إسلام ويب

أحكام الخطبة [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كره الشارع للمسلم نكاحه بنوعين من النساء، وهما المحرمة والزانية، وحض على الكفاءة في الدين عند الاختيار مع السلامة من العيوب والأمراض، ولم يعتبر النسب ولا الغنى ولا السن من الكفاءة، ولا حدد وقتاً للعقد، وندب أن يكون في المسجد مع الدعاء بالمأثور للزوجين، وجعل للنكاح أركاناً ثلاثة لا يصح إلا بها وهي: الصيغة والزوجان والولي، ولكل ركن أحكام تخصه.

    1.   

    تلخيص لما سبق ذكره من معنى النكاح وأحكام الخطبة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد تقدم معنا الكلام عن معنى النكاح، وعرفنا أنه في اصطلاح القرآن يطلق ويراد به: العقد، ويطلق ويراد به: الوطء، وعرفنا بأن النكاح في الشرح: عقد بين الرجل والمرأة، يبيح استمتاع كل منهما بالآخر، وعرفنا أن الحكم العام للنكاح مندوب إليه، فالنكاح سنة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني )، إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون واجباً، وقد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، فإذا انتفت الدواعي الموجبة للنكاح وانتفت الموانع المحرمة أو المكرهة له فإن النكاح يرجع إلى حكم الإباحة، ومشروعية النكاح راجعة إلى المحافظة على النوع الإنساني، وإيجاد سبيل مشروع لتصريف الشهوة، وحصول السكينة والمودة والرحمة بين الزوجين، والتعارف بين الناس فيما بينهم.. إلى غير ذلك من الحكم العظيمة، والمصالح الكبيرة، كالاستقرار النفسي والعاطفي للأسرة، وغير ذلك مما يجمعه قول ربنا جل وعلا: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72].

    وقوله جل جلاله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21].

    وأول خطوة يخطوها من يريد النكاح هي الخطبة، بمعنى: أن يتقدم الرجل أو وكيله إلى ولي المرأة طالباً الزواج منها، وهذه هي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه الخطبة ذكرنا أن لها مندوبات ستة:

    أولها: مشاورة أهل الفضل؛ فالإنسان قبل أن يخطب امرأةً فإنه يستشير أهل الفضل ممن يتمتعون بالنظر الثاقب، والعقل الراجح، والدين المتين، وقد استشارت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خطبها معاوية و أبو الجهم رضي الله عنهما، فأشار عليها بأن تنكح أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

    المندوب الثاني: أن يختار الإنسان ذات الدين، ويحرص عليها؛ كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ).

    المندوب الثالث: أن يحرص على أن تكون مخطوبته بكراً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فهلا بكراً تداعبها ).

    المندوب الرابع: نظر الخاطب إلى المخطوبة؛ بأن ينظر إلى وجهها وكفيها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما )، أي: أن تدوم بينكما المودة والرحمة.

    المندوب الخامس: الخُطبة وقت الخِطبة، يعني: إما أن يقوم الخاطب أو يقوم عنه وكيله فيحمد الله، ويصلي على رسول الله، ثم يقول: بأن فلاناً راغب في خطبة فلانة، ويقوم ولي المرأة فيحمد الله ويصلي على رسول الله، ثم يقول: قد أجبناكم إلى ما سألتم، أو أجبناكم إلى ما طلبتم، وما أشبه ذلك.

    المندوب السادس: عدم إعلان الخطبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان )، والإعلان والإشهار مطلوب للنكاح عند العقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أعلنوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف ).

    وقد ذكرنا فيما مضى مسألة: من هي المرأة التي يحرم خطبتها؟ وقلنا: إن المرأة التي تحرم خطبتها نوعان:

    النوع الأول: المحرمات، وتقدم معنا أنهن من النسب سبع، ومثلهن من الرضاع، ومن المصاهرة أربع وهن: زوجات الآباء، وزوجات الأبناء، وأمهات الزوجات، وبنات الزوجات، ثم زوجة الغير أيضاً؛ لقول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء:24].

    النوع الثاني: يحرم خطبة المرأة التي خطبت، وقد ركن أهلها إلى الخاطب ووافقوه، فهذه المرأة لا تخطب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبع على بيع أخيه، ولا يسم على سوم أخيه )، ومحل التحريم إذا حصلت الموافقة التامة، أما إذا قيل: بأننا سننظر، أو أننا سنستشير، أو ما أشبه ذلك، أو أمهلنا، فلا حرج أن يتقدم آخر للخطبة؛ بدليل الحديث الذي مضى لما ( قالت فاطمة : يا رسول الله! خطبني معاوية و أبو الجهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه، ولكن انكحي أسامة )، فهاهنا أسامة تقدم لأن المرأة لم تظهر الموافقة لا لـمعاوية ولا لـأبي الجهم .

