إسلام ويب

التصوفللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة تحدث الشيخ رحمه الله عن خوارق العادات، فذكر أقسامها، مبيناً الضوابط التي يميز بها المسلم بين الكرامة والحيل الشيطانية، وقد ذكر بعض روايات وقصص الحيل الشيطانية عند الصوفية، ثم بعد ذلك نبه الشيخ على أخطاء تقع فيها جماعة التبليغ.

    1.   

    خوارق العادات بين الكرامات والابتلاء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أريد أن أستغلها فرصة لأُذكر كثيراً من الناس اليوم ممن يؤمنون بخوارق عادات من نوعية أخرى، ويعتبرونها كرامات للأولياء، لا لشيء إلا لأنها خوارق عادات، ويجب أن نعلم -أيضاً- هذه الحقيقة الشرعية: ألا وهي: أن خوارق العادات تنقسم إلى قسمين:

    - القسم الأول: معجزات للأنبياء وكرامات للأولياء.

    - القسم الثاني: خوارق عادات ابتلاء من الله عز وجل لأصحابها، وليست بمعجزة ولا كرامة لأهلها، إنما هي فتنة، كما رأيتم بالنسبة للدجال الأعور.

    هذان القسمان أمر متفق عليه بين علماء المسلمين، فالأمر الخارق للعادة تارة يكون معجزة أو كرامة -وهذا شيء جميل- وتارة يكون فتنة لمن تصدر منه أو يصدر منه ذلك الأمر الخارق للعادة.

    وتمييز هذا النوع من ذاك النوع، أو هذا القسم من هذا القسم، إنما هو بالنظر إلى مصدر أي نوع من النوعين، فإن كان مصدره رجلاً مؤمناً -نبياً أو صالحاً- فهي معجزة أو كرامة، أما إذا كان مصدره إنساناً تراه لا يصلي ولا يصوم بل قد تسمع منه كُفريات يتأولها بعض الناس بتسميتها (شطحات) فهذه ليست كرامة؛ لأن الذي صدرت منه هذه الكرامة المزعومة لا يوصف بأنه صالح فضلاً عن أن يوصف بأنه نبي، كما نسمع من كثير من الناس: من أن فلاناً كان يمشي عارياً في الطرقات، ومع ذلك صدرت منه خوارق عادات فهي له كرامات، فهذا لا يجوز أن ينسب إلى هذا الإنسان إطلاقاً ولا تسمى كرامة، وإنما هذه: إما عبارة عن حيل ومخرقة ودجل من بعض هؤلاء الناس، أو هو ابتلاء من الله عز وجل كما ذكرنا، وهذا مذكور في القرآن الكريم، قال الله: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] الابتلاء بالخارق للعادة يكون خيراً تارة، وفتنةً تارة أخرى.

    ومثل هذه الكرامات، التي هي أحق بتسميتها (إهانات)، قد امتلأت بطون كتب كثير مما يتعلق بتراجم رجال ينتسبون إلى التصوف والصلاح، فمن شاء أن يرى العجب العجاب في هذا المجال فعليه أن يرجع إلى كتاب: طبقات الأولياء، للشعراني، الذي أعيد طبعه مرات ومرات، لم يعد طباعة صحيح البخاري وصحيح مسلم مثل هذا الكتاب؛ لأنه محشو بالأضاليل والأباطيل تحت عنوان الكرامات.

    هناك -مثلاً- رجل يترجم له، وكل رجل هناك يترجم له تبتدئ ترجمته بقوله: ومنهم فلان بن فلان رضي الله عنه، كل شخص مترجم له هناك مترضى عنه، ومنهم: فلان بن فلان رضي الله عنه، كان كذا وكذا.. ففي بعض هؤلاء المترجمين يقول: وكان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله) ناقد ومنقود!

    الرجل -أولاً- في ظاهر هذه العبارة وصل إلى مرتبة الربوبية وليس الألوهية فقط، وإنما الربوبية حيث يقول للشيء: كن فيكون، وهذه الصفة لم يكفر بها العرب في الجاهلية الأولى، فقد كانوا يعتقدون أن الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله وحده لا شريك له، ولكنهم أشركوا معه حين عبدوا غيره، أما هؤلاء ففي كتبهم حتى اليوم هذه العبارة: من كرامات ذلك الإنسان أنه كان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله)، فترى حينما كان يقول بزعمه للشيء كن فيكون كان مخلاً بالأدب مع الله، فما بال هذا الولي تارة يتأدب وتارة لا يتأدب؟! لو لم يكن في هذا الكلام شيء من الكفر الصريح لكفى أنه ينقض بعضه بعضاً؛ لأن الولي يتأدب مع الله في كل السنين، أما أن يستمر ويقول للشيء: كن فيكون بعد عشرين سنة، فلماذا ترك ذلك عشرين سنة؟ يقول: أدباً مع الله، وقبل ذلك وبعد ذلك كان غير متأدب مع الله، هذا مما ذكر في كرامات هذا الإنسان.

