إسلام ويب

أنواع الجلساءللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من الضرر على دين الشخص مجالسة غير الصالحين، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بمجالسة الصالحين، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حذر تحذيراً كبيراً من قرين السوء وبين خطره. كما أن سبب تآلف القلوب وتنافرها هو تقارب الطباع أو تباعدها، وكما يقال: (الطيور على أشكالها تقع) ولقد حث الشيخ في درسه هذا على مصاحبة العلماء والحكماء وأهل الخبرة والصلاح.

    1.   

    واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم

    الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله: إنه لمما يسعدني ويثلج صدري أن أدعى تشريفاً وتكريماً للمثول بين أيديكم، والتحدث إليكم، والاستفادة منكم.

    أيها الإخوة: كما تعلمون عنوان المحاضرة، أو عنوان الكلمة بالأصح" أثر الجليس على المسلم في الدنيا والآخرة"، ولقد صدر الأخ المقدم تقدمته بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة).

    أيها الإخوة في الله: لا شك أن الإنسان اجتماعيٌ بطبعه، ولقد خلق الله سبحانه وتعالى في البشر أجمعين غريزة الاختلاط، وغريزة المخالطة، وغريزة المعاملة مع الناس، فكان لابد لكل إنسان أن يختلط بأبناء جنسه، وأفراد مجتمعه في جميع شئون حياته وحاجاته، فلا بد له من المخالطة مع زملائه في المدرسة، ومع زملائه في العمل، ومع جيرانه في الحي، ومع إخوانه المصلين في المسجد، ومع أقاربه وعصابته في صلته لرحمه وفي اتصالاته جميعها، فالإنسان لا شك أنه اجتماعيٌ بطبعه، وكان لهذا الاجتماع مصلحة عظيمة، ومن أجل تحقيق تمام المصلحة في هذا الاجتماع، كان لابد أن يكون له من الضوابط والقيود ما يحقق الأثر المنشود في هذه المخالطة، وفي هذه الصحبة.

    وحسبكم -أيها الإخوة في الله- أن الله سبحانه وتعالى قد اختار صحبة نبيه، واختار صحب نبيه من الثلة الأولين الطاهرين المطهرين، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يلزم ويلزم نفسه بصحبتهم، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] فالله سبحانه وتعالى قد اختار الصحبة الطيبة الطاهرة لنبيه وأمره بلزومهم.

    فنحن -يا معاشر المؤمنين- في دبر هذا الزمان في أمس الحاجة إلى الأصحاب والإخوان والخلان الذين بلينا بكثرتهم، وامتحنا بقلة النافع منهم، نحن بأمس الحاجة في هذا الزمان إلى تحقيق العلاقات، وتمحيص الصداقات، وتدقيق المودات، كل واحد منا لو أمسك أوراقاً، وليست ورقة ليعد كم من الأصدقاء عرفهم، وكم من الخلان اتصل بهم، لوجد أنه عرف الكثير الكثير منهم، ولكن إذا اشتدت الأمور، واستحكمت الأزمات، لن يجد إلا ما هو أقل من عدد أصابع يد واحدة يستطيع أن يفزع إليهم بعد الله سبحانه وتعالى، ويثق في نخوتهم، ويوقن بنجدتهم، بل وهو مطمئنٌ أن يفشي سره عندهم، وأن يفضي بحاجته إليهم، أولئك نزر قليلٌ من الإخوان والخلان والأصدقاء، ومن أجل ذلك كان واجباً أن نختار الأصدقاء، وأن نحدد العلاقات.

    المرء على دين خليله

    يقول صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) وقوله صلى الله عليه وسلم هذا معيارٌ دقيقٌ في تعديد شخصية المرء بمعرفة جليسه، فأنت تستطيع أن تحكم على هذا الرجل، أو ذاك الرجل، تستطيع أن تحكم عليه بالشجاعة، أو القوة، أو الأمانة، أو الديانة والاستقامة إذا عرفت من هم جلساؤه وأصدقاؤه وخلطاؤه، لأن الإنسان على دين وملة وطريقة خليله، فلينظر أحدكم من يخالل كي لا ينسب لنفسه ديناً وملةً خبيثةً وسمعةً سيئةً، والعياذ بالله.

