إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآية [2] الثانيللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرعت الحدود في الإسلام كحد الزنا ردعاً لمن قام بالجريمة، وزجراً لغيره؛ ولذلك تكون بمحضر طائفة من المؤمنين، مع العلم أن الحدود كلها عدل ورحمة من الله سبحانه وتعالى بخلقه، ولا يجوز الزيادة على الحدود ولا النقصان منها، وإذا كان حد الزاني البكر جلد مائة وتغريب عام، فإن حد الثيب الرجم حتى الموت.

    1.   

    تلخيص لما سبق من الأحكام المتعلقة بجريمة الزنا

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    تقدم معنا الكلام في شيء من الأحكام المتعلقة بهذه الآية المباركة، وعرفنا بأن الله عز وجل قدم الأنثى على الذكر في هذه الآية، فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، بينما النظم القرآني يقدم الذكر على الأنثى دائماً، لكن هنا قدمت الأنثى على الذكر؛ لأنها هي الداعية إلى الزنا، والمحرضة عليه؛ ولأن الزنا في المرأة أعر وأضر؛ ولأن الشهوة على المرأة أغلب.

    ولم يجعل الله عز وجل حد الزنا كحد السرقة؛ لأن الحدود كما أنها شرعت زواجر وروادع، إلا أنها محفوفة برحمة الله عز وجل وعدله، فالسارق لو قطعت يده اليمنى فإنه يستغني باليسرى، أما الزاني فليس له إلا آلة واحدة، ثم إن عقوبة السارق في يده لأنه أفسد بها، أما عقوبة الزاني فتشمل الجسد كله؛ لأنه أفسد بجسده كله؛ فقد زنى بعينيه، وأذنيه، ويديه، ورجليه، وقلبه، ثم كانت المرحلة الأخيرة أن يزني بفرجه، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يشتهي ويتمنى، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه ).

    وعرفنا كذلك بأن الزنا: هو الوطء المحرم.

    ‏ وتعريفه الشرع: هو الوطء في غير نكاح، ولا شبهة نكاح، ولا ملك يمين، أو هو: إيلاج فرج في فرج محرم شرعاً، مشتهىً طبعاً.

    وهو حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان تحريمه في مكة، ولم يكن من الأمور التي حرمت في المدينة كالخمر مثلاً، فنجد تحريمه في سورة الإسراء، وهي سورة مكية في قول الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى[الإسراء:32]، ونجده في سورة الفرقان وهي سورة مكية قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ[الفرقان:68].

    والزنا كما أنه حرام في الشرع، فهو قبيح في العقل؛ لما يترتب عليه من العقوبات القدرية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها، إلا ابتلاهم الله بالأسقام والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ).

    والشريعة الإسلامية قبل أن تحرم الزنا حرمت مقدماته، فأوجبت علينا غض البصر، وحرمت علينا الخلوة بالأجنبية وملامستها، وكذلك الشريعة حرمت على المرأة أن تبدي زينتها، وحرمت عليها الخضوع بالقول، وحرمت عليها أن تضرب برجليها، وحرمت عليها أن تخرج متعطرة متزينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وليخرجن تفلات )، أي: غير متزينات، فالمرأة لو أرادت أن تخرج من بيتها لحاجة فلا مانع، لكن عليها أن تخرج على الصفة الشرعية.

    وكذلك الشريعة الإسلامية منعت الاختلاط، وأمرت بالمباعدة بين الرجال والنساء، قال تعالى: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ[الأحزاب:53]، كل ذلك من أجل أن يكون مجتمعاً عفيفاً طاهراً، ومن أجل أن تسد الأبواب الموصلة إلى الجريمة وإلى الفاحشة.

    وبعد ذلك لو أن أنساناً غلبت عليه شهوته بعد هذه الاحتياطات كلها، ووقع في ما حرم الله عز وجل؛ فقد شرع الله الحد ردعاً له وزجراً لغيره؛ ولذلك قال الله سبحانه: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، فلا يكون الحد خفية، ولا يكون من وراء الأبواب المغلقة؛ بل لا بد أن يكون علانية على ملأ من الناس؛ ردعاً لهذا الذي أتى الجرم، وزجراً لغيره أن يتعاطى مثل فعله.

