إسلام ويب

التأويلللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تناول الشيخ هذا الموضوع بتوثيقه لغة واصطلاحاً، وربطه بمنهج السلف، ثم أردف أسباباً وقع بسببها أهل الانحراف في أوحال تحريف الآيات عن معناها المراد منها. وتقريباً لأبعاد الموضوع فقد ضربت أمثلة منها: مسألة المجيء، ومسألة الكلام، ومسألة هل الله في مكان أم لا.

    1.   

    حقيقة التأويل

    السؤال: نرجو أن تتفضلوا لنا بشرح وافٍ لكل ما يتعلق بموضوع التأويل، وجزاكم الله خيرا.

    الجواب: التأويل له مفهومان: مفهوم لغوي، ومفهوم اصطلاحي.

    المفهوم اللغوي هو مرادف لمعنى التفسير تماماً، كما جاء في كثير من الآيات: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82] (تأويل) أي: تفسير.. هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100] أي: تفسير، وهكذا.. فهذا التأويل بهذا المعنى.

    وللتأويل معنى اصطلاحي، وهذا الذي يجري كثيراً في أقوال العلماء، فمعنى التأويل اصطلاحاً هو: إخراج معنى النص من قرآن أو حديث عن ظاهره إلى معنى آخر يدل عليه الأسلوب العربي، كمثل: تفسير آية ما بالمجاز دون الحقيقة، فتفسير الآية في الحقيقة هو تفسير في الاصطلاح، وتفسير الآية بالتأويل بمعنى: إخراج النص عن ظاهره، هو التأويل المصطلح عليه، وهو على ما يبدو لي المراد بالسؤال.

    التأويل بين السلف والخلف

    فمثلاً.. الآية التي اختلف السلف والخلف في تفسيرها: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] فما معنى استوى؟ معنى استوى بدون تأويل: استعلى، وهذا هو تفسير السلف، ومنهم أبو العالية، كما رواه البخاري في صحيحه.

    أما الخلف فيؤولون الآية، أي: يخرجون معناها عن ظاهرها إلى معنى آخر يبدو لهم، فيقولون -مثلاً-: استوى أي: استولى، فهذا المعنى الذي فيه خروج عن ظاهر الآية هو التأويل، والأمثلة على ذلك كثيرة:

    فمثل قوله تبارك وتعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] فتفسير هذه الآية (وجاء ربك) كما قال بعض السلف: تفسيرها قراءتها، أي: أمر ظاهر (جاء ربك والملك). أما تأويلها، بمعنى إخراج النص عن ظاهره (جاء ربك) أي: بعض آيات ربك، أو بعض ملائكة ربك، فهذا هو التأويل.

    فإذاً: التأويل في الاصطلاح هو: الإتيان بمعنى للنص، سواء كان قرآناً أو سنة، لا يجري عليه ظاهر النص، وإنما يشار إليه بطريق المجاز أو الكناية أو نحو ذلك.

    ومثل هذا التأويل لا يشرع عند علماء السلف، ولا يجوز المصير إليه إلا حينما تتعذر الحقيقة، أي: يتعذر ولا يمكن تفسير النص بدون تأويل؛ حينئذٍ يذهبون إلى التأويل، ومن هنا جاء الخلاف بين السلف والخلف.. الخلف يتوسعون كثيراً في تأويل الآيات، ويخرجونها عن دلالاتها الظاهرة لمجرد إبعادهم المعنى الظاهر من الآية، وكثيراً ما يكون الاستبعاد الذي قام في أذهانهم، سببه في الحقيقة قياسهم الغائب على الشاهد، وإذا كانت الآية التي يتأولونها تتعلق بالله عز وجل وبصفاته، فهذا أبعد ما يكون عن الصواب حينما تؤول الآية تأويلاً يصرف نص الآية عن ظاهر دلالتها.

    فها هنا -مثلاً- وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] ما تركوا الآية على ظاهرها كما هو واضح، وإنما قالوا: جاء بعض آيات ربك، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يوصف بأنه يجيء، واستلزموا من المجيء الحركة، فقالوا: الله لا يوصف بأنه يتحرك، وهذا الكلام معناه: أن هؤلاء المتأولين نظروا إلى رب العالمين نظرتهم إلى خلقه، فكما أن الإنسان يوصف بالحركة قالوا: إنه من الضروري ألا نصف الله بما يوصف به الإنسان، فالحركة للإنسان هذه صفته، فلا يجوز أن نصف الله ببعض الصفات التي هي من صفات البشر، فهذا الذي اضطرهم إلى التأويل: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] كمثال..