    1.   

    الهدايا وقت الخطبة

    وهنا مسألة أخرى وهي: ما حكم الهدايا التي تكون في وقت الخطبة؟ وهذا سؤال مهم جداً. فقد جرت العادة بأن الإنسان إذا خطب فإنه يكون كريماً، ولربما يكون كريماً جداً؛ فيأتي بالهدايا والعطايا للمخطوبة، وكذلك جرى العرف بأن المخطوبة لا بد أن تبعث في رمضان لأهل خاطبها ببعض المشارب والمآكل وما أشبه ذلك مما اعتاده الناس، لكن قد يحصل في بعض الأحيان أن تنفسخ هذه الخطبة، فلا يتم الأمر، فما حكم الهدايا التي بذلت في فترة الخطبة؟

    وهاهنا نذكر كلام المالكية رحمهم الله: بأن الخاطب إذا أهدى شيئاً إلى مخطوبته، ثم فسخت الخطبة، فله استرجاع ما أهداه إليها، ومطالبتها برده، إذا كان الفسخ من جهتها، أي: لو أنها هي التي قالت: أنا لا أريد إتمام هذا الأمر، فلا بد أن تعيد إليه ما بذل، أما إذا كان التارك للخطبة هو الرجل، فلا رجوع له عليها، وإذا كان الفسخ من جهة المرأة فإنه يسترجع الشيء الذي بقيت عينه، فمثلاً: أهدى إليها ساعةً وذهباً وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء عينية باقية فتردها إليه، أما الأشياء التي استهلكت كأن يكون أهدى إليها قماشاً فخاطته وصنعت منه عباءةً أو ما أشبه ذلك، أو أنه أهدى إليها -مثلاً- بعض الملابس وبعض الأطعمة، فهذه ترد قيمتها، أو مثلها، يعني: المثلي يجب رد مثله، وما لا يوجد له مثل فيجب رد قيمته. وأما إذا كان الفسخ من جهة الرجل فلا حق له في شيء قد بذله لها، والذي جرى عليه العمل في المحاكم في زماننا هذا أن الأشياء المستهلكة لا ترد، سواء كان الفسخ من جهة الرجل أو المرأة، فما كان مستهلكاً كالأطعمة والألبسة وما أشبه ذلك فإنها لا ترد، أما ما لم يستهلك فإنه يرد.

    1.   

    اعتبار الكفاءة بين المخطوبين

    أيها الإخوة الكرام! ننتقل بعد ذلك إلى مبحث آخر وهو يثير نزاعاً دائماً بين البنات وأمهاتهن، أو بين البنات وآبائهن، وهو ما يعرف بالكفاءة، بمعنى: أني من قبيلة كذا، أتقدم لخطبة فتاة، فيأبى أهلها، ويقولون: لا اعتراض لنا على شخصك، ولا دينك، ولا عقلك، ولكن اعتراضنا أنك من قبيلة كذا، ونحن من قبيلة كذا، فهل الكفاءة في القبائل معتبرة؟

    معنى الكفاءة

    أولاً: ما معنى الكفاءة؟

    معنى الكفاءة في اللغة: المماثلة والمقاربة، نقول: فلان كفء لفلان، أي: أنه مثله أو قريب منه.

    أما في الشرع فالكفاءة: مماثلة الخاطب للمرأة المخطوبة في الدين، والسلامة من العيوب والأمراض البدنية التي توجب الخيار، وقد أخذنا هذا الكلام من قول ربنا جل جلاله: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، فلا بد من الكفاءة في الدين، والسلامة من العيوب، والسلامة من الأمراض البدنية التي توجب الخيار، وسنبين هذه العيوب إن شاء الله.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه -أي: زوجوه- إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ).

