إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [17]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه)، فذكر الأذنين في هذا الحديث وهم وغلط والصحيح عدم ذكرهما. ومنها حديث أبي وائل: (أن عثمان مسح رأسه ثلاثاً)؛ لتفرد عامر بن شقيق به، ونكارة لفظه بذكر التثليث في مسح الرأس. ومنها حديث علي في تثليث مسح الرأس، وحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه مرتين)؛ لوهم سفيان بن عيينة فيه. ومنها حديث: (مسح رأسه حتى بلغ القذال) فقد تفرد به ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وفيه مصرف والد طلحة لا يعرف حاله.

    1.   

    حديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فالحديث الأول في مجلس هذا اليوم: هو ما رواه الحاكم في كتابه المستدرك من حديث محمد بن أحمد بن عبيد الله عن عبد العزيز بن مقلاص و حرملة , كلاهما عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع عن عمه عن عبد الله بن زيد: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأخذ لأذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه ).

    هذا الحديث جاء من طريق عبد الله بن وهب , وهو فرد من هذا الوجه, ولكن قد وقع في متنه اختلاف, فتارة يروى بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه ), وتارة يروى بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماءً غير الماء الذي أخذه ليديه ), وثمة فرق بين المسألتين, فالمسألة الأولى هي مسح الأذنين بماء جديد, والثانية هي مسح الرأس بماء جديد, وذكر الأذنين في هذا الحديث منكر, والصواب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماءً غير الماء الذي أخذه ليديه, وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ ماء لأذنيه مستقلاً فالزيادة في ذلك منكرة, وقد تفرد بهذا الحديث محمد بن أحمد عن عبد العزيز بن مقلاص و حرملة عن عبد الله بن وهب , وهذا الحديث رواه جماعة عن حرملة كما جاء في السنن من حديث قتيبة و أسلم كلاهما عن حرملة عن عبد الله بن وهب به, فلم يذكروا الأذنين فيه, فدل على أن ذكر الأذنين في هذا الحديث وهم وغلط, والصواب في ذلك عدم ذكرهما.

    وهذا الحديث أيضاً جاء من وجه عند البيهقي من حديث الهيثم بن خارجة عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث به وذكر الأذنين, وهذا الحديث ظاهر إسناده الصحة, ولا تعضد هذه الرواية ما تقدم, وذلك أن هذا الحديث قد روي من غير هذا الوجه عن حرملة عن عبد الله بن وهب , و الهيثم قد تفرد بهذه الرواية ولا يقبل تفرده بمثلها, وقد جاء هذا الحديث عن عبد الله بن وهب رواه عنه جماعة, رواه عنه هارون , كذلك يزيد و وكيع وجماعة, كلهم لم يذكروا هذه الزيادة, فدل على أن ذكر الأذنين في هذا الحديث منكر, ولا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث أبي وائل: (فمسح على رأسه ثلاثاً)

    الحديث الثاني: وهو حديث أبي وائل شقيق ( أنه رأى عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى يتوضأ, قال: فمسح على رأسه ثلاثاً ), فذكر التثليث في حديث عثمان منكر, وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد و أبو داود من حديث يحيى عن إسرائيل عن عامر بن شقيق عن شقيق أبي وائل عن عثمان بن عفان .

    وهذا الحديث معلول بعلل:

    أولها: أن عامر بن شقيق قد تفرد بهذا الحديث في ذكر صفة الوضوء عن عثمان , وتقدم معنا حديث فيه مفاريد عامر بن شقيق في حديث عثمان , فتقدم معنا ذكر تخليل اللحية في الوضوء, وذكرنا أنه قد تفرد بهذه الرواية عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى, وعلى هذا نعلم أن عامر بن شقيق مع كونه في نفسه صدوقاً إلا أن في حفظه ليناً, وما يتفرد به عن الثقات لا يقبل, وحديثه قد تفرد به بهذا الوجه, وقد تفرد في حديث عثمان بجملة من الأحكام:

    منها: تخليل اللحية في الوضوء, ومنها: تخليل الأصابع, ومنها: مسح الرأس ثلاثاً, وتقدمت الإشارة معنا إلى ذكر تخليل اللحية في حديث عثمان بن عفان .