    1.   

    ( مثل الجليس الصالح والجليس السوء )

    وإذا عدنا لنتأمل الحديث الذي قلناه آنفاً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم تشبيهاً للجليس الصالح بحامل المسلك، فحامل المسك إما أن يحذيك، أو يطيبك، أو يهديك نصيحة، أو يعرفك بعيب من عيوبك، أو يعلمك أمراً تجهله، أو يرشدك في أمر قد ضل عنك، أو يحذرك من أمر كدت أن تقع فيه، وإما أن تبتاع منه، والمبايعة بما جيء بها في المثل إشارة إلى ما يتعلق بالمعاطاة من الأخلاق، وأنه تمنحه وداً صادقاً، وهو يعطيك علماً نافعاً، أنت تمنحه ثقةً طيبةً، وهو يمنحك أخلاقاً رفيعةً عاليةً، وإما أن تجد منه ريحاً طيبةً، فالجليس الصالح لو لم يكن لك منه إلا ريحه، ذكره، سمعته بين الناس، لقيل: حسبك بفلان أنه من مجالسي أئمة المساجد، حسبكم بفلان أنه من الذين يجالسون أهل الإيمان والذين يحرصون على حلقات الذكر في المساجد، حسبكم بفلان أنه من الذين يجالسون العالم الفلاني، والعالم الفلاني، والعالم الفلاني، وما جالسه إلا لطيبه.

    إذاً هذه هي الرائحة الطيبة التي تنتقل إليك بمجالسة الجلساء الطيبين.

    أما الجليس السوء، فهو الذي يحرق ثيابك، يحرق سمعتك، ويخبث ذكرك بين الناس، لا سيما إذا رؤي معك على صورة مريبة، أو حالةٍ تدعو إلى العجب والدهشة، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة، وهذه الريح هي ما لا يسلم منه الإنسان، لأن هذه الريح بمثابة غبار دخاني ينطلق بأجواء السماء، فلا يلبث أن يصل إلى جوفك، فتستنشقه وأنت لا تدري، وأعني بهذه الريح في المثال هي: ريح اكتساب الطباع الخبيثة والأخلاق السيئة، ومن هنا قال جملة من علماء الأخلاق والسلوك: المرء من جليسه، والطبع استراق، الطبع استراق: الإنسان يسرق الطباع وهو لا يشعر، وإن الإنسان يكون في أخطر مراحل سرقة الطبع إذا كان في مراحل صغره، وفي مراحل بداية نموه، ومن هنا نلاحظ أن الأطفال الصغار جداً يسرقون طباع والديهم، ونلاحظ أن من كبر قليلاً يسرق طباع المدرسين، ونلاحظ أن من كبر أيضاً يسترق وهو لا يدري طباع أهل حيه وجيرانه، وطباع الذين يعيشون من حوله.

    1.   

    قوة التأثر بالجليس

    وأذكر لكم قصةً تدلل على أن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر، وهي قصة غريية، وقد فعلت فعلاً، قيل لأحد الوزراء، وكان حاجباً وجليساً عند ملك من الملوك أن يحضر ليتسلم هديةً أهديت إلى الملك، فجاء الوزير واستلم الهدية، ما هي؟ حصان، فأخذ هذه الهدية، ودخل بها في إسطبل الملك، ثم جاء مع الملك، وأخذ يتأمل هذا الحصان فترةً بعد أخرى، فقال له الملك: ما تقول في هذا الحصان؟، قال: هذا حصان جيد، ومن سلالة عريقة، لكن هذا الحصان قد ربي مع بقر، فعجب الملك من ذلك عجباً شديداً وسكت.