    وإنسان آخر يحكيه مؤلف الكتاب نفسه عن نفسه، قال: ذهبت لزيارة رجل من الأولياء -أدركه هو- فوقفت على الباب وإذا بي أسمع صوتاً من فوق -من شرفة- كأنه تلاوة قرآن، فأصغيت إليه، قال: فإذا هو يقرأ قرآناً غير قرآننا، وختم ذلك بقوله: اللهم أوهب ثواب ما تلوته من كلامك العزيز إلى شيخي فلان وشيخي فلان وفلان ..إلخ، فمن هذه الجملة تأكد الشيخ نفسه أن هذا قرآن غير القرآن الذي بين أيدي المسلمين! هذا -يا جماعة- مطبوع، يطبع في مصر حيث هناك الأزهر الشريف، وقد طُبع مراراً وتكراراً.

    1.   

    أمثلة من كرامات الصوفية (الدجل والحيل الشيطانية)

    ومثل هذه الكرامات، التي هي أحق بتسميتها (إهانات)، قد امتلأت بطون كتب كثير مما يتعلق بتراجم رجال ينتسبون إلى التصوف والصلاح، فمن شاء أن يرى العجب العجاب في هذا المجال فعليه أن يرجع إلى كتاب: طبقات الأولياء، للشعراني، الذي أعيد طبعه مرات ومرات، لم يعد طباعة صحيح البخاري وصحيح مسلم مثل هذا الكتاب؛ لأنه محشو بالأضاليل والأباطيل تحت عنوان الكرامات.

    هناك -مثلاً- رجل يترجم له، وكل رجل هناك يترجم له تبتدئ ترجمته بقوله: ومنهم فلان بن فلان رضي الله عنه، كل شخص مترجم له هناك مترضى عنه، ومنهم: فلان بن فلان رضي الله عنه، كان كذا وكذا.. ففي بعض هؤلاء المترجمين يقول: وكان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله) ناقد ومنقود!

    الرجل -أولاً- في ظاهر هذه العبارة وصل إلى مرتبة الربوبية وليس الألوهية فقط، وإنما الربوبية حيث يقول للشيء: كن فيكون، وهذه الصفة لم يكفر بها العرب في الجاهلية الأولى، فقد كانوا يعتقدون أن الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله وحده لا شريك له، ولكنهم أشركوا معه حين عبدوا غيره، أما هؤلاء ففي كتبهم حتى اليوم هذه العبارة: من كرامات ذلك الإنسان أنه كان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله)، فترى حينما كان يقول بزعمه للشيء كن فيكون كان مخلاً بالأدب مع الله، فما بال هذا الولي تارة يتأدب وتارة لا يتأدب؟! لو لم يكن في هذا الكلام شيء من الكفر الصريح لكفى أنه ينقض بعضه بعضاً؛ لأن الولي يتأدب مع الله في كل السنين، أما أن يستمر ويقول للشيء: كن فيكون بعد عشرين سنة، فلماذا ترك ذلك عشرين سنة؟ يقول: أدباً مع الله، وقبل ذلك وبعد ذلك كان غير متأدب مع الله، هذا مما ذكر في كرامات هذا الإنسان.

    وإنسان آخر يحكيه مؤلف الكتاب نفسه عن نفسه، قال: ذهبت لزيارة رجل من الأولياء -أدركه هو- فوقفت على الباب وإذا بي أسمع صوتاً من فوق -من شرفة- كأنه تلاوة قرآن، فأصغيت إليه، قال: فإذا هو يقرأ قرآناً غير قرآننا، وختم ذلك بقوله: اللهم أوهب ثواب ما تلوته من كلامك العزيز إلى شيخي فلان وشيخي فلان وفلان ..إلخ، فمن هذه الجملة تأكد الشيخ نفسه أن هذا قرآن غير القرآن الذي بين أيدي المسلمين! هذا -يا جماعة- مطبوع، يطبع في مصر حيث هناك الأزهر الشريف، وقد طُبع مراراً وتكراراً.

    عن ماذا أحدثكم؟ هذا المجال واسع جداً، ولو أن هذا صار في خبر كان لما كان لي أن أحدثكم في شيء من ذلك، نقول: انتهى أمره والحمد لله، لكن يا إخواننا! من عرف منكم فقد عرف، ومن لا يعرف فنحن نعرف أن هذه الطامات لا تزال تسري في عروق جماهير المسلمين اليوم، وفيهم الخاصة والمشايخ.