    وعامر بن شقيق تفرد بهذا الحديث عن أبي وائل فاضطرب فيه, وهذا الحديث قد رواه جماعة عن إسرائيل عن عامر بن شقيق , ولم يذكروا الزيادة فيه, أعني: التثليث في مسح الرأس, رواه عن إسرائيل جماعة؛ فرواه وكيع و شعبة , و عبد الرحمن بن مهدي وجماعة, فلم يذكروا مسح الرأس ثلاثاً, فدل على أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة, وأن عامر بن شقيق قد تفرد بذلك.

    وتقدم معنا الإشارة إلى شيء من طرائق العلل عند العلماء, وأنهم يعلون الحديث بأقوى علة فيه, ويجتنبون العلل التي تعد دون ذلك إلا إذا كان ثمة أحاديث قد تعضد هذا الحديث ونحو ذلك, أو هناك قرائن ترد بالدلالة على معنى الحديث, فيطرح الحديث بجميع العلل فيه حتى تتبين, وأما إذا كانت علة واحدة تكفي وهي قوية فتورد هذه العلة.

    ولدينا هنا مخالفة يحيى في روايته هذا الحديث عن إسرائيل , ورواه جماعة عن إسرائيل ولم يذكروا مسح الرأس ثلاثاً, فتفرد يحيى في هذا الحديث لا يعل بيحيى؛ لأن الإعلال بـعامر أشد, ولكن قد تكون علة يحيى علة مع كون يحيى من الثقات, لكن خالفه من هو أوثق منه وأكثر عدداً فردت هذه الرواية, ولكن لما كان الحديث ربما يصل إلى الثقة بواسطة راوٍ لا يضبط الحديث؛ كـعامر بن شقيق , فعامر بن شقيق إذا حدث بحديث تارة يرويه على وجه، وتارة يرويه على وجه آخر, فعلى هذا إذا علمنا أن عامراً في روايته لهذا الحديث ربما وهم فيه فذكر التثليث، وربما لم يذكره في الحديث, فالراوي عنه يرويه على الوجهين ولا لوم عليه فيه؛ لأن الراوي في ذلك ثقة ويرويه على الوجوه التي تحكى.

    وتقدم معنا هنا مراراً أن الراوي الفقيه يضبط المعاني ولا يروي الاضطراب الذي يرويه قليل الضبط, فـيحيى هنا ليس من الأئمة الفقهاء, وما يروي عنه الراوي من الروايات في الحديث يرويها على وجهها, سواء ذكر ثلاثاً أو اثنتين أو واحدة, وإذا اضطرب في ذلك فيرويها؛ لأنه لا يدري ما هو الصحيح, مع كونه ثقة في ذاته حافظاً, ولكن الأئمة الذين رووه عن إسرائيل وهم أكثر لم يذكروا إلا الرواية الصحيحة, وبهذا يمتاز الراوي الضابط لحديثه الفقيه الذي يعرف أن هذه الألفاظ خطأ في الحديث فلا يوردها, ولا ينقلها عن الراوي الذي حدث عنه, وبهذا نعلم أن العلة ليست من يحيى وإن كان في ذكره للتثليث مع كون التثليث في مسح الرأس مستنكر؛ لأنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه.

    ويحيى لو كان من أئمة الفقه وأهل الدراية لتوقف عند هذه اللفظة, إما بالشك والاسترابة، وخاصة أن هذا الحديث يروى عن عثمان , و عثمان بن عفان حديثه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتهر جداً, وجاء من طرق كثيرة, فيرويه عنه حمران مولى عثمان , وأبان, وكذلك زيد يرويه وهو من مواليه أيضاً عن عثمان, ويرويه عروة عن عثمان, وجماعة يروون حديث عثمان في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها ذكر التثليث.

