إسلام ويب

الحمد لله تملأ الميزانللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت في السنة أن الحمد لله تملأ الميزان، و(أل) في الحمد لله لاستغراق معاني الحمد لله وحده، فلا يستحق الحمد على الحقيقة غيره، وما كل محمدة في الإنسان إلا من الله سبحانه، والمراد بالميزان ميزان الأعمال يوم القيامة، ولهذا يستحب حمد الله على كل نعمة، والإكثار منه، ومع هذا يجوز حمد الناس بعضهم بعضاً، ولكن باقتصاد فيه؛ لأن الإفراط يؤدي إلى الغلو، وبلا مدح في الوجه؛ لأنه قد يولد الغرور، وبلا مدح بالزور والكذب.

    1.   

    استحقاق الله تعالى لكل المعاني الكاملة للحمد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد: معشر الأبناء والإخوان! أحييكم جميعاً بتحية الإسلام. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    بناءً على رغبة مركز الدعوة والإرشاد التابع لهيئة الإفتاء والدعوة والإرشاد والبحوث العلمية، بناء على تلك الرغبة التي تتمثل في امتداد إلقاء كلمات بين الأبناء والإخوان في بيوت الله، حيث لا يشهد أكثر الأحياء دروس المسجد النبوي، فرأى المركز أن يتابع، وأن يغشى عليهم مساجدهم ليبلغهم دعوة الله.

    هذا والكلمة التي أسأل الله تعالى أن ييسرها ويفتح فيها علينا وينفعنا بها جميعاً هي: (الحمد لله تملأ الميزان). هذا اللفظ الكريم جاء في حديث طويل أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وفيه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ).

    في الحلقة السابقة -وسميناها محاضرة- تناولنا جملة: (الصلاة نور) والآن نتناول هذه الجملة: (الحمد لله تملأ الميزان) وإن أطال الله في الأعمار وأعاننا على دراسة هذا الحديث، ففي كل أسبوع نتحدث عن جملة، فلا تنتهي الجمل السبع إلا وقد حفظنا الحديث، ومن حفظه حفظه الله، إذا حفظه لفظاً وعملاً، كان من الفائزين.

    فإذا تيسر للمؤمن أن يحفظ لنبيه صلى الله عليه وسلم مثل هذا الحديث، وهو عبارة عن درر غالية ثمينة تعدل الدنيا وما عليها، فبسم الله مع الأبناء والإخوان نتدارس قوله عليه الصلاة والسلام: ( الحمد لله تملأ الميزان ).

    نبحث أولاً كلمة: (الحمد لله) هذه الجملة المركبة من مضاف ومضاف إليه، الجار والمجرور في حكم الإضافة، وهي جملة خبرية: (الحمد لله) ثابت لله عز وجل، ما هو الحمد؟

    الحمد والمدح بمعنى واحد، فلان حمد فلاناً، أو مدحه، ما هناك بون ولا فرق بين المعنيين، الحمد والمدح بمعنى واحد، إلا أن الحمد يكون على الجميل الاختياري، بخلاف المدح، إذ لا نقول: فلان مدح الله تعالى؛ لأن صفات الجلال والكمال ذاتية لله رب العالمين، فنحمده فنقول: الحمد لله، فنثبت جميع ألفاظ المحامد التي عرفها الناس، وحمد بها بعضهم بعضاً، وامتدح بها بعضهم بعضاً، جميع المحامد لله؛ لأن كلمة (أل) في لسان العرب في مثل هذا الموطن من الكلام تدل على الاستغراق، بحيث أن جميع ألفاظ الحمد تضمها وتحويها، ولا يخرج منها لفظ، كل ما عرف الناس من ألفاظ الحمد والمدح اندرجت ودخلت في هذا الحيز وأحاطت بها كلمة: (الحمد لله)، فلم يبق لأحد حمد!

    والحقيقة هي كذلك، وعزته وجلاله مستحق للحمد له وحده دون غيره استحقاقاً على الحقيقة، لم؟ الجواب: أروني من نحمده لكم، نحمد هذا الشاب لتقواه، شاب تقي نشأ في عبادة الله فهو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، نحمده لتقواه، هل هذه التقوى ذاتية أو موهوبة له أعطيها؟ الجواب: موهوبة له! أعطاه الله إياها، وفقه لها، هداه إليها.

    إذاً: فمن يحمد على الحقيقة؟ الذي أعطى التقوى ووهبها ويسرها وأعان عليها، أو الذي تلبس بها عارية؟ الحمد إذاً لله، وهذا الشيخ الكريم مضياف، كريم، كلبه لا ينبح من كثرة الضيوف، طعامه مبذول، وماله غير مردود، نمدحه ونبالغ، هل له الحمد حقيقة؟ هو الذي خلق المال؟ الجواب: لا، هو الذي سخر نفسه بأن تعطي وتبذل وتهب؟ الجواب: لا، يحمد الذي أعطاه المال، ووفقه لإنفاقه في مرضاته، يحمد الذي جعل من طباع الشيخ وغرائزه غريزة الكرم، وخلق الكرم، فالفاعل الحق هو الله.

    إذاً: فالذي يحمد هو الله، وهذا شجاع بطل، يختطف الفارس من على صهوة جواده، ويضرب به الأرض، نأخذ في مدحه: هذا عنترة، هذا فلان! والحقيقة الحمد لله الذي قوى ساعديه، وربط جأشه، وأعطاه من القوة البدنية ما يستطيع أن يضرب بها وينتصر، فكل ما عنده موهوب له، كان في يوم من الأيام أجبن مني، وأعجز من جدتي، ولكن الذي أكسبه القوة، وأعطاه خلق الشجاعة هو الله، فهو الذي يستحق الحمد على الحقيقة، فالحمد لله.