    ولا شك عند العاقل أنه إذا نظر إلى هذا السبب الذي حملهم إلى التأويل؛ لتبين له بأنه سبب من أضعف الأسباب، بل هو سبب باطل؛ ذلك لأن لازم هذا السبب وقصاراه ما دام أن البشر يتحرك فلا يجوز أن نصِف الله بأنه يتحرك، وما دام أن البشر يجيء فلا يجوز أن نصِف الله بأنه يجيء -وهو باطل بلا شك في الأصل- ما دام أن البشر يبصر ويرى فلا يجوز أن نصف الله بأنه يبصر ويرى .. ما دام أن البشر يسمع فلا يجوز أن نصف الله بأنه يسمع، بينما نصوص الكتاب والسنة متضافرة متتابعة متواترة على وصف الله عز وجل بأنه يسمع ويرى، قال تعالى لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طـه:46] كذلك قال ربنا تبارك وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فهل هناك ضرورة لتأويل هذه النصوص التي تثبت لله عز وجل صفة السمع والبصر بمجرد اشتراك الإنسان مع الله اشتراكاً لفظياً في السمع والبصر؟ لو أنهم فعلوا ذلك لوقعوا في مثل ما وقع المعتزلة من قبلهم؛ فإن المعتزلة اشتطوا في التأويل، فأنكروا السمع والبصر أيضاً، بينما الأشاعرة -مثلاً- الذين تأولوا المجيء فنسبوا المجيء إلى غير الله، والله عز وجل يقول: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] فهؤلاء الذين تأولوا من الأشاعرة هذه الآية لم يتأولوا: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طـه:46] فما أنكروا السمع والبصر، لكن المعتزلة غلوا فأنكروا السمع والبصر.

    طريقة إنكار أهل التحريف لآيات الصفات

    هل أنكروا الآيات المثبتة لهاتين الصفتين، أي: صفة السمع والبصر؟

    الجواب: لا. ولكنهم أنكروا حقائق معانيها، فقالوا: سميع، بصير، عليم، يساوي عليم شيء، وبصير شيء، وسميع شيء آخر! هذا الذي يسميه علماء السلف بالتعطيل، أي: أنهم عطلوا دلالة الآية على أن الله سميع وبصير بطريق التأويل، فقالوا: وصف الله عز وجل لذاته بأنه سميع بصير كناية عن أنه عليم.

    شبهة المؤولة والرد عليها

    ما هي الضرورة التي اضطرت هؤلاء إلى تأويل هذا النص تأويلاً يؤدي إلى إنكار هاتين الصفتين؟

    قالوا: لأنه إذا قلنا: إن الله سميع حقيقة، معناه: شبهناه بالبشر الذي يوصف بأنه سميع وبصير، فالله وصف آدم فقال: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] هذه هي الشبهة التي إليها استند المؤولة الذين يؤولون الآيات ويخرجونها عن دلالتها الظاهرة، وهذه الشبهة تتلخص بأنهم ينظرون إلى أن الله عز وجل إذا وصفناه بما وصف به نفسه فقد شبهناه بخلقه، ونحن لا يجوز لنا أن نشبهه بخلقه.

    والرد عليها باختصار وبسهولة بالغة أن يقال: إن الله عز وجل لما أثبت لنفسه السمع والبصر قدم بين يدي ذلك قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] فالله عز وجل في مطلع هذه الآية نزه نفسه أن يشابه أحداً من خلقه في شيءٍ من صفاته .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] فبعد أن نزه ونفى أن أحداً من خلقه يشبهه تبارك وتعالى في شيء من صفاته؛ أثبت لنفسه تبارك وتعالى صفة السمع والبصر فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، فطريقة الرد على هؤلاء المؤولة أن يقال لهم: إذا قلنا: إن الله سميع، نقول: ليس كمثل سمعه شيء، وإذا قلنا: بصير؛ ليس كمثل بصره شيء، كذلك حينما نقرأ: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] نقول: مجيئه لا يشبه مجيء البشر؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] .

    لازم مذهب المؤولة إنكار وجود ذات الله

    وإذا اضطرد هؤلاء المؤولة في تأويل آيات الصفات؛ أدى بهم التأويل إلى إنكار وجود ذات الله، والسبب في هذا أننا نقول ببساطة لهؤلاء المؤولة : الله موجود وجوداً حقيقياً أم هو عدم؟

    لا شك أنهم سيقولون: هو موجود.

    فيقال لهم: الخلق الذي خلقه الله؛ كبشر، وحيوان، وشجر، وحجر، موجود أم عدم؟

    فيضطرون أن يقولوا: موجود.

    إذاً: هنا وجودان: وجود خالق المخلوقات كلها، ووجود المخلوقات نفسها، فهل إذا قلنا: إن المخلوقات موجودة والله موجود معنى ذلك: أننا شبهنا الله بمخلوقاته، أو شبهنا مخلوقات الله به نفسه؟

    الجواب: لا؛ لأننا سنقول: الله موجود منذ الأزل؛ أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، والإنسان ليس كذلك.

    إذاً: عندما أثبتنا لله وجوداً أثبتنا له وجوداً ينافي وجود البشر؛ كذلك إذا أثبتنا لله سمعاً، وبصراً، ومجيئاً، واستواءً، ونزولاً، ويداً إلى آخر ما هنالك من صفات كثيرة منصوص عليها في الكتاب والسنة، فإنما نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقات.

    باختصار: لله صفة الوجود وللمخلوق صفة الوجود، فهذا الإثبات للوجودين ليس معناه إثبات وجود مشابه لوجود، فوجود الله يليق بأزليته وبخالقيته، ووجود الإنسان يليق بضعفه وعجزه، وكونه كان عدماً فأوجده الله تبارك وتعالى.

    إذاً: إثبات كون أن هناك مباينة في الصفة الإلهية عن صفة المخلوقات، هذه المباينة هي التي تنفي المشابهة، وهي التي تجعلنا نؤمن بالصفات كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تشبيه بالمخلوقات؛ لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] ودون تعطيل، أي: إنكار للصفات؛ لأن الله أثبت لنفسه الصفات منها: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .

    المعطل يعبد عدماً والمجسم يعبد صنماً

    وما أحسن ما يقوله ابن القيم رحمه الله في هذه المناسبة: المعطل يعبد عدماً، والمجسم يعبد صنماً. المعطل يعبد عدماً، لماذا؟

    لأن الله تعالى يقول وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] وهو يقول لك: ما جاء.. ينزل من السماء الدنيا في آخر كل ليلة فيقول: (ألا هل من داعٍ...) وهو يقول: ما ينزل.. استوى على العرش، وهو يقول: ما استوى على العرش.. له يد، وهو يقول: ليس له يد.

    هذا هو الإنكار! لماذا تقول: ما استوى وما يجيء؟

    يقول: لأن فيه مشابهة لمن يجيء من مخلوقاته.

    وكذلك سميع بصير فيه مشابهة، إذاً: ليس سميعاً وليس بصيراً.

    إذاً: هو موجود؟ إن قال: موجود، أقول: أنا أيضاً موجود، وهنا مشابهة!

    فالخلاص من هذا أن نقول: إن وجوده ليس كوجودنا، وبصره ليس كبصرنا وكل صفات الله ليست كصفات المخلوقات، فـالمؤولة وفي مقدمتهم المعتزلة ثم من يليهم من بعدهم الأشاعرة، يصل بهم الأمر أنهم إذا قالوا: نحن نعبد الله، فإنما يعبدون عدماً؛ لأنه: ما هي صفات هذا الإله؟ لا نعرف الله إلا بما وصف به نفسه، فإذا جئنا إلى الصفات التي يصف بها نفسه فأولناها، أي: أخرجناها عن معانيها الواضحة بحجة أنّا إذا قلنا: جاء، فالإنسان يجيء، إذا قلنا: سميع، الإنسان سميع، قال علماء السلف: هذا هو التعطيل!

    الله أيضاً له ذات، ولكل منا له ذات! إذاً.. نقول: لا ذات لله عز وجل، رجع إيمانهم بالله إلى العدم، لذلك قال ابن القيم : المعطل يعبد عدماً؛ لأنه لا يثبت لله صفة، حتى صفة السمع والبصر تأولها إلى صفة العلم، لكن هو سيضطر إلى تأويل العلم أيضاً؛ لأننا نقول: الله عالم، وكذلك فلان عالم، والله تعالى قال في القرآن الكريم: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] .. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] .

    الاشتراك بين صفات الله وبين صفات المخلوقين اشتراك لفظي لا معنوي

    إذاً: الله عالم، والإنسان عالم، نقول: إن الله ليس بعالم؛ لأنه صار هناك اشتراك -بزعمهم- بين الإنسان العالم وبين الرب العالم، وهذا على طريقتهم ليس لهم جواب إطلاقاً!

    أما على طريقة السلف فنقول: الله عالم علماً ليس كعلم البشر، ومن الواضح أن علم الله ذاتي، أما علم الإنسان فهو اكتسابي، أي: أن الإنسان كان جاهلاً فتعلم، أما الله عز وجل -إن صح التعبير- ففي طبيعة ذاته تبارك وتعالى هو عالم، فلم يكتسب العلم بعد أن كان جاهلاً، كما هو الإنسان.

    فإذاً: الاشتراك بالاسم لا يضره، أي: إذا قلنا: إن الله سميع، وقلنا: إن الإنسان سميع، فهذا ليس تشبيهاً؛ لأنه مجرد اشتراك في الاسم.

    نحن نقول -مثلاً: الإنسان موجود والحيوان موجود، إذاً: إما أننا رفعنا الحيوان إلى صف الإنسان، أو أننا نزلنا الإنسان من مرتبته التي وضعه الله فيها إلى مرتبة الحيوان، لمجرد الاشتراك في الوجود، والأمر ليس كذلك.

    وإنما نقول: وجود الإنسان يتناسب مع إنسانيته، ووجود الحيوان يتناسب مع حيوانيته، كذلك يقال: الجماد موجود فعلاً، فهل وجود الجماد كوجود الحيوان الصامت أو الناطق؟

    الجواب: لا.

    إذاً: هذا يسميه العلماء: اشتراك لفظي، فوجود الجماد والإنسان والحيوان وخالق الموجودات كلها، هذا كله اشتراك لفظي، أما الحقيقة فلا اشتراك فيها أبداً، فوجود الجماد غير وجود الحيوان حقيقة، ووجود الحيوان الأعجم الذي لا ينطق غير وجود الإنسان الناطق حقيقة، ووجود هذا الإنسان غير وجود الملائكة، ووجود الجن، ووجود هذه المخلوقات كلها غير وجود واجد الوجود سبحانه وتعالى.

    كذلك يقال تماماً عن كل الصفات التي يأتي ذكرها في الكتاب والسنة.

    فالله يجيء قطعاً؛ لأن النص صريح: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] لكن ليس ضرورياً أن نتصور نحن أنه يأتي على رجليه، أو يأتي على السيارة أو الطيارة... إلخ مما هو من طبيعة الإنسان، هنا نقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] .