    وكذلك الشريعة الإسلامية من أجل أن تمنع الفاحشة أمرتنا بأن نيسر للنكاح أسبابه، وأن نفتح أبوابه؛ فقال الله عز وجل: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ[النساء:3]، وقال: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ[النور:32]، ووعد الفقير بالغنى، فقال: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    1.   

    الزاني بين البكارة والإحصان

    أيها الإخوة الكرام! الزاني -أعاذنا الله وإياكم وعصمنا من الفتن- لا يخلو من حالين: إما أن يكون زانياً محصناً، وإما أن يكون زانياً بكراً.

    لكن من هو المحصن؟

    الإحصان في اللغة: دخول الحصن، يقال: أحصن فلان نفسه إذا دخل في حصن، كما يقال: أتهم، إذا دخل بلاد تهامة، ويقال: أنجد إذا دخل بلاد نجد.

    والإحصان في الشرع هو: الوطء في نكاح صحيح من مسلم بالغ عاقل.

    وهذا التعريف فيه محترزات وهي كالآتي:

    أولاً: (هو الوطء في نكاح) الوطء هذا أول محترز، فلو أن إنساناً عقد وما دخل فإنه لا يعد محصناً.

    ثانياً: (في نكاح صحيح)؛ فمن دخل في نكاح فاسد فإنه لا يعد محصناً.

    ومثال النكاح الفاسد من تزوج أخته من الرضاعة، أو تزوج امرأة مشركة، امرأة كافرة لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ملحدة أو وثنية فإن هذا نكاح فاسد، ومثله سائر الأنكحة الفاسدة؛ فلا بد أن يكون الوطء في نكاح صحيح.

    ثالثاً: (وهو مسلم). فلو أن إنساناً كافراً وقع في الزنا، ثم أسلم مباشرة فإنه لا يعد محصناً.

    رابعاً: لا بد أن يكون بالغاً؛ ولأنه أصلاً لا يتصور الدخول إلا من بالغ.

    خامساً: أن يكون عاقلاً؛ ولذلك من دخل في نكاح صحيح وهو مسلم بالغ لكنه مجنون، ثم زنى فإنه لا يعد محصناً.

    فإذا تخلف أي شرط من هذه الشروط فليس بمحصن وإنما هو بكر.

    وقد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النوعين، وأوجب على كل واحد منهما حداً ليس على الآخر، قال عليه الصلاة والسلام -والحديث في الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه-: ( خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة )، فقوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني، خذوا عني.. )، يعني: انتبهوا أيها الناس! واسمعوا ما أقوله وخذوه واعملوا به.

    وقوله: ( قد جعل الله لهن سبيلاً.. ) فيه الإشارة إلى قول الله عز وجل: وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً [النساء:15]، وكان في أول الأمر عقوبة المرأة إذا زنت أنها تحبس في البيت حتى تموت، أو يجعل الله لها سبيلاً، وهذا على عادة التشريع الرباني في التدرج، كما ذم الله الخمر في آيتين، وحرمها في الثالثة، فقال: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[البقرة:219]، ثم بعد ذلك قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى[النساء:43]، ثم قال: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، وأوجب في الخمر حداً، فمن شرب جلد.

    كذلك الزنا، قال الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى[الإسراء:32]، حرمه علينا، ثم بعد ذلك أوجب عقوبة مخففة وهي الحبس في البيت حتى الموت، ولم يمض إلا وقت يسير حتى أنزل الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[النور:2]، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن هذا الحكم لصنف مخصوص وهو من زنى وهو بكر، أما المحصن فحكمه مختلف.

    فلو أن بكراً رجلاً زنى ببكر أنثى، قال عليه الصلاة والسلام: ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة )، والكلام أولاً عن الزاني البكر.

    1.   

    الأسئلة

    حد الأمة المحصنة

    السؤال: إذا كانت الأمة عليها نصف ما على المحصنات من العذاب، فكيف يكون التنصيف في الرجم؟

    الجواب: أجمع أهل العلم على أن من شرط الرجم الحرية، فالأمة إذا زنت، ثم زنت، ثم زنت، ثم زنت، ثم زنت، ثم تزوجت، ثم زنت، فإنها لا ترجم؛ لأن من معاني الإحصان في القرآن الحرية، ومن معاني الإحصان العفة، هذا كله في القرآن موجود، والرجم لا يتنصف، فلا يمكن أن نقول: نرجمها حتى تقارب الموت نتركها؛ فليس على الأمة ولا على العبد الرقيق رجم، وإنما الجلد، وإن زنى حتى يموت.