    وإن جئنا إلى الصفات الخلقية فالأمر واضح: فلان معتدل القامة، حسن القد، جميل المنظر، أزهر اللون، فهذه الزهرة في لونه، والاعتدال في قامته، والاستقامة في جسمه هو الذي خلقها؟ من الذي يحمد؟ يحمد الخالق الواهب الله، الذي جمله وحسنه، أما غير الله فلا حق له في ذلك.

    فلان عالم نحرير، بحر زاخر، يفتي بالمذاهب الأربعة، يقول ويثري، يخطب ويبين، هل هو الذي علم نفسه؟ من الذي علمه؟ من الذي ثقفه؟ من الذي وفقه؟ من الذي أرشده؟ من أكسبه الذكاء؟ من قوى حافظته وذاكرته؟ إنه الله، فلا يحمد إذاً إلا الله.

    وهكذا بالتتبع والاستقراء لا نجد من يستحق الحمد إلا الله؛ فلهذا قال: الحمد لله، من بقي له شيء؟

    الحمد لله ملكاً واستحقاقاً، وقد استغرق جميع المحامد، وليعلم الأبناء والإخوة الحضور أن كلمة (الحمد لله) بالذات هذه الكلمة لولا أن الله عز وجل منحناها وهدانا إليها وعرفها لنا؛ ما كنا لنعرفها، فإنه عز وجل حمد نفسه بنفسه، وعلمنا هذه الكلمة فقلناها له، ولولا علمنا ذلك ما علمنا، ولو بحثنا كيف نشكره لما عرفنا كيف نشكره! فامتن علينا بمنة أن علمنا كلمة (الحمد لله)، كأنما قال: قولوا: (الحمد لله).

    1.   

    الحمد في ميزان الآخرة

    (الحمد لله) وزن هذه الكلمة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها (تملأ الميزان)، أي: ميزان يوم القيامة.

    والإخوة والأبناء يعرفون أن هناك ميزاناً يوضع يوم القيامة لوزن أعمال العباد، والإيمان بهذا الميزان جزء من عقيدتنا نحن أهل الإسلام، فقد نطق القرآن بذلك، وبينت السنة مراد الله من ذلك، وأصبح الإيمان بالميزان عقيدتنا نحن أهل الإسلام.

    قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء:47] أي: العدل لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [الأنبياء:47] وزن حبة من خردل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

    هذا الذي جعل المؤمن يتحاشى أن يتناول حبة عنب لا تحل له، يتحاشى أن يتناول حبة تمرة؛ لأنه يعرف أنه يسأل عنها، ويوضع حجمها في ميزانه.

    وفي بيان هذا الميزان يقول الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه في سورة القارعة: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:1-4] يكون الناس في خفة عقولهم، في أحلامهم، حيث يفقدون رشدهم وصوابهم، للهول، للفزع؛ لأنها القارعة التي تقرع القلوب، فتكاد تطير، حسبك أن الناس يكونون في تلك الساعة الرهيبة كالفراش المبثوث، المتفرق هنا وهناك، لا يعرفون ذهاباً ولا إياباً، لا يعرفون طلوعاً ولا هبوطاً، لا يعرفون أين يتجهون! ولقد جربنا هذا في قارعة الدنيا قبل قارعة الآخرة، في الحرب العالمية الثانية كانت إذا جاءت الطائرات حاملة قنابل؛ لتقذف بها في مصالح الحكومة؛ والله لكما قال الله، فالطالع إلى العمارة كالهابط لا يدري أين يذهب، والماشي في الشارع لا يدري أين يذهب، والذي يدخل إلى المغارات والسراديب، عدد داخل وآخر خارج، لا يدري الداخل لم؟ ولا الخارج لم؟ وهذا فقط دوي المدفع وأزيز الطائرات.

    فكيف بالقارعة: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:3-4] ولاحظوا الفراش كيف يتجمع على المصباح، فيحترق وهو لا يشعر! ولا يدري.

    إذاً: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:6-9]، وأم الإنسان هنا ليست والدته، إنما أم رأسه، فيؤخذ ويلقى أسفل، ومنهم من يؤخذ كالجرادة، تؤخذ ناصيته من وراء مع قدميه ويلقى في النار.

    واقرءوا إن شئتم: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ [الرحمن:41] هذه الناصية تجمعها من قدميه، فيكسر الشخص كسراً، ويلقى مع الإهانة هكذا في النار.

    لنفهم ونحن غافلون، ولولا الغفلة لصعقنا الآن! إذاً: عرفتم هذا الميزان؟ لم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحمد لله تملأ الميزان ) ؟ يقولها معاشر الأبناء! ليرغبكم في قولتها؛ ليحفز إليكم لفظها؛ من أجل أن تعيشوا عليها، وحسبها أنها تملأ ميزانك في وقت أنت في حاجة إلى حسنة واحدة.

    لقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأب يوم القيامة توضع أعماله في كفة الميزان، فيبقى مفتقراً إلى ما يرجح كفة ميزانه، فيبحث عن حسنة، ومن أين يجدها؟ وكيف يحصل عليها؟ فيأتي ابنه وفلذة كبده، فيقول: أي فلان! لقد كنت لك خير الآباء، وكنت وكنت، فهلاّ حسنة واحدة يرجح بها ميزاني فأنجو من عذاب الله؟ فيقول: إي أبتاه! لقد كنت لي خير الآباء، ولقد كنت لي كذا وكذا، ولكن نفسي نفسي! وتذهب الأم إلى ابنتها، فتقول كما قال الأب لابنه، فيشح الابن بالحسنة خشية أن يوبق في النار، والغافلون مثلي لا يهمهم، حسنة جاءت أو ضاعت غير مهم، أما الريال والريالان والثلاثة نثرب لها ونحزن! لأننا أموات في صور أحياء، وقد ضربت مثلاً، أعيده تذكيراً وتعليماً.