    ثم أيضاً ليس من الفتاوى المعروفة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر التثليث, وإنما ذلك أقوال جماعة من التابعين, وبهذا نعلم أن الحديث منكر لما تقدمت الإشارة إليه لحال عامر بن شقيق .

    ثانيها: وهي علة دونها, وهي تفرد يحيى بروايته عن إسرائيل .

    ثالثها: أن اللفظة في حديث عثمان منكرة, ووجه النكارة في حديث عثمان ذكر التثليث وأن ذكر التثليث عن عثمان من هذا الوجه مع ورود وجوه أقوى من ذلك دليل على نكارتها.

    رابعها: أن عثمان لصيق برسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو ممن يخالط النبي صلى الله عليه وسلم ويجالسه كثيراً, ومثل هذا ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار؛ من كبار الفقهاء.

    خامسها: أن عثمان من الصحابة المتقدمين, ووفاته متقدمة بالنسبة لرواج الفقه, فإذا كان الفقه متقدماً في مدرسة متقدمة فينبغي أن يأخذه المتقدمون من الفقهاء عن عثمان , وإذا كان هذا قد ثبت عن عثمان ولم ترد فتوى عن كبار التابعين في ذلك فإن هذا من قرائن الإعلال, بخلاف إذا كانت هذه الزيادة مثلاً لصحابي صغير, وكانت روايته للحديث متأخرة, فالمتقدمون من التابعين الذين يلقون الكبار ولم توجد لهم فتاوى في ذلك قد يقال: إن هذا ليس من التعليل؛ لأن الصحابي الصغير يحدث بالمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متأخراً؛ لوجود الكبار من الصحابة, لأنهم كان بعضهم يجل بعضاً, فـعبد الله بن عباس مع جلالة قدره وعلو منزلته لم يكن يحدث في زمن عمر ؛ مع كونه عالماً, وكان عمر يقدمه ويجله, بل كان يقدمه على أشياخ من الصحابة متقدمين عليهم رضوان الله تعالى إلا أنه لا يفتي في زمن عمر إلا قليلاً فيما يوافق فيه عمر , ولا يكاد يفتي في مسألة في زمن عمر يخالف فيه عمر إلا والفتاوى في ذلك مما يأذن بها عمر ؛ وذلك جمعاً للكلمة, وأما بالنسبة للكبار ممن يفتون في ذلك؛ كحال عثمان , و عمر , فإنهم يفتون في المسائل ولو كانوا متعاصرين لاستوائهم أو تقاربهم من جهة المنزلة والقدر وكذلك مخالطة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كذلك أيضاً فإن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في مسألة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم روى صفة الوضوء عنه جماعة كثر؛ كـعبد الله بن زيد و عبد الله بن عباس و ابن عمر و المغيرة , و عثمان , و عمر بن الخطاب , ولم يأتي مسح التثليث للرأس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في روايات في بعض طرق الأحاديث عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومسح الرأس كما تقدمت الإشارة إليه مراراً هو من الأمور التي يحتاج إليها, فهو مما تعم به البلوى, فمسح الرأس يعم به البلوى؛ الإنسان يتلبس به كثيراً في اليوم والليلة, فلما لم ينقل عدد في ذلك مع ذكر العدد لما قبله وما بعده بل ذكر العدد لما دونه أيضاً, كالمضمضة والاستنشاق فمسح الأذنين دون المسح, وبهذا نعلم أن الأحكام إذا وردت وهي دون المسألة, وذكر ما يعل به الأشهر لقلة وروده أو وروده من وجه غريب أو ضعيف فإن هذا من علامات الإعلال.

