إسلام ويب

الذكر والشكرللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذكر طمأنينة للقلوب، وحصن حصين من الذنوب، وسياج واق من الشياطين، فبه تستنزل الرحمات، وتدفع النقمات، والذكر له شروط وضوابط يجب مراعاتها حتى يؤدي مفعوله، وإلا كان بغير مفعول أو ضعيف المفعول، فينبغي الإتيان بالذكر المطلوب منا كما يحب ربنا ويرضى.

    1.   

    الحض على ذكر الله تعالى

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! أحييكم جميعاً بتحية الإسلام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ثم أما بعد:

    إن عنوان هذه المحاضرة -إن صح أن نسميها محاضرة- هو الذكر والشكر.

    ولم اخترنا الذكر والشكر؟

    والجواب: لأنهما علة الحياة بكاملها، معاشر الأبناء الحضور! الذكر والشكر سر هذه الحياة، وعلة وجودها، أراد الله عز وجل أن يذكر ويشكر، فأوجد هذه العوالم العلوية والسفلية، وأعدها وخلق آدم وحواء، وإلى الأرض أهبطهما، ليلدا ويتناسلا؛ ليكثر بنوهم، وذلك من أجل أن يذكر عز وجل ويشكر.

    فلو سئل أحدنا عن علة الحياة لم خلقها الله؟ فأجبنا بأنها ذكر الله وشكره، لما كان الجواب إلا صحيحاً، وما دمنا مخلوقين لهذه فلنتهيأ لها، فلنقم بها، الذكر والشكر.

    روى أصحاب السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (يا معاذ! إني أحبك فلا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

    فليلاحظ الأبناء الحضور قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ !): يريد أن يلفت نظره، وأن يجمع على ما يقوله له قلبه.

    (يا معاذ ! إني أحبك): وهنيئاً لـمعاذ بحب رسول الله له، ولكن وراء ذلك سر كنا قد أشرنا إليه في كلمة سابقة، وقلنا: حب بعضنا بعضاً ضروري ولازم ولا بد منه ولا جنة بدون حب، فقد قال عليه الصلاة والسلام ما تعلمون: (والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، ومعنى هذا إذا لم نتحابب -معشر المؤمنين- فلا جنة، الجنة للمتحابين، ولم؟ لأن العروج إلى الملكوت الأعلى والنزول في منازل الأبرار، في جورا النبيين والصديقين والصالحين، هذا يفتقر إلى أعمال.. إلى عقائد.. إلى أقوال.. إذا لم نتعاون على تحقيقها ما تحققت، هذه المعتقدات والأقوال والأعمال عبارة عن مزكيات النفس البشرية، ومطهراتها، عليها تزكو وعليها تطيب، فإذا طابت النفس وزكت أصبحت أهلاً للملكوت الأعلى، أصبحت مستعدة، لأن يعرج بها إلى السماء وأن تنزل هناك في الملكوت الأعلى.

    أما إذا كانت مدساة، مظلمة، عفنة بأوضار الذنوب والمعاصي فهيهات هيهات! أن تفتح لها أبواب السماء وأن تنزل منازل الأبرار، وهذا كتاب الله يقضي ويحكم بأن ذوي الأرواح الخبيثة لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [الأعراف:40].

    واقرءوا إن شئتم أو اسمعوا أقرأ لكم قول الله تعالى من سورة الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41].