    نحن الذين عرفنا الطريق إلى الله، وعجزنا عن السير إليه، مثلنا مثل من وضع في بيت من الزجاج الشفاف الذي يكشف ما وراءه، ولكنه من نوع كثيف غليظ، لا يسمع صوتاً ولا حركة، ولا يشم رائحة، فيرى أمامه الجنة والنار والعباد والدنيا ولكن لا يستطيع أن يشم رائحة ولا ينال شيئاً مما يشاهد! هكذا محجوب في هذا البيت الزجاجي، فإن انفتح له ولو كوة صغيرة تنسم نسيم الحياة، وجاءه الروح والريحان، وتنعم وعاش وكأنه في الجنان، يشاهد الصالحين، يسمع أصواتهم، ويراهم وهم يتزاورون في دار السلام.

    لكن إذا بقيت كما هي لا كوة ولا نافذة تفتح ولا باب، نشاهد فقط كالمخدر الذي لا يفيق أبداً، أما غيركم ممن لا بصيرة لهم في دين الله ولا معرفة لهم بالله، ولا بالطريق إلى الله؛ فهم يعيشون في بيت مظلم لا كوة ولا نافذة، لا يرون شيئاً، يعيشون في الظلام!

    فنحن نريد أن يفتح الله لنا باباً أو نافذة، حتى نجد برد الرحمة في قلوبنا.

    شكر الله عز وجل وحمده في سائر أحوال العبد

    (الحمد لله) تملأ الميزان، يا من يريدون أن يمتلئ ميزانهم لينجوا من عذاب الله ويفوزوا برضوان الله، فقد أرشدكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الكلمة، فلتكن دائماً بين شفاهكم لا تخطئكم (الحمد لله) وهل تعلمون أن (الحمد لله) رأس الشكر؟ لا تستهينن بني! بـ(الحمد لله) فإنها رأس الشكر! ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (الحمد لله) رأس الشكر؛ فلهذا من لم يحمد الله ما شكر الله.

    ومن هنا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة جلت أو حقرت ) صغرت أو كبرت، قلت أو كثرت، ( فيقول: الحمد لله ) إيماناً وتخرج من نياط قلبه، (الحمد لله) فلا تخرج ميتة على سبيل العادة كما تخرج من أفواهنا، (الحمد لله) هذه تعدل تلك النعمة التي أنعم الله بها عليك، وإن كانت قصوراً ودوراً، وإن كانت أموالاً طائلة، وإن كانت ما كانت، قولك: (الحمد لله) أفضل من تلك النعمة، مهما جلت وعظمت، ( ما من عبد ينعم الله تعالى عليه بنعمة، فيقول: الحمد لله؛ إلا كان الذي أعطى أفضل من الذي أعطي )، الحمد لله!

    وفي الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب من العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة -الواحدة- أن يحمده عليها ) وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب خير هدى وخير هدي، فكلمة (الحمد لله) لا تكاد تفارق شفتيه، والحمد لله أن هذه الأمة -أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم- امتازت بهذه الفضيلة، حتى إنها لتعرف عند الأمم السابقة، وقد جاء وصفها وذكرها والحديث عنها في كتب الله، جاء وصفها بأمة الحمد، وفي بعض الألفاظ: بالحمادين، فهم يعرفون بالحمادين، وبأمة الحمد، ولهذا كانت الطبقة المنورة بين المسلمين دائماً كلمة (الحمد لله) لا تفارقهم، كيف أنت؟ يقول: الحمد لله بخير، وهو مريض في سياقات الموت، فلان كيف حالك؟ الحمد لله! سقط من على دابته: الحمد لله! أكل.. شرب.. لبس (الحمد لله)، علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن أحدنا إذا لبس ثوباً يقول: الحمد لله الذي كسانيه، أو كساني هذا الثوب، ولو شاء لعراني!

    الحمد لله تملأ الميزان، كيف تملؤه؟ هذا غيب، ولكن الإيمان بمدلولها واجب، توضع الحمد لله فيمتلئ بها الميزان!

    نعم هي معنى من المعاني، والمعاني كالمحسوسات عند الله، وسيأتي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض )، فآمن المؤمنون وصدق المصدقون؛ حتى انكشف لنا وعرفنا أيضاً أنها حقيقة ملموسة، فعندما أقول: سبحان الله والحمد لله، تأخذ هذه الكلمة تتموج ويتناقلها أجزاء الأثير، تتموج حتى تملأ ما بين السماء والأرض!

    هذا عرفناه من طريق الاختراعات العصرية؟! كيف تصل الكلمة إذاً بواسطة الأقمار الصناعية؟ باللاسلكي وبالسلكي، الآن هذه الكلمة تسجل في الهواء، وهناك الآلاف وهي ما زالت تتموج، وإذا بارك الله فيها يحفظها فتتموج حتى تملأ ما بين السماء والأرض، وتعطى ذلك -عبد الله- كله أجوراً.

    فلا غرابة إذاً أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحمد لله تملأ الميزان ).

    معاشر الأبناء! (الحمد لله) يسن لنا قولها ونعيش عليها أيضاً عندما نريد أن ندخل المسجد، نقول: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك.