    فمسح الرأس من أركان الوضوء ولا خلاف عند العلماء فيه, وإنما المسألة في ذكر العدد في مسح الرأس, فلما جاءت الصفات في صفات الوضوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر العدد قبل الرأس وبعده ثلاثاً ثم يترك الرأس بلا عدد في عامة المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة دل على أن العدد لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح.

    والأمر الآخر: ما تقدمت الإشارة إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه ( أنه تمضمض ثلاثاً, واستنشق ثلاثاً, بل واستنثر ثلاثاً ), وهذا على قول جماعة من العلماء أن هذا ليس من الواجبات, فإعلال الحديث بمثل هذه القرائن وجيه؛ وذلك أنه ينبغي لطالب العلم في حال نظره لرواية من المرويات أن ينظر للمسائل المقترنة في هذا الباب.

    وبهذا نعلم أن العلل في حديث عثمان في هذه الرواية التي فيها ذكر التثليث كثيرة, منها ما يتعلق بالمتن وهي قرائن عديدة, وما يتعلق أيضاً بالإسناد لوجوه متعددة وكثرة الطرق المروية في ذلك عن عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى.

    وكذلك أيضاً لوجود المغايرة في الإسناد في مواضع أخرى, وذلك أن عامر بن شقيق قد اضطرب في حديث عثمان كما تقدمت الإشارة إليه في ذكر تخليل اللحية وتخليل الأصابع ومسح الرأس ثلاثاً, وهذا أيضاً من القرائن أن الراوي إذا روي عنه الحديث في أكثر من وجه فرواه في أكثر من مرة على أكثر من وجه فهذا من علامات الإعلال.

    وتقدم معنا أيضاً الإشارة إلى أنه ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يحكم على حديث من الأحاديث أن يرجع إلى كتب المسانيد التي تورد المتون تامة؛ حتى يعرف المغايرة, ولا يرجع إلى الكتب التي توضع على الأبواب؛ كالسنن ونحو ذلك؛ وذلك أن الأئمة لا يقصدون إيراد الحديث تاماً, وإنما يريدون إيراده بحسب مناسبة الباب، خاصة في الأحاديث الطويلة, أما الأحاديث القصيرة فإنهم يوردون في ذلك الحديث بتمامه.

    1.   

    حديث علي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح رأسه ثلاثاً)

    الحديث الثالث في هذا: هو حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح رأسه ثلاثاً ), هذا الحديث يرويه عبد خير عن علي بن أبي طالب في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم و عبد خير يرويه عنه خالد بن علقمة وهو ثقة, و خالد بن علقمة اختلف عليه في هذا الحديث, فرواه عنه أبو حنيفة النعمان الإمام الفقيه المعروف, رواه عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح رأسه ثلاثاً ), فهذا الحديث عن خالد بن علقمة رواه عنه جماعة من الثقات ولم يذكروا التثليث فيه, فرواه عنه شعبة بن الحجاج , وسفيان وغيرهم من الثقات وكلهم يذكرون مسح الرأس مرة, وتارة لا يذكرون العدد, فـأبو حنيفة مع جلالة قدره وهو من أهل الرأي إلا أنه في ضبط المرويات فيه لين, فخالف من هو أوثق منه في حديث علي , وحديث علي في صفة الوضوء رواه عنه غير واحد ولم يذكروا التثليث فيه.

    1.   