    وبعد مدة أهدي إلى الملك صقر-طير من الطيور طير جارح- فدعا وزيره، وقال: تعال -أيها الوزير- وانظر إلى ما أهدي إلينا اليوم، فتأمله مراراً مرةً بعد أخرى، فقال: هذا طير جيد، لكنه قد ربي مع دجاج، فعجب الملك من ذلك عجباً شديداً، ثم سأل: كيف تقول: إن الحصان الذي أهدي إليَّ قد تربى مع البقر؟ وكيف تقول: إن هذا الصقر قد تربى مع الدجاج؟ قال: إني تأملت هذا الحصان فوجدته ينظف نفسه بلسانه، ولا ينظف نفسه بلسانه إلا البقر، أنتم تلاحظون البقرة، هي التي تتنظف بهذه الطريقة، فكون هذا الحصان قد تربى في حظيرة مع جملة من الأبقار، ولو كان حصاناً، فإنه سرق طباعها، وهو أعجميٌ بهيم لا عقل له، فما بالكم بالإنسان وهو يملك السمع والبصر والفؤاد، ألا يتأثر ممن حوله؟ إذا كانت هذه البهيمة تأثرت، وهي لا عقل لها ولا لب، فإن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر.

    قال: حسناً: هذا الحصان عرفنا شأنه، فما بال هذا الطير؟، قال: إني تأملت هذا الصقر الذي أهدي إليك، فنظرته مطأطئ الرأس، ومنقاره إلى الأرض يلتقط الحب كما تلتقط الدجاج الحب، وهذه خصلة لا توجد إلا في الدجاج، أما الصقور، فهي لا تنظر إلى الأرض أبداً، بل دائماً تحلق بأبصارها إلى السماء، فإذا رأت فريسةً، انقضت عليها في علوها، ثم نزلت بها إلى الأرض، وما تعودت الصقور أن تأكل مما في الأرض، فهذا الصقر حينما تربى في صغره مع الدجاج، اكتسب طباع الدجاج، وهو أنه يأكل من الحب، أقول هذه القصة لإخواني الشباب، ولأبنائي الصغار الذين يسمعونها لكي يعرفوا كيف يتأثر الإنسان وهو لا يدري، إذا كان الحصان والصقر قد تأثر، وهو ليس له عقلٌ وفؤادٌ وقلبٌ يتأمل ويبصر به ويعقل به، فما بالكم بالإنسان لا شك أنه سوف يتأثر.

    إذاً فعلينا أن ننتبه فيمن نخالطهم، وأن ندقق فيمن نجالسهم حتى لا نقع فريسةً لتصرفاتهم وسلوكهم وعادتهم السيئة والخبيثة.

    أنتم تلاحظون الذين يجالسون العلماء، يحبون أن يلبسوا مثل لباسهم، يحبون أن يتهيئوا بمثل هيئاتهم، يحبون أن يجعلوا في مجالسهم مثل ما يجعل العلماء في مجالسهم، والذين يجالسون الفساق يحبون أن يقلدوهم في تكسرهم، أو في عباراتهم، أو في أسلوب حياتهم، أو في طريقة معاملاتهم، إذاً فالإنسان يسرق الطباع وهو لا يدري، الإنسان يسترق الأخلاق سيئها وخبيثها وعنيدها وطيبها وهو لا يدري كلٌ بحسب جليسه.

    إذاً -أيها الإخوة- ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر انتباهاً مهماً .

    يقول عقبة بن دينار: رأيت ذات مرة غراباً وحمامةً يطيران من غصن شجرة إلى أخرى، ومن أعجب العجائب أن يطير الغراب إلى جانب الحمام، لا تشابه بينهما في الفصيلة، لا شك أن كلهم من فصيلة الطيور، لكن هذا من جهة الحمام، وهذا من جهة الغربان، فما علاقة هذا بهذا؟ قال: فتأملتهما، فإذا هو غراب أعرج وحمامة عرجاء قد جمع بينهما المشاكلة في الطباع.

    إذاً: فكل جليس يهوى من يجالسه في طباعه وأخلاقه، انظروا حتى البهائم، حتى الطيور، حتى العجماوات تتأثر باختلاطها، وتتأثر بأشكالها وأجناسها.

    1.   

    سبب تآلف الأرواح أو تنافرها

    إذاً فالإنسان من باب أولى أن يتأثر بمن يخالطه، فإذا تأملت رجلاً طيباً يصاحب طيبين مثله، فإنما هو من أجل هذه الطيبة، ومن أجل هذا الصلاح، ومن أجل هذا الدين، ومن أجل تلك الاستقامة التي يتمتعون بها، فجمعتهم في نظام واحد، وإذا تأملت بعضاً من الفاسقين، وجدتهم يجتمعون بأمورٍ جمعت بينهم إما في مجالسهم، أو في لهوهم، أو في لغطهم، أو في فسقهم والعياذ بالله، فجمعتهم هذه المجالس على ما عندهم من السوء والخبث وغير ذلك .

