إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآية [31] الثانيللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وضحت الشريعة الإسلامية تعاليم المرأة وأحكامها، وذكرت ما تلبسه من لباس يتلاءم مع شرفها وعفتها، وما يجوز لها من زينتها وأمام من يجوز لها ذلك، كل بمقام قربه ومحرميته.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقال تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ [النور:31]، الخمر جمع خمار، والخمار ما يغطى به الرأس، ومادة الخاء والميم والراء تدل على التغطية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خمر إناءك، واذكر اسم الله عليه )، خمر بمعنى غط، ومنه قيل للخمر: خمراً؛ لأنها تغطي على العقل.

    قال تعالى: عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، الجيوب جمع جيب، وهي فتحة الثوب عند العنق، وكلمة الجيب في لساننا تعني ما تخبأ فيه الأموال، ما يكون في جانب الثوب، أو يكون في أعلاه من جهة الصدر هذا يسمى جيباً، ولكن في لغة العرب الجيب: الفتحة التي تكون عند العنق، يعني كل ثوب له أكمام وله جيب أي: فتحة عند العنق، وهذا تسميه العرب قميصاً، كهذه الثياب التي نلبسها الآن، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وعليه قميص، والقميص كل ثوب له أكمام وله جيب، أي: فتحة عند العنق، فكان من عادة النساء أنهن يتركن هذه الفتحة باديةً، فتظهر صدورهن ونحورهن، فأوجب الله عليهن ستر ذلك الموضع، قال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31].

    1.   

    الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تظهر بزينتها أمامهم

    قال تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ [النور:31] (إلا) لاثني عشر صنفاً من الناس، يعني: لا يجوز للمرأة أن تبدي زينتها إلا أمام اثني عشر صنفاً من الناس:

    الصنف الأول: (لبعولتهن)، والبعولة جمع بعل، والبعل هو الزوج.

    الصنف الثاني: أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31] والأب كل من له عليك ولادة، إما مباشرةً أو بواسطة، فالأب المباشر هو الذي خرجت من صلبه، والأب غير المباشر هو أبو الأب، وأبو الأم، هؤلاء كلهم يسمون آباء، فيجوز للمرأة أن تظهر أمام أبيها ما جرت العادة بإظهاره من شعرها، ونحرها، ووجهها، وذراعيها، وأسافل ساقيها، كل هذا لا مانع أن تبديه أمام أبيها.

    الصنف الثالث: أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] وهو أبو الزوج؛ لأن أبا الزوج بمنزلة الأب، والمرأة محرمة عليه حرمةً مؤبدة؛ لأن الله قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23]، فزوجة الابن عليك حرام، ولذلك لا حرج أن تبدي أمامك زينتها.

    الصنف الرابع: أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] والأخ هو من شاركك في أصليك أو أحدهما، فأخوك هو من شاركك في أصليك في أمك وأبيك، أو في أحدهما، شاركك في أمك، أو شاركك في أبيك، فيدخل في ذلك الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم، فيجوز للمرأة أن تبدي أمام أخيها ما جرت العادة بإبدائه.

    وهنا أنبه تنبيهاً مهماً وهو: أن المحارم ليسوا سواءً، فما تبديه المرأة أمام أبيها ليس كالذي تبديه أمام ولد زوجها، يعني المرأة لا تتحفظ أمام أبيها، كمثل تحفظها أمام ولد الزوج، خاصةً إذا كان قريباً منها في السن فينبغي أن تتحفظ أكثر، وهكذا ما تبديه المرأة أمام أبيها لا تبديه أمام أخيها من الرضاعة، مع أنه محرم.

    إذاً: الصنف الأول الذي تبدي أمامه زينتها الزوج: (بعولتهن).

    والصنف الثاني: آباؤهن.

    والصنف الثالث: آباء بعولتهن.

    والصنف الرابع: أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31]، والابن هو كل ذكر للمرأة عليه ولادة مباشرة أو بواسطة، فيدخل في ذلك الأم التي خرج من بطنها، ويدخل في ذلك أم الأم، وأم الأب وإن علت.

    الصنف الخامس: أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31]، يعني: ابن الزوج، وابن الزوج من المحارم، قال الله عز وجل: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ [النساء:22]، فابن الزوج من المحارم ولا حرج على المرأة أن تبدي أمامه بعض زينتها.

    والصنف السادس: أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31]، وقد مضى معنا تعريف الأخ وهو من شاركك في أصليك أو أحدهما.

    والصنف السابع: أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ [النور:31].

    والصنف الثامن: أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ [النور:31]، يعني لا حرج على الإنسان أن ينظر إلى خالته، وأن تبدي أمامه زينتها، وخالتك من شاركت أمك في أصليها أو أحدهما.

    والصنف التاسع: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31]. (والمراد بهن) عند جمهور العلماء يعني: المسلمات، واستدلوا على ذلك بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة لما كان بالشام: أما بعد: فقد بلغني أن نساءً مسلمات يدخلن الحمام مع الذميات غير مستترات، وإنه لا يحل لذمية أن ترى عرية مسلمة.

