إسلام ويب

حقيقة الدعوة السلفيةللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الدعوة السلفية على مر العصور قديماً وحديثاً بمبدئها الصافي وهو الكتاب والسنة ستظل علماً شامخاً ومناراً هادياً لكل من أحب الحق، ولعل سبب عدول الخلف عن كثير مما كان عليه السلف هو اتباعهم لغير ما هم عليه واتجاههم إلى من أصابه الزيغ وعمى البصيرة. والدعوة السلفية ترتكز على نقاط كلها تدعو إلى تسوية الصف الإسلامي ولم شمله تحت راية واحدة، بل وزجر كل مستورد لأي فكر يقدح في الدعوة السلفية أو يشرك في التشريع السماوي شريكاً من الهوى.

    1.   

    مخالفة الخلف لمنهج السلف

    كلمة للشيخ عيد عباسي:

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    الموضوع الذي سأتحدث فيه هو عن الدعوة السلفية، ما هي حقيقتها؟ وما هو المراد بها؟ ولمحة عن تاريخها، ثم موقفها من الدعوات الأخرى بشكل إجمالي.

    الدعوة السلفية: نسبة إلى السلف، وفي اللغة: هم القوم المتقدمون.

    ويراد بهم في الاصطلاح: أنهم القرون الثلاثة الخيرة التي جاء الثناء عليها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعد ذلك أناس يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويكون فيهم الكذب) فهؤلاء بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: لهذه القرون الثلاثة- أنهم خير القرون، ولا شك أن هديهم وطريقتهم وسنتهم هي خير الهدي وخير السنن وخير الطرائق.

    ويقابل السلف الخلف، وهم: الذين جاءوا بعد هذه القرون الثلاثة، ونحن نعلم أنه قد اختلفت طريقة السلف عن الخلف في كثير من الأمور، فقد ظهرت بعد القرن الثالث أمور لم تكن، وكان ذلك بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم، ودخول الثقافات الأجنبية على الأمة الإسلامية، فقد دخلت ثقافات النصارى الذين أسلموا، وكذلك اليهود، واليونان، والهنود .. بعد الفتوحات الإسلامية الهائلة، وهذه الثقافات أثرت مع الأسف، وخاصة في الذين لم يتمكن الإسلام في قلوبهم، فقد انبهروا بها، وحين اطلعوا عليها -وهي شيء جديد عليهم- وثقوا بها، وانبهروا، فأخذوا يعتنون بها، وأخذ بعض الأمراء والحكام من الذين لم يفقهوا حقيقة الإسلام ولم يهتموا بالأمر وخطورته، أخذوا يعطونهم الجوائز الكبيرة من أجل ترجمة كتب هذه الأمم الأجنبية إلى المسلمين.

    الأدلة النقلية على تحريم مخالفة هدي الكتاب والسنة

    نحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نبه إلى خطورة ذلك وحذر منه، ويكفينا في الدلالة على ذلك حديث عمر رضي الله عنه حينما كتب صحائف من التوراة فرآها عليه الصلاة والسلام فسأله عنها، فقال: إنه كان له صديق يهودي، وإنه نسخ منه بعض الصحائف من التوراة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، وقال: (أمتهوكون أنتم؟! كما تهوكت اليهود والنصارى! والذي نفسي بيده! لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا أن يتبعني) فهو عليه الصلاة والسلام يعلن أنه لا هدي إلا الهدي الذي جاء به عن ربه، ولا يجوز لأحد أن يكون متبعاً وأن يكون إماماً وقدوة ومرضياً للاتباع ومأخوذاً عنه الهدي إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يشير إلى أنه لا يجوز للمسلمين أن يأخذوا دينهم، ولا هدايتهم، ولا إرشادهم، ولا أخلاقهم، ولا كل شيء من الأشكال والتصورات والقيم والسلوك عن أي أمة أخرى، وما السبب في ذلك؟

    السبب أن الله عز وجل أرسل إليهم الهدى كاملاً، واختصهم بالفضل عاماً شاملاً، فليسوا بحاجة إلى هدي آخر، وليسوا بحاجة إلى إرشاد قوم آخرين، فقد أخبرهم الله عز وجل بأنه أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فالذي يلجأ إلى غير طريق الوحي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنما يعتقد بطريق المفهوم أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كافٍ، وأن هناك هدياً آخر وخيراً آخر يمكن أن يستمده لدى الأمم الأخرى، وهذا مؤداه الكفر، وأن كثيراً لا يفقهونه ولا يفهمونه.

    فهذا النص وحده كافٍ في التحذير من اللجوء إلى طرائق الأمم الأخرى وهديها في أفكارها وعقائدها وأخلاقها وقيمها.

    جواز أخذ العلوم الدنيوية من غير المسلمين

    وبالطبع! فإن هذا لا يدخل في الأمور الدنيوية، حتى لا يقول قائل: إن الإسلام حجر على العقول، وضيق على الأفكار؛ لأن العلوم المختلفة هي عامة شاملة لدى الأمم الأخرى، ولا يمكن أن نهمل أو نطرح ما يأتي به الأجانب وغير المسلمين من تقدم علمي، أو تفوق حضاري في بعض العصور.

    هذا صحيح، فإن العلم الدنيوي غير خاص بالمسلمين، والعقل الإنساني يعمل، والأمم الأخرى تعمل وتنهض، والحضارة والتقدم العلمي الدنيوي كما يقال: متداول بين الأمم، فيومٌ يكون الحكم لهذه الأمة ويوم لتلك، وهي جميعاً تسير وتعمل وتبني هذه الحضارة المادية، في ناحية العلم لم يحرج علينا ربنا سبحانه وتعالى أن نأخذ عنهم العلم الدنيوي المحض الصناعي، الذي يفيد، مثلاً: علم الزراعة، وعلم الكيمياء، وعلم الفيزياء، والفلك .. ولكن بشريطة ألا يخالف شيء من هذه العلوم ومن هذه المبتكرات ما جاءنا به الإسلام الحنيف.

    لأن هناك من مبتكرات العلم ومن نظرياته أموراً قد نجدها تخالف الإسلام فلا يجوز أن نقبلها؛ لأن الإسلام حق لا يتطرق إليه الريب والشك، أما هذه العلوم فهي من فعل بشر، وهي من صفات أناس يحتملون الخطأ والصواب، ولا يخلون من أغراض ومن أهواء، فلذلك إذا اصطدم النص الشرعي الواضح الصريح القطعي بنظرية علمية، أو أفكار خبيثة فيجب أن تكون ثقتنا بما جاء عن الله ورسوله لا غير، فيجب أن نقدمهم على هذه الأمور التي تأتينا من آخرين.

    أقول: لا حرج من قبول هذه العلوم بهذا الشكل، وعمدتنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي هو حديث تأبير النخل، وخلاصته (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المدينة وجد أهل المدينة يؤبرون النخل فسألهم عما يفعلون، فقالوا: شيء اعتدنا عليه، فقال: لو لم تفعلوا لكان خيراً، فتركوه، فنقصت ثمرته، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فيما بعد فقال: إذا حدثتكم عن أمر من أمور دينكم فخذوا به، وإذا حدثتكم عن أمر من أمور دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم)أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: هناك أمران من الأمور: أمور دينية تتضمن العقائد، والأخلاق، والأفكار، والتصورات، والقيم، والثقافة، والأدب، فهذه يجب ألا نقبلها إلا عن طريق كتابنا، ولا نأخذها إلا من طريق الوحي الصادق الصحيح الذي جاء به عليه الصلاة والسلام.