    ثم تأكدوا -أيها الإخوة- أن الإنسان كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) فأنت تعرف الإنسان بصلاحه، ودينه واستقامته، فينبلج صدرك له، وينشرح خاطرك في مجالسته، إن ذلك ائتلافٌ ألفه الله جل وعلا بين هذه الأرواح؛ لأنها تجتمع على أمرٍ بطاعة الله سبحانه وتعالى: (وما تناكر منها اختلف).

    أنا حينما أجد واحداً من هذه الوجوه الطيبة، ولو كنت لا أعرفه من ذي قبل، وأقابله هنا، أو هناك، أو في سوق، أو في أي مكان أسلم عليه، وأصافحه، وتنبلج أسارير وجهي من أجله ارتياحاً وائتلافاً وسروراً وانشراحاً؛ لأن هذه أرواحٌ متعارفة، ما الذي عرف بينها، وجمعها على معرفة واحدة؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فهذه الأرواح تعارفت في الله، وتحابت في الله، واجتمعت لأجل الله سبحانه وتعالى، فكان حقها على الله أن يجمعها، وأن يؤلف بينها، وأن يجعل مجالسها مكتوبةً في صحف أصحابها، وتكون بإذن الله جل وعلا سبباً في تثقيل موازينها يوم القيامة، فانتبهوا لذلك أيها الإخوة، واحذروا من التهاون بالجلساء، فإن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر، ثم إن الإنسان قد يقول: أنا أثق بنفسي، أنا أصلي، أنا أطيع والدي، لكني أخالط أناساً لا يصلون، ولا يطيعون والديهم، أو غير ذلك، لكني أنا واثق من نفسي لو أطبقت السماء على الأرض، ما أترك الصلاة، ولا أعصي والدي، ثقةً بنفسه يخالط الأشرار، وهو كما يقول القائل:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال لـه     إياك إياك أن تبتل بالماء

    رجل ربطناه، ثم رميناه في البحر، وقلنا له: انتبه لا تبتل ثيابك من الماء، فذلك كمن يجعل نفسه في وسط جلساء السوء، وفي مخالطة الأشرار والسيئين، ثم يقول: أنا لا أتأثر، سبحان الله! من ذا الذي لا يتأثر؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم وحده مع جملة الأنبياء.

    وبلوت أخبار الرجال فلم أجد     رجلاً يؤثر دون أن يتأثرا

    إلا النبي محمداً فجعلته أملاً          وسرت على هداه مكبرا

    هو الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن عباس : [من كان مقتدياً، فعليه بصاحب هذا القبر -يعني: رسول الله- فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة من بعده] كل إنسان يتأثر، كل إنسان يفتتن، فما بالك أنت أيها الطيب، أيها الشاب الصالح، أيها الثمرة، أيها الغرسة التي لا زالت تتأثر بجميع المؤثرات والعوامل، ترمي بنفسك في جلساء السوء وتقول: أنا لا أتأثر، سبحان الله! هل أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ما من إنسان إلا وحوله من يؤثر عليه؛ زوجته .. إخوانه .. أصدقاؤه .. أقاربه .. جلساؤه، كلٌ لابد أن يتأثر بمن يجالسه.

    إذاً فلابد أن نجالس الطيبين، لابد أن نجالس الأخيار، لا بد أن نجالس الصالحين حتى نتأثر بفعالهم وطباعهم، ومن أجل ذلك كان العرب قديماً إذا نشأ الصبي فيهم يافعاً، ذهبوا به إلى البادية لكي يكتسب اللغة، ويكتسب طباع الشهامة والمروءة والشجاعة والفروسية والصدق في كل شيء؛ لأنهم يعرفون أنها لازالت تلك الأخلاق قديماً، أما الآن، فقد استوت الحاضرة مع البادية، آنذاك كانوا يرسلون الإنسان ليأخذ من هذه الطباع، فيتأثر الإنسان حينما يعود إليهم، ويجد الوالد ولده شاباً جلداً شهماً قوياً كريماً فروسياً شجاعاً بسبب مخالطاته آنذاك، أما الذي يقول: أنا أخالط ولا أتأثر، فهذا مسكين يضر نفسه وهو لا يشعر.