    يعني أكثر العلماء يقولون: المرأة المسلمة مع المرأة الكافرة كالمرأة المسلمة مع الرجل الأجنبي، فلا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي أمام الأجنبية إلا ما تبديه أمام الرجل الأجنبي الذي ليس بمحرم، بمعنى أن المرأة المسلمة مع الكافرة كالمرأة المسلمة مع الرجل الأجنبي، قالوا: والعلة في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة المسلمة أن تنعت أختها لزوجها، يعني المرأة المسلمة مع المرأة المسلمة زينتها ظاهرة، تبدي أمامها شعرها، ونحرها، وربما تبدي ذراعيها وعضديها، ولربما تبدي ساقيها وغير ذلك، فما يجوز للمرأة المسلمة أن تأتي لزوجها وتقول له: والله فلانة تلك نعتها كذا وكذا وكذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها )، والكافرة لو اطلعت على عرية المسلمة، رأت شعرها، أو رأت نحرها، أو رأت كذا، فلا نضمن بأن الكافرة لا تنعت هذه المسلمة؛ ولذلك قال جمهور العلماء: (أو نسائهن) بمعنى: المسلمات، وقال بعضهم: بل المراد جنس النساء، (أو نسائهن) أي: ما كان من جنسهن، قالوا: فلا حرج أن تبدي المسلمة أمام الكافرة ما جرت العادة بإبدائه من الشعر ونحوه.

    والصنف العاشر: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31]، وقد ذكر العلماء ( بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى لابنته فاطمة عبداً، فدخل عليها وهو معه وعليها ثوب إن غطت به رأسها بدت ساقاها، وإن غطت ساقيها بدا رأسها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا عليك، فإنما هو أبوك وملك يمينك )، ولذلك قالوا: المرأة المسلمة لا حرج أن تبدي زينتها أمام ملك اليمين.

    والصنف الحادي عشر: أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ [النور:31]، قيل: المقصود به الرجل الأبله، الذي لا غرض له في النساء، وقيل: بل المقصود المخنث، الذي لا شهوة له في النساء، أما إذا علم منه بأنه عنده شهوة فحكمه حكم غيره، واستدلوا على ذلك ( بأن رجلاً مخنثاً كان يقال له: هيت، وكان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعه يوماً يقول لـعبد الله بن أبي أمية المخزومي ، وهو أخو أم سلمة ، يقول له: إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بـابنة غيلان الثقفي ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، إن جلست تبنت، وإن تكلمت تغنت، الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: يا عدو الله! دققت إليها النظر، ثم قال: لا يدخل عليكن ).

    إذاً: غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ [النور:31] قيل: المقصود الأبله، وقيل: المقصود المخنث الذي لا شهوة له بالنساء.

    والصنف الثاني عشر والأخير: أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]، يعني الصغير الذي لا يميز النساء، ولا يتأمل في محاسنهن، ولا يلحظ مشيتهن، فهو صغير لا يفهم، يعني عمره ثلاث سنوات، أو أربع سنوات، أو خمس سنوات، أو ست سنوات، فمثل هذا أيضاً لا حرج أن يدخل مع أمه على النساء.

    أما في زماننا هذا فابن سبع سنوات يمنع؛ لأن الأطفال الآن صاروا يميزون بين النساء.

    وهاهنا قد يشكل على البعض قوله تعالى: أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ [النور:31]، يعني: إفراد كلمة الطفل وجمع ما بعدها (الذين)، فنقول: كلمة الطفل، وكلمة الضيف تطلق على الواحد، وتطلق على الجمع، ومنه قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ [الذاريات:24]، وبعدها قال: الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24]، وهنا أيضاً قال: الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31].

    إذاً: عندنا المرأة تبدي زينتها أمام اثني عشر صنفاً: بعولتهن، أو آبائهن، أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن، أو أبناء بعولتهن، أو إخوانهن، أو بني إخوانهن، أو بني أخواتهن، أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال، أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء.

    ونلاحظ بأن الآية لم تذكر الخال ولا العم، فهل يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمام خالها وأمام عمها؟

    الجواب: نعم باتفاق، ولم يذكر الخال والعم؛ لأنهما بمنزلة الأب، فلا حرج على المرأة أن تبدي زينتها أمام خالها وعمها، وأكرر بأن المرأة المسلمة تقدر ذلك، فما تبديه أمام أبيها وأمام ولدها قد لا تبديه أمام غيرهم، خاصةً في زماننا مع رقة الديانة، وقلة الخوف من الله، فالمرأة المسلمة ينبغي لها أن تتحفظ في إبداء زينتها، والآية هذه طبعاً فيها مباحث كثيرة، وفيها كلام يطول، وإن شاء الله نتعرض لأهم المسائل الواردة فيها، أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.