    قصة إمام مسجد في حلب

    كان هناك في حلب رجل فاضل أرادوا أن يوظفوه إمام مسجد، فأرسلوا إليه لاختباره، فسأله المختبر: هل تؤمن بكرامات الأولياء؟ سأله هذا السؤال؛ لأنه تسرب إلى مسامعه أن هذا الإمام أو المرشح للإمامة رجل كما يقولون اليوم: (وهابي)، أي: لا يؤمن بالكرامات المزعومة، فأراد أن يمتحنه، فكان هذا الممتحن لبيباً، فقال له: مثل ماذا؟ قال: مثل ما حدثنا به شيخنا أن خطيباً صعد على المنبر فبينما هو يخطب وإذا به يكاشف تلميذاً له بأنه حاقن -أي: مزنوق- وهو جالس يسمع خطبة الشيخ ويخجل أن ينسحب بين الملأ جميعاً فيلفت أنظار الناس، فما كان من الشيخ الخطيب إلا أن مد له يده هكذا -وتعرفون أن جبب المشايخ واسعة- وأشار له هكذا، يقول: فدخل التلميذ من كم جبة الشيخ، وإذا به يجد بستاناً، وفيه مكان -بيت الخلاء- فقضى حاجته ثم رجع وهو في مكانه، فقال له: أما هذه الكرامة فوالله أنا لا أؤمن بها، بل هذه خرافة وسخافة.

    قصة حدثت مع الشيخ الألباني

    أما أنا فأحدثكم عن قضية جرت لي.. كنت منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة في بئر عطية -قرية في الطريق إلى حلب - كنت سامراً ساهراً وإذا بنا نسمع طرق النافذة، ليس الباب، فخرج المضيف -صاحب الدار- لينظر من الطارق، فسمعنا احتفاء ومبالغة في الاحتفاء بالرجل الطارق ولم نره بعد: أهلاً وسهلاً يا أبا فلان، وأنا ومن في المجلس أردنا أن نعرف من هذا الضيف الكريم، فكانت مفاجئة لي منه ومني له؛ لأننا ضدان اجتمعنا، الرجل أعرفه ويمكن بعض الحاضرين يشاركونني في المعرفة من أهل محلة العمارة.. هذا الزائر الذي دخل كان يجلس دائماً وأبداً بجانب الركن الجنوبي الغربي من مسجد جامع اليوسفي في الساحة التي أمام دكاني، كان يجلس في رمضان يشرب الدخان علناً، ثيابه رثة، وعيناه جاحظتان محمرتان -والله أعلم- من شرب الحشيش والدخان، وإذا بصاحب البيت يعتقد فيه الولاية، ولذلك احتفى به احتفاءً بالغاً، فلما دخل الرجل فوجئ بي، فتظاهر بأنه أبله أو مجنون أو مأفون -كما يقولون- فأخذ يركع ويسجد بدون وعي، ويذكر كلاماً كما يقول ابن الجارم جملة غير تامة لكنها كلمات غريبة.. بيض، وباذنجان ونحو هذه الكلمات، وهو لم يذكر أي شيء لكنه خلط في الكلام، حينئذٍ افتتحت كلمة بقوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] لَهُمُ الْبُشْرَى [يونس:64] وعلقت على كلمة الإيمان والتقوى ولستم بحاجة إلى مثل هذا التعليق.

    إنما الخلاصة: أن الولي لله عز وجل هو المؤمن بالله إيماناً جازماً بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، والعامل بأحكام الشريعة أمراً واجتناباً، وبلا شك ما ابتدأت الكلام بمثل هذا إلا لأصل إلى ضيفنا هذا، لأقول: إن هناك أناساً يتظاهرون بالولاية وقد يأتون بأمور خارقة للعادة فيظنها بعض الناس كرامات، وإنما هي إهانات، وتكلمت طويلاً في هذا الصدد، ثم سكت ففوجئت بكلام المضيف -رجل عاقل- قال: والله يا أستاذ نحن كنا نعتقد هكذا مثلما تقول: أن الكرامة والولاية هي العمل بالكتاب والسنة.

    والشاهد ليس هذا، فالشاهد فيما يحكيه هذا الرجل كيف طور عقيدته الصحيحة إلى العقيدة الباطلة، بمجيء رجل كان من أهل القرية، وعاش في الأزهر الشريف عشرين سنة أو نحو ذلك، فلما رجع إليهم رجع يعلمهم خلاف الإسلام، وأن المهابيل هؤلاء هم أولياء الله.

    قال: كنا نعتقد أن هذا هو الإيمان وهذا هو الإسلام -كما ذكرت- حتى جاءنا هذا الشيخ، قال: فأخذ يحدثنا بحكايات وقصص تتلخص في أن الله عز وجل له أشخاص وضع سره فيهم، إذا نظرتم إليهم لا يعجبكم عملهم ولا أقوالهم ولا أفعالهم، ولكن هؤلاء من كبار الأولياء.. هؤلاء تنظرون إليهم أنهم تاركون للصلاة، لكنهم يصلون الصلوات الخمس في المسجد الحرام -هذه كرامة لهم- وتنظرون إليهم أنهم مفطرون ويأكلون في رمضان، لكنهم في الحقيقة صائمون، ولكنكم أنتم الذين تنظرون إليهم بأنهم مفرطون، وغير هذا من المخاريق والأكاذيب.