    وإذا خرجنا نقدم الرجل اليسرى ونقول: بسم الله -أي: خروجنا- والحمد لله -على أن أقدرنا على أن نخرج- اللهم افتح لي أبواب فضلك!

    وإذا أتى الأكل فإن العبد ينهي أكله بكلمة: الحمد لله، وإذا شرب ينهي شربه بكلمة: الحمد لله، وإذا نام ينام على كلمة: الحمد لله، وإذا استيقظ يستيقظ على كلمة: الحمد لله، يستيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم من نومته، فيلهج: ( الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور ).

    حتى إذا ركب أحدنا دابته أو سيارته أو سفينته، ما إن يجلس ويستقر على كرسيه، أو على رحله، أو سرجه؛ حتى يقول: الحمد لله، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14].

    1.   

    شروط وآداب حمد الناس بعضهم بعضاً

    معاشر الأبناء والحضور! بالمناسبة نقول: الحمد لله، عرفنا أن جميع المحامد قد استغرقها الله، ولم يبق منها لسواه، ولكن هل يجوز لنا أن يحمد بعضنا بعضاً؟ الجواب: يجوز بشروط، فلنحفظ هذه الشروط. ‏

    الاقتصاد في المدح

    أولاً: الاقتصاد، القصد القصد فلا غلو، إذ الإفراط في المدح يؤدي بالعبد إلى الغلو، والغلو في ديننا حرام: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171].

    فإذا كان ولابد فالقصد، ما معنى القصد؟ لا تبالغ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بنفسه، فقال فداه أبي وأمي: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ) (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في إطرائي ومدحي كما فعل النصارى في عيسى عليه السلام.

    إذاً: فالمبالغة في المدح ممنوعة، ولكن بالعدل والقصد.

    اجتناب المدح بالزور والكذب

    ثانياً: لا يحل أن تمدحه بمعنى: تحمد شيئاً لا يستحق ذلك، وليس فيه مقتضى المدح، وإلا كنت قائلاً بالزور! لننتبه، إذا كانت العنبة حامضة لا يجوز أن تقول: ما أحلاها! تمدحها بالحلاء، وهي حامضة، أليس هذا كذباً وزوراً؟ بلى، وإذا كان الشيخ بخيلاً، وتعرف من بخله ما يعرفه غيرك من أهله، وقلت: الشيخ كريم، لقد قلت يا بني الزور، ونطقت بالباطل.

    وإذا قلت: فلان عالم وهو جاهل؛ قلت باطلاً وزوراً؛ لا أنك تمدح.

    إذاً: فلا تمدحن إلا إذا وجد سبب المدح، تقول في الأعمى: ما أبصره! لا يحل هذا، وفي الظالم: ما أعدله! باطل ولا يصح!

    فلا بد وأن يكون النعت أو الوصف التي تصف به قائماً بذاته، ولا تبالغ، هذا أولاً.

    عدم مواجهة الممدوح بالمدح

    ثالثاً: لا تمدحن امرءاً في وجهه، إذ التعاليم النبوية قاضية بذلك، فقد امتدح رجل آخر في حضرته وبين يديه، والرسول صلى الله عليه وسلم يسمع؛ فقال: ( أي فلان! لقد قصمت ظهر أخيك )، وامتدح رجل آخر بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ( لقد قطعتم عنق أخيكم ).

    ولهذه التربية النبوية مزايا وفوائد لا نستطيع استيفاءها، ولكن نرمز رمزاً ونشير إشارة، كثيرون أولئك الذين يمدحون أمام الناس من أجل فضيلة، وإذا بهم يغترون ويتخلون عن تلك الفضيلة ويحل محلها الرذيلة.

    كم من إنسان يمدح في وجهه فيحسب أنه خير الحاضرين! وأكمل أهل المدينة أجمعين! فيأخذ في الكبر والانتفاخ، وإذا به يصاب بأخطر داء؛ حتى يصبح شر المجتمعين.

    فلهذا لا يمدح امرؤ بين يديه، فإن غاب فلا بأس أن تمدحه بالعدل والفقه، أما الذي لا فضل له ولا صفة كمال فتمدحه فذلك المدح الحرام، وقد أخذناه من القرآن الكريم، هل رأيتم الله عز وجل حمد نفسه ولم يذكر سبب الحمد؟ تتبعوا القرآن، أول سورة اسمها سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2] لم؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:3-4]، هذا الذي استوجب له الحمد!

    سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الأنعام:1] لم؟ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] فالذي يخلق السماوات والأرض ما يمدح؟ وصانع السيارة يمدح؟! الذي خلق مادة الظلمة والنور، وكانت لا ظلمة ولا نور، وأوجدهما، كيف لا يمدح بهما؟

    سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1] الكتاب العظيم، الكتاب الذي لا نظير له، لا يشابهه كتاب، الكتاب الذي عجز الجن والإنس عن محاكاته والإتيان بمثله، هذا الكتاب أنزله على عبده.

    الناس يمدحون كاتب مقالة في صحيفة، أو مؤلف رسالة جمع كلماتها ومعانيها ممن سبقه، يمدحونه ويثنون عليه، وإذا لم تمدحه يغضب، والذي أنزل القرآن كله؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1].

    سورة سبأ مفتتحة بالحمد: الْحَمْدُ لِلَّهِ [سبأ:1] لم؟ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [سبأ:1]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [سبأ:1].