    وفي حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن امرأةً جاءت فشكت إلى عائشة ، قالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته -أي: ليعلي بي من مستواه الاقتصادي والاجتماعي- وأنا كارهة )، أي: هذا الرجل أنا لا أريده، ( قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها -يعني: أمام أبيها قال: الأمر إلى هذه البنت، هي صاحبة الشأن، إذا شاءت أمضت هذا الزواج وأقرته، وإذا شاءت فسخته وأبطلته- فقالت البنت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء؟ )، انظروا إلى فطنتها وأدبها رضي الله عنها، ( قالت: قد أجزت )، يعني: ما صنعه الوالد يمضي، ولكن أنا أريد أن أعرف هل البنت فقط كالمعزة والنعجة تباع وتهدى، أم أن لها رأياً واختياراً في الشخص الذي تتزوج به؟

    وقد قال عمر رضي الله عنه: لا تكرهوا فتياتكم على الدميم؛ فإنهن يحببن من ذلك ما تحبون. يعني: الفتاة لا تكره على التزوج بالإنسان الدميم، يعني: غير الوسيم، فالمرأة تحب من الرجل ما يحب الرجل منها.

    فكما أنك تشتهي أن تكون حليلتك مقبولةً عندك؛ فكذلك هي تشتهي منك أن تكون مقبولاً عندها، وسيأتي معنا في آداب المعاشرة الزوجية أنه مثلما تشتهي من زوجتك أنت تكون حسنة الهندام، طيبة الرائحة، دائماً تستعمل أطيب الطيب وهو الماء، ودائماً تستاك، ودائماً تتعطر وتتبخر، فأنت أيضاً لا تأتيها بنتنك وعرقك، ثم بعد ذلك تقول: الرجل لا يطلب منه ذلك، فيكون الزوج ما استاك منذ أربعة أيام، ولا اغتسل منذ ثمانية أيام، ويقول: أنا رجل، لا، فالمرأة تكره من الرجل ما يكره الرجل منها، والله عز وجل قال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

    الصفات المعتبرة في الكفاءة

    وهنا سؤال: ما هي الصفات التي تطلب فيها الكفاءة؟

    أولاً: الكفاءة في الدين، بمعنى: أن يكون الزوج مسلماً سالماً من الفسق، ولا يشترط أن يكون الزوج والزوجة سواءً في الصلاح، فهذا لا يمكن؛ فقد يكون الرجل يصلي الخمس مع جماعة المسلمين، وزوجته تقوم الليل، فهما ليسا سواء، وقد يكون الرجل يخرج زكاة ماله مثلاً، ولكن الزوجة لا تكتفي بأن تخرج زكاة مالها، بل هي منفقة متصدقة باذلة، لا تمسك مالاً، فهما أيضاً في هذه الناحية ليسا سواء؛ فلا يشترط المساواة والمماثلة في الصلاح، ولكن يشترط أن يكون الزوج مسلماً، وأن يكون سالماً من الفسق؛ فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا تزوج عفيفة بفاجر، فالإنسان المعروف عنه انتهاك حرمات الله عز وجل لا يزوج، وكذلك لا يزوج تارك الصلاة، ولا تارك الزكاة، ولا شارب الخمر، ولا الزاني، ولا كثير الأيمان بالطلاق؛ كقول الرجل دائماً: علي بالطلاق كذا وكذا.. يعني: سفيه، وهو لم يتزوج بعد، ولا الزواج على باله، ولكنه كلما تكلم يقول: علي بالطلاق، وهو ما عنده شيء يطلقه أصلاً، إلا أن يطلق ثيابه، لكن يكثر من الأيمان بالطلاق، فمثل هذا لا يزوج، وكذلك لا يزوج من غلب على كسبه الحرام، فمثلاً: من يتجر في المخدرات لا يزوج، أو من عنده مصنع سجائر، ومثله المقامر، ومثله المرابي، ومثله المرتشي، فكل هؤلاء لا يزوجون؛ لأنه قد غلب على كسبهم الحرام، فلا يجوز للأب أن يزوج ابنته من فاسق سكير، ولا لمن يطعم الحرام؛ لأن ذلك يؤدي إلى ضياع هذه البنت، وقد قال الحسن : لا تزوج ابنتك إلا لتقي، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها.

    ولا ينبغي لأهل الخير والصلاح أن يحضروا مثل هذا العقد الذي تسلم فيه البنت إلى رجل لا يتقي الله فيها، ولا يرعى حق الله فيها.

    فأول شيء في الكفاءة: الكفاءة في الدين.

    ثانياً: السلامة من العيوب.

    والعيوب ثلاثة أنواع: مشتركة بين الزوجين، وخاصة بالرجل، وخاصة بالمرأة.

    فأما العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة، فهي أربعة: الجنون، والبرص، والجذام، والعذيطة.