    ما ينبغي النظر إليه عند الحكم على الراوي إذا كان فقيهاً

    وهنا مسألة من قرائن العلل أن طالب العلم إذا وجد في الإسناد راوياً فقيهاً فلينظر إلى إكثاره من المرويات, فإذا كان من المكثرين في المرويات إكثاراً يوازي فقهه فإن هذا من علامات الضبط, وأما إذا كان إكثاره من المرويات لا يوازي المروي عنه في الفقه فإن هذا دليل على قصوره في أبواب الرواية والضبط, و أبو حنيفة من المكثرين في أبواب الفقه والرأي والنظر والقياس وغير ذلك, ولكنه في أمور الرواية مقل مقارنة بفقهه المروي عنه, وهذا علامة على قلة ضبط المرويات, وهذه خصلة كثيرة عند أهل الرأي من أهل الكوفة, فيروون أحاديث يسيرة ويكثرون من القياس عليها, فربما حمل الواحد منهم الحديث على بعض الأحاديث الأخرى فزاد عليه تغليباً للظن, ومعلوم أن الحنفية يقيسون العدد في الوضوء على جميع الأعضاء, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ ثلاثاً ليديه فإن بقية الأعضاء على السواء, فيكون ثلاثاً, فحينما يروي الفقيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أهل الرأي في هذا؛ فيروي حديثاً ويذكر العدد في موضع لم يذكر دليلاً لأنه استعمل القياس, وغلب على ظنه ذلك فوقع في الخطأ, وإنما أثر عليه قلة مرويه عنه عليه الصلاة والسلام, وكيف أثرت قلة مرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وذلك لأن مقل الرواية إذا لم يكن مكثراً من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عارفاً لتباين الأحوال, فـالنبي صلى الله عليه وسلم قد يفرق من جهة العدد فيما هو من العمل الواحد, فيباين مرة ويباين أخرى, فإذا أكثر من حفظ هذه المرويات عرف أن الشريعة لا تطرد في الصور التي تشترك في حكم واحد؛ فعلى سبيل المثال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس الركعتين الأوليين يطيل فيهما, والركعتين الأخريين في الرباعية يقل فيهما, فإذا كان الراوي مقلاً في الرواية ويروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه سيحمل الأخريين على الأوليين من جهة الإطالة, ويجعل حكمهما واحد, وهذا ما يفعله أهل الرأي, حتى في الصلاة, وهذا ما ينبغي الالتفات إليه؛ أن الراوي صاحب الرأي إذا كان مكثراً فإن هذا من علامات التحفظ عند المخالفة؛ كما في مخالفة أبي حنيفة عليه رحمة الله للأجلة من الرواة الذين رووا هذا الحديث بعدم ذكر التثليث بمسح الرأس, وهذا ما تقدمت الإشارة إليه أيضاً من أن الراوي الفقيه إذا وجد في الإسناد فليوازن ذلك بين مرويه وبين فقهه ويعادل في ذلك, فإذا كان من أهل الفقه المكثرين في ذلك والمقل في الرواية فهذا دليل على أنه يستعمل القياس كثيراً, فيؤثر ذلك على معاني المتون, فربما زاد فيها تغليباً للظن أو اتهاماً لمن حدثه أنه ربما أضمر واختصر فزاد ذلك؛ لأن كثيراً من الرواة يضمر بعض الأفعال فيما يظن أنه مشهور, فإذا قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل رجليه ثلاثاً؛ فيلزم من ذلك أن ما قبل ذلك أنه غسل اليدين وتمضمض واستنشق ونحو ذلك, فيلحق العدد في أعضاء الوضوء تغليباً للظن, وهذا فيه ما فيه, ولهذا يذكر العلماء أن الراوي الفقيه علامة على تغيير الحديث, وذلك أن الراوي صاحب الرأي يروي الحديث بحسب مذهبه؛ لأنه لم يعتمد على ضبط المرويات, فلهذا تجد كتب أهل الرأي من الحنفية خاصة مليئة بالأحاديث المروية بالمعاني, فيروونها ثم يدللون عليها, فيروونها بحسب سياقات وألفاظ الفقهاء المتقدمين من أصحابهم, فيدللون ويفرعون عليها, وهذا موجود في كثير من فتاواهم, وربما بعض الألفاظ في الأحاديث تريد أن تبحث عنها فلا تجد لها أصلاً بهذا اللفظ, مما يدل على أن هذه اللفظة هي من تغييرات الفقهاء, وهو كثير عند الحنفية وموجود أيضاً عند غيرهم لكنه قليل, ويوجد أيضاً بقدر متوسط عند المالكية في مصنفاتهم, ويليهم في الضبط في ذلك قلة الشافعية ثم الحنابلة في هذا مع وجود تغيير بعض الألفاظ, ومن نظر مثلاً في كتاب المغني أو الشرح الكبير ونحو ذلك يجد هناك بعض الأحاديث التي تغير؛ وذلك أن الفقيه يروي بالمعنى, فينبغي له الاحتراز, وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن الراوي إذا خالف في حديث من الأحاديث وكان من أهل الرأي فينظر إلى الراوي ولو كان دونه في الضبط إذا كان ممن يعتمد عليه ويحتج به يقدم عليه إذا كان لديه شيء من الفقه في هذا.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه مرتين)