    فاطر: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر:1] من هنا استوحينا أن الحمد أو المدح لا يمكن أن يكون إلا إذا وجد ما يقتضيه، إذا وجد كرم قل: فلان كريم، وجدت تقوى قل: فلان تقي، وجد صلاح قل: فلان صالح، أو من الصالحين، أما مع انعدام ما يقتضي المدح فالمدح ظلم وباطل ولا يحل أبداً.

    1.   

    الحث على الإكثار من ذكر الحمد لله

    معاشر الأبناء! عرفتم أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد منا أن نكثر من هذا اللفظ أم لا؟

    إذاً: فأكثروا، فلتكن كلمة (الحمد لله) دائماً على أطراف ألسنتنا، وإن أقواماً ليأكلون ويشربون ويلبسون ولا يحمدون الله، بل يأكلون ويصفرون، فأنتم أولياء الله وأهل طاعته، ينبغي أن تكونوا في مستوى يليق بكم.

    وهذا إغراء من رسول الله وحث: ( الحمد لله تملأ الميزان ) أترون هذا مجرد خبر فقط؟ أو يقول لنا: قولوا: الحمد لله، أكثروا من الحمد لله.

    فمن أكل أو شرب أو قام أو قعد أو ركب أو شفي أو عوفي أو وصل أو نزل دائماً يقول كلمة (الحمد لله)، ما أطيبها! وما أطيب ريحها! وما أعظمها! وما أعظم مثوبتها! (الحمد لله) على شرط: أن ينطق بها اللسان ويمتلئ بها الجنان (القلب).

    إذاً: أوصيكم بها نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا إذاً: الحمد لله!

    1.   

    الأسئلة

    الحكم على حديث: (اقرءوا على موتاكم يس)

    السؤال: حديث: ( اقرءوا على موتاكم يس ) هل هو صحيح؟

    الجواب: إن أجبناك باختصار: الحديث ضعيف، وإن عملنا به قال العلماء: يقرأ على المريض المحتضر.

    إذاً: الحديث من حيث الصناعة الحديثية ضعيف، وإن قلنا: يعمل به في فضائل الأعمال، فإن معناه عند أهل الحديث وعلماء الإسلام: أن يقرأ على من حضره الموت؛ رجاء أن يخفف الله عنه سكرات الموت، أما القرآن يا ابن اليماني الحبيب! فيقرأ على الأحياء الأصحاء؛ يقرأ على السارق حتى يبطل السرقة، وعلى الزاني حتى يترك الزنا، وعلى المرتشي حتى يترك الرشوة، وعلى تارك الصلاة حتى يصلي؛ لأن القرآن ذكر، اسمه الذكر، من قرئ عليه تذكر، أما الميت المسكين إذا قرأت عليه هل ينهض يصلي؟ أو يقوم يغتسل؟ يدخل يده في جيبه يتصدق؟ لم إذاً توبخه بالقرآن؟ والله عز وجل يقول: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:70].

    وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70]، لتنذر يا رسولنا من كان حياً، الحي خلاف الميت أم لا؟ الحي غير الميت؟ إذاً: قراءة القرآن على الأموات ليست مشروعة، بل المشروع هو دعاء الأحياء الذي يتوسلون به إلى ربهم؛ ليغفر لموتاهم ويرحمهم.

    الحكم على حديث: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)

    السؤال: هل ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ) حديث؟

    الجواب: إي نعم، ومعناه: الذي لا يشكر الناس حقيقة لا يشكر الله، ما دام لا يعترف بالنعمة، ولا يقر بالجميل، فهل تراه يشكر الله؟ لو كان راشداً في نفسه لاعترف بالفضل، ولاعترف بالجميل، فتراه كل من أحسن إليه قام يشكره، فإذا كان لا يشكر الناس فهذه علامة كبرى على أنه لا يشكر الله، ليس معناه: أن الذي يشكر الناس يجب ألا يشكر الله، لا، الذي لا يشكر الناس اعلم أنه لا يشكر الله؛ لأنه لا يعترف بالجميل، هذا الخلُق معدوم عنده، بدليل: أنك تركبه وتعطيه وتكرمه فلا يقول: جزاك الله خيراً، فهذا لا يعترف بالفضل؛ فلهذا لا يشكر الله.

    القول الفصل في المولد

    السؤال: يتحدث الناس أن هذه الأيام أيام المولد، فما هو القول الفصل في هذه المسألة جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يا معاشر المسلمين! أولاً: أعلمكم والعلم ينفع، أن المولد على الهيئة التي يعرفها الناس، والصورة التي يعيش عليها الناس من حيث الحكم الشرعي: أنه بدعة من البدع، والبدعة موسومة من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمة: (ضلالة).

    والدليل على البدعية: إجماع أهل العلم أن هذه البدعة ما حدثت إلا في القرن السادس، بعد مضي خمسمائة وخمس وعشرين سنة وجدت، عاش المسلمون خمسة قرون ما سمعوا بها ولا عرفوها، فهي بدعة.

    يبقى الكلمة التي ينبغي أن تحز في نفوسنا، هي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في شهر ربيع الأول، ليلة الثاني عشر، ومات صلى الله عليه وسلم في نفس الشهر في نفس الليلة.

    اجتمع عندنا ولادة وموت، فأيهما نقدم: نقدم البكاء والحزن أو الفرح والزغردة؟

    وتاريخ الوفاة أثبت؛ لأن الوفاة حدثت والدولة الإسلامية قائمة، والكتاب والحساب والمؤرخون موجودون، أما تاريخ الولادة فمجهول ولا لوم، ما كان هناك كتابة ولا تاريخ.