    لم لا تفتح لهم أبواب السماء؟ لم لا يدخلون الجنة؟ لأن المكذبين كالمستكبرين، كالظالمين، كالمجرمين، الكل قدم نفسه لملك الموت وهي خبيثة منتنة لم تؤهل للسماء، وقد حكم الله عز وجل وقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فالفلاح بمعنى الفوز، والفوز الزحزحة عن النار ودخول الجنان، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    إذاً: الجنة مفتاحها الحب، إذا لم يتحاب المؤمنون والمسلمون ما أمكنهم أن يوفروا زكاة أنفسهم وطهارة أرواحهم، وإذا لم تتم للنفس تزكية وتطهير فمستحيل في حقها أن ترقى السماء أو تحتل المنازل العلى، هذه حقيقة أقسم عليها بالله، وأنتم لا تشكون فيها وقد سمعتم الله تعالى يقول: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:9-10]، فلم الأبرار في النعيم؟ لبرهم، وما البر إلا الطاعة الصادقة؛ عقيدة وقول وعمل، من شأن هذه أن تولد النور، تولد الحسنات، وعلى الحسنات تشرق الأرواح البشرية، فلهذا معاشر الأبناء! الحب والتحابب ضروري للجماعة التي تريد أن ترقى السماء وأن تنازل الأبرار فيها؛ لأن الحب المتبادل ينتج عنه التعاون على فعل الخير وعلى ترك الشر، ومن سورة المائدة في خطابنا معاشر المؤمنين يقول تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، ولعل الأبناء ما أدركوا معنى التعاون ليعلموا أن الفرد لا يستطيع أن يقيم شريعة الله إلا إذا كان هناك إخوان يدعمونه، إذا غفل نبهوه، وإذا نسي ذكروه، وإذا عجز عن العمل أعانوه، وإذا ضل هدوه، وإذا أسر من بين أيديهم استخلصوه من أسره، وكم وكم يأسر الشيطان منا، لا يمكن لجماعة ما على هذه الأرض أن تكمل وتسعد على دين الله ما لم تكن متعاونة؛ الرجل يقوي الرجل، والمرأة أيضاً تقوي المرأة، والمرأة تقوي الرجل، والرجل يقوي المرأة، حتى نقوى ونقدر على أن نذكر الله ونشكره.

    ( يا معاذ إني أحبك )، لم يقول له هكذا؟ معاذ شاب أنصاري من المدينة، والرسول صلى الله عليه وسلم يخبره بأنه يحبه، إن سر هذا أن يجعل قلبه مستعداً للتلقي عن رسول الله، فلهذا أعلمكم وأعلمكم، والعلم ينفع، والواعظ المرشد الموجه الآمر الناهي الداعي إذا لم تكن تحبه لن تستطيع أن تستفيد منه، هذه قضية مسلمة، إذا لم تكن تحب الشخص الذي يرشدك أو يوجهك أو يأمرك أو ينهاك، لن تستطيع أن تنتفع بوعظه ولا إرشاده ولا بتعليمه، وشيء آخر وحقيقة يجب ألا ننساها: هل نستطيع إذا كنا غير متوادين وغير متحابين أن نأتمر بمعروف بيننا أو نتناهى عن منكر ونحقق ذلك بيننا؟ الجواب: لا، فلابد إذاً من الحب، وليس هذا من باب الكمالات والفضائل، اعلموا أن حب الله فريضة، وأن حب رسول الله فريضة، وأن حب المؤمنين والمؤمنات فريضة، أما قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، ولازم ذلك أن يكره له ما يكره لنفسه، ومتى تصبح تحب لأخيك ما تحب لنفسك إن لم تكن قد أحببته.

    ( يا معاذ إني أحبك فلا تدعن ) أي: لا تتركن، بهذا التأكيد: ( أن تقول في دبر كل صلاة ) أي: في آخر كل صلاة، وقد تكون نافلة وفريضة، والنكرة هنا تفيد العموم: ( أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )، تسأل الله تعالى دبر كل صلاة على أن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول للأبناء والإخوان الحضور: من هو الذي يسأل ربه ويلح عليه، وبعد كل صلاة: أي رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أتدرون من هو؟ ذاك الذي يزاول هذه المهمة ويبذل فيها طاقته، وكله رغبة صادقة في أن يكون من الذاكرين الشاكرين العابدين، فيحتاج إلى أن يسأل المعونة وأن يطلب من ربه أن يعينه، أما الذي لم يباشر العمل، الذي لم يزاوله بعد فلا معنى لأن يسأل العون على شيء لم يعمله ولا وطن نفسه لأن يقوم به.