    الحديث الرابع: وهو حديث عبد الله بن زيد: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه مرتين ), ذكر مرتين ولم يذكر ثلاثاً.

    هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه مسح على رأسه في وضوئه مرتين ).

    وهذا الخبر وهم فيه سفيان بن عيينة مع جلالة قدره وإمامته, قد قال بوهمه في هذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ كـالبخاري في التاريخ, و النسائي و الدارقطني وجماعة, وقد وهم في هذا الحديث في موضعين:

    الموضع الأول: أنه جعل عبد الله بن زيد هذا هو صاحب الأذان, وليس كذلك, وهو صاحب وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الموضع الثاني: في ذكر العدد في مسح الرأس.

    وقد رواه جماعة عن عمرو بن يحيى , فرواه مالك بن أنس و وهيب بن خالد , و خالد الواسطي وجماعة, كلهم يروونه عن عمرو ولم يذكروا فيه مرتين, وإنما عرفنا وهم سفيان في هذا بأمور:

    الأمر الأول: مخالفة الكثرة من الحفاظ.

    الأمر الثاني: أن سفيان بن عيينة من الأئمة الحفاظ أصحاب الفقه, فهو صاحب مدرسة فقهية, وهو مكي, من أئمة مكة, وإذا ثبت عنده مسح الرأس مرتين فينبغي أن يظهر هذا في فتاواه, ولو كان له أصل في المروي فينبغي أن يكون في شيوخه كـعمرو بن دينار أو فقهاء مكة على سبيل العموم؛ كـسعيد بن جبير و عكرمة وغيرهم, وهذا لم يوجد عندهم, فدل على أن هذا من الأوهام اللفظية التي طرأت على سفيان بن عيينة , وقد نبه على هذا الإمام أحمد رحمه الله, فنبه على أن سفيان قد وهم في هذا الحديث, فتارة يذكر مرتين وتارة يذكر مرة وتارة يذكر ثلاثاً وتارة لا يذكر العدد, ومسح الرأس لا يوجد في فتاوى المكيين من المتقدمين, و ابن عيينة صاحب أثر وسنة, وكان الإمام أحمد عليه رحمة الله يعتمد عليه, والإمام أحمد يعتمد عليه كثيراً في أقواله في المروي عن المكيين, حتى لو لم يجد في ذلك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في مسألة دعاء ختم القرآن في الصلاة, فقال: فعله ابن عيينة , فإشارة إلى جلالة قدر سفيان , وأنه يعتمد على الأثر في ذلك, ولما كان سفيان بن عيينة قد وقع في وهم في هذه الرواية وثبت عند الأئمة أن هذا لم يكن من مضبوطه تُرك, وكذلك لم يجد له أصلاً في شيوخه أيضاً.

    الأمر الثالث: أن طبقة سفيان بن عيينة متأخرة, ولو ثبت هذا الحديث عن عمرو وعن شيخه أو عن عبد الله بن زيد لوجد أيضاً نقلاً في أقوال أصحابهم, ولما لم يوجد دل على أنه من الألفاظ التي طرأت سهواً على لسان سفيان بن عيينة عليه رحمة الله. فإن سفيان قد أخذ عنه الفقه جماعة من غير المكيين, فلم يرو عنه واحد لا في مسائل الفقه في الفتيا ولا من جهة الرواية أيضاً.