    الشاهد عندنا: لو كنا مرهفي الحس أصحاب إدراك ووعي سليم؛ لكانت هذه الليلة البكاء فيها والألم والحزن أولى من الفرح والأكل والشرب، لكننا أصبحنا كالأطفال الصغار، يستهوينا الخبز والطعام، والهيشات والصيحات والفرح.

    نستطيع أن نقول لكم: (95%) ممن يقيمون المولد ما أقاموه إلا لأن فيه الفرح، فيه الأكل والشرب، وفيه سماع الأغاني والطرب! أو فيه عطلة يومية يستفيدون منها، وقلّ من يقول: أنا أريد أن أشكر الله على هذه النعمة، تتجدد ذكراها كل عام.

    لو سألني سائل وقال: يا شيخ! أنا ذكرت هذه النعمة العظمى، وعرفت أن الله أنقذ البشرية برسوله، وفي هذا الشهر ولد الرسول، أحببت أن أشكر الله، كيف نصنع؟

    أقول له: تفضل صل ركعتين الآن، خر ساجداً، ذكرت نعمة اسجد، أصبح غداً صائماً تقرباً إلى الله وشكراً له، أخرج مالك وتصدق به، لكن هل القوم يريدون الشكر؟ يريدون ماذا؟ يريدون إحياء الفكرة، تعارفوا عليها وتحابوا من أجلها وصاحبتها المطاعم اللذيذة والمشارب الحلوة، فهم يفعلونها لذلك، لا يعرفون الشكر من الكفر، ولا البدعة من السنة، والجماعة الكبار من العلماء هم أيضاً ابتلوا بها، وعاشوا فيها وعرفهم الناس بها، ما يستطيعون أن ينكروها أو يتنازلوا عنها، أو ينصحوا الناس بتركها؛ لأنهم يرضعون من أصابعها، وقل من يعرف الحق ويقول: تبنا إلى الله، وتركنا هذه البدعة.

    رفع اليدين بعد الصلاة للدعاء

    السؤال: هل رفع اليدين بالدعاء بعد الفريضة مباح؟

    الجواب: يقول بعض طلبة العلم هذا وأنا على خلاف معكم، أنا أقول: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بعد أن: ( ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يرفع يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ) وفي الفقرة كل من أراد أن يسأل ربه: يا رب! والرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال: ( اللهم اشهد ).

    فالذي أقوله ولا أعدل عنه: من أراد أن يرفع يديه إلى ربه فليفعل، ولا أحب أحداً يقول: لا، خليه يرفع يديه إلى الله، سواء بعد الصلاة، أو هو في الشارع، ذكر نعمة: الحمد لله! عرفت أم لا؟

    المنهي عنه هو البدعة، أن الإمام إذا صلى بالناس دبر كل صلاة يدعو بهم، هذه هي البدعة، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم صلى عشر سنين إماماً ما رفع يديه ولا دعا بالناس، وما ذكر الله معهم جهراً بصوت عالٍ، يصلي ويسلم ويذكر الله في نفسه ويقوم، وهم كذلك، أما كونك أنت تدعو وترفع يديك فأنا والله لا أقدر أن أقول: لا ترفع يديك إلى الله!

    أما وقد رفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه حتى بان ما تحت إبطيه، لا نقول في الاستخارة فقط! بل في مناسبات، أما كان في ليلة بدر يرفع يديه ويناشد ربه؟ هذه سنة فطرية، أنا أستحي أن أقول لمؤمن: لا ترفع يديك، بدعة.

    والآن اقتنعت أم لا؟

    حكم مصافحة المرأة الأجنبية

    السؤال: ما حكم مصافحة المرأة الأجنبية؟

    الجواب: لأن تقطع يدك يا بني! خير لك من أن تصافح امرأة أجنبية! إياك وإياها، حرام عليك، وحرام عليها أن تمسك، إلا أن تكون مريضة وأنت الطبيب، أو تكون غريقة وأنت المنقذ، أما كونها امرأة عمك أو امرأة خالك فلا إلا إذا كانت عجوزاً في الغابرين! تجاوزت التسعين!

    حكم استماع آلات الطرب

    السؤال: وما حكم استماع الغناء وآلات الطرب والملاهي؟

    الجواب: الغناء فيه تفصيل، إذا سمع امرأة أجنبية تغني له حرام؛ لأنه يتلذذ بكلام الأجنبية، لا يحل له أن ينظر إلى وجهها، ولا أن يسمع صوتها.

    امرأة في بيتها تسمع رجلاً يغني لها ويطربها، هذا حرام وفسق، وليس فيه إلا هذا، أما إذا كانت المرأة تغني لرجلها وزوجها، أو الرجال يغني لهم واحد ينشد بألفاظ طيبة وكلمات ما فيها بذاء ولا سوء وفي مناسبة عرس، أو النساء يجتمعن وتغني لهن امرأة بالكلمات الطيبات، ليس فيها من الأذى ولا الشرك ولا الباطل، ولا يسمع ذلك الرجال الأجانب فإنه يجوز على سبيل الجواز، إذ الغناء: الصوت الحسن.

    أما أن يؤتى بمغنٍ يطرب النساء والرجال هذا بالنسبة للمسلمين ما عندهم، لأن كلام الأجنبية بدون الغناء لا يسمع، أما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال ) لم؟ لأنها إذا سبحت أذابتنا! فهل المؤمنة تسبح بأعلى صوتها؟ تؤذن؟ تقيم الصلاة؟ تقرأ في الناس؟ تلقي خطبة؟ تذيع نشرة أخبار؟ لا. ما عندنا هذا.