    فالمذهب السلفي هو الجمع بين التنزيه وبين الإثبات، نثبت وننزه، أما مذهب المعتزلة ومن تأثر بمذهبهم من الأشاعرة وغيرهم، فهو لما ضاقت عقولهم عن أن يعقلوا أن هناك وجوداً لله عز وجل حقيقياً ينافي وجود المخلوقات، فهم اضطروا أن يقولوا: لا يجيء.. ما استوى على العرش، ولا ينزل، وليس له يد، ولا يتكلم، وهذه مشكلة أكبر وأكبر بكثير جداً!

    وجود الله تعالى حقيقي أزلي له صفات

    كل المسلمين يشتركون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم أن الله عز وجل حقيقة، وليس معناً قائماً في الذهن، يعني: هو له وجود خارج الكون وجود حقيقي، وليس هو معنى يتخيله الإنسان.. فكل موجود له صفات ولا شك وإلا فهذا يكون خيالاً، فالله عز وجل وجوده حقيقي وأزلي.

    ما هي صفات هذا الموجود الأزلي؟

    العقل قد يدرك شيئاً منها، ولكن لا يستطيع أن يستقصي الصفات كلها إلا بطريق النقل الذي هو عبارة عن الكتاب والسنة، فإذا جئنا إلى هذه النصوص التي وردت في الكتاب والسنة تصف هذا الموجود الحقيقي، وهو واجب الوجود سبحانه وتعالى بصفات، فكأن موقفنا تجاه تلك الصفات تأويلها وتعطيل معانيها، بقي وجود الله عز وجل وجود خيالي لا حقيقي؛ لأننا قلنا: إن الوجود الحقيقي له صفاته المناسبة له، فإذا جئنا إلى كل صفة فتأولناها بغير ما يدل عليه النص؛ حينئذٍ كأننا آمنا بوجود خيالي لا حقيقة له.

    فكما قلنا آنفاً وأكرر وأقول: الله عز وجل وصف نفسه بصفات كثيرة، فهو يقول: يجيء، ويسمع، ويرى.. إلخ، فإذا قلنا: لا يسمع، لا يرى ..إلخ، معناها أننا ما وصفنا هذا الوجود الحقيقي الغائب عنا، وإن لم نصفه ما حكمنا بوجوده إلا حكماً ذهنياً.

    1.   

    من أمثلة التأويل: قولهم: إن القرآن حادث

    وضربت لكم بعض الأمثلة السابقة، والآن أريد أن أضرب مثلاً آخر لخطورته.

    أظن أن الكثيرات منكن يعلمن الخلاف بين المعتزلة وبين أهل السنة بصورة عامة في القرآن الكريم، فـالمعتزلة يقولون: إنه حادث، و أهل السنة يقولون: هو قديم أزلي.. لماذا؟

    لأن أهل السنة يقولون: القرآن كلام الله؛ فهو صفة من صفات الله، والله أزلي بصفاته، فإذاً: صفة الكلام ليست حادثة، وإنما هي صفة أزلية لله قديمة كذاته. والمعتزلة يقولون: كلام الله الذي هو القرآن حادث، والله ما تكلم. كيف هذا والله تعالى يقول: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] أثبت الله لنفسه كلاماً في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات: قال الله كذا وكذا، وقال وتكلم.. كله يدل على أن لله صفة الكلام، كل هذه النصوص أنكرها المعتزلة.

    شبهة تأويلهم لصفة الكلام والرد عليها

    هل أنكروها بمعنى أنهم قالوا: ليس في القرآن: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164]؟ لا. وإنما أنكروها بتأويلها، أي: بتعطيل معانيها، لماذا؟

    قالت المعتزلة : إذا قلنا: إن الله يتكلم فالإنسان يتكلم، فشابهنا الله بالإنسان، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن نقول: إن الله يتكلم، إذاً: هذا الكلام الذي بين أيدينا ليس هو كلام الله، قالوا: هذا الكلام -تخيلوا شيئاً- سجله الله في اللوح المحفوظ، ثم نقله جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فمن تكلم به إذاً؟ لا بد أن يتكلم به إما جبريل حين أنزله، أو أيضاً جبريل خيله في قلب الرسول عليه السلام، ورسول الله عبر عنه للصحابة، فإذاً: معنى قول المعتزلة : هذا القرآن ليس كلام الله، أي أنه تكلم به غير الله. وحينئذٍ اشتركوا مع الذين قالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25]

    وهم المشركون الذين كذبوا الرسول عليه السلام في قوله: هذا كلام الله أوحاه إلي، فكذبوه وقالوا: لا. هذا كلامك، فيلتقي المعتزلة المؤمنون بالله ورسوله، وبأن دين الإسلام قائم على القرآن وعلى الحديث، يلتقون بشؤم التأويل مع هؤلاء الكفار الذين نسبوا القرآن إلى أنه من قول البشر.

    وكل إنسان يعلم أن الكفر يتحقق؛ سواءً قيل: هذا القرآن هو قول البشر، أو قول ملائكي، كله كفر؛ لأن الحقيقة أنه كلام الله تبارك وتعالى، فما الذي أودى بـالمعتزلة إلى هذه الهوة السحيقة، فأنكروا أن يكون القرآن الكريم كلام الله، ولذلك قالوا: هو حادث؟ هو من فضائل التأويل، أي: من شؤم التأويل الذي أودى بهم إلى أن ينكروا أن يكون لله كلام أصلاً، وبالتالي أنكروا أن يكون هذا القرآن كلام الله تبارك وتعالى.