    وهناك أمور دنيوية بحتة واجتماعية وعلمية، فيجوز أن نأخذها منهم، بل يجب، لكن بالشرط السابق ألا نأخذ ما يخالف ما جاءنا به الوحي الصادق وعن طريق خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تاريخ الدعوة السلفية

    نرجع إلى هذه الدعوة السلفية، فنقول: قد يقول البعض: إنها دعوة طارئة وجديدة، وإن أقدم من تنتسب إليه هو شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم ابن عبد الوهاب في العصر الحالي، وهذه فكرة خاطئة، بل هي باطلة، وإنما الدعوة السلفية هي دعوة الإسلام الصحيح نفسه، دعوة الكتاب والسنة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت خاتمة الدعوات، وآخر الشرائع، وآخر الأجيال، وإنما لم يكن يطلق عليها ذلك؛ لأنه لم يكن هناك حاجة، فالمسلمون الأولون كانوا على الإسلام الصحيح، فلم تكن هناك حاجة أو داعٍ للقول: الإسلام السلفي، أو الدعوة السلفية.

    كما يقرب ذلك إلينا مثلاً العلوم الأخرى كعلوم العربية، كان الناس يتكلمون العربية الفصحى دون لحن ودون خطأ فلم يكن هناك حاجة لوضع قواعد النحو، وإلى اصطلاحات النحو واللغة والبلاعة، لأنها كانت معروفة سليقة، وكذلك الدعوة السلفية كان الناس عليها، ولم يكن هناك شذوذ ولا انحراف، ولكنها بدأت تظهر شيئاً فشيئاً عندما بدأت الأفكار الأخرى تظهر، وعندما بدأت هذه الثقافات الأجنبية تؤثر في المسلمين، فتحرف بعضها، وتزين لبعضهم أشياء تخالف الإسلام في العقائد وغيرها.

    حين ذلك بدأ أئمة المسلمين من صحابة وتابعين ومن بعدهم يوجهون إلى خطورة هذه الدخائل والمحدثات، فكانت تظهر وتشتد الدعوة شيئاً فشيئاً كلما زادت هذه المحدثات، والثقافات التي تؤثر في المسلمين، وكان من أبرز من ميز هذه الدعوة ووضحها بجلاء الإمام أحمد بن حنبل حيث ظهرت فتنة خلق القرآن في زمانه، وأُرِيْدَ حملُ الناس جميعاً على هذه الفكرة المحدثة الباطلة، فصمد ذلك الصمود المثالي، ووقف ذلك الموقف الشجاع الرائع، وكان معه جمهور المسلمين بقلوبهم وأرواحهم، وكان أولئك المعتزلة في خط آخر خارج النطاق، فتميزت الدعوتان، وظهر الخلط بين الاتجاهين: اتجاه الرأي وأصحاب الرأي، أصحاب تقديم العقل على النقل، الذين لا يعتدون بنصوص الكتاب والسنة، ولا يعتدون بهدي السلف الصالح، وبين من يجعل الأساس الكتاب والسنة، ويجعل الأساس هدي السلف الصالح.

    وهكذا أخذت تتميز الدعوة السلفية شيئاً فشيئاً كلما ازداد المسلمون بعداً عن دينهم الصافي الحقيقي، وكلما أخذت الأفكار الأجنبية، والثقافات الدخيلة على الإسلام تظهر وتشتد ويعلن بها.

    وفي زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كان ذلك قد استفحل، وكانت الثقافات والتفسيرات الفكرية قد تضخمت حتى صرفت أكثر المسلمين، فلم يبق إلا قلة نادرة غريبة عن المجتمع هم الذين بقوا يحافظون على دعوة الكتاب والسنة، ويتقيدون بطريق السلف الصالح، فحينئذٍ ظهرت الحاجة الملحة إلى توضيح هذه الدعوة وإلى تمييزها، وكانت كتابات شيخ الإسلام رحمه الله الكثيرة والرائعة التي ميز بها الإسلام الصحيح الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانت كتبه إنارة لمن يطلب الهداية، وكانت فيصلاً بين الحق والباطل، وقد أقام الحجة على المخالفين بالمناظرات، وبالرسائل، وبالكتب، وفي المجالس، ولم يبق حجة لمعاند إلا ما يكون بسبب العناد والاستكبار.

    فلذلك في زمنه ميزت وظهر هذا الاسم دعوة السلف، ومنهج السلف، وطريقة السلف، وإن كانت قد استعملت هذه الكلمات قبله أيضاً، وأظن قائل هذا البيت المشهور في العقائد عن مذهب السلف:

    وكل خير في اتباع من سلف     وكل شر في ابتداع من خلف

    أظنه قبل شيخ الإسلام.

    هذه اللفظة عربية فصيحة، وظهرت في كلامهم ولكن كما قلت: توضحت وتوطدت أكثر في عهد شيخ الإسلام رحمه الله.

    وكما قُلتُ: الأفكار الصوفية سيطرت على الناس، وطرقها المختلفة، وأفكار علماء الكلام، والتعصب المذهبي، والبدعة في الدين، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، فظهرت غربة الإسلام، وظهر أنه كان بحاجة ماسة إلى أن يتبين ويتضح حتى يعرف الناس الحق من الباطل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، فقد تابع هذه الرسالة وهذه الدعوة تلاميذ الإمام ابن تيمية، ابن القيم، وابن كثير، وغيرهما على مر العصور، لكنهم كانوا محارَبين مضطهدين، فمات منهم من مات في السجون، وقتل منهم من قتل، وعذب من عذب، وكانت الغلبة المادية في أكثر العصور للمخالفين، وإن كانت الغلبة المعنوية غلبة الحجة والبرهان لـأهل السنة وفاقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

    ثم جدد هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نجد، حينما كانت في ظلام دامس، وحينما كانت الوثنيات تسيطر على البلاد، فتثقف بثقافة شيخ الإسلام وأخذ عنه، وقرأ كتبه، وأخذ ينشرها ويدعو إليها، ونال من جراء ذلك الأذى الكثير، وحرب العوام، ولكن وفقه الله عز وجل مع من أيده من الأمراء السعوديين الأوائل، كان من ذلك أن ظهرت هذه الدعوة وأثرت في المسلمين، ووصلت إلى بلدان كثيرة، وما تزال منها بقية في بلاد السعودية وغيرها.

    لن نخوض كثيراً في هذه التفصيلات التاريخية، فلننتقل إلى حقيقة الدعوة السلفية .

    1.   

    الدعوة السلفية .. حقيقتها وأصولها

    لماذا تظهر؟ وما هي أهم أشكالها؟ وما هي أهم الأصول التي تركز عليها؟

    التوحيد الذي أمر الله به في كتابه

    هناك أمور هامة وأصول أساسية تركز عليها الدعوة السلفية، أول هذه الأمور مسألة التوحيد، وهذه المسألة أخطأ فيها جماهير المسلمين عامتهم وخاصتهم، فقد شاع لديهم أن التوحيد الذي أمر الله به في كتابه وسنة نبيه هو الاعتقاد فقط بأن لهذا الكون خالقاً مدبراً ورازقاً حكيماً يتصف بصفات الكمال، وقد ملئوا كتبهم وأتعبوا أنفسهم في إثبات هذه الحقيقة، مع أن -كما سمعتم من أستاذنا أكثر من مرة- هذه الحقيقة فطرية مركوزة في النفوس والأذهان، ولا تحتاج إلى كثير إثبات ولا إلى جهد كبير، فقد قال الله تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم:10] .. فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30] .

