر المؤمنين! في ذلك اليوم تأتي الأم لولدها تقول: ولدي.. حملتك تسعة أشهر ثقلاً في بطني، وحملتك كرهاً ووضعتك كرهاً، حسنة واحدة أرجح بها موازيني.. فيقول: إليك عني، إليك عني، كل مشغول بنفسه، كل مشغول بنفسه، كل في أمر وشأن عظيم من حاله فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس:33-35] أمه التي حملته ووضعته، وتلقت أذاه، وتلقت نجاسته بيدها، يكون في شأن وفي غفلة، وفي بعد عظيم عنها فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:33-36] فلذات كبده الذين لا يقعون على الأرض إن وقعوا وإنما قلبه الذي يتكسر ويقع، يكون في تلك اللحظة في غفلة عنهم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] فما هي إلا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39] اللهم اجعلنا منهم وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:39-42] نسأل الله ألا تكونوا منهم، واستعيذوا واستجيروا بربكم وتعوذوا بالله واسألوه ألا تكونوا معهم.

    عباد الله! إن كثيراً من الناس لا يشهدون الصلاة في المساجد، كأن لم يكن أمامهم بعث ولا حشر ولا نشور، إن كثيراً من الناس يعقون الآباء والأمهات، كأن لم يكن أمامهم حساب ولا عقاب، وإن كثيراً من الناس يظلمون الضعفاء وقد نسوا أن الله جل وعلا فوقهم

    وما من يد إلا يد الله فوقها     وما ظالم إلا سيبلى بأظلم

    إن كثيراً من الناس يتهاونون بالفواحش، وإن من الناس من وقع في شرب الخمور، ومن الناس من تساهل بالزنا، وإن من الناس من أكل الربا، وإن من الناس من شهد الزور، ومن مشى بالنميمة، أفلا يخشون مشهداً كهذا؟ ألا يخافون موقفاً عظيماً وحشراً مهيلاً؟ أفلا يخافون يوماً كهذا؟ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] يقول صلى الله عليه وسلم: (شيبتني هود وأخواتها) يوم أن يقرأ صلى الله عليه وسلم آيات الجنة وآيات النار يتأثر تأثراً عظيماً، فأين تأثرنا حينما نقرأ آيات هذا الهول العظيم؟ أين تفاعلنا يوم أن نتلو في كتاب الله جل وعلا موقف العصاة المذنبين يوم القيامة؟

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    إذا كورت شمس النهار وأدنيت     حتى على رأس العباد تسير

    وإذا النجوم تساقطت وتناثرت     وتبدلت بعد الضياء كدور

    وإذا البحار تفجرت من خوفها     ورأيتها مثل الجحيم تفور

    وإذا الجبال تقلعت بأصولها     فرأيتها مثل السحاب تسير

    وإذا العشار تعطلت وتـخربت     خلت الديار فما بها معمور

    وإذا الوحوش لدى القيامة     أحشرت     وتقول للأملاك أين نسير

    وإذا تقاة المسلمين تزوجـت     من حور عين زانهن شعور

    وإذا المؤودة سئّلت عن شأنهـا     وبأي ذنب قتلها ميسور

    وإذا الجليل طوى السما بيمينه     طي السجل كتابه المنشور

    وإذا الصحائف نشرت فتطايرت     وتهتكت للكافرين ستور

    وإذا السماء تكشطت عن أهلها     ورأيت أفلاك السماء تدور

    وإذا الجحيم تسعرت نيرانها     فلها على أهل الذنوب زفير

    وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت     لفتىً على طول البلاء صبور

    وإذا الجنين بأمه متعلق متشبث     يخشى القصاص وقلبه مذعور

    هذا بلا ذنب يخاف جناية     كيف المصر على الذنوب دهور

    كيف الحال بنا والذنوب في بيوتنا، والمعاصي أمامنا، والمنكرات في أسواقنا وكأن لم نر شيئاً، ولا يتحرك فينا شعرة أو شعور لإنكار أو غيرة إيمان لتغيير؟!

    اللهم لا تجعلنا من الغافلين، اللهم افتح على قلوبنا وتب علينا، اللهم ارزقنا الاستعداد للموت وأعنا على سكراته، اللهم كن لنا في قبورنا، اللهم أفسحها لنا ولأمواتنا ولجميع المسلمين مد أبصارنا، اللهم افتح لنا أبواباً إلى الجنان، اللهم اجعلنا يوم فزع الخلائق من الآمنين، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبيك من الواردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، وآتنا صحفنا باليمين، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين، اللهم أدخلنا الجنة أول الداخلين، واجعلنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بعلماء الإسلام فتنة، وأراد بولاة المسلمين مكيدة، وأراد بالشباب والنساء ضلالاً وتبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق.

    اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين وأصلح بطانته، وقرب له من علمت فيه خيراً له، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له، اللهم اجمع شملنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم اختم بها آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا.

    اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.