    ومعنى هذا أننا -معاشر الأبناء- همنا الأوحد أن نحقق هذا الذي طلب الله منا؛ الذكر والشكر وحسن العبادة، أما قال تعالى في سورة البقرة: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، أما نادانا بعنوان الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41]، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما من عبادة إلا وجعل الله تعالى لها حداً أو عداً، إلا ذكره سبحانه فقد أطلقه ولم يحد ولم يعد، ومعنى هذا: أنك تذكر الله الليل والنهار، ولا تعجب من هذا، وهناك خلق كريم على الله؛ هناك الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهل تدري -يا عبد الله- أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: ( كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد قوله: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة ) في المجلس الواحد فقط، يجلسون مع نبيهم ساعة، فيعدون له قوله: (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم) مائة مرة.

    وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إليه حاله وضعفه، فيقول: ( يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فدلني على شيء أتشبث به حتى ألقى ربي، فيقول له مبيناً معلماً: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله )، لا يزال لسانك رطباً منطلقاً بذكر الله، لا تفتأ تذكر الله ليلك ونهارك.

    معاشر الأبناء نريد أن نكون من أهل الذكر، اعزم -يا بني- وصمم أن تكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، الفرصة ضيقة، كم بقي لكم -يا أبنائي- في دنياكم؟ أكثر الساعات نقضيها في النوم والطعام والشراب، متى نذكر الله عندما ننتقل إلى الحياة الثانية؟! الذكر لا ينفع الآن الذكر -والله- ما هو إلا هذه الأيام، وإذا فاتت سوف نعض أصابع الندم من حيث لا ينفع الندم: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان:27-29].

    1.   

    عاقبة من ترك ذكر الله تعالى

    إن أردتم أن تقووا معرفتكم في هذا الشأن؛ لتنطلقوا بعد الآن ذاكرين شاكرين، فاذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره مثل الحي والميت )، إن فرقاً بين الحياة والموت لا يجهله الناس، والذي يذكر الله في قضاء الله وحكمه هو الحي، والذي لا يذكر الله ميت، أرني من لا يذكر الله أقول فيه: هو ميت ولا حرج، لم؟ لأن الله عز وجل خلق هذا المخلوق وخلق كل شيء له، من الذرة إلى المجرة؛ من أجل أن يذكره، فإذا لم يذكره لم يكن موجوداً.

    وهناك سر آخر أو حقيقة يتساءل عنها الناس، وهي لم يعذب الكافر بالله والناسي لذكره أبداً، مع أن زمن معاصيه أيام فسقه وفجوره، أيام نسيانه محدودة ومعدودة؟ لم يعذب الدهر كله بلا نهاية؟ الغافل يقول: كيف هذا؟ أين العدالة؟ شخص أجرم ثمانين سنة يعذب بلايين السنين؟

    والجواب عن هذه الحقيقة: هي أن هذا الذي ترك ذكر الله ليست جريمته -فقط- أنه زنى وسرق ثمانين سنة، جريمته الحقيقة أنه نسف الكون كله، أدخل إصبعاً من الديناميت -كما يقولون- ونسف الكرة الأرضية فتمزقت وتحللت وتلاشت، ولم يبق فيها شيء، فجريمة تارك الذكر ليست جريمة عبد نسف قصراً أو مصراً أو قتل جيلاً أو قبيلة، وإنما عبد نسف الكون كله بشموسه وأقماره بكل ما فيه، هذا الذي يترك ذكر الله، لم؟ لأن الله تعالى يقول: ( يا ابن آدم خلقت كل شيء من أجلك )، وواضح هذا، ودليله في كتاب الله قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً.

    إذاً: حقاً حقاً أن الله خلق لنا كل شيء: (يا ابن آدم خلقت كل شيء من أجلك)، حتى الجنة والنار يا عبد الله: ( وخلقتك من أجلي )، ماذا يفعل الله بك يا عبد الله، يريد منك أن تذكره فلا تنساه، أنت مخلوق للذكر، فويل للذين ينسون ذكر الله، إنهم أموات وليسوا بأحياء، فإذا الإنسان لم يذكر ربه، هجره وترك ذكره، وكفره ولم يذكره، معنى هذا أن جريمته إفساد الحياة بكاملها التي من أجلها كان هو، فإذا كان قد ترك ذكر الله وكفر الله، كان كمن أفسد الحياة كلها، فلهذا يعذب أبداً، ولا ينتهي عذابه مقابل ما أجرم وما أفسد.