    وإن كل من ينظر إلى تاريخ البشر على مر العصور ليجد أن كل البشر يؤمنون بإله خالق مدبر وحكيم، إلا قلة نادرة من الملحدين على مر العصور كانوا يُسمَّون دهريين قديماً، ويسمون اليوم ملاحدة أو زنادقة أو شيوعيين، هؤلاء نسبتهم قليلة جداً بالنسبة لبقية البشر، لا يقول قائل: الشيوعيون مثلاً الآن هم سكان روسيا، وسكان الصين، وسكان الدول الشيوعية الأخرى الكثيرة، لا يقول أحد هذا، فإن سكان هذه الدول أكثرهم مؤمنون بالله، أكثرهم إما نصارى أو مجوس أو وثنيون يؤمنون بإله، ولكن الملاحدة منهم والشيوعيين مثلاً هم قلة قليلة، هم الحكام فقط، والذين يسيرون الأمور العسكرية وغيرهم، يعني هم أعضاء الحزب الشيوعي لا غير، أما بقية الشعب فتعلمون أن لهم كنائسهم، ولهم عباداتهم، وكانوا يجرون إحصاءات بين الحين والحين، أذكر أن آخر الإحصاءات أن الشيوعيين في روسيا نحو سبعة ملايين فقط، فإذاً هم قلة، ما قيمة سبعة ملايين أضف إليها مثلاً البلدان الأخرى خمسة عشر مليوناً أو عشرين مليوناً أو خمسين ما قيمتهم بالنسبة لبقية البشر الذين هم الآن نحو أربعة آلاف مليون نسمة؟

    إن عامة البشر وجماهير الناس على مر العصور هم مؤمنون بإله، فإذاً ماذا يحتاج هؤلاء؟

    إن أحوج ما يكونون إليه هو أن يؤمنوا بالله الإيمان الصحيح الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم والرسل السابقون.

    إنه الإيمان الذي يعتد به .. إنه الذي ينجي صاحبه من الخلود في النار .. إنه طريق دخول الجنة .. إنه هو وحده الإيمان الصحيح وما عداه كفر، وكلنا نعرف أن المشركين كانوا يؤمنون بإله خالق إلا قلة نادرة جداً أيضاً، أشار إلى ذلك القرآن حيث قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38] وبين سبب ضلالهم وشركهم أنه بسبب اعتقاد الشفعاء والوسطاء بينهم وبين الله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] .. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وفي شعر للجاهليين تجد كثيراً لفظة الإله والخالق ويسلمون به، ويعظمونه، ولكنهم يعتقدون أن هذه الأصنام هي وسائط، وهي مقربات لهذا الإله، وإن ذكرها ودعوتها هو ضمان ليستجيب لهم الله دعاءهم ويغيثهم إذا استغاثوا به.

    اهتمام الدعوة السلفية بتبيين التوحيد الصحيح وتفصيل أنواعه

    الدعوة السلفية تهتم بتبيين التوحيد الصحيح الذي يكون الناس أحوج ما يكونون إليه، وهو ما استخلصه العلماء المحققون من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، من أن هناك ثلاثة أنواع للتوحيد، التوحيد السابق واصطلحوا عليه أنه توحيد الربوبية وهو: الإيمان بأن لهذا الكون خالقاً رازقاً متصفاً بصفات الكمال.

    والنوع الثاني للتوحيد: هو توحيد الألوهية.

    والنوع الثالث: هو توحيد الصفات.

    صحيح أن هذه أسماء اصطلح عليها من هؤلاء الأئمة الأعلام، ولكن مدلولها وحقيقتها موجود في ثنايا الكتاب والسنة، وإنما هؤلاء وضحوها وميزوها واصطلحوا عليها لتتضح الأمور وتتبين الحقائق.

    أما توحيد الربوبية فقد شرحنا المراد به، أما توحيد الألوهية فهو أيضاً بصورة إجمالية أن يخص المسلم أصناف العبادة كلها لله عز وجل، هذا الخالق المدبر الذي آمن به، وهذا في الحقيقة أمر طبيعي، فإذا كان الله هو المدبر الخالق الرازق .. إلخ، فلماذا يدعون غيره؟ ولماذا يعبدون سواه؟ يعبدون المخلوقين والمحتاجين، يعبدون الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، كما يقول الشاعر:

    ومن قصد البحر استقل السواقيا

    هذا العبد الضعيف العاجز الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا بعثاً ولا حياة ولا نشوراً، كيف تدعوه وتترك ربك الذي بيده كل شيء، الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، هل هو قاسٍ عليك؟ هل هو لا يستجيب دعائك؟ هل هو بعيد؟ هل هو ظالم حتى تخاف منه وتلجأ إلى سواه؟

    إنه رحيم بعباده، رءوف بهم، يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، يقبل التوبة عن عباده، إنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، إنه الذي يفرح بتوبة التائب أشد من فرح الإنسان الذي كان في سفر وضلت راحلته ثم وجدها وعليها طعامه وشرابه بعدما يئس وأيقن بالهلاك.

    فإذاً: هذا الإله العظيم الحكيم الرحيم لِمَ تتركه وتلجأ إلى غيره من هؤلاء الآلهة الضعفاء العجزة الذين لا يملكون لأنفسهم حياة ولا ضراً ولا نفعاً؟!

    فلذلك هذا التوحيد أمر فطري ضروري طبيعي.

    ويعد توحيد الألوهية من أخص خصائص التوحيد، وهو من أهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في الحقيقة معنى قولنا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فكلمة (لا إله إلا الله) هي التي تدخل الإنسان في الإسلام، وهي الكلمة الطيبة، وهي التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة) فإذاً: علق دخول الجنة على من يقول هذه الكلمة مؤمناً بها مخلصاً من قلبه.

    ما معنى هذه الكلمة؟

    هل هي ألفاظ تقال باللسان هكذا دون فقه ولا اعتقاد ولا تطبيق؟

    ليس كذلك، إن الأمور بحقائقها، هذه الكلمة معناها: الإله المعبود، أله يأله أي: عُبِد ويُعْبَد، الإله: المعبود، فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله.

    فإذاً: من ألصق معاني (لا إله إلا الله) توجيه وتخصيص العبادة كلها بأنواعها المختلفة لله عز وجل.

    كثير من المسلمين يجهلون العبادة، فيظنون أن معنى (لا إله إلا الله) آمنا بالله مع تخصيص العبادة لله، ونحن أيضاً نؤمن بذلك فلا نخصص صلاة ولا نسجد لأحد إلا لله، وهذا قصور في الفهم، فإنهم يجهلون أن العبادة معنى أشمل وأوسع من ذلك، إن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه، العبادة تشمل أنواع التعظيم التي يجب أن تخص بالخالق الحكيم، إنها تشمل الدعاء، والنذر، والذبح، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والخوف، والخشية، والاستغاثة، والرجاء، والمحبة، كل هذه الأنواع من العبادات، وهؤلاء لجهلهم يظنونها مقصورة على الصلاة والحج مثلاً.