    فالجنون معروف، والبرص معروف، والجذام معروف -عافانا الله وإياكم والمسلمين- والعذيطة هذا عجيب أمره -هو حقيقة الإنسان يستحي من أن يقوله، لكن لا بد أن نقوله- قالوا: هو التغوط أثناء الجماع! ومن عجيب ما يروى قالوا: بأن علياً رضي الله عنه قد ارتفع إليه زوجان في قضية، وكلاهما يتهم الآخر بأنه عذيوط، فـعلي رضي الله عنه من فقهه -وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: ( أقضاكم علي )، أي: إن أقضى الصحابة هو علي- حكم بأن يطعم أحدهما تمراً، والآخر قثاءً؛ من أجل أن يتبين من العذيوط فيهما، فواحد يعطوه تمراً، والثاني يعطوه قثاء، والقثاء هو التبش، وفي الزمن هذا لا يوجد تبش، ولكن فيما مضى كان يوجد، فالمهم هذا هو الحل: أن يعطى لواحد تمراً والثاني تبشاً من أجل أن يتبين من العذيوط فيهما ونعوذ بالله من العذايط.

    وهناك أربعة عيوب خاصة بالرجل وهي: الجب، والخصاء، والعنة، والاعتراض.

    وهناك خمسة عيوب خاصة بالمرأة، وهي: الرتق، والعفل -باللام- والقرن، والبخر، والإفضاء. فهذه العيوب مجموعها ثلاثة عشر عيباً، فالمشتركة بينهما أربعة: جنون، وبرص، وجذام، وعذيطة، ثم أربعة خاصة بالرجل وهي: الجب، والإخصاء، والعنة، والاعتراض، وخمسة خاصة بالمرأة وهي: الرتق، والقرن، والعفل، والبخر، والإفضاء؛ فجملتها ثلاثة عشر عيباً.

    فإذا تزوج الرجل المرأة، ثم اكتشف أحدهما أن بالآخر عيباً من هذه العيوب المتقدمة فللسليم منهما رد النكاح، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي رجل تزوج امرأةً وبها جنون، أو جذام، أو برص، فمسها، فلها صداقها كاملاً، ولزوجها غرم على وليها. يعني: أن المرأة تعطى المهر كاملاً، يعني: أنت اتفقت أن تتزوج امرأة -لا قدر الله- وفرضت لها مهراً مليوناً، ثم بعد أن تزوجتها ودخلت بها اكتشفت أنها مجنونة؛ ففي هذه الحال تدفع لها المليون ثم ترجع إلى وليها وتقول له: أعطني حقي؛ لأنها ليس عليها ذنب؛ فهي ما تعمدت أن تغرر بك، والإمام ابن القيم عنده رأي آخر: وهو أن هذه العيوب ليست محصورة في هذه الثلاثة عشر، وإنما قال: يقاس عليها كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخر، كالعمى، والطرش، والخرس، وقطع الأعضاء؛ لأن ذلك كله لا يحصل به مقصود الزواج من المودة والرحمة.

    قال: ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده، وعدله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول؛ أن كل عيب لا يؤدي لحصول المودة والرحمة والحياة الزوجية الهانئة فإنه يرد هذا النكاح.

    إذاً: الكفاءة معتبرة في الدين، وفي السلامة من العيوب.

    ثالثاً: في السلامة من الأمراض البدنية، ومثلها الآن بل أشد منها: لو اكتشف أحد الزوجين أن في الآخر مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)؛ لأن البرص -مثلاً- ضرره على صاحبه، أما هذا المرض فإنه ينتقل وهو أخطر الأمراض.

    الأمور التي لا تعتبر في الكفاءة

    وهناك أمور لا يعتد بها في الكفاءة:

    أولها: النسب؛ فيصح للإفريقي الأسود أن يتزوج قرشيةً بيضاء، ويصح للأسيوي أن يتزوج الأمريكية، والعجمي أن يتزوج العربية؛ والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنة عمته زينب بنت جحش من مولاه زيد بن حارثة ، وزوج فاطمة ابنة قيس من أسامة بن زيد ، وزوج هالة أخت عبد الرحمن بن عوف الزهري من بلال بن رباح الحبشي رضوان الله على الجميع، وكذلك زوج أبو حذيفة مولاه سالماً من ابنة أخيه الوليد بن عتبة ، هذا كله حصل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فالنسب غير معتبر في الكفاءة.