    معاشر المستمعين! لعل بعضنا يرى أنه يمن على الله إن هو ذكره، اذكر الليل والنهار، وإياك أن تفهم أنك أكثرت أو أن لك منة على الله في ذكره، لا تتمادى، بل افهم العكس، وهو أن منة الله عليك وفضله أن أذن لك أن تذكره، اذكر هذا واستح من الله، اذكر أن الله أكرمنا حيث سمح لنا أن نذكر اسمه، وإلا ما نحن بأهل لذلك، وهذا المعنى جاء عنه صلى الله عليه وسلم في قوله عندما يستيقظ من نومه يقول: ( الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره ).

    (الحمد لله الذي رد علي روحي)، النوم الموتة الصغرى، ومن نام تفارقه روحه، واقرءوا: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42]، وكون محطة البدن تعمل، وتشعر بالغطيط وتسمعه أو ترى انخفاض القلب وارتفاعه، فذاك لا يدل إلا على أن المحطة صالحة للتلقي والإرسال، فالاتصال دائم مع الروح وهي في الملكوت الأعلى، وهذا أيضاً طبقوه على أهل القبور، فإن الروح تتصل بالعظم المتبقي في الرمل أو في التراب، وإن كان عجب الذنب أصغر عضو الحياة، فالروح في الملكوت الأعلى والاتصال دائم، وإذا سلمت على أخيك وهو في قبره رد عليك السلام.

    فكر يا بني في قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يهب من نومه أول كلمة يلفظ بها قوله: ( الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني )، ( الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافني في جسدي، وأذن لي بذكره )، لو لم يأذن الله لنا في أن نذكره ما ذكرناه وما نحن بأهل لأن نذكر الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن شأن الله عظيم ).

    1.   

    مكانة الذكر وبيان أهميته وفضله

    معاشر الأبناء! أنتم وأنا أرجو الله عز وجل أن يجعلنا من الذاكرين، وأن يعدنا من ليلتنا هذه لأن نذكره ونشكره، هذا الذكر هو الحصن الحصين الذي تتحصن به من غزو الشياطين، جاء في السنن: أن الله عز وجل أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام بأربع كلمات، وأمره أن يقول بها ويعمل ويعلم بني إسرائيل أن يقولوا بها ويعملوا، وكانت الظروف صعبة شبيهة بظروف المسلمين في هذه الأعوام، ما يستطيع الرجل أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر في المجتمع، فكأن يحيى عليه السلام تخوف، وكان له ابن خالة هو عيسى عليه السلام فقال: يا عيسى! يا روح الله! إن الله قد أوحى إلي كذا وأمرني وأنا أهاب بني إسرائيل، وقد عرفتم أنهم قتلوا والده زكريا، فقال عيسى: إذاً: أنا أقول لهم، فخاف يحيى، وقال: إذا لم أقلها كيف أواجه ربي، فما كان منه إلا أن طلع على شرفات منزل قريب من بيت المقدس من المسجد، واجتمع بنو إسرائيل وقال الكلمات الأربع، من بينهن: وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل الذي يذكر الله كمثل رجل جرى العدو وراءه سراعاً يطلبه، فما زال هارباً يجري حتى وجد حصناً فدخله فتحصن به، هذا مثل ذكر الله عز وجل.

    هذا الذكر هو الذي يحفظك من الشيطان، هو الذي يقيك من إبليس، ومن لم يذكر أصبح فريسة للعدو أو لقمة سائغة كما يقولون يعبث به الشيطان كما شاء، أرأيتم -معاشر الأبناء- لو أردنا أن نعصم أنفسنا مما يدسيها من تلك الآثام.