    فيدل على ذلك نصوص كثيرة أيضاً لا نحصيها وإنما نذكر بعض الأمثلة، مثلاً: الدعاء والاستعانة يقول الله عز وجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وتقديم المفعول هنا يراد به التخصيص، (إياك نعبد) أي: لا نعبد غيرك، (وإياك نستعين) أي لا نستعين بسواك، وهذا الفرق بين قولنا: إياك نعبد، وبين قولنا: نعبدك، لم يقل: نعبدك؛ لاحتمال أن يراد بها وأن تشمل نعبدك، ولا مانع من أن نعبد غيرك، فقدم المفعول لهذا التخصيص.

    كذلك قوله عز وجل: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] فقابل بين (ادعوني) و(إن الذين يستكبرون عن عبادتي) مبيناً أن الدعاء هو عبادة، ويوضح هذا تماماً قوله صلى الله عليه وسلم الصادق: (الدعاء هو العبادة) وهكذا الذبح في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] ونسكي أي: ذبحي، ونصوص كثيرة تشمل الخوف والرجاء وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] .. فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] .. وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] وما أشبه ذلك من النصوص الكريمة.

    هذا النوع الثاني من أنواع التوحيد الذي يجهله المسلمون وتركز عليه الدعوة السلفية؛ لأن من أخطأ فيه؛ أو جهله؛ أو اعتقد خلافه؛ فهو مشرك ويحكم عليه بالخلود في النار، إلا إذا كان لم تبلغه هذه الدعوة فأمره إلى الله فيعذره الله، ويوضح مصيره الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه يبعث إليه يوم القيامة رسول إلى آخر الحديث المعروف.

    النوع الثالث من أنواع التوحيد الذي يجهله المسلمون ويخالفون مضمونه، ويشركون فيه بالله هو توحيد الصفات، وهو: اعتقاد أن أحداً يشارك الله في صفة من صفاته، الله من صفاته: يعلم الغيب، فحينما يعتقد إنسان أن بشراً من البشر يعلم الغيب كما يعتقد الصوفية أن شيوخهم يكاشفون فيعلمون ما في نفسك، ويطلعون على أحوالك ولو كنت في مشرق الأرض وهم في مغربها، فهذا لا شك أنه شك في الصفات، وكذلك حينما يعتقدون في بعض مشايخهم أنهم يقدرن على كل شيء، وأنهم يقولون للشيء: كن فيكون كما ورد في بعض كتبهم، وحينما يعتقدون صفات أخرى هي من أخص خصائص الله عز وجل في أوليائهم أو في مشايخهم أو الأنبياء والرسل، فإنما هم قد أشركوا بالله عز وجل.

    ومع الأسف فقد انتشر هذا في كلام المتأخرين كثيراً فتجد الشعراء منهم الذين يسمون المداح للنبي صلى الله عليه وسلم الذين كتبوا قصائد في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ويهتم الناس بتلاوتها في الموالد والاحتفالات الدينية، هذه تكثر فيها هذه الصفات، وهذه الأمور التي لا تجوز إلا لله نسبتها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى مشايخهم وأوليائهم.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قد حذر كثيراً من هذا، وقد أمر بعدم المبالغة في مدحه عليه الصلاة والسلام خشية من الوقوع في هذا الانحراف الخطير، قال عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وحينما جاء بعض الناس وقالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا قال لهم عليه الصلاة والسلام: (قولوا بقولكم هذا أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) فكلمة (سيدنا وابن سيدنا) الرسول صلى الله عليه وسلم وجد فيها شططاً؛ لأن ابن سيدنا معناه: أن عبد الله والد رسول الله هو سيد لهم، وأنه كان مشركاً كما في الأحاديث المعروفة، فهذا من الشطط وقد حذرهم منه.

    وحينما سمع بعض الجواري والأولاد ينشدون:

    وفينا نبي يعلم ما في غد     .........................

    نهاهم عن ذلك أيضاً وقال: لا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل.

    فمع هذا التنبيه وهذا التحذير من النبي صلى الله عليه وسلم خالفه الناس صراحة وقال قائلهم البوصيري مثلاً:

    دع ما ادعته النصارى في نبيهم     واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

    معنى البيت: لا تقل: إن محمداً ابن الله وقل ما شئت فيه من الأقوال، وهذا واضحٌ ضلاله وواضحٌ انحرافه وشططه لكل ذي لب.

    فتوحيد الصفات من أخطر أنواع التوحيد التي جهلها المسلمون وخالفوها، ومعروف أن مسألة التوحيد هي الفيصل بين الإسلام والكفر كما قلنا، فلو كان إنسان متعبداً أعظم درجات التعبد، يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتصدق، ويزكي ويقوم بأنواع النوافل المختلفة، ويتقرب إلى الله بشتى القربات، ويصل الأرحام.. إلى آخره، لو أشرك في عمره كله مرة واحدة كأن يكون استغاث بغير الله، أو قال كلمة فيها وصف أحد المخلوقات بصفة لله، فإن كل عمله باطل، وإنه خالد مخلد في النار إذا لم يتب منه، قال الله عز وجل: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] .

    فإذاً: المسألة خطيرة وخطيرة جداً، ولذلك يوليها السلفيون الاهتمام الكبير.

    ومن العجب! أن باقي المشايخ والعلماء لا يدندنون حولها، بل يخاصموننا فيها فيقولون: ما فيها شيء، المسألة تتعلق بالنية -مثلاً- نية هذا الإنسان إنما يريد بذلك وجه الله، أو يريد التقرب والتحبب وتعظيم هذا النبي وهؤلاء الأولياء، مع أنهم يعلمون أن النية لا تشفع للعمل مهما كانت صالحة، فلابد أن يكون العمل صالحاً والنية صالحة مصداقاً لقول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] (لا يشرك) أي: لتكن نيته صالحة، (فليعمل عملاً صالحاً) أي: موافقاً للسنة، كما فسرها بذلك الأئمة والمفسرون مثل ابن كثير وغيره.

    فإذاً: يجب الاهتمام بمسألة التوحيد بأنواعه الثلاثة -وخاصة النوعين الأخيرين- اهتماماً بالغاً لإنقاذ الناس من الهاوية ومن الضلال.

    الدعوة السلفية واهتمامها بمسألة الاتباع

    المسألة الثانية التي يركز عليها السلفيون هي مسألة الاتباع، مسألة طريقة الأحكام وطريقة التفقه في الدين:

    الشائع لدى الناس خاصة في الآونة المتأخرة أن على كل إنسان إذا بلغ سن الرشد أن يأخذ مذهباً من المذاهب الأربعة هو مذهب والده -مثلاً- فيتفقه فيه ويلتزمه ولا يخالفه في مسألة من المسائل، ويقلده تقليداً ولا يسأله عن الدليل، ولا يسعى للاجتهاد، لأن الاجتهاد قد أغلق، ولأنه ليس أمامه إلا التقليد.

    هذه المسألة أيضاً خطيرة وهامة، ويخالف فيها السلفيون جمهور الناس، فهم يرون أن الأصل في التفقه في أحكام الشرع الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة اتباعاً لقول الله عز وجل: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3] .

    فالأصل -إذاً- أخذ الأحكام من الكتاب والسنة، لكن من المعروف أن الناس يتفاوتون في ذلك، وأنه ليس بمقدور كل إنسان أن يأخذ من الكتاب والسنة، وخاصة بعد ما فشا اللحن، وبَعُدَ الناس عن لغة العرب وعن السليقة العربية وعن الفطرة، فأصبحوا غريبين عن لغة القرآن ولغة الحديث النبوي الشريف.