    1.   

    خطر القرين السوء

    رجل من الرجال، وكان مؤدباً حكيماً وجد ولده يخالط جلساءً سيئين، فقال: يا ولدي! لا تجالس هؤلاء، فإنهم يضرونك، إنهم يؤثرون عليك، إنهم يخبثون ذكرك وسمعتك بين الناس، قال: يا أبت! أنا لا أتأثر أبداً، إنما أضحك عليهم، ألهو معهم قليلاً، لكني لا أتأثر، قال: حسناً يا ولدي، وبعد أيام، قال له: اذهب -يا ولدي- إلى السوق، وائتنا بصندوق تفاح جيد نظيف جداً، فذهب الولد واشترى صندوقاً من التفاح، فجاء وكشفه أمام والده، وقال: ما ترى، هذا تفاح نظيف سليم مائة في المائة، خذ يا ولدي هذه التفاحة، وكانت تفاحة فيها فساد بسيط، ضعها في هذا الصندوق، وغطه كما كان، فأخذ الولد التفاحة وغطاه كما كان، بعد أيام نادى الوالد ولده: تعال -يا ولدي- ائتني بالصندوق، فجاء بالصندوق، قال: اكشفه، فلما كشفه، فإذ بالتفاح كله قد أصبح فاسداً، قال: انظر هذه تفاحة فاسدة أثرت على صندوق طيب، فما بالك بجملة فاسدين ألا يؤثرون على واحد طيب؟! بالعكس يفسدونه، ويخبثون طباعه، ويغيرون أخلاقه، ويجعلونه بدلاً من أن يكون باراً يجعلونه عاقاً، وبدلاً من أن يكون مؤمناً تقياً يجعلونه فاسقاً مجاهراً، وبدلاً من أن يكون ذا أخلاق طيبة ومعاملة حسنة يجعلونه شرس الأخلاق سيئ المعاملة .

    إذاً فالجلساء لهم أثرٌ عظيم، وإني أحذركم -أيها الشباب- من مجالسة من لا تعرفونه حينما ينصح الوالد ولده، حينما ينصحني أبي، أو كل منكم ينصحه والده، ويقول: يا بني اترك فلاناً، وعليك بفلان، اسمع هذه النصيحة، ولا تتردد في قبولها، فإنها نصيحة من مشفق؛ لأنه لابد وقد رأى خلقاً سيئاً ذميماً، فنهى ولده أن يختلط بأولئك خشيةً من هذا الخلق.

    منذ مدة وأنا أعرف هذه القصة بتفاصيلها إلى حد ما؛ شاب كان قريباً من حينا، كان عمره يقارب الثمان عشرة سنة، وأهله أسرة طيبة لا نستطيع أن نحكم عليهم إلا بكل خير، لكن هذا الشاب عنده ضعف في الشخصية، فيأتي من يحب أن يختلط به، فيسمح بهذا الاختلاط، فتجده يجالس هذا، ويجالس هذا، ويختلط بهذا، نصحه الناصحون من أهل الخير وأهل الدين والاستقامة، قالوا: ابتعد عن فلان وعلان وعلان، فلم يجد جدوى من نصيحتهم، ما هناك شيء جديد من هذه النصيحة، الذي حصل أن أولئك الجلساء قبض عليهم ذات يوم وهو معهم في جريمة مخدرات، حبوب -والعياذ بالله- وهو لا يدري هذا المسكين، لا يدري أنهم يحملون هذا المخدر في جيوبهم، أو في سياراتهم، أو في خبايا منازلهم، لا يدري أنهم يستعملون هذا الشيء، فقبض عليه من ضمن من قبض عليه، ونال جزاءه، وخرج بستر الله، لكن بعد ماذا؟ بعد أن شوهت سمعته، ولطخت سيرته، وقيل: فلان بن فلان آل فلان وجدوه مع شلة فاسدة معها مخدرات وحبوب وغير ذلك.