    الثاني: الغنى، فإنه غير معتبر في الكفاءة؛ فيصح للغني الموسر أن يتزوج فقيرةً مدقعة، والعكس كذلك، فيصح للغنية الوارثة الموسرة المتمولة أن تتزوج من مفلس صعلوك لا مال له.

    الثالث: السن، فلا اعتبار له في الكفاءة، فيصح للشيخ الكبير أن يتزوج صبيةً صغيرة، والعكس كذلك، فيصح للشاب الفتي أن يتزوج كهلةً أو عجوزاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن خمس وعشرين سنة، فتزوج من خديجة وهي ابنة أربعين سنة رضي الله عنها، وكان أطيب وأكرم زواج، وما عرفت البشرية مثله، وكذلك عمر بن الخطاب كان شيخاً كبيراً فتزوج من أم كلثوم بنت علي ، وقد خطبها من علي ، فقال له علي : يا أمير المؤمنين! صغيرة ما تصنع بها؟ قال: والله ما لي إليها حاجة، ولكن أريد وصلةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو السبب؛ أن هذه من نسل الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنا أريد أن أدخل في هذا، فـعلي رضي الله عنه قال: أبعث بها إليك، فإن أعجبتك فهي زوجتك، فأعطاها صحناً من التمر وقال: اذهبي به إلى أمير المؤمنين، فلما ذهبت رفع عمر ثوبها لينظر إلى ساقها، قالت له: أتفعل ذلك وأنت أمير المؤمنين؟ والله لولا أنك أمير المؤمنين لصككت فاك بهذا الصحن، ثم رجعت إلى أبيها قالت: يا أبتي! أرسلتني إلى شيخ سوء! فقال لها: يا بنية! إنه زوجك. يعني: علي رضي الله عنه فهم بأن عمر طالما رفع الثوب فقد ارتضاها.

    فالكفاءة ليست معتبرةً في السن، ولكن لا يجوز التغرير في ذلك، فمثلاً: لا يصبغ الإنسان اللحية ويركب أسناناً جديدة، ويدهن وجهه وكذا، ويذهب على أنه ابن خمس وثلاثين سنة، ثم بعد ذلك يزوج، فإذا دخل بها وأراد أن ينام خلع الأسنان فوضعها في الماء، وبعد أيام تبدأ الصبغة تذهب، والمرأة تلاحظ هذا الغش، يعني: كما قال الشاعر:

    يسود أعلاها ويبيض أصلها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل

    فتكتشف بأنها قد وقعت في حيص بيص، وقد حصل هذا، ولذلك قال هاهنا: الصغيرة إذا غرر بها فوجدت زوجها شيخاً، أو الشاب إذا غرر به فوجد زوجته عانسة طاعنة في السن؛ فإن ذلك يوجب لهما الخيار، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وطالب بالمهر، وكذلك المرأة تفسخ هذا النكاح، وطالما أنه دخل بها فقد حل لها المهر كاملاً.

    1.   

    رأي الأم في اختيار زوج لابنتها

    أيها الآباء الفضلاء! اعلموا أن للأم حقاً في اختيار زوج ابنتها، فلا ينبغي للأب أن يستبد بالأمر، خاصةً في حال الانفصال؛ فأحياناً يكون الزوج والزوجة قد افترقا منذ سنوات، فإذا أرادا أن يزوجا البنت فالأب يحاول أن يستبد بالأمر، ويقول: أنا الولي، والأمر أمري، وأنت ما عندك شيء، فنقول: لا، هذا خطأ، بل الأم تشاور، ولها حق الاعتراض، أما إذا أراد الأب أن يفارق تقوى الله عز وجل، فيزوج ابنته ممن لا يليق بها، كأن يزوج ابنته الموسرة مثلاً من إنسان فقير معدم، أو معيب في دينه، أو أراد أن يزوجها في بلد آخر بعيد عن الأم، قالوا: فللأم أن تشكوه إلى القاضي لينظر فيما أراده الأب، وقد مر معنا أنه: ( لما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل من الأنصار ابنته، فقال: يا رسول الله! ونعمى عين -يعني: نحن موافقون- فقال صلى الله عليه وسلم: لا أريدها لنفسي، ولكن أريدها لـجليبيب ؛ فقال الرجل: أشاور أمها -يعني أستشير أمها- فلما ذهب إلى أمها قال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فلانة، قالت: ونعمى عين، قال: ليس لنفسه يريدها إنما لـجليبيب ، فقالت: أجليبيب ابنه؟ والله لا نزوجه )؛ فالشاهد من هذا الكلام أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينكر على الصحابي أنه يستشير زوجته، وللأسف الآن لو أن الرجل قال: أشاور زوجتي فإنهم يعدون هذا ضعفاً وعيباً ومنقصةً، وليس الأمر كذلك إن شاء الله.