    قصة شيخ من الأزهر

    وهذه قصة حكاها الشيخ الأزهري للجماعة، فقلب أهل القرية إلى أمثال هؤلاء يؤمنون بالخرافات والأباطيل المخالفة للشريعة، ما هي القصة؟

    قال الشيخ الأزهري لأهل القرية في مجالسه: كان هناك فيما مضى من الزمان رجل عالم فاضل، وكان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، كان يحتسب وينزل إلى السوق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى وقف ذات يوم على عطّار وهو يبيع الحشيش المخدر المحرم، فأنكر عليه كعادته في إنكار المنكر، قال الشيخ الأزهري لأصحابه: فما كاد الشيخ ينكر على بائع الحشيش حتى سُلِب عقله، وعاد كأنه بهيمة لا يفهم شيئاً، وكان أتباعه وتلاميذه من حوله، فأخذوه إلى داره وهو لا يعرف شيئاً، كالدابة، لكنهم أهمهم الأمر فأخذوا يتساءلون كيف العلاج؟ من نسأل؟ من نطلب معالجته؟... إلخ، قال: فدلوا على رجل يسمى ذا الجناحين.. وهذه تساوي طامتها طامتين، ذو الجناحين أي: يعلم بالشريعة والحقيقة، علم الظاهر وعلم الباطن، وهذه من الدسائس التي أدخلت على الإسلام، ليتسنى لأعداء الإسلام هدم الإسلام باسم الإسلام، ما هذا يا أخي؟ قال: هذا حقيقة، الحقيقة شيء والشريعة شيء.

    ما هذا؟ يقول: هذا من علم الباطن، فعلم الباطن شيء وعلم الظاهر شيء.

    فدل على رجل يسمى ذا الجناحين، فجاءوا إليه وقصوا عليه قصة عالمهم، فسرعان ما قال لهم -هنا العبرة-: ذاك البائع للحشيش هو رجل من كبار الأولياء -عندهم- وقد أصيب عالمكم بسبب اعتراضه على ذلك الولي.

    فأنا أجمع بين متناقضات في وصفه بين الولي الحشاش بائع الحشيش، هذه حقيقة أمره، هو ولي وهو بائع حشيش، هذا الولي الحشاش هو من كبار الأولياء عند هؤلاء الناس، لذلك ذو الجناحين نصح تلامذة العالم بأن يقودوه - وهو لا يزال كالدابة- إلى ذاك الولي الحشاش، وأن يطلبوا منه العفو والمغفرة لعالمهم ويعتذرون له بالنيابة عنه حتى يفيء إلى نفسه، وهكذا فعلوا، فما كاد يطيب قلب الولي الحشاش على العامل بعلمه حتى رجع إلى حالته الطبيعية، مثل إنسان كان نائماً واستفاق، ثم عرف العالم بطبيعة الحال مصيبته فاعتذر أيضاً هو بدوره للولي الحشاش.

    هذه القصة حكاها لي صاحب الدار عن شيخه شيخ القرية، وأن مثل هذه القصص جعلت القرية تؤمن بمثل هذه الطامات وهذه السخافات.

    خلاصة الكلام: أن التصديق بمثل هذه الطامات والضلالات، بأنها تصدر من أناس يفعلون شراً -هذا في الظاهر- لكنهم في الحقيقة أولياء، يفتح باباً لأمثال هؤلاء الناس أنه إذا بعث فيهم الدجال أن يؤمنوا به، لماذا؟ لأنه يأتيهم بكرامات -بزعمهم- ما جاءت عن أحد من أوليائهم، يقول للسماء: أمطري؛ فتمطر.. ماذا تريدون من كرامة أعظم من هذه؟ ونحن لا نسميها كرامة، وإنما هذا أمر خارق للعادة، لكن لما رأينا هذا الرجل يدعي الربوبية، كأن يصدر منه ما هو من خوارق العادات؛ كان ذلك دليلاً على أن هذه ليست كرامات وإنما هي (مخابيط وتدجيل) منه على الناس.

    إذاً: الحكم الفصل بين الكرامة وبين الأمر الخارق للعادة: هو أن ننظر إلى المصدر، فمن كان مصدره ولياً صالحاً فهذا نؤمن بكرامته، وهناك كرامات صحيحة وثابتة عن بعض الصحابة وبعض السلف لا ننكرها أبداً، لكن نحن ننكر مثل هذه الكرامات التي هي في الحقيقة إهانات، أما أصل الكرامة فنحن نؤمن بها، وهي فصل من فصول الخوارق -خوارق العادات- وتختلف الخوارق بين الصالح والطالح، والمميز هو العمل الصالح، فمن كان ذا عمل صالح فما صدر منه من خوارق فهي كرامة، ومن كان عمله طالحاً فما صدرت منه من الخوارق فهي ليست كرامة بل هي إهانة، وحسبكم جمعياً ما ذكرنا لكم من خوارق العادات التي يجريها الله على يدي الدجال.

    1.   