    1.   

    الحرص على مصاحبة العلماء والحكماء

    إذاً ليس عجباً أن نحذر من جلساء السوء، ليس عجباً أن نحذر من الفساق، ليس عجباً أن ننصح باختيار الصديق الطيب الذي يعينك إذا تذكرت، ويذكرك إذا نسيت، وتجده دائماً صديقاً صدوقاً صادق الوعد منصفاً في معاملته معك، وفي معاملتك معه، هؤلاء هم الجلساء الذي ينبغي أن نختارهم، وينبغي أن نصحبهم، وإني أنصح نفسي وإياكم بمجالسة من هو أعلم منا، ومن هو أرفع منا، ومن هو أكبر شهامةً ورجولةً وكرامةً وعلماً بأخبار الأولين، وأخبار الرجال المتقدمين، وأهل السير؛ حتى نستفيد من طباعهم، ومن مجالستهم، ومن أسلوب حديثهم، إنك لتنظر الشاب في أول وهلة، فتعرف أن أباه شهماً كريماً، أو تعرف أنه من أسرة شهمة وكريمةٍ وذات رجولة، أو تعرف أنه قد تربى مع النساء والبنات، تعرف لأول نظرة حينما تسلم على الشاب، فتجده رجلاً جريئاً قوياً في الكلام مرحباً مهللاً بمن يقابله خلافاً لمن تجده خجلاً منكسراً لا يستطيع أن يرد أدنى الحديث متأثراً بمن جالس.

    إذاً فجالسوا الطيبين، جالسوا الأخيار، وأنتم ترون الإنسان حتى في فلتات اللسان تعرف من يجالس، العامي وهو العامي الذي لم يقرأ ولم يكتب، إذا جلست معه، تقول: هذا رجل يجالس العلماء، ولو تقول له: اكتب اسمك على الورقة، ما استطاع أن يكتب، لكن من حديثه تعرف أنه يجالس العلماء، والإنسان وقد يكون متعلماً حينما تتحدث معه، تقول: لا بأس هذا متعلم، لكنه كثيراً ما يجالس السفلة والغوغاء وسوقة الناس، كيف؟ نعرف ذلك من أسلوب حديثه ومن عباراته، لا يستطيع أن يأتي بالحديث على وجهه، ولا يستطيع أن يأتي بالكلام على متمه ومقاصده.

    إذاً فالإنسان يتأثر بمن يختلط به، وأنتم -يا شباب هذا المركز- أنتم -أيها الصغار- انتبهوا لأن الأولياء الذين معنا لم يبذلوا جهداً في التوجيه، لكني أحدث الشباب الصغار، وأخصهم بمزيد من النصيحة استفيدوا من المراكز، وخالطوا المدرسين، استفيدوا من الموجهين، من المشرفين: المشرف الثقافي، المشرف الاجتماعي، المشرف على المجال المعين، ولا تجعل جلوسك في المركز وخروجك سواء، أنت دخلت هذا المركز، ماذا استفدت؟ عندك سؤال، اذهب واسأل مدير المركز، اسأل رائد الأسرة، اسأل موجه الأسرة، في ذهنك شيء حتى ولو لم يكن متعلقاً بالمركز، اسأل؛ لأن الجرأة هي سبيل العلم.

    قيل لـابن عباس وهو ترجمان القرآن الذي مسح صلى الله عليه وسلم على رأسه وكان صغيراً، فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، يعني: علمه التفسير، قيل له: كيف نلت هذا العلم ؟، قال: [بلسان سئول] لا أتردد، دائماً أسأل، فأنتم أيها الشباب لا يكون الواحد منكم يدخل المركز ويخرج وما استفاد شيئاً، اسأل تتعلم، اسأل عن أي شيء يخطر على بالك، ولو لم يكن أمام عينيك، اسأل، ناقش حتى تخرج بحصيلة علمية، وليس عجباً قد يكون هذا المدرس الذي سألته لا يملك الجواب، وكثيراً ما نسأل عن أشياء ولا نعرف الجواب عليها، لكن نبحث عنها في الكتب، نبحث عنها في المراجع، نطلب من الأستاذ أو الموجه، أو المشرف، نطلب منه أن يبحث عنها وأن يفيدنا، هذه حاجتنا إليكم أيها الشباب أن تشبوا، وأن تنشئوا على مستوىً من الجرأة، وعلى مستوىً من الفهم.