    1.   

    أحكام تتعلق بالعقد

    وهنا نذكر أحكاماً متعلقة بالعقد: ‏

    تعيين وقت العقد

    منها: وقت العقد، فليس للعقد وقت معين، فيجوز العقد في كل ساعة من ليل أو نهار، وفي كل شهر من شهور السنة، وفي كل يوم من أيامها، سوى الحال التي مضى معنا ذكرها؛ وهي حال الإحرام، فالناس في عرفهم الفاسد أن النكاح بين العيدين مكروه! وهذا لا أصل له، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال )، يعني: دخل بي في شوال، وكذلك الدخلة ليس شرطاً أن تكون بالليل، وقد رأيت في بعض أقاليم السودان أن بعض الناس يعقدون النكاح في الساعة العاشرة صباحاً من يوم الجمعة، والناس يأتون مغتسلين متطيبين في البيت الذي يراد فيه عقد النكاح فيعقد، ثم يفطرون ويتوجهون إلى صلاة الجمعة، وهذا شيء طيب جداً، فلا يوجد مانع لأي إنسان عقد بالنهار أن يدخل بالنهار؛ كما قالت أمنا عائشة تصف دخول الرسول صلى الله عليه وسلم بها فتقول: ( كنت في أرجوحة مع صويحبات لي )، أرجوحة أي كانت تتمرجح، ( فصرخت بي أمي، فأتيتها وأنا أركض، فأمسكت بي حتى سكن نفسي، ثم أسلمتني إلى نسوة من الأنصار، فأصلحن شأني )، يعني: سرحوها ودهنوها، وما أجمل ذلك، ( قالت: فما راعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل علينا ضحى )، يعني: جاء في وقت الضحى، ( فقال النسوة: يا رسول الله! على اليمن والبركة، وعلى خير طائر، بارك الله لك في أهلك، فدعا صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن فشرب، ثم دفعه إلى عائشة ، قالت: فاستحييت، فقال لي النسوة: خذي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فشربت، ثم دفعه صلى الله عليه وسلم للنسوة، فقلن: يا رسول الله! لا نشتهيه -يعني: ما عندنا نفس- فقال: لا تجمعن جوعاً وكذباً، فقالت النسوة: يا رسول الله! الواحدة منا تشتهي الشيء فتقول: لا أشتهيه، أتكتب عليها كذبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: يكتب كل شيء حتى الكذبة والكذيبة )، فمثلاً: لو أعطاك الناس عصيراً فقلت: لا. والله! أنا لا أشرب، أو أنا لا أشتهيه، وأنت غيرما قلت فهذا يكتب عليك كذباً.

    مندوبات عقد النكاح

    ويندب عقد النكاح في المساجد، وهذا من العرف الطيب الذي تواتر عليه فعل أهل هذه البلاد، والحكاية هذه ما كانت موجودة منذ زمن بعيد، يعني: لو أنتم سألتم الشيوخ سيقولون لكم: أبداً، لا يوجد واحد منا عقد له في المسجد، لكن الحمد لله هذا عرف طيب؛ لأن هذه السنة قد أعدناها، فنقول: يندب عقد النكاح في المسجد؛ لأن النكاح قربة وطاعة، والمساجد هي محل القربات، وهذا أولى من عقد النكاح في النوادي والصالات والخيم؛ لأن ذلك في الغالب يصحبه مباهاة، وزيادة في التكاليف؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث في سنن الترمذي ، وفي سنده كلام: ( أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف ). ويندب لمن تزوج أن ندعو له بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يقول للمتزوج: ( بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير ).

    وأما قول بعضهم: بالرفاء والبنين، فهذه تهنئة أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يكرهوا البنات؛ ولذلك المتزوج يدعى له بالرفاء والبنين، ومثلها أيضاً تهنئة أهل الجاهلية المعاصرين حيث يقولون: تغلبها بالمال وتغلبك بالعيال، وهذا لا أصل له؛ فالأولى أن نلتزم بالسنة.

    1.   