    وإذا أردنا أن ننظر إلى المروي في هذا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسح الرأس ثلاثاً فإننا نجد أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه ثلاثاً, وإنما هي أقوال قلة من التابعين, وهو يغلب في أقوال الكوفيين, وهذا من قرائن الإعلال أيضاً.

    1.   

    حديث: (مسح رأسه حتى بلغ القذال)

    الحديث الخامس: هو حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه حتى بلغ القذال ), يعني: مسح رأسه حتى مسح العنق من الخلف.

    وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتابه المسند و أبو داود أيضاً في سننه من حديث ليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث: (مسح رأسه حتى بلغ القذال)

    وهذا الخبر منكر, وهو معلول بعلل:

    أولها: أنه من مفاريد ليث بن أبي سليم , وهو ضعيف بالاتفاق, وتقدم معنا الكلام عليه, وقد نقل اتفاق العلماء على تضعيفه النووي وغيره.

    الأمر الثاني: أن مصرفاً والد طلحة لا تعرف حاله, وجده الذي يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلف في صحبته, وقد أنكر هذا الحديث جماعة من الحفاظ, فأنكره سفيان بن عيينة , و علي بن المديني والإمام أحمد و يحيى بن سعيد وغيرهم, ووجه النكارة أن هذه السلسلة ينبغي ألا تنفرد بأحكام, ولهذا يقول ابن عيينة : أيش طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده؟ يعني: ما هو ميزانه؟ من هذا الذي يأتي بمثل هذه المرويات وهذه الأحكام عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

    ثم أيضاً: الأحكام ينبغي أن يحملها من هو أوثق وأقوى وأصحاب الفقه والدراية ليسوا أوثق من أهل المدينة ومكة, و ابن عيينة إنما قال هذا الكلام؛ لأنه مليء اليد بفقه أهل الحجاز, يعني: كأنه يقول: من أين جاء هذا الحديث بهذا الإسناد؟ يعني: أنه لا ميزان له.

    الأمر الثالث: أن هذا المعنى لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر مع كثرة المرويات في صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام, فجاءت صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة, ومع ذلك لم يثبت عن أحد ممن ذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رواه عنه من وجه يعتمد عليه.

    كذلك أيضاً: لم يثبت عن الصحابة الذين رووا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح العنق, إلا ما جاء عن عبد الله بن عمر ويأتي الكلام عليه.

    مسح العنق في الوضوء

    فمسح العنق إذا قلنا أنه من أعضاء الوضوء, و النبي صلى الله عليه وسلم يمسحه؛ إما أن يكون منفرداً وإما أن يكون تابعاً للرأس, فإذا كان منفرداً فينبغي أن يمسح في حال المسح على العمامة ومسح المرأة على خمارها, ولم ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح عليه؛ إذاً: فهو عضو مستقل.

    وإذا كان تابعاً للرأس فمسحه قبل الأذنين فلماذا يُقفز حكمه ويُذهب إلى الأذنين وتترك الرقبة, هذا دليل على النكارة, أن ثمة وهماً وغلطاً في هذا الحديث, وربما قصد أنه أوشك على وصول العنق وهو يمسح رأسه, ولكن إنما نورد هذا الحديث؛ لأنه يستدل به جمع من الفقهاء على مسح العنق, يستدل به جماعة من الفقهاء من المالكية, وبعض الفقهاء من الحنابلة, وبعض أهل الرأي على مسح العنق, واعتمادهم في ذلك على هذا الحديث, ولكن نقول: إن هذا الحديث منكر إسناداً ومتناً؛ للتفرد به من جهة المعنى, وينبغي أيضاً أن ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه. ويكفي أيضاً أن مسح العنق عند الفقهاء من أهل الحجاز لا يروى عن واحد منهم, فالفقهاء السبعة من أهل المدينة, وكذلك أيضاً فقهاء مكة لم يكونوا يقولون بمسح العنق, ولو كان مما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا به أثراً فإنه لا بد أن يأتوا بشيء من ذلك من جهة العمل, أو من جهة الفتيا مع كثرة ووفرة الأقوال المروية عنهم فيما هو دون ذلك, ولهذا نقول: إن هذا الحديث منكر إسناداً ومتناً, وقد أنكره سائر الأئمة, وقد بين نكارته جماعة؛ كالإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى وغيره.