    حكم أخذ شيء من اللحية

    السؤال: ما حكم حلق اللحية، أو أخذ شيء منها؟

    الجواب: حلقها حرام؛ لأنه يقوده إلى أن يتشبه بالنساء، والرسول صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، وأما الأخذ منها فإنه يكره فقط كراهة تنزيه.

    حكم الغناء إذا صاحبه آلة عزف

    السؤال: هل يجوز الغناء باستعمال الآلات؟

    الجواب: الشيخ عبد القادر يقول: الغناء المأذون فيه إن صاحبته آلة يصح أو لا يصح؟

    أما بالنسبة للدف في العرس فقد أذن فيه أبو القاسم، وهو ما يسمى بالغربال، أما إن كنت تعني: البيانو والكامان والربابة، هذا يجتمع عليه الحشاشون وأرباب الهوى، وإنما نحن نقصد مجموعة من الرجال أنشدهم منشد، قصيدة رنانة، ترنم بها بصوت حسن ليفرحهم أو يشجعهم هذا ما فيه شيء، وإنشاد الشعر كان في المسجد النبوي، أما مصاحبة الطبل له والمزمار فلا، لا بد أن يكون خالياً منها، إلا ما كان من الدف في العرس.

    حكم شرب الدخان

    السؤال: لو تفضلتم بذكر حكم الدخان لانتشاره وعموم البلوى به؟

    الجواب: يريد أن يبغض إلينا الدخان، الدخان هو عبارة عما يدخنه الإنسان، يسمى التبغ، والتتن، ويسمى بأسماء كثيرة.

    هذا الدخان بالنسبة إلى المؤمن الذي يذكر الله تعالى حرام، وبالنسبة للذين لا يذكرون الله شأنهم، ما معنى هذا؟

    لأن فم المؤمن يجري عليه اسم الله الأعظم، فليس من حقه أن يلوثه بأنتن ريح، ثم يجري اسم الله عليه أبداً، بل السواك في جيبك، بل في فمك، من أراد أن يذكر الله يستاك، يطيب المجرى الذي يجري فيه اسم الله، فكيف يلوثه بأنتن ريحة وأخبثها؟

    والتدخين عادة سيئة، ورثناها من الاستعمار الغربي، لما غلبونا وقهرونا؛ لأن أجدادنا فسقوا وخرجوا عن طاعة الله وعبدوا غير الله وضلوا؛ سلط الله عليهم الكفار فأدبوهم تأديباً لا مزيد عليه، وورثوا فيهم هذه العادات السيئة، وإلا هل كان أبو بكر يدخن؟ هل علي بن أبي طالب أكبر قائد كان يدخن؟ هل كان الحسن البصري يدخن والإمام أحمد ؟

    التدخين عادة جاءت من الغرب يجب أن ترحل مع الاستعمار الذي رحل، لكن ما عندنا وعي ولا بصيرة، والعلماء يداهنون العوام، ولا يصدعون بكلمة الحق وإن ضرتهم وأضرت بهم، والحقيقة المسلم الذي يذكر الله ما يدخن، مع أن التدخين وجهناه في ميزان الشرع فوجدناه حراماً، القاعدة معروفة، وهي أن خمس كليات كل الشرائع الإلهية جاءت بحفظها للآدمي: الدين، والعرض، والمال، والنسل، والعقل، فكل ما يضر بكلية من هذا فهو حرام، خذ هذا الفقه على الإطلاق، كل ما يضر بعقل الإنسان أو دينه أو جسمه أو ماله أو عرضه فهو حرام.

    فاستعرضنا الدخان فوجدناه يضر بالدين، كيف يضر بالدين؟

    لأن المدخن رائحته كريهة، يؤذي الملائكة، الذي يأكل الثوم أو البصل لا يحل له أن يأتي المسجد حتى تذهب رائحة الثوم أو البصل من فمه؛ لحديث الصحيحين: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ).

    يؤذي الجسم، (75%) كما في تقريرات طبية لمحافل دولية يموتون متأثرين بالسرطان الرئوي، ماذا تريدون زيادة على هذا؟ الدخان يضر بكل كلية على حدة.

    إذاً: فهو حرام لهذا.

    وكون العالم الفلاني دخن، وكون فلان دخن، هذه ليست شيئاً أبداً، ولا يلتفت إليها.

    حكم الترخيص للمقاهي التي يتعاطى فيها الشيشة

    السؤال: هل فتح المقاهي التي تتعاطى الشيشة الخبيثة يكون برخصة من البلدية؟ وكيف تسمح البلدية بذلك؟!

    الجواب: عندما تقتنع البلدية مثلي بأن الشيشة حرام والله ما تعطي رخصة أبداً، لكن هم مقتنعون أنها حلال كالذين يدخنونها.

    حكم خلوة السائق بالمرأة الأجنبية

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تأخذ صاحب أجرة داخل المدينة؟

    الجواب: عند ظرف ضاغط نقول: يجوز؛ لأنها داخل البلد ما هي خلوة، بل مكشوفة، لكن نخشى إذا ركبت معه طار بها، من يردّها؟ فلهذا لا يحل، وسد الذرائع قاعدة شرعية، نخشى أن هذا الراكب يخطفها وما يرجع، تصرخ من يستجيب لها؟

    حكم إمامة حالق اللحية

    مداخلة: حالق اللحية يا شيخ! جزاك الله خيراً يصلي بنا جماعة، الحليق؟

    الجواب: إن كان الجماعة أكثرهم يحلقون لحاهم فإنه يصلي بالحالقين، وإذا كانوا ملتحين لا يحل أبداً أن يقدموا من هو دونهم؛ هذه أمانة، يقدم الإمام الأمثل فالأمثل، كما جاء في الحديث: ( أقرؤكم لكتاب الله )، ( أعلمكم بالسنة )، ( أقدمكم هجرة )، ( أكبركم سناً ) ؛ لأن هؤلاء هم أصحاب التقوى، الإمامة يا أبنائي وظيفة اسمها: الوساطة بين الله وبين عباده، فهي شفاعة، فاختاروا بمن تستشفعون، لا بد أن يكون الإمام كاملاً في حدود ما نستطيع.