    صيغة عقد النكاح

    والنكاح لا يصح إلا بأركان ثلاثة:

    الركن الأول: الصيغة. والركن الثاني: الزوجان الخاليان من الموانع الشرعية. والركن الثالث: الولي، وهذه تحتاج إلى تفصيل.

    تعريف الصيغة

    فأولها: الصيغة: وهي اللفظ المعبر عن إرادة الطرفين ورغبتهما في إتمام العقد؛ كأن يقول الرجل للرجل: زوجني، فيقول الآخر: زوجتك، أو يقول: قبلت، أو يقول: ولي المرأة: زوجت فلاناً لفلانة، فيقول الزوج أو وكيله: قبلت النكاح لنفسي أو لموكلي؛ وهذا الذي حصل في حكاية القرآن عما كان بين العبد الصالح وموسى، حين قال العبد الصالح: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27]، والقرآن يوجز في القصص، فما قال: بأن موسى عليه السلام قال: قد قبلت، ولكن القرآن طوى، فقال: أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:28]، إلى آخر القصة.

    وكذلك قال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( في المرأة التي جاءت فقالت: وهبت لك نفسي، فالرسول صلى الله عليه وسلم كأنه ما أرادها لنفسه، فقال الرجل: يا رسول الله! إن لم يكن بك إليها حاجة فزوجنيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن )، لاعتباره صلى الله عليه وسلم أنه هو الولي، أي: ولي تلك المرأة، فهذه الكلمة التي يقولها الولي نسميها: الإيجاب، والكلمة التي يقولها الزوج أو وكيله نسميها: القبول؛ فمثلاً: في البيع يقول المشتري: أعطني، والبائع يقول: خذ، فقوله: أعطني نسميها إيجاباً، وقوله خذ نسميها قبولاً، ولا يشترط تقديم الإيجاب على القبول، يعني: ليس شرطاً أن أقول لك: زوجني وأنت تقول: زوجتك؛ بل ممكن أن تقول: زوجتك، وأنا أقول: قبلت، فهذا أمر واسع إن شاء الله.

    والأصل أن يكون الإيجاب متقدماً على القبول، ولكن لا حرج أن يكون القبول قبل الإيجاب.

    شروط صحة الصيغة

    ويشترط أن يكون اللفظ بصيغة الماضي، يعني: في العقد نقول: بسم الله الرحمن الرحيم، قد زوجت ابنتي فلانة من فلان، والثاني يقول: قبلت، وهذا كله بصيغة الماضي.

    ولا يصح أن يقول: أزوجك فلانة، أو سأزوجك، والآخر يقول: سأقبل، بل لا بد أن يقول: قبلت، وليس شرطاً أن يقول: قبلت، بل ممكن أن يقول: رضيت، أو وافقت، وهذا أمر يرجع إلى العرف أكثر منه للشرع، ولذلك يرجح بعض أهل العلم بأن النكاح ينعقد بكل ما يدل عليه، فمثلاً: بعض الناس يقول: أديتك، فكلمة أديتك هذه تقوم مقام كلمة زوجتك، هكذا جرى العرف، أديتك معناها أني موافق، وممكن أن يقول: أحللت لك فلانة.

    وعندنا مسألة أخرى، وهي: نكاح الهازل، فمثلاً: واحد من الناس قال لشخص: زوجني ابنتك، فقال له: قد زوجتك، وشهد الناس، وقام بعد لحظات وقال: والله يا أخي! أنا لم أكن في الموضوع جاداً، ولكني كنت هازلاً، فنقول له: لا يوجد هزل هنا، هذه ليس فيها مزاح، ولذلك إذا حصلت الصيغة الدالة على النكاح من إيجاب وقبول فقد انعقد النكاح ولزم، ولو ادعى أحد الطرفين أنه لا يريد النكاح بل كان هازلاً في كلامه فإنه لا يقبل؛ لما ورد من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ).

    ولو أن واحداً من الناس قال لامرأته: أنت طالقة، وبعد قليل جاء يقول لها: والله أنا كنت أمزح، لا ينفع هذا؛ فالطلاق ليس فيه مزاح، وعليه فإن الطلاق يقع.

    ويشترط في الصيغة أن يتصل الإيجاب بالقبول، يعني: أقول: زوجني، والآخر يقول: زوجتك؛ فلو فصل بينهما بالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله فلا يضر ذلك، أو لو فصل بينهما بالشيء اليسير كسكتة يسيرة فلا يضر، أما أن أقول: زوجني ابنتك فلانة، فالآخر يتشاغل بالحديث وكذا و.. ثم بعد ذلك يرجع يقول: زوجتك، فهذا لا يصلح؛ فلا بد أن يتصل الإيجاب والقبول معاً.