    إذاً: ما هو؟ هو إما قول محمد، وإما قول جبريل، وإما قول خلق من خلق الله الكثير، المهم أنهم يقولون صراحة: ليس هو كلام الله عز وجل.

    والسبب هو عدم انتباههم للفرق بين وجود الله وصفاته وجوداً حقيقاً ينافي وجود المخلوق وصفاته منافاةً حقيقية، لم ينتبهوا لهذا، فقالوا: مجرد ما يشترك المخلوق مع الخالق في صفة من الصفات من ذلك الكلام؛ لزم من ذلك أن يشابه الله خلقه، أو يشابه الخلق ربههم تبارك وتعالى.

    والجواب: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، الله يتكلم ولكن كلامه ليس ككلامنا، كما أن ذاته ليست كذاتنا، وكل صفاته ليست كصفاتنا.

    دليل يثبت صفة الكلام لله تعالى

    ثم إن الله تبارك وتعالى خلق في هذا العصر آية فيها رد واقعي على المعتزلة وأمثالهم، ذلك لأن المعتزلة يقولون: إذا قلنا: إن الله يتكلم فمعناه أن له شفتين، ولساناً، وأسناناً، ولثة، معناه ومعناه.. إلخ، هذا كله من ضيق عطنهم، وقصر تفكيرهم، فلم يتسع عقلهم أن يكون الله عز وجل شيئاً حقيقياً ينافي هذه الحقائق التي خلقها الله، فخلق الله عز وجل في هذا العصر من جملة ما خلق آلة صماء بكماء هي الراديو، فنحن نسمع الراديو يتكلم بكلام عربي مبين لا له شفة، ولا له أسنان، ولا له لهاةً، ولا أي شيء، هذا في الحقيقة من أكبر آيات الله في هذا العصر للرد على المؤولة -أي: المعطلة - الذين يتخيلون أنه من الضروري أن يكون الله مثلنا في صفة كلامه، لكن هو ليس مثلنا، إذاً: أنكرنا كلامه، فخلق الله عز وجل الراديو يتكلم بدون أي آلة، فالأخرس -مثلاً- لماذا لا يتكلم؟ فيه نقص-وأنا لست طبيباً- في تركيبه الجسدي، فلم يستطع أن يتكلم، فالله عز وجل خلق الراديو يتكلم بأوضح كلام بأي لغة من لغات الدنيا، وهو ليس له أي آلة من آلات الإنسان التي يتكلم بها عادة!

    فإذا كان الله خلق آلة جامدة تتكلم بدون هذه الوسائل، أليس الله عز وجل بقادر على أن يتكلم بدون لسان وشفتين وأسنان؟! بلى. إنه على ذلك قدير! فانظروا إذاً كيف أن المعتزلة ضاق عقلهم أن يتفكروا ويعلموا أن الله إذا وصف نفسه بأنه يتكلم، فليس ضرورياً أن يكون كالإنسان له أعضاء الإنسان التي يتكلم بها.. هذه آية من آيات الله -الراديو- كما قلنا!

    باختصار، هذا التأويل الذي ذهب إليه كثيرٌ من المتأخرين وقليلٌ من المتقدمين، كان سبباً لانحراف علماء كبار عن طريق السنة والصحابة، الذين كانوا يؤمنون بكل ما وصف الله عز وجل به نفسه بشرط الإثبات والتنزيه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .

    1.   

    إنكار المعتزلة لمسألة الاستواء وشبهتهم في ذلك

    حينما أنكر المعتزلة أن الله استوى على العرش -وهذا مثال آخر وله علاقة بحياتنا الفكرية والعقائدية القائمة اليوم- حينما أنكروا أن الله على العرش، كما قال تعالى صراحة: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] لماذا أنكروا؟

    قالوا: لأننا إذا قلنا: استوى بمعنى استعلى، معناه: وضعناه في مكان، والله منزه عن المكان. وهذا أيضاً جاء من ضيق عقلهم وتفكيرهم، والحقيقة كما يقول -أيضاً- ابن القيم تبعاً لـابن تيمية : إن المعتزلة وأمثالهم حينما يتأولون النصوص يتقدم تأويلهم أنهم فهموا من النصوص التشبيه، فهموا أن الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] مثلما يستوي الشيخ على كرسيه، أو السلطان على عرشه، وهو عز وجل لا ينبغي أن يكون كذلك، إذاً: (استوى) ليس معناه (استعلى).

    فمعنى التأويل أنه سبق إلى ذهنهم التشبيه، وإلا لو لم يفهموا التشبيه لما كان بهم من حاجة إلى تأويل، وأنا أُفصِّل لكم هذا لضرورة المسألة:

    هم فهموا أن الخالق كالمخلوق من جملة أن المخلوق لو أزيل عنه الكرسي لوقع على أم رأسه، الله عز وجل قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فإذاً: الله حينما استوى -أي: استعلى على العرش- ليس كالإنسان، فلذلك جاء في كلام بعض العلماء في هذه النقطة بالذات شعر فقهاء فيه علم، قال:

    ورب العرش فوق الـعرش لكن     بلا وصف التمكن واتصال

    يعني: قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:6] فهو غني عن العرش أن يجلس عليه، وإنما له تبارك وتعالى صفة العلو.