    وقفات مع جماعة التبليغ في بعض وسائلها

    النفر في سبيل الله: يقصدون بهذا ما اعتادوه للخروج، يخرجون إلى مختلف البلاد ومعهم العامة من الناس، فدعوتهم قائمة على الصفات الست، التي ذكرها المؤلف في أول الرسالة، وما فيها شيء من الكلام إلا هذه الأخيرة، فقال: قال الله تبارك وتعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] هذه الآية مناسبة للموضوع وهو الخروج في سبيل تعلم العلم وتعليمه، لكن انظر فيما بعد، عطف على الآية السابقة فقال: وقال أيضاً: إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [التوبة:39] هذه الآية لا علاقة لها بهذا العنوان، فالعنوان: النفير في سبيل -كما قلنا- طلب العلم، وهذا هو الذي يقصدونه كما سيأتي في تمام كلامه، أما الآية الثانية فإنما هو النفير في الجهاد في سبيل الله حينما يأتي الكفار ويهاجمون البلاد الإسلامية، فحين ذاك يجب على كل مسلم يستطيع أن يحمل السلاح أن يخرج في سبيل الله عز وجل، فحملوا آية الجهاد الذي هو فرض عين، على آية الخروج في سبيل طلب العلم الذي هو فرض كفاية، وطلب العلم ليس فرض عين، والآية الأولى التي ذكرها صريحة في ذلك؛ لأنها قالت: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة:122] ليس كلهم، بينما الآية الثانية التي هي الخروج في سبيل الله قال: إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً [التوبة:39] أي جميعاً.

    الخروج في سبيل الله

    يقول في المبدأ السادس الذي أقيمت عليها دعوتهم: ومغزى هذا المبدأ هو التخلي عن مشاغلنا اليومية للتمرن وللجهد في إجراء الحياة على السنة النبوية، على صاحبها أتم الصلاة والتسليم، ودعوة الآخرين: التمرن والجهد؛ فإنهم كما قلت في الصفحات الأولى: إننا لا نستطيع التخلي من المشاغل البشرية لطول العمر، فإنه أمر محظور، ولكننا نستطيع دون صعوبة أن نوفر شهوراً في العام، أو أياماً في الشهر، كما نوفر للنزهة والاستجمام... إلى آخر كلامه.

    قال: وهذا الخروج في سبيل الله نوع من الجهاد، وتدل التجربة -الشاهد الآن هنا- قال: وتدل التجربة والمشاهدة على أن هذا الخروج في الدعوة إذا كان لأربعين يوماً في كل عام، فهو خير معاون على نيل المقصود.

    الآن نحن قلنا: ونشهد أن محمداً رسول الله، والآن التزم هؤلاء الخروج بأربعين يوماً، فعدد الأربعين من أين جاء؟! إذا كنا ندعو الناس لاتباع سنة الرسول عليه السلام فعدد الأربعين من أين جاء؟ ليس مثل هذا إلا مثل الطرق التي ورثناها.

    أنا أعتقد أن هذه طريقة صوفية جديدة، وأنا أقول بهذا القول منذ سنين، لما أسأل عن جماعة التبليغ، أقول: صوفية جديدة؛ لأن دعوتها دعوة ليس فيها بغض في الله، وهم يقررون في دروسهم: أن من الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، ولكن من الناحية التطبيقية البغض في الله غير وارد إطلاقاً، وكلامه السابق يدل على ذلك، ولعلي أذكركم بكلامه السابق: أن كل مسلم لابد أن يكون موقفنا تجاهه موقف مسالم. ونحو ذلك.

    ولفظ هذا المبدأ ظاهره هو التعلق على مكانة المسلم، والنصح له، وتأدية ما له علينا من حقوق دون الطمع في أن يأتي بحقوقنا، وعلى كل مسلم أن يحترم أخاه ويحبه، وينصح له مهما ساءت حالته الدينية.

    هذا ليس من الإسلام؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وهذا رفع البغض في الله من باب المسايسة والمداراة، وبهذا لن تقوم الدولة المسلمة أبداً، ولن يتحقق المجتمع الإسلامي، إذا كنت أنا أريد أن أحب المصلح وأريد أن أحب المفسد، وأريد أن أوادد المصلح، وأريد أن أوادد المفسد.

    المهم الناحية الأخيرة: الخروج لأربعين يوماً هذا يعرف كل مسلم أنه لم يكن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا من هدي الصحابة، ولا من هدي السلف الصالح، لاسيما وفي هذا الخروج شيء من الغرابة، إذ لو أنه خرج جماعة من أهل العلم والفقه كنا نقول: لا بأس؛ وإنما هذا التقييد ليس له أصل، لكن من خطتهم: أنهم ينزلون في قرية وفي بلدة، فإذا وجدوا في هذه القرية إنساناً تجاوب معهم من الناحية الروحية قالوا: يخرج معنا، هذا الذي يخرج معهم ماذا يستفيد؟ وهذا في الواقع له صلة بما قلت في كلمة أخيرة: هذا سيبعث الغرور في هؤلاء العامة؛ لأنهم يصور لهم أنهم خرجوا للدعوة، وصاروا دعاة، وهم بحاجة كبيرة جداً إلى أن يتعلموا العبادة والدين، فبدل هذا كله لماذا لا يحضرون مجالس العلم في المساجد، وفي المدارس، وفي حلقات العلوم الشرعية بدل هذا الخروج؟