    ولا شك أن من المعروف من قواعد الشريعة أنه إذا لم يستطع الإنسان أمراً فإنه يكلف بما دونه، فلم يستطع هذا الإنسان الأخذ من الكتاب والسنة -أخذ أحكام الكتاب والسنة- مباشرة فـلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] كما قال الله عز وجل، فينزل درجة في ذلك إلى الاتباع، وهو مما نختلف فيه عنهم أنهم يقولون: لا يوجد اتباع، إما مجتهد وإما مقلد فقط، وهذه مكابرة وعناد؛ لأنه مخالف لما هو مشاهد ومحسوس، فأنت ترى في الناس من هو عالم قد بلغ من العلم شوطاً بعيداً، قد تفقه في لغة العرب، ودرس علم أصول الفقه، وأخذ وسائل الاجتهاد، فهذا هو المجتهد الذي يتفق الكل على أنه يجوز له الأخذ من الكتاب والسنة، بل يجب عليه مباشرة.

    وهناك بقية الناس غير هذا الإنسان نحن نرى صنفين اثنين وإن كانا يتفاوتان فيما بينهما، وفيهما مراتب كثيرة، هذان الصنفان هما عامة الناس الذين لا عناية لهم بالعلم، ولا دراسة لهم في الدين، فهؤلاء الذين يسمون مقلدين، هؤلاء إذا تلوت عليهم الآية لا يفقهونها إلا ما ندر من الآيات الواضحة الصريحة، أو ذكرت لهم الحديث لا يستطيعون أن يعرفوا معناه، أو يعرفوا الطريق الذي يعرفون صحته من ضعفه، فهؤلاء لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يكلفون أن يسألوا أهل العلم، لكن عليهم أن يبذلوا جهدهم أيضاً في اختيار أهل العلم الموثوقين الذين لا تعصُب لديهم، والذين هم ثقات في دينهم وفي علمهم، ومع ذلك فليس عليهم أن يلتزموا واحداً بعينه من هؤلاء، وإنما عليهم كما قال الله تبارك وتعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] إن كنتم لا تعلمون فاسألوا أهل الذكر، لم يحدد واحداً بعينه وإنما يكون إزاء ذلك حسب ما يتيسر له فلان ممن يثق بعلمه ودينه، فيسأله ويسأل في مرة أخرى آخر فيسأله، ولا يضيق على نفسه ويحدد اتباعه وتقليده لعالم معين.

    هناك بين هذا المقلد وذلك المجتهد أناس كثيرون لهم عناية بالعلم، دراسة للغة .. دراسة للعلوم الشرعية .. دراسة للقرآن .. للتفسير .. للحديث، فهؤلاء لا نستطيع أن نقول: إنهم مثل أولئك الأولين أو المقلدين، إنهم يختلفون عنهم وإننا نظلمهم حينما نسويهم بهم، لا شك أن لهم فضلاً عليهم، ولا يجوز أن نعاملهم مثلهم، فإنهم إذا ذكرت لهم الآيات والأحاديث عرفوا معانيها، أو تفقهوا في أكثرها بالجملة وقد تخفى عليهم طبعاً بعض المعاني، لكن إذا استعانوا ببعض العلماء يفقهونها ويفهمونها، فهؤلاء عليهم أن يبذلوا جهدهم، وجهدهم هو أن يعرفوا الحكم الشرعي عن طريق عالم من العلماء، ويعرفوا دليله الذي وصل به إلى الرأي الذي يتبناه، هؤلاء يستطيعون هذا، فكيف نسامحهم ونتساهل معهم فنقول لهم: يكفي أن تقلدوا العالم، تسأل العالم ما هو حكم الشرع في هذا؟ فيقول لك: كذا وكذا، أنت بإمكانك إذا ذكر لك الدليل أن تفقهه فلِمَ تتنازل عن ذلك؟ ولِمَ تتساهل؟ مع أنك في أمور الدنيا إذا كنت تاجراً -مثلاً- فلا تكتفي بسؤال المختص بذلك سؤالاً مجملاً معارضاً وإنما عليك أن تعلم وتدقق وتحاسب وتقارن، وتسأل أكثر من واحد، لماذا في أمور الدنيا تفعل ذلك، وأما في أمور الدين تتهاون وتتساهل؟ هل أمر دينك أهون عليك وأضعف عندك وأقل شأناً من أمور دنياك؟ إنك إن كنت كذلك فما أخطأك وما أضلك.

    فلا شك أن مفسدةً نشَأت بين المقلد المجتهد وبين المقلد المبتدع الذي يتبع إمامه بدون حجة ولا معرفة الدليل وهذا بخلاف من يقتدي بعالم مجتهد بعد أن يفقه دليله، ويطلع على حجته ويقتنع بها ويرجح من أقوال العلماء ما يطمئن لها في نفسه، هذا موقف السلفيين في مسألة أخذ الأحكام الشرعية، ومسألة التفقه في الدين، ففي اعتقادنا أنه هو الموقف الحق العدل الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.

    ويفتري علينا المخالفون افتراءات باطلة، نحن دائماً نكرر براءتنا منها، يدَّعون أننا نكره الأئمة الأربعة، وأننا نطعن فيهم، وأننا نوجب الاجتهاد على كل مسلم، وأننا نأمر كل أحد أن يكون مجتهداً عالماً ولا يجوز له أن يقلد، وهذا ظلم وافتراء طالما بينّا بطلانه، وطالما بينّا براءتنا منه، ومع ذلك فلا يتقون الله، ويصرون على نسبته إلينا، ويشهد الله أننا منه برآء، كما يقال: براءة الذئب من دم ابن يعقوب، مع أن كتبنا مليئة ببيان هذه الحقيقة، فبعضهم -مثلاً- سود كتاباً ملأه وحشاه لإثبات جواز التقليد، والاستدلال على أن التقليد جائز وواجب على بعض الناس، كل ذلك يرد به على السلفيين على أنهم ينكرون التقليد.

    فهذا من الظلم الشنيع، كما أنه قد جُزم له بذلك وأُثبت له أن السلفيين يقولون: إن الجاهل عليه أن يقلد، مع ذلك يصرون على هذا، وهذا يبين ما في نفوسهم من الضغينة والحقد والتحامل والظلم.

    الدعوة السلفية وموقفها من مسألة التزكية النفسية والروحية

    المسألة الثالثة هي: مسألة التزكية النفسية والتزكية الروحية، هذه المسألة قد شاع لدى المتأخرين فيها طريق المتصوفة، هؤلاء الذين يعتمدون لتزكية النفوس على المجاهدات الروحية، والوسائل النفسية، وما أحدثه مشايخهم من أمور ادّعوا أنها توصلهم إلى الله، وقد اعتمدوا فيها على غير ما جاءهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المتصوفة -والحق يقال-: إن أول درجات التصوف اتباع، وآخر درجاته زندقة، أول ما يدخل الإنسان في الصوفية لابد أن يقوم ببعض البدع؛ لأنه ما الذي يميز الصوفي عن غيره من أهل السنة؟

    أهل السنة يلتزمون بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، فبم يختلف الصوفي عنهم؟

    إن قالوا: نحن على الكتاب والسنة، فلماذا -إذاً- تختصون لأنفسكم طريقاً؟ لماذا تلتزمون بأوراد؟ لماذا تلتزمون بنوع معين من الذكر، وطريقة خاصة به؟ لماذا تفرقون المسلمين؟ فهذا شاذلي، وهذا رفاعي، وهذا قادري .. وما أشبه ذلك؟

    لا شك أن الحقيقة البينة الناصعة تدل على أنهم يخيرون في دين الله، فلا يكتفون بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهدي السلف الصالح وإنما يزيدون ما استحسنوه لأنفسهم وما أضافوه إلى الدين من أمور هو منها بريء، وأمور هي ضلالات، فلذلك طرق الصوفية السلفيون ينكرونها جملة وتفصيلاً، وليست المسألة -كما يتوهم البعض- اتباع، وأن الصوفية هي نفس ما جاء به الإسلام من درجة الإحسان أو التزكية أو تلطيف القلوب أو الجانب الروحي.