    نعم، نحن نعرف أن كلمة السوء يقولها العبد تنعكس آثارها ظلمة على النفس، بل عفونة ونتناً؛ فالنظرة المحرمة يلقيها الرجل على امرأة لا تحل له، هذه النظرة العامدة لها انعكاسها على الروح البشرية؛ ظلمة إذا لم يبادر بصقلها ومحوها وإزالة أثرها، وسوف تتحول إلى مرض يهلك به، إن الكلمة النابية التي تؤذي المؤمن وتجرح عاطفته أو تكسبه حزناً أو هماً، هذه الكلمة أثرها كرصاصة تضرب بها جسم حيوان، إن القرش الحرام يأكله عبد الله فتنعكس آثاره على النفس عفونة وظلمة.

    فانتبهوا إلى حقيقة ينبغي ألا ننساها، إذا كانت كلمة: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) تحمل كمية من التزكية والتطهير، فإن كلمة باطلة كذلك تحمل ما يدسي النفس ويلوثها أكثر من الحمأة وأكثر من الطين وأكثر من الأذى والقذر، نحن مأمورون -يا معاشر الأبناء- أن نستقيم على طاعة الله ورسوله؛ إذ لا كمال ولا سعادة إلا على الطاعة؛ لأن الطاعة ما هي إلا أوامر ونواهي، ففي الأوامر الصارمة الصادقة نقول ونعتقد ونفعل، وذلك الاعتقاد وذلك القول وذلك العمل عبارة عن مولدات الحسنات، إذا لم تعتقد الحق، ولم تقل الخير، ولم تعمل المعروف فعلى أي شيء تزكو هذه النفس، حدثني بربك تغسل ثوبك الأبيض بماذا؟ لابد من أداة تطهير وتزكية في الأجسام، والروح البشرية تتدسى كما تتدسى الثياب، وتحتاج في تنظيفها وفي تطهيرها لتكون مشرقة يقبلها الله في جواره إلى ماء وصابون، تحتاج إلى عقيدة أمر الله العبد أن يعقد عليها قلبه، تحتاج إلى كلمات ما قالها عبد إلا انعكست آثارها حسنات مشرقة، تحتاج إلى عمل من إماطة الأذى عن طريق المسلمين، إلى الرباط والجهاد في سبيل الله، هذه الأوامر عبارة عن أشياء نستعملها في تزكية أنفسنا، فإذا لم نستعمل هذه الأدوات المزكية خبروني على أي شيء تزكو النفس، إذا كانت الأجسام لا تطيب ولا تطهر إلا على الماء الصالح والمادة المزكية المطهرة الصالحة، فالروح من باب أولى، وقد سمعنا الله يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، وسمعنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ).

    يا معاشر الأبناء! لو أن مصلحاً دخل قريتنا أو مدينتنا وساءه ما يسمع ويرى؛ من صلاة مضيعة، وأباطيل وشرور ومفاسد تظهر له في كل مكان وفي كل بيت، لخاف على هذا المجتمع أن يخسف به أو تنزل به محنة، فإن الله -كما تعرفون عنه- شديد العقاب، شديد البطش، ضرب لنا الأمثال وأرانا في الأمم المثلات، لقد أخذ الله أمة بكاملها من أجل الفاحشة، وأخذ أمة بكاملها من أجل التلصص والسرقة، وأخذ أمة بكاملها من أجل الكبر والعتو، و.. و.. ونحن من يؤمننا؟! ليس لنا من يؤمننا إلا الله، والله وضع للأمن شروطه وأسبابه وأدواته وعوامله، إذا أردنا أن نصلح فبأي آلة نصلح أنفسنا وإخواننا وأخواتنا؟ اسمع يا عبد الله! بالذكر فقط، ولا تقولوا: هذه صوفية أو طرقية انتبهوا، والله إنني لأتكلم معكم على علم من ربي، العلاج السريع الناجع أن ننسجم بذكر الله، أن نشغل فراغنا وأوقاتنا بذكر الله.