    هذا الخروج فيه إبعاد لهم عن أهلهم وعملهم، وعن العلم أيضاً؛ لأن العلم في هذا الخروج لا يتحقق، ونحن نعرف هذا بالتجربة، لكن لأناس أوتوا حظاً من العلم؛ لأن السفر تقع فيه بعض المسائل التي لم يعتد عليها المقيم، لكن عامة الناس ليس بحاجة إلى مثل هذا الخروج، فإذا ذكروا هذا -أنه يخرج معهم العامة وهم لا يعلمون شيئاً من العقيدة فضلاً عن الفقه- ثم وجدنا أنهم يلتزمون الإخراج والخروج بعدد معين -أربعين يوماً- هذا رقم ما أنزل الله به من سلطان، لا أدري كأن هذا الرقم له معنى أو مغزى خاص في أذهان بعض المسلمين، فهنا -مثلاً- هؤلاء يلتزمون الخروج بأربعين يوماً، تجد أناساً يلتزمون عدداً متتابعاً من الأربعين، هو ناتج الصلاة النارية المعروفة؛ لأن عددها أربعة آلاف وأربع مائة وأربع وأربعون، ما صار خمسة وأربعين وإنما كلهن أربعة، هذا بلا شك من وحي الشيطان، وهذا الذي يتقيد بمثل هذه الأرقام يعلم أنها لم تأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما اتخذها الرسول عليه السلام مشروعاً سديداً وحيداً أبداً.

    نحن -مثلاً- حينما يعقد أحدنا الأذكار معدودة: ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، وثلاثاً وثلاثين تكبيرة، إنما يفعل ذلك استسلاماً للنص؛ لأن الله عز وجل قال: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] لمن هذا التسليم؟ للرسول ولرب العالمين.

    هذا من خواصه، فنحن الآن نتلقى أرقاماً في كل عصر وفي كل مصر أرقاماً جديدة من الأذكار، ومن غير الأذكار حتى في الخروج للدعوة، هذه الأرقام لم ترد إطلاقاً، ونحن لا نتقيد بها؛ لأن هذا لا يلتقي مع شهادتنا لنبينا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأنه رسول الله.

    ولا ينطلي هذا إلا على الناس الذين لم يتنبهوا للوازم الشهادة للرسول عليه السلام بالرسالة، أو تنبهوا ولكن ما عرفوا الرسول عليه السلام.. ما عرفوا سيرته.. ما عرفوا شريعته، والواقع أن هذه النقطة مهمة جداً؛ لأن معرفة ما كان عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتطلب دراسة السنة وعلم الحديث.

    كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذه الرسالة

    وبهذه المناسبة أقول: هذه الرسالة على صغرها، انظروا ما فيها من أحاديث غير ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، مع بعض التعابير التي لا تناسب الشريعة، من جانب ما كنا تكلمنا عليه أكثر من مرة: أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وهو يقول هنا: وإذا آمن العبد بربه، واعترف بعظمته وكبريائه، وأقام الصلاة... إلخ، ويدرك مغزى كونه خليفة الله في الأرض. هذه واحدة، وهذه كلمات سريعة.

    ثم جاء بحديث: (من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة) هذه القطعة في الصحيح بلا شك، لكن ما بعدها قال: (قلنا: وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله) يقول في التخريج: رواه الطبراني.

    وصحيح رواه الطبراني، لكن ما فائدة هذا التخريج إذا كان الطبراني رواه بإسناد ضعيف؛ لذلك أنا أقول كلمة ربما لا تعجب الكثيرين لكنها الحق والحق أقول: إن تخريج الأحاديث على هذه الطريقة المذكورة: رواه الطبراني، رواه أبو داود، رواه أحمد، هذا أبعد ما يكون عن النصح للقراء، لاسيما وأن جماهير القراء اليوم لبعدهم عن الدروس بصورة عامة، ولبُعدهم عن الدروس الحديثية بصورة خاصة، بمجرد أن يسمع: رواه فلان، قال: هذا حديث مثبت. هذا في تعبير العامة: حديث مثبت رواه فلان، مسكين لا يعرف أن (رواه فلان) هي ترجمة هذا التخريج، أي: هذا -فلان- ساق إسناده منه إلى الرسول عليه السلام بهذا الحديث، ولا ندري هل هذا الإسناد صحيح أو غير صحيح؟ هذا معنى رواه الطبراني، والناس لا يفهمون هذا الفهم كما هو الواقع، وإنما يفهمون رواه الطبراني: أنه حديث مثبت وانتهى الأمر؛ لذلك لابد عند طبع التخريج للقراء ألا تأتي بمجرد العزو للحديث إلى مخرجه، وإنما لابد أن تأتي به مقروناً ببيان مرتبته، وإلا فهذا التخريج أقرب إلى الغش للقراء منه إلى النصح. وهذا مثال على ذلك.

    مثال آخر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله! كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله) رواه أحمد.

    وهم سيقولون: إنه حديث مثبت؛ لأنه رواه أحمد، لكنه حديث ضعيف، وأحمد رواه في المسند بسند ضعيف، ولذلك أنا كنت قد خرجته في سلسلة الأحاديث الضعيفة تحت رقم (900).