    1.   

    مناظرة مع عالم من علماء الأزهر حول مسألة المكان

    وكما قلت مراراً وتكراراً، وكان آخر هذا القول في موسم مضى في الحج: جاءنا رجل من علماء الأزهر، فجرى حديث طويل بيني وبينه في هذه القضية، من جملتها قلنا له: أليس الله كان ولا شيء معه؟ قال: نعم، قلنا: هذه نقطة تلاق، لا خلاف بيننا والحمد لله.

    قلنا له: إذ كان الله لا شيء معه، هل كان في مكان؟ قال: لا.

    قلت: وهذا هو اعتقادنا، فالله عز وجل لما خلق الخلق بعد أن كان عدماً هل دخل فيه وامتزج فيه امتزاج الماء في الثلج، أو السمن والزبدة في الحليب، أم بقي مستغنياً عن خلقه؟

    قال: بقي مستغنياً عن خلقه.

    قلنا له: إذ بقي مستغنياً عن خلقه، هل هو لا يزال ليس في مكان كما اتفقنا آنفاً؟

    قال: نعم. ليس في مكان.

    إذاً: الله ليس في مكان قبل الخلق وبعد الخلق.

    ثم قلت له: المكان شيء وجودي أم عدمي؟ أي: يتخيله في الذهن أم هو له وجود حقيقي؟

    قال: له وجود حقيقي، مكان يجلس فيه الإنسان يتمتع به ... إلخ. هذه كانت الخطوة الأولى في التلاقي معه، وسلسلنا الأسئلة واتفقنا.

    قلنا: فلما خلق الله الخلق، هل ظل كما كان مستغنياً عن الخلق وليس في مكان؟

    قال: نعم.

    قلنا: لما خلق الله الخلق -العقل الآن يحكم بشيء من شيئين، والشرع هو المرجح- فإن العقل يقول: إما أن يكون الله عز وجل حينما خلق الخلق وهو فوق خلقه، وإما أن يكون خلق خلقه فوق ذاته، هل يمكن هذا؟ لم يبق إلا الأمر الأول وهو أن يكون الله عز وجل فوق المخلوقات، هذه الفوقية التي يحكم بها العقل ضرورة، هي التي أخبر الله بها في كتابه وفي حديث نبيه، أما الكتاب فخذوا ما شئتم، أشهر هذه الآيات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] أي: استعلى، ومنها آية نقرؤها ونمر عليها مر الكرام، ولا نتنتبه إلى أن الله عز وجل يصف فيها شيئين:

    الشيء الأول: ذاته تبارك وتعالى، نصفه بصفة الفوقية.

    الشيء الثاني: يصف المؤمنين بأنهم يؤمنون بهذه الصفة، فيقول تبارك وتعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50] أي: أن المؤمن حينما يخشى الله إما دائماً وأبداً، وهذه من صفات الأنبياء والرسل، وإما أحياناً، فهو يلاحظ حين يخشاه ويخافه أنه يخاف رباً على العرش استوى، فإذاً: هذه الآية من جملة الآيات التي تثبت فوقية الله على عرشه وعلى خلقه جميعاً.

    قلت للشيخ: ما رأيك.. هل أنت تؤمن معي بهذا الكلام؟

    قال: نعم.

    قلت: فأين المكان الذي تتهمونا؟ المكان هو طبيعة المخلوق، فالله عز وجل فوق المخلوقات، أي: حيث لا مكان ولا زمان؛ لأن الله الآن من هذه الحيثية كما كان، وسلسلنا الموضوع معه.. كان الله ولا شيء معه، هل كان في مكان؟

    قال: لا.

    فلما تسلسلنا معه في البحث وصلنا إلى نقاط تلاقينا فيها، لكن لا هو شعر أننا أثبتنا لله مكاناً، ولا أنا أيضاً شاعر بأنني أثبت لله مكاناً، فقلت له: إذاً: لماذا تتهمون السلفيين الذين يثبتون ما وصف الله به نفسه، ومنها صفة الفوقية وصفة العلو، أنهم حصروه في مكان؟

    لكن الحقيقة (اعكس تصب) الذين أنكروا صفة الله هذه، وأنه فوق مخلوقاته كلها، هم الذين حصروه في مكان، والدليل على هذا الذي أقول: ألسنة الناس اليوم ما بين عالم وجاهل لا فرق في ذلك بينهم، هم الذين يقولون: الله موجود في كل مكان، معناها: إنكار ما جاء في كتاب الله وفي حديث رسول الله.. معناها: أن الله ليس فوق المخلوقات؛ لأنه لا يوجد فوق المخلوقات مكان كما شرحنا لكم؛ لأنه عدم، كان الله ولا شيء معه إطلاقاً، فلما خلق المخلوقات، بخلق المخلوقات وجد الزمان المكان، فهو سبحانه ما حل في هذا المكان ولا حل في هذا الزمان، فإذاً: الله مستغن عن المخلوقات بما فيه الزمان وبما فيه المكان، فالله ليس في مكان. هذه عقيدة أهل السنة أو السلفيين بالعبارة الصريحة.