    وهناك ضلال آخر وهو أنهم يعتقدون أن هناك طريقاً لمعرفة الغيب ولمعرفة حقائق الأمور عن طريق الكشف، ولا يرجعون فيه إلى ما جاءهم عن طريق الشرع، ويزهدون في التعلم، وبعضهم أحرق كتبه، وقال آخرون: أنتم تأخذون علومكم ميتاً عن ميت ونحن نأخذها عن الحي الذي لا يموت! وهذا الذي يسمى بنظرية الكشف وهو من أبشع الباطل، ومن أضل الضلال، وهو إذا نظر فيه الإنسان نظرة شاملة صحيحة يجده إلغاء لكل ما جاءنا به الإسلام، واستبدال ما جاء عن طريق الحدس والتخمين والأهواء والنزغات الشيطانية به.

    وهذا خطر عظيم ما بعده خطر، إنه الكهانة، يدعون أن الملائكة تأتيهم وتلهمهم، وأن الله هو الذي يخبرهم ويلهمهم، وما الدليل على ذلك؟ ما الذي يضمن أنه إلهام من الله وليس نزغات الشياطين؟! والأمور بنتائجها وتعلم من آثارها.

    أيضاً: لا يتسع المقام للإفاضة في ذلك فحسبنا أن نكتفي بهذا، هذه أسس هامة ثلاثة للدعوة السلفية.

    الدعوة السلفية وتحذيرها من البدع وما دخل على الدين مما ليس منه

    وهناك أمور أخرى تتصف بها ومن مبادئها وتركز عليها ونحذر من أمور لأنها سلبية، وهي: التحذير من أمور البدع، وما دخل على الدين من المحدثات التي شوهت جماله، وكدرت صفاءه، وعكرت ما كان عليه من جمال ونقاء.

    هذه المحدثات دخلت على الدين فغيرت حُكم الله وضللت الناس، فالسلفيون يهتمون بتنبيه الناس إليها، ويحذرونهم منها، والابتداع أمر ليس سهلاً؛ ليست المسألة كما يقال: فرعيات ليس فيها شيء؛ الخير خير؛ لأن حقيقة الابتداع أنه استدراك على الله عز وجل، وأنه تشريع بالرأي وبالعقل، هذا الأمر يقال لك: يتعبد به ويتقرب به إلى الله عز وجل، ما مستند ذلك؟ إنه الرأي والاستحسان ليس غير، وهو ينسف آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ [المائدة:3] من أساسها، وغير ذلك من الآيات.

    مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذرنا من البدع كثيراً، وقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم ومحدثات الأمور)وجعلها في خطبة الحاجة التي كان يكررها كل أسبوع في خطبة الجمعة، وفي غيرها من المجالس، كل ذلك توكيداً وتذكيراً لخطورة البدع، ولأهمية الالتزام بما جاءنا عن الله ورسوله، ومع ذلك فقد أصم هؤلاء الخلف آذانهم عن هذه الأحاديث البينة وعن نصوص الكتاب الواضحة، وأصروا على البدع وزادوا فيها.

    الدعوة السلفية وتحذيرها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة

    أمر آخر -أيضاً- سلبي يحذر منه السلفيون وينبهون عليه وهو تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي كانت عمدة لكثير من البدع، هذه الأحاديث شاع لدى الناس إيرادها وذكرها، الخطباء والمدرسون والكتاب والمؤلفون، تجد الكتب طافحة بنسبة الأقوال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم منها براء، ولا يتحرزون، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبه إلى ذلك كثيراً ويحذر منه، ويبين خطورته وأنه كذب عليه، (وإن كذباً عليَّ ليس ككذباً على أحدكم) فيستحل بالحديث المنسوب إلى رسول الله مما لا يصح أن يستحل به الحرام ويبنى به الأحكام، وهذا أيضاً أمر هام تقوم به الدعوة السلفية وتبين ما صح من الحديث وما لم يصح.

    هذه الكلمة أصل فيها، ولقد أشرت أن التتمة لا يتسع الآن المقام لها، وهو: موقف السلفية من الدعوات الأخرى، فلعل ذلك في موقف آخر أو مجلسنا الثاني إن شاء الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    1.   

    كلمة الشيخ الألباني: الفرق بين الإمامين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب

    اثنتان منهما من باب التنبيه والتذكير، والأخرى من باب التوضيح والتأكيد والبيان، لقد جاء في تضاعيف كلام الأستاذ عيد عباسي أنه ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه من أولئك الدعاة السلفيين، وهو كذلك بلا شك، ولكن الواقع يشهد بأنه سلفي في العقيدة، وما دمتم سمعتم شيئاً من التفصيل في كلامه عن الدعوة السلفية، وأن منها أنها تدعو إلى اتباع الكتاب والسنة كلاً حسب استطاعته كما سمعتم، وأنها تحذر من اتخاذ التقليد مذهباً وديناً، ما دام أن الدعوة السلفية هذا من مذهبها فيجب أن نعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كان سلفياً في العقيدة، وله الفضل الأول من بعد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله جميعاً في نشر دعوة التوحيد في العالم الإسلامي بصورة عامة، وفي البلاد النجدية والحجازية فيما بعد بصورة خاصة، يعود الفضل إليه بعد ابن تيمية .

    ولذلك فلعل انكبابه واجتهاده في دعوة الناس إلى هذا التوحيد الخالص المصفى من أدران الشرك والوثنية بكل التفاصيل هو الذي صرفه عن الاشتغال بإتمام الدعوة السلفية، وذلك في محاربة الجمود على التقليد، وعلى التمذهب الذي صار فيما قبل زمانه وفي زمانه وفيما بعده صار ديناً، كل من ترك التقليد نبذ بالزيغ والانحراف ونحو ذلك مما ألمح الأستاذ المحاضر إليه في كلمته السابقة.

    وهو من هذه الحيثية، أي: من حيث أنه كان يدعو إلى التوحيد دون ما سوى ذلك مما يتعلق بالإسلام المصفى على ما سمعتم؛ يختلف عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن هذا الشيخ الجليل قد دعا إلى الإسلام بعموم الإسلام من كل نواحيه أن يُفهم على الوجه الصحيح، على التفصيل الصحيح الذي سمعتموه، فهو -مثلاً- يحذر من الأحاديث الضعيفة، ويحذر من بناء الأحكام الشرعية عليها، و.. و.. إلى آخر ما هنالك من تفاصيل ذكرها الأستاذ، بخلاف الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فلم تكن له هذه العناية، لا في الحديث ولا في الفقه السلفي، فهو من الناحية المذهبية حنبلي، ومن الناحية الحديثية كغيره، فليس له آثار في الفقه تدلنا على أنه كـابن تيمية سلفي المنهج في التفقه في الدين، لعل له في ذلك عذراً كما ألمحنا إليه آنفاً.