    وينشأ ناشئ الفتيان منا     على ما كان عوده أبوه

    فتعودوا فعالاً طيبةً، وتشبهوا بالرجال الأوائل؛ بالصحابة .. بـالسلف الصالح .. بالقادة الفاتحين.

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهـم     إن التشبه بالكرام فلاح

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، وأسأل الله أن يعصمنا عن ما يسخطه، وأن يجنبنا ما يغضبه، وأن يوفقنا إلى ما يرضيه، وأشكر لإدارة المركز، وأشكر لأولياء الأمور هذا الحضور، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    مصاحبة شخص يظهر الطاعة ويبطن المعصية

    السؤال: يقول: يا فضيلة الشيخ! أنت تقول: يجب مصاحبة الشخص الذي يذكر اسمه في المجالس بالخير، ولكن هذا الشخص يفعل الخير أمام الناس وخلفهم يفعل غير ذلك العمل، فهل أحب مصاحبة هذا الشخص، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أولاً: يا أخي! واجبك إذا علمت رجلاً كهذا أن تكون محباً ناصحاً، لا أن تكون حاسداً شامتاً؛ لأن النصيحة هي من حقوق المسلم على أخيه، وإنما يحكم على الناس بالصلاح والفساد مما يظهر لنا من أفعالهم، فمن أظهر لنا خيراً، عرفناه به، ودعونا له به، ومن أظهر خلاف ذلك، جانبناه وتركنا مجالسته، لكن إذا علمت وتيقنت يقيناً في رجل صفته كما ذكرت، فعليك أن تنصحه نصيحةً طيبةً لعل الله أن يهديه على يديك، ومن ثم فالدنيا مليئة بالجلساء والطيبين والصالحين وطلبة العلم والأخيار، فلم تضق الدنيا بأهلها حتى لا تجالس إلا هذا، وإن كان واجبك نصيحته، وواجبك إسداء النصح والمعروف إليه بأسلوب المحب، بأسلوب الداعية الناصح اللطيف، وليس بأسلوب المتشمت المشهر، والله أعلم.

    أصاحب قرناء سوء منذ مدة ولم أتأثر بهم

    السؤال: أنا شاب في العشرين من عمري، ومنذ خمس سنوات وحتى هذا الوقت أجلس مع أصدقاء يلعبون الورق، ولا يحافظون على الصلاة، ويشربون الدخان، ولكني -ولله الحمد- أحافظ على الصلاة في وقتها، وبارٌ بوالدي، وأؤدي معهم كل واجب علي في الإسلام، ولكني أجلس معهم فقط مجرد جلوس؛ لأنه لا يوجد لدي أصدقاء غير هؤلاء؟

    الجواب: أخي السائل! أقول: ثبتك الله على استقامتك ودينك وصلاحك، ولكن أقول لك كما قال الشاعر:

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     صار الخراب لها أعدى من الجرب

    يقول العوام: (من بار الأجرب على الحول يجرب) لاشك أنك ستتأثر، السنة الأولى طيب ومطيع لوالديك، لكن السنة الآتية تقل صلاتك، وتقل طاعة والديك فتتأثر قليلاً قليلاً حتى تصبح-والعياذ بالله- من عداد الفاسدين، لا تخالط الأشرار ثقةً بنفسك أبداً، إنما ثق بالله واسأله الثبات، وخالط الأخيار الذين يعينونك كما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28].

    لما طمع صلى الله عليه وسلم في إسلام صناديد قريش لـأبي جهل، الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط وكبار القبائل في قريش، طمع صلى الله عليه وسلم فيهم وفي إسلامهم، وكأنه انشغل قليلاً عن بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وغيرهم أنزل الله عليه قوله وهو رسول الله المعصوم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28].