    حكم الفطر والقصر للمسافر طوال العام

    السؤال: الذي يعمل بالسيارة دائماً طول العام، كيف يصلي ويصوم؟

    الجواب: أما قولك: كيف يصلي؟ فهو غريب، لو كانت طيارة عندها مطارات تحط فيها، وهذا يوقفها في أي جانب ويصلي قصراً، والصيام كذلك، يفطر ويقضي، فإذا كان يمكنه أن يقضي أفطر، وإذا لم يمكنه القضاء وقف العمل وأخذ شهراً إجازة مرضية، فإذا انقضى رمضان عاد لسيارته؛ لأنه لماذا يسافر؟ من أجل الله أم لا؟ ليوفر القوت حتى يعبد الله، فإذا تعارضت العبادة مع تحصيل القوت، فالعبادة تقدم أولاً؛ لأن القوت لأجل العبادة.

    وما قيد الشارع الاستمرار أو عدم الاستمرار، فكل من سافر فالسنة أن يقصر صلاته، يصلي الرباعية ركعتين، والمغرب يصليها ثلاثاً.

    أما السفر إذا كان في جو بارد يصوم، وهو يسوق السيارة، هذا ممكن يتعدى أيام القيظ، أما في غير أيام القيظ يستطيع أن يصوم وهو مسافر، فإذا كان يأنس من نفسه القدرة على الصيام صام، وإذا كان يعجز عن عمله أفطر، لكن لا بد وأن يوفر شهراً في السنة يصوم فيه، الآخرة خير وأبقى.

    حكم ترك الصلاة كسلاً

    السؤال: لقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( من ترك الصلاة فقد كفر ) أرأيت لو تركها العبد كسلاً فقط لا جحوداً، ولا إنكاراً؟

    الجواب: لا يحل لأحد أن يترك الصلاة، ومن تركها كسلاً أو لأمر ما ومات، والله ما أفلح، سمه كافراً أو مؤمناً، ولا تدخل في تفصيلاته.

    فإن تاب تاب الله عليه ونجا، أما أن يموت وهو تارك ما أفلح.

    حكم الخلوة بالأجنبية

    السؤال: ما حكم ركوب المرأة مع سائق أجنبي؟

    الجواب: أولاً: نخاف عليه أن يفتنه الشيطان، ونحن أخوف عليه منها، ( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )، فإذا أنس من نفسه القوة وكان ربانياً تقياً؛ المفروض إذا ما وجد معها محرماً يقول: لا، فلا يوقف لها السيارة وإن كانت مضطرة؛ لأنا ما ندري فربما كانت تسرح في داخل البلد، المهم أنه لا ينبغي، ما نضمن، لا نأمن، أولاً: المؤمنة ليس من حقها أن تخرج وتطلب سيارة من أجنبي، هذا هو حق المؤمنة، من أذن لها أن تخرج من بيتها؟ وإذا خرجت فلتخرج معها طفلاً، أو طفلة، ولا تخرج وحدها.

    المهم يمتثل الناس أو لا يمتثلون، لا يسمح لامرأته أن تخرج بدونه وتركب السيارة.

    معنى قوله تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته)

    السؤال: سائل يقول: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا [النمل:93] ما معنى هذه الآية؟

    الجواب: قل: الحمد لله، أمر الله نبيه أن يحمد الله، ونحن نحمد الله، الحمد لله!

    أما: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت:53] فقد أراناها في أنفسنا، فعرفنا أن المشركين يغطون الجزيرة، فإذا عشر سنوات والإسلام قد غطاها، وانتهوا، أراهم في أنفسهم.

    دولة كسرى وقيصر والأحباش ما هي إلا سنوات قليلة وأراهم الله نصر الإسلام وانتصاره، وانتظامه في البلاد كلها.

    ثم تأتي العلوم والمعارف، ونكشف عن أسرار في الإنسان والآفاق، سمعت اليوم من لندن ما كنت أقوله في المسجد، متكلم يقول: لا يخلو أمر البشرية من اثنين، يقول: إما انفجارات بركانية سارية في العالم، في يوم من الأيام تتجمد الأرض، وتهلك البشرية.

    ثانياً: إن سلمت البشرية في هذه الأيام فإن الذرة المتهيئة والهيدروجين القائم سوف لا يبقي في البشرية إلا أعداداً قليلة لا يعرفون حضارة ولا مدنية، وهذا التمهيد هي أشراط الساعة الكبرى.

    سبحان الله! أما كنت أقول هذا في كل مناسبة؟ ما خلق الله الهيدروجين والذرة إلا لحكمة، ومهما حاولوا أن يؤجلوا القضية، إن يوماً تتفجر فيه هذه الذرة والهيدروجين لقريب، والقرآن يقول: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد:31].

    توقع يوماً ارتطم فيه العالم ببعضه البعض، وتبقى الجماعات المؤمنة يقاتلون المشركين، ويعلقون سيوفهم في شجر الزيتون، ما تبقى طيارة تطير ولا كهرباء نستضيء بها!

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم، وجزى الله عنا هيئة التوعية خير الجزاء.