    يا أبنائي! وأنتم ما جربتم؛ هل تتصورون أن أحداً يذكر الله بلسانه وقلبه وتواطأ القلب واللسان، ويستطيع أن يمد يده ليؤذي مؤمناً في ماله أو عرضه وجسمه؟ والله ما يستطع.

    هل تتصورون أن عبداً التزم ذكر الله ولازمه ثم يجلس ساعة يلهو فيها ويلعب؟ والله ما كان.

    هل ترون أن عبداً التزم بذكر الله وأحب الله ورغب فيما عند الله، وخاف الله وعرف عظمة الله، فأخذ يذكر بلسانه وقلبه يستطيع أن يجلس مجلس طاولة يلعب القمار فيها؟ أيمكن هذا؟ والله ما كان، وإن شئتم فلسفنا القضية وقلنا: إذا أردنا الإصلاح فلنذكر الله، إذا أردنا أن نستقيم فلنذكر الله.

    1.   

    ضوابط الذكر وشروطه

    معاشر الأبناء! ينبغي للذكر ما يلي:

    الإتيان بكلمات الذكر وألفاظه المشروعة

    أولاً: أن يكون بالكلمات والألفاظ التي شرعها الله ليذكر بها، أما أن تذكر الله بقصائد شعرية أو بكلمات عربية أو عجمية ما شرعها الله، فإن الذكر بها لا يهيئ للكمال، ولا ينتج، ولا يولد الحسنات.

    فأول شرط: أن يكون ما تذكر به الله مما استحب الله أن يذكر به، والدليل على استحبابه تعالى أن أنزله في كتابه، أو أنطق به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا مبني على قاعدة: أن الله عز وجل إذا شرع كلمة يقولها العبد أو حركة يتحركها العبد إيماناً واحتساباً يجعل فيها قوة التأثير على الناس، وهي مادة التذكير والإصلاح، نظيرها: لما خلق الله التمر جعل فيه مادة الغذاء للجسم البشري، ولما خلق التين والزيتون والحبوب والثمار واللحوم والبيض أوجد فيها ما يسمونه بالفيتامينات؛ لتغذي الجسم البشري، الجسم البشري على هذا الغذاء ينمو ويصلح إلى غاية أجله.

    إذاً: فالله عز وجل إذا قال: قولوا: لا إله إلا الله، فإن هذه الكلمة تحمل كذا لا أقول: (مل جرام)، تحمل كذا قنطاراً من تزكية النفس البشرية، والدليل اسمع: من أكرمه الله فقبضه وهو يصرخ بكلمة لا إله إلا الله، من مات وآخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، إلى أي شيء نرد هذه الحقيقة؟ إلى أن هذه الكلمة تحمل أطناناً من الحسنات، تحيل السيئات إلى بخار تتلاشى أمامها لقوتها، هذا المركب من أعظم المركبات، ما من عبد يقول: لا إله إلا الله موقناً بها مخلصاً عالماً بما يقول إلا ودخل الجنة، كيف دخلها وهو كما علمناه مظلم النفس منتنها عفنها من أوضار الجرائم والموبقات؟ الجواب: لأن هذه الكلمة غسلته، تبخرت تلك الذنوب أمامها وتلاشت لقوتها، نظيرها -يا معاشر الأبناء- كلمة الشرك، أسائلكم بالله ما علمتم أن العبد يرتد ويخرج من الإسلام من أجل كلمة أو لا؟ هذا مما أجمع عليه أهل الإسلام؛ أن الكلمة يقولها العبد من سخط الله، الكلمة هي كلمة الشرك يخرج بها من الإسلام، يقال: ارتد، خرج من الإسلام، فليستأنف الإسلام من جديد؛ لأن تلك الكلمة تنسف كل حسناته وتبددها.

    فلهذا الذكر الذي نطلبه ونريد أن نعيش عليه يكون بالكلمات الطيبات التي شرع الله تعالى في كتابه، أو شرع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هذا أولاً.