    وكذلك في الأحاديث فهو كغيره مع الأسف الشديد، لا معرفة عنده بالحديث الصحيح والضعيف، ومن الأدلة التي تدلنا على هذا أن له رسالة مطبوعة متداولة عند أتباعه النجديين حتى اليوم، اسمها آداب المشي إلى المسجد، وقد أورد في مطلع هذه الرسالة الحديث المعروف عند السلفيين عامة إلا القليل منهم بضعفه، ألا وهو حديث أبي سعيد الخدري، الذي أخرجه الإمام ابن ماجة في سننه، من طريق الفضيل بن مرزوق، عن عطية السعدي - عطيه العوفي، والسعدي أيضاً، لكنه مشهور بـالعوفي أكثر- عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته إلى المسجد قال: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا...) إلى آخر الحديث.

    فهو أولاً أورده دون أن ينبه على ضعفه، مع أن فيه علتين اثنتين، لو أن واحدة منهما استقلت لنهضت بتضعيف الحديث، فكيف بالعلتين مجتمعتين معاً؟!

    وثانياً: أن ظاهر هذا الحديث يخالف ما كان يدعو إليه من عقيدة، ومن إخلاص التوحيد والدعوة لله عز وجل وهو التوسل بالمخلوقين، فهو كـابن تيمية وككل سلفي بصير في سلفيته وفي دعوته، يحارب التوسل إلى الله بعبادة غير الله عز وجل، وهذا الحديث في ظاهره التوسل إلى الله بحق السائلين، وبحق هذا العبد الذي يمشي إلى طاعة الله وإلى عبادته، أقول هذا غير ناسٍ أن الحديث لو صح لأمكن تأويله كما كنت ذكرت في بعض مؤلفاتي.

    لكن موضع الشاهد من هذا أنه أورده كأدب من آداب المشي إلى المسجد، إذا خرج المسلم من بيته فعليه أن يدعو بهذا الدعاء، وهو حديث ضعيف، فهذا يدل على أن شيخ الإسلام الثاني في التوحيد محمد بن عبد الوهاب ليس كـشيخ الإسلام الأول من حيث أنه كان سلفياً في كل نواحي الدعوة ومجالاتها الكثيرة.

    هذه الناحية الأولى أردت التنبيه عليها، وهذا -طبعاً- من باب إعطاء كل ذي حق حقه، نحن بلا شك لا يسرنا أبداً أن ينال أحد من الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما يفعل أعداء الدعوة، وأعداء التوحيد حيث يتهمونه بكل ما يتهم به السلفيون في كل بلاد الدنيا، ولكن هذا لا يحملنا على الغلو في إعطاء كل شخص من حملة الدعوة السلفية ما ليس فيه، فيجب أن نفرق بين ابن تيمية وبين محمد بن عبد الوهاب، ونعطي كل ذي حق حقه، من أجل هذا قلت ما قلت، وإلا فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب له منزلته في الدعوة عندنا بعد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    1.   

    الرد على من قال: إن المشركين يعتقدون الحكمة لله تعالى

    التنبيه الثاني: جاء في كلام الأستاذ: عيد عباسي في صدد تحدثه عن توحيد الربوبية، وأن هذا التوحيد يعتقده جماهير الناس والأمم حتى المشركين وهذا كلام حق، ولكن جاء في أثناء كلامه بأنهم يعتقدون في الله أنه خالق مدبر حكيم، فأنا أريد أن ألفت النظر، ولي هدف غير الهدف الظاهر من كلمتي هذه.

    قوله: إن المشركين كانوا يعتقدون بأن لهذا الكون خالقاً مدبراً، لو وقف إلى هنا لكان الكلام مُسلَّماً، ولكنه أضاف إلى ذلك وصفاً وصفة أخرى وهي صفة حق لله تبارك وتعالى، ولكنه نسب إلى الكفار أنهم كانوا يعتقدون في الله هذه الصفة أيضاً وهي أنه حكيم.

    من المؤسف أن أقول -وهذا هو الشيء الآخر الذي أرمي إليه في هذا الكلام-: إن اعتقاد أن الله حكيم ليس فقط مما لا يعتقده المشركون الذين كانوا يشركون في توحيد الألوهية، وفي توحيد الصفات كما سمعتم شيئاً من التفصيل في ذلك، ليس المشركون هؤلاء وحدهم كانوا لا يعرفون الله حكيماً، يعرفونه خالقاً مربياً مدبراً، أما أنهم يعرفونه حكيماً فلا، ولكن مع الأسف الشديد هناك جماهير من المسلمين اليوم لا يعتقدون هذه الصفة لله رب العالمين، هذا ما أردت التنبيه عليه، يعني: وصف المشركين بأنهم يعتقدون بأن الله حكيم خطأ؛ لأننا نعلم أن هذه الحكمة هي في كثير من الأمور الإيمانية، ومن أجل ذلك شك في هذه الصفة بعض الطوائف الإسلامية، بعض المذاهب الإسلامية، ولا أكتم الحق، ولذلك أقول: إن كتب الأشاعرة طافحة بأن الله عز وجل لا يوصف بأنه حكيم، مع علمهم بأن هذا الاسم الكريم مذكور في القرآن الكريم، ولكنهم يتأولون هذا الاسم: حكيم بأنه من الحكم وليس من الحكمة، فهو حكيم على وزن فعيل بمعنى فاعل، أي: أنه حاكم، أما أنه حكيم بمعنى أنه يضع الشيء في محله مقروناً بالحكمة، فهذا مع الأسف الشديد لا أقول: إن الأشاعرة لا يؤمنون به، بل يصرحون بنفيه، وكتبهم طافحة بذلك، وشبهتهم معروفة؛ لأنهم يتساءلون فيقولون: ما الحكمة من تعذيب الأطفال، أين الحكمة في تعذيب الأطفال؟ أين الحكمة في تعذيب الحيوانات؟

    لا شك أن المسلم المؤمن بحكمة الله عز وجل يقول: قد لا أدري ما الحكمة في تعذيب الأطفال وإن كان بعض علماء التوحيد المؤمنين بهذا الاسم (حكيم) وبمعناه الصحيح يحاولون أن يوجدوا حكمة ظاهرة في تأليم الأطفال وتعذيب الحيوانات، ولكن أنا في اعتقادي ليس كل مسلم يستطيع أن يستكشف الحكمة الإلهية في كل تصرف إلهي، ولذلك فلابد في نهاية الأمر من الإيمان الذي هو الشرط الأول في وصف المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، فالإيمان بالغيب هو الفصل الحق بين المؤمن الصادق والمؤمن الكاذب، فإذا عرفنا الله عز وجل أنه وصف نفسه بأنه حكيم، فيجب أن نؤمن سواء ظهرت لنا الحكمة أو لم تظهر، على أن حكمة الحكيم العليم واضحة بينة في كثير من هذا الخلق المشهود، لا سيما المتخصصون في دراسة نظام هذا الكون.

    لكن تبقى هناك أمور كثيرة أو قليلة يخفى الحكمة فيها على كل الناس، أو جُل الناس أو أقل الناس، فما الذي يمنعنا أن نقول: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]؟

    عجْز الأشاعرة عن أن يقفوا على الحكمة في بعض تصرفات الله عز وجل فيما يخلق، فحملهم إلى تحريف عن هذا النص القرآني، فيقولون: قال تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107] .. لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] لا يسأل عما يفعل؛ لأنه يفعل ما لا حكمة فيه ولا عدل فيه فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107] أي: كأي جبار من جبابرة الأرض يتصرف في حدود جبروته دون أن يتقيد بعدل أو بحكمة، هكذا وهم يقولون: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] ويغالون في ذلك حتى نفوا عنه الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه في حديثه، ومع ذلك يتأولون هذه الصفات، لماذا؟ قالوا: تنزيهاً لله رب العالمين، ثم ينسون هذا كله فيصفون الله عز وجل بمثل ما يصفون به الجبابرة، إنه فعال لما يريد بدون عدل وبدون حكمة.