    تمكين ولي الدم في القصاص من إقامة الحد

    السؤال: هل يجوز لولي الدم في القصاص أن يقيم الحد بنفسه؟

    الجواب: بالنسبة لقول الله عز وجل: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ[الإسراء:33]، ونحن قد ذكرنا أن العلماء مجمعون على أنه ليس لآحاد الناس إقامة الحدود، ولا ضرب الرقاب، وهنا قال الله عز وجل: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً[الإسراء:33]، نقول: نعم، لو أن ولي الأمر حكم على إنسان بالقصاص؛ فإنه يمكن ولي الدم من استيفائه إن كان يحسن، فمثلاً إنسان قتل أبي الشريعة تقول: يقتل بمثل ما قتل، إلا إذا كان الفعل في ذاته حراماً، فلو أنه قتله مثلاً بمسدس، وأنا أريد أن أستوفي القصاص بنفسي أمكن من ذلك، بشرط أن أعرف كيف أستخدم آلة القتل، ولا أستخدمها تعذيباً، فإذا كان قد ضرب أي في رأسه فأنا أضربه في رأسه، ونحو ذلك.

    صلاة السنة بعد الجمعة

    السؤال: كم نصلي ركعات بعد صلاة الجمعة؟

    الجواب: بالنسبة لسنة الظهر هي في الجمعة كذلك، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة أربعاً أو اثنتين، فأحياناً كان يصلي أربعاً وأحياناً كان يصلي اثنتين.

    وبعض العلماء قالوا: كان إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن رجع صلى الله عليه وسلم وما صلى الأربع كان يصلي اثنتين في بيته.

    تعريف المحصن

    السؤال: هل يعد من طلق زوجته أو ماتت عنه محصنا؟

    الجواب: من ثبت دخوله في نكاح صحيح فهو محصن ولو ماتت زوجه، ولو طلقها، فلو أن إنساناً تزوج ثم بعد ذلك ماتت زوجته فوقع منه الزنا فهو محصن، وكذلك لو مات عنها فهي محصنة، لكن بالنسبة للقانون الجنائي عندنا فإنه يقول: يعتبر الإحصان بقيام الزوجية الصحيحة حال حصول الزنا، يعني: أنهم لا يعتبرون من ماتت زوجته محصناً، ولا يعتبرون من طلق محصناً، وتعرفون بأن القانون الجنائي الذي وضع قبل عشرين سنة عندنا أخذ بأخف الأقوال، حتى في السرقة قالوا: في المرة الأولى تقطع يمناه من مفصل كفه، وفي المرة الثانية يعاقب بالسجن سبع سنين، مع أن جمهور العلماء أنه في المرة الثانية تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم، وفي المرة الثالثة تقطع يسراه من مفصل الكف، وفي المرة الرابعة تقطيع رجله اليمنى من مفصل القدم، وفي المرة الخامسة يقتل.

    عدة المطلقة ثلاثاً في بيت زوجها

    السؤال: واحد طلق زوجته ثلاث طلقات، هل يجوز أن تعتد في بيت زوجها؟

    الجواب: إما أن يغادر هو أو تغادر هي؛ لأنها صارت أجنبيه عنه؛ ولذلك حتى لو مات عنها وهي في العدة فإنها لا ترثه، ولو ماتت هي في العدة فإنه لا يرثها؛ لأن الثالثة هي الموجبة للفراق، كما قال ربنا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ[البقرة:230].

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    حد الزاني غير المحصن

    قال الله عز وجل: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[النور:2]، وهاهنا مسائل:

    تعريف الجلد وعدده

    المسألة الأولى: قول الله عز وجل: فَاجْلِدُوا[النور:2].

    الجلد في اللغة: ضرب الجلد، كما يقال: رأسه إذا ضرب رأسه، وبطنه إذا ضرب بطنه، وجبهه إذا ضرب جبهته.