    أما جماهير الناس اليوم فهم يقولون عبارتين كلتاهما تؤديان إلى ضلال معتقدها، يقولون: الله موجود في مكان، أو الله موجود في كل الوجود.

    الله موجود في كل مكان: هذا مكان.. المطبخ مكان، وغير المطبخ أيضاً مكان، فالله في كل هذه الأمكنة؟! هذا معنى كلام الناس، الله موجود في كل مكان.. في الحمام.. في الأسواق.. في السينمائيات .. في.. إلخ، المكان اسم جنس يشمل كل مكان طاهر أو قذر، فلما يقول القائل: الله موجود في كل مكان، معناه: هو في كل هذه الأمكنة، الأماكن الطاهرة والقذرة، مع أنه لا يجوز لمسلم أن يقول: إن الله موجود في الأمكنة الطاهرة! لا يجوز أن يقول هذا؛ لأننا إذا قلنا: الله موجود في الأمكنة فقد حصرناه، وهو مستغن عن خلقه جميعاً، وهو فوق السماوات كلها.

    1.   

    شرح حديث الجارية في إثبات علو الله تعالى

    وأخيراً نروي الحديث الآتي تأكيداً لهذه العقيدة، أي: عقيدة استواء الرب على عرشه، واستعلائه على جميع خلقه من جهة، وكدليل لإبطال التأويل الذي مصيره إنكار الحقائق الإلهية.

    يروي الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: (أنه صلى يوماً وراء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعطس رجل بجانبه فقال له: يرحمك الله) معاوية بن الحكم السلمي يقول للذي عطس بجانبه: يرحمك الله، كأنه خارج الصلاة، لا يعلم أن هذا كلام، وأنه لا يجوز للمصلي أن يتكلم، فنظر إليه من كان عن جنبيه نظرة إسكات، فما كان منه إلا أن انزعج أكثر من قبل وقال: وا ثكل أمي! ما لكم تنظرون إلي؟! لم يعرف بعد هذا المسكين لبعده عن العلم خطأه، وأنه تكلم في الصلاة، وأن الكلام مبطل، ولو كانت بكلمة: يرحمك الله أيها العاطس، فما كان من الصحابة إلا أن أخذوا ضرباً على أفخاذهم تسكيتاً له، يقول معاوية: [فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة أقبل إلي ...] تصوروا نفسية هذا الإنسان الذي شعر بعد زمن أنه مخطئ، والرسول يقبل عليه، ماذا تتصور أن يفعل الرسول معه؟! هل يريد أن يؤنبه أو أن يجهله، مثلما يعامل مشايخنا إلا قليلاً منهم؟ إذا أخطأ شخص خطيئة تافهة يتمنى من شدة التأنيب أن الأرض تبلعه، ربما تصور هذا معاوية، أي: أن الرسول عليه السلام لما أتى أليه يريد أن يخطئه ويؤنبه، قال معاوية : (فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إلي، فوالله ما ضربني، ولا قهرني، ولا شتمني، وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد) لما رأى معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق اللطيف الناعم، كأنه عاد إلى نفسه يحاسبها أنه جاهل، فلا بد أن يتعلم، لذلك أخذ يلقي على النبي صلى الله عليه وسلم السؤال بعد السؤال، فقال: (يا رسول الله! إن منا أقواماً يأتون الكهان -أي: المنجمين والعرافين- قال: فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون -يتشاءمون- قال: فلا يصدنكم) أي: إذا تشاءم فلا يتجاوب معها، بل يتم مشيه في سبيله، وهذه كلمات سريعة وتحتاج إلى شرح، وربما في مناسبة أخرى نشرحها.. (قال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يخطون -الضرب في الرمل - قال عليه الصلاة والسلام: قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطُه خطَه فذاك -وهذه الجملة أيضاً تحتاج إلى شرح فيما بعد- قال: يا رسول الله! -وهنا الشاهد- إن عندي جارية ترعى لي غنماً في أحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي، فلما أخبرتني وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة -هو نادم على ما فعل- يقول: وعلي عتق رقبة) -كأنه يسأل الرسول: هل يجزيني أن أعتق هذه الجارية كفارة الظلم لها، بسبب ثورتي عليها وضربي لها تلك اللطمة؟ قال عليه السلام: (ائت بها، فلما جاءت سألها الرسول عليه السلام، أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة).

    هذا حديث في صحيح مسلم، فاعتبروا يا أولي الأبصار! ومع كونه في صحيح مسلم فكثير من المشايخ اليوم ينكرون صحة هذا الحديث من حيث الإسناد، وإسناده من أصح الأسانيد، وبعضهم لا يستطيعون أن ينكروا؛ لأن السند صحيح، فماذا يقولون؟

    يقولون: الرسول راعى ثقافة الجارية؛ لأنها بدوية، أي: سايرها في مفاهيمها؛ هي تعني أن الله في السماء أي: الأصنام الموجودة في الأرض ليست هي التي خلقت المخلوقات، إنما غير الأصنام -أي الله- يقولون: إن الرسول عليه السلام لما قالت: في السماء، لا تعني فوق، وإنما تعني مجرد إثبات أن لهذا الكون خالقاً، وليست الأصنام التي تعبدها أهل الجاهلية.