    ومن هذا القبيل حديث عن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله) رواه أحمد وهو -أيضاً- حديث ضعيف، وهذا الكتاب فيه أحاديث صحيحة كثيرة، لكن أنا يهمني بيان الأحاديث الضعيفة، أولاً: لما يتعلق بهذه الرسالة، ثانياً: لإفادة الآخرين.

    ثم قال: عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنة) وهذا بطبيعة الحال لو كان إسناده للحسن وهو البصري صحيحاً لكان ضعيفاً؛ لأن الحسن تابعي لم يكن له واسطة بينه وبين الرسول عليه السلام، ولذلك علماء الحديث يقولون: مراسيل الحسن البصري كالريح، أي: لا قيمة لها.

    ومثل قوله عن واثلة بن الأسقع قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من طلب العلم وأدركه كان له كفلان من الأجر، فمن لم يدركه كان له كفل من الأجر) وهذا الحديث مع كونه ضعيف السند، فالقسمة فيه -باعتقادي- قسمة ضيزى، هل الذي يطلب العلم يحصل له كفلان، والذي لا يطلب العلم يحصل كفل واحد؟ ولا أظن أن هناك عدالة في الموضوع.

    فيما قال في المبدأ الرابع عند إقرار مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكرم شابٌ شيخاً من أجل سنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه) هذا حديث جميل، لكنه حديث منكر من حديث ابن وائل غير صحيح، وهو أيضاً في كتابي الأحاديث الضعيفة.

    أما الحديث الذي بعده على سبيل المثال من الأحاديث الثابتة: (إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط) هذا حديث صحيح.

    ثم قال: عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ملعون من ضاد مؤمناً أو مكر به) لكن لأول مرة يقول المؤلف: رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، لكن تُرى هل يفهم القارئ أن معنى (غريب): أي: ضعيف؟ الله أعلم.

    فهذه الكلمة الموجزة عن هذه الرسالة أحتاج أن أتكلم حولها؛ لأنه كثيراً ما نسأل عن الجماعة، وقد وقفنا على هذه الرسالة فعرفنا من مصدر موثوق فيه شيئاً مما يتعلق بها، ومن قبل ذلك كنا نسمع بعض الأشياء نحن على علم بها، وبعض الأشياء نتوقف؛ لأننا ما سمعناها إلا من بعض المصادر، من ذلك مثلاً: أنهم إذا جلسوا على الطعام بدءوا بالملح، ونحن نعرف السر في هذا البدء؛ لأن هناك حديثاً موضوعاً: (إن البدء بالملح في الطعام يدفع عن صاحبه سبعين داءً)، فمثل هذا الحديث الموضوع جعلوه منهجاً لهم، ولنا صديق دكتور كان قد خالطهم في الكويت مدة طويلة، فقال لهم: يا جماعة! أنتم تحفزون الناس.

    فعلاً: الكلام العام عندهم: اتباع الرسول عليه السلام كما سمعتم هنا، لكن من حيث الواقع هناك أشياء فعلها الرسول لا يأتون بها، وأشياء لم ترد عن الرسول عليه السلام ويأتون بها، من باب الاستحسان في الدين، كما رأيتم في الخروج أربعين يوماً، أو من باب العمل بالحديث الضعيف، كما يقول اليوم جماهير الناس: يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ثم هم لا يفرقون لسبب عدم دراستهم لعلم الحديث بين الحديث الضعيف والحديث الموضوع، أي حديث وجدوه في أي كتاب عملوا به، إن كان صحيحاً ففيه خير، وإن كان ضعيفاً فالحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، لكنه قد يكون موضوعاً ولا علم لهم به، وهذا مثال البدء بالملح بين يدي الطعام، إذا كان معهم حلوى فلا بد أن يتملحوا قبلها؛ لأنه هكذا جاء الحديث، والحديث موضوع لا يجوز العمل به اتفاقاً.

    1.   