    نقف هنا.

    1.   

    الأسئلة

    حال الحنفية مع رواية الحديث

    السؤال: [ ما هو حال الحنفية مع رواية الحديث؟ ]

    الجواب: الحنفية معروفون بالتشدد في رواية الحديث لكثرة الكذب في الكوفة, فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم اشتهر في الكوفة فكانوا يحترزون, فهي منقبة من وجه ومنقصة من وجه, فإذا كان الكذب يشتهر في الكوفة فتحترز في الكوفة وتنفتح عن المدينة ومكة, هذا هو الأولى أنك تأخذ النصوص من أهلها, لكن تقول مثلاً: الكذبة يتكاثرون في الكوفة علي أن أُحجم عن الرواية وأشدد, إذاً: ارتحل, خذها من منابعها, والنصوص المروية عن أبي حنيفة عليه رحمة الله التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الموقوفات أيضاً على بعض الصحابة الإشكال يكون من أبي حنيفة في أحيان وفي أحايين يكون من شيخه حماد بن أبي سليمان , فهو الذي يكثر عنه أبو حنيفة النقل, وهو أيضاً قريب الحال من أبي حنيفة من جهة ضبط المرويات, وكذلك اعتماده على الموقوفات يقل في الرواية, قد يكون احترازاً أو ورعاً أو نحو ذلك, فيروي الموقوفات ويندر روايته للمرفوعات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم الزيادة في الحديث

    السؤال: [ ما حكم الزيادة في الحديث؟ ]

    الجواب: الزيادة تختلف, الزيادة إذا جاءت في ثنايا حديث ليس لها قاعدة مطردة, وإنما تُعمل في ذلك القرائن, من جهة قيمة هذه الزيادة في المتن وقيمتها من جهة الفقه, قيمتها من جهة العمل, عمل الناس بها, وهل هذه الزيادة مقصودة في رواية الحديث أو ليست مقصودة, فهناك زيادات تكون في الحديث لكنها ليست مقصودة من الرواية, وهناك زيادات مقصودة من الرواية ولم تورد, فهذا دليل على نكارتها, فهناك قرائن كثيرة قد أشرنا إليها في مجالس وأشرنا إليها أيضاً في شرح النكت وغيرها.

    مر وقد مر معنا حديث لـطلحة بن مصرف عن أبيه عن جده, وإسناده مشابه لـطلحة بن مصرف الذي مر معنا اليوم بنفس الإسناد الذي هو ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده, ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين المضمضة والاستنشاق ), وهي نفس العلة, وتقدم معنا الإشارة إليها.

    حال رواية الليث بن سليم

    السؤال: [ هل ترد رواية الليث إذا تفرد؟ ]

    الجواب: ليث لا تقبل مطلقاً, تفرد أو لم يتفرد, ولا يُقبل أيضاً في المتابعة, يقبل في التفسير؛ لأنه كتاب, أما في الحفظ فلا يحفظ, وهو قد أخذ كتاب القاسم بن أبي بزة في التفسير فأخذ يرويه, حتى يقال: إن سفيان قال: قولوا لليث : يعيد كتاب القاسم بن أبي بزة فإنه كان لا ينام, أخذ الكتاب وما أرجع الكتاب, ولكنه كان صاحب ديانة, أما الحفظ فلم يؤت حفظاً.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736055614

    عدد مرات الحفظ

    684477344