    نقول لهم: أولاً: رسول الله لا يقر على باطل، ولو كانت جارية، ولو كانت بدوية! واجب الرسول عليه السلام أن يعلم المتعلم أم يعلم الجاهل؟ فإذا افترضتم أن هذه الجارية جاهلة، وتتكلم بالباطل -في ظنكم أنتم الذين لا تثبتون أن الله في السماء- فعندما ينظرون هذا الجواب من الجارية، يقولون: الجارية مخطئة في هذا. كيف أقرها الرسول؟ قالوا: أقرها لأنها عنت معنىً مطلقاً مجرداً عن إثبات أن الله له صفة العلو، فنقول لهم: الجارية في الحقيقة يبدو لي من وراء هذه القرون الطويلة أنها أفقه من هؤلاء العلماء لسببين اثنين:

    لأنها أولاً: أثبتت ما أثبت الله في كتابه حيث قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17] فإذاً: الجارية مثقفة بثقافة القرآن، فهي أثبتت وشهدت بما شهد به القرآن، فكيف تقولون إنها كانت مخطئة في قولها: الله في السماء؟

    ثانياً: هل تعتقدون أن الرسول عليه السلام يقر الباطل؟ سيقولون: لا. فكيف أقر هذه الجارية على هذا القول الذي تنكرونه؟ الجارية تقول: إن الله في السماء، وأنتم تقولون: الله ليس في السماء، فكيف وقف الرسول عليه السلام تجاه هذه الجارية موقف المقر للباطل الذي أنتم تعتقدون أنه باطل، أهذا هو إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [لنجم:3-4]؟

    هذا الحديث في صحيح مسلم، لكن الناس اليوم الذين ينكرون علو الله فوق خلقه ما بين منكر له مع صحته، وما بين مقر بأن الجارية مخطئة والرسول سايرها في كلامها؛ لأنها قصدت فقط إثبات أن الله هو الخالق. هذا من شؤم التأويل!

    الحقيقة أن الذي يدرس موضوع التأويل يجد له أخطاراً لا تكاد تنتهي؛ من إنكار آيات، ومن إنكار أحاديث صحيحة، فإن كان النص آية فبالتأويل، وإن كان النص حديثاً إما بطريقة الإنكار كما هو الشأن في هذا الحديث، أو بطريق التأويل كما يفعل البعض.

    1.   

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (قد كان نبي من الأنبياء يخط)

    سؤال: ما معنى: (قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك

    الجواب: هذا السؤال قد ألمحت إلى معناه آنفاً، يقول الرسول عليه السلام في الحديث السابق: نبي من الأنبياء كان الله عز وجل قد أنعم عليه بنعمة الضرب بالرمل، يتخذ بذلك وسيلة للاطلاع على بعض المغيبات، والاطلاع على المغيبات هو من خصوص الأنبياء والرسل، لكن لما علم ذاك النبي ضرب الخط كان ينبئه عن بعض المغيبات بواسطة الرمل، بينما الأنبياء الآخرون ينبئهم فوراً بواسطة جبريل عليه السلام، بمعنى أن الخط على الرمل علم خص الله به بعض أنبيائه معجزة له، يقول الرسول عليه السلام من باب التعليق بالمحال: فمن وافق خطه اليوم خط ذلك النبي فهو مصيب، ومن لا فليس بمصيب وإنما يتعاطى الدجل؛ لأن هذا العلم لم يبق إليه سبيل ولا طريق؛ لأنه خاص بذاك النبي، وهذا يسميه العلماء: التعليق بالمحال، وفي هذا الجواب بهذا الأسلوب نكتة، فهو بدل أن يقول: الضرب بالرمل باطل، يعطيك فائدة أن الضرب بالرمل كان علم نبي من الأنبياء السابقين، فإذاً إذا كان باستطاعتك أن يطابق علمك كعلم ذلك النبي فأنت الموفق.

    (ماذا سيكون الجواب؟ هل يمكن يصادف ضرب رمل إنسان غير موحى إليه ضرب ذلك النبي الموحى إليه؟.

    هذا اسمه: تعليق المحال، فإذاً المقصود به: التعجيز، فإن كنت تستطيع أن تعيد الأيام التي فاتت الصلاة فيها فاقض، هو يعرف أنه لا يستطيع أن يعيد الأيام، فإذاً: سيعلم إذا قضاها، كذلك إذا كان هنا إنسان باستطاعته أن يوافق خطه خط ذلك النبي فهو المصيب الموفق، وهو يعلم أن ذاك النبي مضى وانقضى وذهب بمعجزته، فكل الأنبياء الذين ذهبوا ذهبوا بمعجزاتهم.

    فإذاً: خلاصة معنى (فمن وافق خطه خطه فذاك)هذا تعليق المستحيل، فلا يمكن أن يوافق خط رمالي اليوم -المنجمين- خط ذلك النبي.

    إذاً: الضرب بالرمل أمر غير مشروع؛ لأنه تعليق المحال، كتعليق قضاء الصلاة بإعادة الأيام.

    وأخيراً: أسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا أن نسلك منهج السلف الصالح في فهم الشريعة، ويحفظنا ويصوننا عن أن ننحرف يميناً أو يساراً، كما وقع في ذلك كثير من الطوائف المنتمية إلى الإسلام.