    ومن هنا توصلوا إلى التصريح بقولهم في عقيدة الجوهرة المشهورة عند الأشاعرة : لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي، وشرح هذا عند بعضهم ممن لا يستحي ولا يخجل أن الله تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً له أن يدخل محمداً عليه الصلاة والسلام وأن يلقيه في الدرك الأسفل من النار مكان إبليس الرجيم، وأن يرفع إبليس الرجيم ويجعله في الدرجة الوحيدة التي قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (أرجو أن أكون أنا هو) في الحديث المعروف لديكم جميعاً، قالوا هذا في كتبهم: له إثابة العاصي وتعذيب الطائع، فلماذا لا يعذب الحيوان، ولماذا لا يعذب الطفل الذي لا يعرف الطاعة من المعصية، وهم يقولون: لله أن يعذب الطائع، أن يدخل الرسول في الدرك الأسفل من النار، ويرفع إبليس في أعلى درجات الجنان، قالوا هذا صراحة، من أين أخذوا هذا؟

    من إطلاقات الآيات الكريمات فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107، البروج:16] بلا شك أنه فعال لما يريد، هل يستطيع أحد أن يحول بينه وبين ما يريد، ولكن هل فعال لما يريد، بمعنى أنه لا عدل عنده؟! حاشا لله، هل معنى فعال لما يريد، لا حكمة عنده؟ حاشا لله!

    ولذلك يجب كما نقول دائماً وأبداً: كل مسألة يجب أن تضم النصوص فيها بعضها إلى بعض، وتؤخذ الخلاصة من مجموع هذه النصوص، ففعال لما يريد إنما يريد الله عز وجل من هذا النص وأمثاله ألا أحد يستطيع أن يحول بينه وبين ما يريد أن يفعله، لكن هذا ليس معناه أنه ليس بحكيم، وليس بعادل، كيف والله عز وجل يقول: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36] .

    الجبابرة من العبيد قد يفعلون هذا كما هو الواقع اليوم والمشاهد، يرفعون السفلة المجرمين في وظائف وفي منازل رفيعة جداً، ويعكسون فيضعون الناس الصالحين في وظائف يستطيع أن يقوم بها الأطفال الصغار، هذا شأن الجبابرة، أما الله عز وجل الجبار بحق، والحكيم العليم فهو منزه عن كل شيء ينافي صفة الكمال فيه تبارك وتعالى.

    هذا ما أردت التنبيه عليه بالمناسبة، وأنا أريد أن أرمي عصفورين بحجر واحد.

    العصفور الأول: ألا نصف الكفار بأنهم كانوا يعتقدون بأن الله حكيم؛ لأن بعض المسلمين ما آمنوا به، مع أن الله عز وجل أنزل هذه الصفة في القرآن الكريم.

    والعصفور الثاني: إلفات النظر إلى أهمية الدعوة السلفية، التي تدعو المسلمين جميعاً إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة دون انحراف إلى الأخذ بأقوال علماء الكلام، ففي علماء الكلام ما هو إلحاد وكفر بالقرآن، وهذا مثاله قد جاءكم من باب التحذير عن وصف الكفار بأنهم يؤمنون بأن الله حكيم، وفي الوقت الذي يقولون: بأن الله خالق ومدبر الكون يؤمنون بأن الله حكيم، هذا إذا آمن به المسلمون فهذا هو واجبهم؛ لأن الله ذكر لهم في القرآن أن الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى آخره، فلا يمكن أن يؤمنوا بأن الله حكيم؛ لأن حكمته تخفى في كثير من الأمور، من أجل ذلك وقعت الأشاعرة في هذا الانحراف الخطير.

    1.   

    الدعوة السلفية ورجوعها قديماً وحديثاً إلى الكتاب والسنة عل منهج السلف الصالح

    المسألة الثالثة: وهي في الواقع زيادة بيان لبعض ما جاء في كلام الأخ، الدعوة السلفية تلتقي مع الدعوات الأخرى كلها قديمها وحديثها مما يحوم دعاتها في دائرة الإسلام، كلهم يلتقون في كلمة سواء وهي: أنهم يرجعون إلى الكتاب والسنة، فالدعوة السلفية من هذه الحيثية لا مزية لها على سائر الدعوات، خاصة ما كان منها قائماً في العصر الحاضر اليوم، ولكن إنما تتميز الدعوة السلفية في هذا المجال الذي يدندن الجميع حول الكتاب والسنة، أنهم يدعون إلى فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، لا يكتفون فقط بدعوة المسلمين إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، بل يزيدون على ذلك إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح ؛ لأن هذه الفرق الكثيرة التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام إشارة عابرة في حديث الفرق الثلاث والسبعين، (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي) وفي رواية أخرى وهي الأصح قال: (هي الجماعة) وفي الحديث الآخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) إلى آخر الحديث.

    فنجد هنا في هذين الحديثين تنبيهاً إلى هذا القيد الذي يتمسك به السلفيون من بين سائر الدعاة: كتاب وسنة وفهم على منهج السلف الصالح ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما قال: (ما أنا عليه) فقط، وإنما قال: (وأصحاب) وما قال: (عليكم بسنتي) فقط، وإنما قال: (وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) وهذا في الواقع اقتباس من القرآن الكريم، كمثل قول رب العالمين: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115] .

    فالله عز وجل قال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] لماذا جاء بهذه الجملة؟ هذه جملة بيانية خطيرة جداً، كان يكفي أن يقول: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) ولكنه أضاف إلى مشاقّة الرسول قوله عز وجل: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] بحكمة بالغة ألا وهي: أن مشاقّة الرسول إنما تظهر بمخالفة سنة المؤمنين، ومنهج السلف الصالح الذي سمعتم عنه في الكلمة السابقة.

    وفي ذلك يقول ابن القيم تأكيداً وإشارة عابرة سريعة إلى هذا القيد في فهم الكتاب والسنة، يقول:

    العلم قال الله قال رسولـه     قال الصحابة ليس بالتمويه

    أيضاً لم يكتف بقوله: العلم قال الله قال رسوله كما يقول جماهير المسلمين، وإنما أضاف إلى ذلك:

    قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة     بين الرسول وبين رأي فقيه

    كلا ولا جحد الصفات ونفيها     حذراً من التعطيل والتشبيه

    أريد أن أقول باختصار: إن الدعوة السلفية تدندن في جملة ما تدندن حول فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، ومن هنا تأتيهم العصمة من الوقوع في العقائد التي تكلم عنها علماء الإسلام، وأنها انحرفت عن الجادة كـالمعتزلة وكـالمرجئة وكـالجبرية .. ونحو ذلك، ومن الأفكار الحديثة اليوم التي يتكلم بها ويسطرها كثير من الكتاب الإسلاميين باسم الإسلام وهي ليست من الإسلام في شيء، ولا يمكن لأحد من أهل العلم أن يعرف ذلك إلا إذا كان متمسكاً بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، هذه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.