    عدم الزيادة في كلمات الذكر وألفاظه أو الإنقاص منها

    ثانياً: أن تأتي بها كما وردت، فلا تزيد فيها ولا تنقص منها، ولا تقدم بعضها ولا تؤخر البعض؛ تحافظ على أدائها كما شرعها الشارع، فلو زدت فيها حرفاً أو نقصت آخر، أو قدمت كلمة على أخرى فإن مفعولها يبطل فلا تنفع.

    إليك مثالاً: لو قلت: إلا الله، لا إله، هذه تنفع كما تنفع لا إله إلا الله؟ هذه اختلت وبطل مفعولها وما أصبحت ذات تأثير إلا سيئاً وعكسياً؛ لأنك أخللت فيها بالتقديم والتأخير.

    ( علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه ذكراً، ثم استعرضه ليسمع هل حفظه أو لم يحفظه، فأخذ الرجل يعرض حفظه حتى انتهى إلى قوله: وآمنت بنبيك الذي أرسلت فقال: وآمنت برسولك الذي أرسلت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا، قل: وآمنت بنبيك الذي أرسلت )، أسائلكم ونفسي: لم الرسول صلى الله عليه وسلم يوقف الرجل ويصحح له هذا الخطأ، وما هو في الحقيقة بخطأ، ما الفرق بين النبي والرسول، النبي هو الرسول، والرسول هو النبي، كل رسول نبي، ولكن نحن نقول هذا وعندما نعرف السر أن هذه الكلمة لا تنتج، ما تولد الحسنة إلا إذا أديت على هذا النمط، على هذه الصورة، فقال: ( قل: ونبيك الذي أرسلت، لا تقل: ورسولك الذي أرسلت).

    وأمثلة هذه الحقائق كثيرة، وأقرب مثال عندنا: لو أردنا أن نقف يوم عرفات في جبل أحد لا في جبل عرفة نكون قد حججنا؟ ما حججنا، لو وقفنا العاشر بعد التاسع، أو وقفنا الثاني عامدين، وقلنا: هذا العام الظروف غير مناسبة، قف يوم خمسة من الحجة هل يقال: حججنا؟ ما حججنا؛ لأن الشارع إذا شرع عملاً أو قولاً فمن أجل أن يوجد مادة لتطهير النفس وتزكيتها، من لم يفهم هذه الحقائق ما عرف كيف يعبد الله، يعيش على البدع، فلا ينتج أبداً.

    إذاً: الذكر نشترط له أن يكون باللفظ الذي شرع الله ورسوله، وألا تزيد أو تنقص، لو تزيد حرفاً أو تنقص يبطل مفعوله.

    تواطؤ القلب واللسان عند الذكر

    ثالثاً: أن تحاول أن تجمع بين قلبك ولسانك، أن يتواطأ ويتفق القلب واللسان، نعم ذكر الله بالقلب وحده ينفع ويولد، وذكر اللسان أقل مفعولاً إن لم يوافقه القلب، وإن كان ينفع، إلا أن العادة إذا الإنسان بدأ يذكر أحياناً يبدأ بقلبه، وإذا باللسان ينطلق مع القلب، وأحياناً يبدأ بلسانه ولا يلبث أن يحيا قلبه، وأن ينطلق يذكر الله مع اللسان.

    هذا هو الذكر، فلنتعلم الأذكار المحمدية، فلنتعلم الكلمات الطيبات التي يحبها الله، أما سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم )، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر عن الله: (كلمتان خفيفتان على اللسان)، لا ثقل فيهما أبداً.

    (ثقيلتان في الميزان)، يوم أن توزن الأعمال تكون هذه كجبل أحد.

    (حبيبتان إلى الرحمن)، من أراد أن يتملق الله ليقضي حاجته فليتملقه بما يحب.