    وكذلك ينعقد النكاح من الأخرس بالإشارة أو الكتابة التي تفيد الإيجاب أو القبول، أو هما معاً، فإذا كان متولي الطرفين أخرساً، يعني: إذا كان الزوج أو ولي الزوجة أخرساً، فقال الزوج أو الخاطب: زوجني فالآخر كتب: زوجتك، أو كتب قبلت؛ فلا حرج في ذلك إن شاء الله، بل تنعقد، وكذلك تنعقد الموافقة بالإشارة، كأن يقول للأخرس: زوجني فيشير الأخرس برأسه أن نعم، فهذا ينعقد إن شاء الله، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إذن البكر صماتها، فدل على أن الموافقة كما تكون بالقول تكون أيضاً بغير القول أي: من كل شيء يدل على الرضا.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    من يكره خطبتهن من النساء

    والآن نذكر المرأة التي يكره خطبتها، والمرأة التي يكره خطبتها نوعان:

    المحرمة بحج أو عمرة

    النوع الأول: من كانت محرمةً بحج أو عمرة، أي: حال إحرامها تكره خطبتها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب )، فقوله: (لا ينكح) أي: لا يعقد لنفسه، (ولا ينكح) أي: لا يعقد لغيره، (ولا يخطب)، فالمحرمة لا تخطب، وجمهور العلماء رحمهم الله حملوا النهي هاهنا على كراهة التنزيه؛ فهو مكروه وليس بحرام.

    المرأة الزانية

    النوع الثاني: المرأة الزانية -عافانا الله وإياكم والمسلمين- التي عرفت بالزنا، ولو لم يثبت عليها ذلك، يعني: لم يثبت عليها بالبينة الشرعية، وليس عندنا أربعة شهود على أنها زنت، ولا هي أقرت على نفسها، ولكن استفاض بين الناس أن هذه المرأة يطرق بيتها رجال كثيرون، أو أنها تركب مع فلان وفلان، وأنها تخرج متزينة متعطرة، ولا ترجع إلا في الثلث الأخير من الليل ونحو ذلك، فمثل هذا يجعل في النفس ظناً أشبه بيقين أن سلوكها غير منضبط، فمثل هذه لا ينبغي للمسلم أن يقدم على خطبتها، ولو كانت أجمل نساء العالمين؛ لأن الله عز وجل قال: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، على خلاف بين أهل التفسير: هل المراد بالنكاح هنا الوطء أم العقد؟ ولكن سبب نزول هذه الآية: ( أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة -وهم الناس الذين حبسهم المشركون وقيدوهم، ومنعوهم من الهجرة- وكان مرثد رضي الله عنه يخرج من المدينة إلى مكة فيقتحم على هؤلاء الأسرى، ويحل قيدهم ويطلقهم من أجل أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـمرثد رضي الله عنه قبل إسلامه كان عنده صديقة -كما تسمى بلغة اليوم- اسمها عناق ، وهي امرأة بغي، فلما رأت مرثداً دعته إلى نفسها -أي: طلبت منه أن يمارس ما كان يمارس معها قبل الإسلام- فأبى؛ لأن الله قد حرم الزنا، فقالت له: تزوجني، فقال: لا أفعل حتى أستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء فاستشاره أنزل الله عز وجل هذه الآية: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنكحها )، يعني: لا تتزوج بها.

    ولو أن إنساناً تزوج امرأةً، ثم استبان له بعد الزواج -نسأل الله السلامة- بأنها تزني؛ فإنه يندب له أن يفارقها؛ لأن ( رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال صلى الله عليه وسلم: طلقها، قال: يا رسول الله! أخشى أن تتبعها نفسي )، وفي لفظ قال: ( لا أصبر عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: استمتع بها )، يعني: لتكن زوجةً عندك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجبره على فراقها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام خشي ألا يصبر عليها بعد أن يفارقها، فيقع معها في الحرام فيزني بها، فيكون قد عالج مفسدةً بمفسدتين، فلا بد من الترجيح بين المفاسد.

    فخلاصة القول: إن المرأة التي يكره خطبتها نوعان:

    الأولى: المحرمة بنسك: أي: بحج أو عمرة.

    الثانية: التي استفاض عنها الزنا ولو لم يثبت عليها ذلك.