    المسألة الثانية: قول الله عز وجل: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا[النور:2]، لماذا قال الله عز وجل: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا[النور:2]؟

    قال ذلك دفعاً للإيهام؛ لأنه لو قال جل جلاله: الزانية والزاني فاجلدوهما مائة جلدة، لربما ظن ظان أن المائة مناصفة بينهما، ولو قال الله عز وجل: حكم الزانية والزاني الجلد مائة جلدة؛ ربما يتطرق إلى إنسان احتمال أن العقوبة على الذكر وحده لكونه الفاعل، أما الأنثى فلا عقوبة عليها لأنها مفعول بها؛ فالله عز وجل من أجل أن ينفي هذا الأمر قال: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[النور:2]، لهذا مائة، ولهذه مائة، ونظير ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ[البقرة:196]، ثم قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ[البقرة:196]، مع أنه معلوم لدى أي صغير أن الثلاثة مع السبعة مجموعها عشرة، لكن الله قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ؛ لئلا يتوهم متوهم التخيير، فيقول: أنت مخير إما أن تصوم ثلاثة أيام في مكة أو سبعة إذا رجعت، بين ربنا أن كلاهما مطلوب، ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع.

    الفرق بين الأحرار والعبيد في الحد

    المسألة الثالثة: هذا الحكم خاص بالأحرار والحرائر، أما الإماء والعبيد، فبين ربنا جل جلاله أن الواجب نصف هذا الحد، قال سبحانه: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ[النساء:25]، يعني: عليه خمسون، وعليها خمسون.

    المخاطب بإقامة الحدود

    المسألة الرابعة: من المخاطب بهذا الأمر؟

    أجمع أهل العلم على أنه ليس لآحاد الناس إقامة الحدود، ولا ضرب الرقاب، فالمخاطب بهذه الأحكام هو ولي الأمر -أي الحاكم- ومن يقوم مقامه من قاض ونحوه؛ لأن الحدود والقصاص لا بد فيها من بينات وأدلة، ولا بد من أن تنتفي الشبهة.

    فلو أتيح لكل إنسان أن يقيم الحد لحصلت فوضى، لكن الله عز وجل قال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[المائدة:38]، فلو لقيت سارقاً في البيت، فهل تأخذ سكيناً، وتقول للأولاد: امسكوا وتقطع يده؟ لا يجوز؛ لأن السارق لا بد له من شروط، والمسروق لا بد له من شروط، ثم لا بد أن تنتفي الشبهات، وفي الحديث: ( ادرءوا الحدود بالشبهات ).

    ولذلك أجمع أهل العلم على أنه ليس لآحاد الناس إقامة الحدود، ولا ضرب الرقاب، وإنما المخاطب بذلك من ولاه الله الأمر ومن يقوم مقامه، إلا شيئاً واحداً وهو إقامة السيد الحد على أمته إذا زنت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إذا زنت فليجلدها، ثم إذا زنت فليبعها ولو بظفير )، الظفير: الحبل المظفور، يعني: ليتخلص منها بأي شيء.

    إذاً: عرفنا من المخاطب بقوله تعالى: فَاجْلِدُوا[النور:2]، ومثله قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى[البقرة:178]، وقوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ[المائدة:38]، وسيأتي معنا أيضاً في حد القذف: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[النور:4]، هذا كله لولي الأمر.

    الزيادة على الحد والنقصان فيه

    المسألة الخامسة في قوله تعالى: فَاجْلِدُوا[النور:2]: العدد مطلوب فلا يزيد ولا ينقص، فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[النور:2]، لا يجوز جلد تسع وتسعين جلدة، ولا يجوز مائة وواحدة، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بأنه يؤتى يوم القيامة بحاكم قد نقص من حد الله سوطاً، وبآخر زاد في حد الله سوطاً؛ فيقول الله عز وجل لمن نقص: لم صنعت ذلك؟ يقول: يا رب! رحمة بالناس، فيقول الله له: أنت أرحم مني؟! خذوه إلى النار، ثم يؤتى بمن زاد سوطاً؛ فيقول له: لم صنعت ذلك؟ يقول: يا رب! ليرتدع عبادك، فيقول الله له: أنت أحكم مني؟! خذوه إلى النار ).