    أبيات من الشعر في الطرق الصوفية

    وأن هذا صراط الله فاتبعوا      لا تسلكوا سبلاً تفضي إلى النار

    ما قاله ربنا في الذكر أنزله          بينته واضحاً يا خير مختار

    علمتنا خطةً في الدين واضحةً     على هداها يسير المدلج الساري

    وليس لله من شرعين فاعتبروا      يا أيها الناس يا أصحاب أبطار

    ماذا جنيتم من الأحزاب من طرق     غير اقتتال وتخريب وأضرار

    أين الشريعة والتوحيد جوهرها      توحيد معبودنا توحيد أفكار

    نوحد الله في أحكام شرعته           ما غيره آمرٌ فالشرع للباري

    محمد وضّح القرآن بيّنه           لم يترك الناس في جهل وأسرار

    على محجته البيضاء فارقنا           الليل عاد كصبح بعد إظهار

    فإن شرع الهدى من شرع من رسموا          هذي الطرائق في سر وإضمار

    قالوا طريقتنا للشرع راجعة           قلت اخسئوا نهجكم تشريع أغيار

    ما لي أراكم تبعتم شيخ معصية           باب ولكنه باب إلى النار

    راقبتم الشيخ دون الله وارتبطت           قلوبكم بطواغيت وأحجار

    أغمضتم العين تضليلاً وشعوذة           لتستمدوا به كشفاً لأسرار

    يمدكم مدداً ما بعده مددٌ               من الشياطين من غاد ومن ساري

    طريقكم كجحور الخلد غامضة          فيها متاهات أوكار وأجحار

    أين الحقيقة ما كانت حقيقتكم           غير الخرافات والتضليل والعار

    أقطابكم رمم أوتادكم صنم           وغوثكم قبة حفت بأستار

    ما من مغيث سوى الرحمن يحفظنا           من كل نازلة من كل أخطار

    أين الكرامات ما كانت كرامتكم      غير القذارات في جهر وإسرار

    هذا الوحيش الذي ينزو على أذن           وذاك عريانكم في مسجد عار

    تأتون فاحشة جهراً بلا خجل           أهكذا كشفكم هتك لأستار؟

    وقال حلاجكم كفراً وزندقة          فقلتم خاطئ في كشف أسرار

    سميتم الكافر الزنديق عاشقكم           وكيف يلقى شهيد العشق في النار

    كل الطواغيت في الجنات مرتعهم          فرعون هامان حلاج أبو العاري

    إن الولي يفوق الرسل قاطبة           والرسل قد شرعوا شرعاً لأغرار

    خضتم بحاراً ورسل الله عاجزة           عن خوضها ليس من فلك ولا صاري
    نازعتم الله في أكوانه فلكم           غوث مغيث وحامٍ حافظ الدار

    الشيخ رسلان حاميكم وحافظكم           وخالد النقش والخراج والعاري

    وشيخ بصطان والكبريت أحمرهم           و دستري عفيف القوم والدار

    وهيكل صمداني له كتب                في مدحهم ضاع حق بين أشرار

    قالوا تجلى إله الكون في صور           فالعبد رب وما التكليف للباري

    وهل يكلف رب نفسه شططاً           والكون مظهره بل سره الساري

    وهل يعذب رب نفسه بلظى           ما سم من جنة ما سم من نار

    ليس العذاب عذاباً بل عذوبته           معروفة في فتوحات وأشعار

    أبو الفصوص التي فاحت فضائحها      فدنست كل أرض كل أقطار

    كذاك داعيّة ابن الفارض انتشرت           أدرانها منذ أيام وأعصار

    يفني عبادتنا نار الفرس يجعلها           حقاً ويمدح من دانوا بأحجار

    فالكل يعبد رباً واحداً أحداً          لكن على شكل أحجار وأشجار

    كفر بواح وإلحاد وزندقة                ما قاله غير فجار وكفار

    لكنهم زيفوا في الناس باطلهم           وأظهروا نسكهم في لبس أطمار

    وأعلنوها عبادات مضللة                للناس فاغتر أقوام بمكار

    إن الأفاعي وإن لانت ملامسها           عند التقلب وحش قاتل ضار

    من حسّن الظن في كفر وزندقة           أضحى شريكاً لكفار وفجار

    فأعلنوا حربكم أهل الحجا علناً           على الخديعة في عزم وإصرار

    واستنصروا الله إن الله يحفظكم           من مكر ماكرهم أو غدر غدار

    هكذا غيرت الصوفية مفهوم الإسلام، يا أبا فتح.

    1.   

    الذكر عند الصوفية

    إذا انتقلنا إلى الذكر نجد أنهم غيروا كذلك مفهوم الذكر، ولو سألت الناس الذين يعيشون حيث تكثر الصوفية ما هو الذكر؟ تجدهم يشيرون إلى ذلك الرقص والرقصات المختلفة باختلاف أصحاب الطرق، ولا يعرفون الذكر الشرعي الإسلامي.

    فالذكر عند الصوفية -أي: الأذكار المأثورة- يسمونها أذكار العامة، فلا إله إلا الله وحده لا شريك له، هذا الذكر العظيم والتوحيد الخالص الذي قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) هذا الذكر عند مشايخ الصوفية ذكر العوام، أما الخواص فقد ترفعوا عن هذا الذكر.

    وذكر الخاصة عندهم تكرار لفظ الجلالة: (الله .. الله .. الله .. الله ...) وذكر خاصة الخاصة تكرار ضمير الغيبة: ( هو .. هو .. هو .. هو ... ) وقد اقتصر بعضهم على الآهات: ( آه .. آه .. آه ... ) هكذا عبثوا بهذه العبادة العظيمة: ذكر الله، وغيروا مفهوم الذكر، وعلى هذا المفهوم يعيش جمهور المسلمين في كثير من البلدان، من الذين لا يعرفون الدين إلا من طريق الصوفية، وهذا عبث بالدين.

    هذا ما رأيت أن أتكلم به في هذه المناسبة، أسأل الله عز وجل أن يلهمنا العمل بالسنة، وعلى منهج السلف الصالح.