    الزم هؤلاء، جالسهم، خالطهم، تأثر بهم واستفد منهم أيها الشاب، ينبغي أن تتأثر بالطيبين الصالحين؛ لأنك لا شك سوف تتأثر إذا علمت أن الإنسان قد يختم له بخاتمة السوء -والعياذ بالله- بسبب المجالسة السيئة، فـأبو طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم كان بالإمكان -وقد جرى القلم فيما جرى به، وكتب في اللوح ما كتب فيه- كان بالإمكان أن يموت على ملة إبراهيم على دين الإسلام، لكن جلساؤه وما سبق له من الخاتمة -والعياذ بالله- لما أن جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول يعرف معروف عمه أبي طالب عليه؛ لأنه حماه ورحمه ورأف به مما يفعل به المشركون أعداء الدعوة، فكان أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم من واجبه أن يدعو عمه، فجاء إلى عمه -وقد كان مريضاً مرض الموت- قال: (يا عم! كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله، قل: لا إله إلا الله) فقال الصناديد الكبار من قريش: أتترك دين الآباء والأجداد يا أبا طالب ؟! ورسول الله يترجاه، ويتمناه، ويدعوه (يا عم! كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله، قل: لا إله إلا الله)، وهم يقولون: أتترك دين الآباء والأجداد يا أبا طالب ؟! حتى فاضت روحه، وقال قبل أن يموت: هو على ملة عبد المطلب، يعني: أبو طالب قال عن نفسه أنه مات على ملة عبد المطلب، ملة الأصنام والأوثان عياذاً بالله، فهذا هو أثر الجلساء، والجلساء لهم خطر عظيم.

    ثم يا أخي! لو فرضنا وسلمنا تسليماً جازماً أنك لن تتأثر بهؤلاء الذين يشربون الدخان، ويتهاونون في الصلاة، وقتك أين يذهب؟ ألست مسئولاً أمام الله عن وقتك: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه) شبابٌ فيما أبليته، وعمرٌ فيما أفنيته، ماذا تقول عند ربك حينما يسألك ويسائلك؟، تقول: يا رب! جلست معهم وهم يلعبون الورق، تقول: يا رب! جلست معهم وهم يدخنون، هذا جواب! هل يسرك أن تلقى الله بعمل كهذا؟! هل يسرك أن تموت وأنت على صحبة المدخنين والفساق؟!

    أسأل الله لي ولهم الهداية؛ لأن من كان مصراً على المعصية لاشك أنه فاسق، لكن من ارتكبها وهو يريد التوبة، أو عزم على التوبة، فنسأل الله لنا وله الهداية، الوقت أثمن من ذلك كله، ومن أنت حتى لا تتأثر؟ كما قلنا آنفا: من هو الذي لا يتأثر؟، إذاً فلابد أن تنتبه، ثم أيضاً ما هي النتيجة؟ اعرض عقلك، ناقش نفسك حينما تأوي إلى الفراش، اجلس يوماً مع العلماء والرجال حتى إذا لم تجد من العلماء من تجلس معه، اجلس مع كبار السن من الرجال أهل الشهامة والمروءة، فتجد أنك قد تعلمت منهم أحاديث فيها عبر، وتعلمت منهم طباعاً حميدةً يحمدك الناس بها، وليس الحمد هو المقصود، لكن تبدو في فعالك ومعاملاتك، لكن اجلس مع هؤلاء، أقل الأحوال تأوي إلى فراشك وثيابك كلها رائحة دخان، أقل الأحوال تعود إلى بيتك وأولادك قد ألفوا منك رائحة الدخان، فمادام والدهم يجالس الذين يدخنون، فنحن -الأولاد- من باب أولى نجالس المدخنين، لأن والدنا يجالسهم، ثم بعد ذلك إذا لم تتأثر أنت، أولادك يتأثرون، مادام أنك لا ترفع نفسك عن مستوى أولئك، وتجعلهم يدخلون في بيتك، ويشربون الدخان في دارك وأولادك ينظرون، فلا غرابة أن يذهب أحد أولادك ويجلس في بيوت الذين يدخنون، ويجلس في بيوت الذين يلهون، والأمر في النهاية مضرة عليك، وعلى أولادك، وهذا سؤالٌ وجيه جداً، وأسأل الله أن تكون الإجابة شافية.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.