    ولغفلتنا ولعدم بصيرتنا معاشر المستمعين! أنا لا أعنيكم أعني عامة المسلمين؛ يجهلون قيمة الذكر؛ لأنهم ما جلسوا يوماً في حلقة كهذه يتعلمون، يقضي الرجل ستين سنة في المحراب أو في الآلة الصانعة أو على المنضدة كاتباً أو عاملاً، ولا يجلس جلسة كهذه كيف يتعلم؟ كيف يبقى له الإيمان؟ أنا أقول: كيف يبقى الناس مؤمنين وقد غفلوا عن الله، وتركوا ذكر الله؟ اسمع لما يقوله صلى الله عليه وسلم: ( الطهور شطر الإيمان )، الطهور نصف الإيمان، أكثر ما يطلق الشطر على النصف، كما هنا: ( الطهور شطر الإيمان، وسبحان والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض )، عرفنا هذا الآن بواسطة هذه المكتشفات العصرية الحديثة، وإلا ما كان الناس يفهمون معنى: تملأ ما بين السماء والأرض، إذا قلت: سبحان الله، والحمد لله، تأخذ تتموج في الأثير ويزكيها الله وينميها حتى تملأ ما بين السماء والأرض، وتعطاها في ميزانك وتجزى بها.

    1.   

    ذكر الله هو الدواء لما نعانيه من إقبال أفراد المجتمع على الملهيات والمعاصي

    معاشر الأبناء! أطلت وليس من الخير أن أطيل، ألخص هذه الكلمة: نحن نشكو من انكباب إخواننا على الأغاني والمزامير آلمنا هذا؛ لأنه صرفهم عن ذكر الله، قوى فيهم غريزة حب الحياة، أنساهم الدار الآخرة، نشكو من إخوان لنا إذا تكلموا تكلموا بالسوء ونطقوا بالهجر، وليس من حق المسلم أن يلفظ بغير الطهر والصفاء: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )، ( التحيات لله والصلوات والطيبات )، يسوءنا أن نسمع أن أبناءنا يعيشون على الخلاعة والدعارة خارج ديارنا، يسوءنا أننا أصبحنا نتكالب على الربا، متى أبيح الربا؟ أنزل كتاب بعد القرآن، أم بعث نبي بعد محمد؟ لم يباح الربا علناً ويخبرك الرجل بأنه أخذ كذا وكذا؟! لم هذا؟

    نشكو من ظاهرة السفور، ومن الآلات التي تحركها الأصابع، فأصبحت تشاهد البنت المسلمة في دار النبي صلى الله عليه وسلم، في ديار الله تكشف عن وجهها وترفع رأسها تتحسس المجتمع!

    نشكو أيضاً من خلف الوعد ونكث العهد، شاع فينا وانتظم حياتنا، نشكو من الحسد، من البغضاء، من تمزيق الصلات، نشكو من الكبر أيضاً.. آلاماً نشكوها ولا نشكوها إلا إلى الله، فهل من دواء؟ الدواء ذكر الله، الذاكرون أحياء والناس أموات، ذكر الله ليس ذكر حلق الصوفية بألفاظ مبتدعة شنيعة: هو.. هو..، لا، ذكر الله يتواطأ القلب فيه واللسان؛ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، بكلمه الطيب وكلام رسوله الحبيب، فاذكر الله وكأنك مع الله، إن الله يقول: ( أنا مع عبدي متى ذكرني وتحركت بي شفتاه )، فهذا الذي بين يدي الله يستطيع أن يعصي الله؟ كيف يتم هذا، يعلم أنه بين يدي الله، الله يسمعه ويراه، ثم يقوى على أن يعصي الله؟ والله ما كان أبداً، فالعلاج ذكر الله، أن نلتزم بذكر الله، وأن نختار الكلمات الطيبات ونملأ بها فراغنا، وما عندنا في الحقيقة فراغ، ولكن وجد هذا الفراغ.

    فكل كلمة لا تحقق درهماً أو ريالاً لمعاشك، ولا حسنة لمعادك فهي كلمة لغو، وأنتم ممن قال الله فيهم: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، ما عندنا -والله- دقائق نسمع فيها غير ما يرضي الله، أو نشاهد فيها غير ما يزكي أنفسنا، لا ما يدسيها ويخبثها ويلوثها.

    أرجو من الأبناء والإخوان أن يلتزموا الآن بمبدأ ذكر الله، وقد عرفتم أطيب الكلمات وأفضلها: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.