    ولذلك فالناس الذين يدعون بأن الحدود عقوبات وحشية، وأنها لا تناسب القرن الحادي والعشرين، وأنها تناقض حقوق الإنسان، وأن فيها اعتداء على الكرامة، وأن فيها امتهاناً للإنسانية، هؤلاء لا يدرون خطورة ما يقولون، هذا تشريع من حكيم خبير، هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يعلم ما يصلحهم، جل جلاله.

    الغاية من الحدود

    وهذه الحدود ليست للانتقام، وإنما يتحقق بها غايتان عظيمتان:

    الغاية الأولى: تطهير الجاني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أصاب من هذه الحدود شيئاً، فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور )، وأيهما أهون أن يعذب الإنسان في الدنيا أم يعذب بالنار؟! أي إنسان عاقل، سيقول: الأهون أن ينالني العذاب في الدنيا، من أن أعذب في نار جهنم والعياذ بالله؛ ( فنار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم )؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الحدود كفارات لأهلها )، هذه هي الغاية الأولى.

    الغاية الثانية: زجر بقية الناس، فحين نرى في الساحات من يجلد على ظهره وهو رجل كبير أمام الناس؛ لأنه فعل كذا وكذا؛ فلا شك أن الإنسان يقول: أسأل الله السلامة! ويردد دعاء: ( اللهم أدم علي نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة )، وهو الدعاء الذي ندعو به إذا أصبحنا وإذا أمسينا.

    أما الذي يحصل الآن، وهو أن يفعل الإنسان الفعلة، مثلاً يسرق، وبعد ذلك يودع في السجن، ولا ينظر في حاله، ربما سرق لحاجة، ربما سرق لجوع، ربما سرق لكذا فيودع في السجن، ويودع مع المجرمين وأرباب السوابق، ويخرج من السجن ما كفر ذنبه، ولا طهر من وزره، وفي الوقت نفسه يخرج وعنده دكتوراه في السرقة، يتعلم فنوناً ما كانت تخطر له ببال، ويأخذ من أولئك؛ لأن الصاحب ساحب كما يقال، فلو جلس في السجن سبعة أشهر مثلاً، أو عشرة أشهر، فإنه يخرج بعد ذلك ويسرق بمزاج، وقل مثل ذلك لو أنه وقع في فاحشة أيضاً! فإنه يلقى في السجن ويعاشر المجرمين، والفاحشين والمتفحشين، ويتعلم من بذاءاتهم وقباحاتهم؛ نقيم الحد عليه وندعو له بأن يطهره الله، وأن يغفر ذنبه، حتى لو قتل، فمثلاً لو رجم؛ فإننا نصلي عليه وندعو له.

    ( ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجم الغامدية جيء بها فصلى عليها، فقال له عمر : أتصلي عليها وقد زنت؟! قال: دعني! لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم )، يعني: لو أن أهل المدينة كلهم كانوا زناة فوزعت توبتها هذه عليهم لوسعتهم، فالمقصود بأن هذا الحكم واجب، ومن بدله أو غيره فعليه لعنة الله؛ قال الله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، ولا أعني هذا الحكم وحده؛ بل أحكام الله كلها، فاعرف قدرك أيها الإنسان، لست مشرعاً ولا رباً، أنت عبد مربوب، عقلك قاصر، وعلمك قليل، وإدراكك في حدوده، اعرف قدرك ولا تجعل نفسك مع ربك مشرعاً؛ قال الله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ[الشورى:21].

    فالجلد واجب، والعدد مقصود، ولا بد من أن يؤتى به كما هو.

    مكان الجلد

    المسألة الخامسة: قال الله عز وجل: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا[النور:2]، ما الذي يجلد؟

    للعلماء في هذا قولان:

    القول الأول: أن الذي يجلد هو الظهر وحده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـهلال بن أمية : ( البينة وإلا حد في ظهرك )، فنص صلى الله عليه وسلم على الظهر.

    والظهر يبدأ من أسفل الرقبة إلى العجز.

    القول الثاني: قالوا: يفرق فيكون الضرب على الظهر وما يليه، وتتقى المقاتل، يعني: الأشياء التي يمكن أن تتلفه أو تؤذيه، فإنها تتقى، فلا يضرب على فرجه، وكذلك لا يضرب الرأس والوجه؛ لأن الضرب على الوجه حرام بإطلاق، حتى لو كان طفلاً فلا يجوز أن تلطم وجهه حتى لو كان كافراً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تضرب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته )، أي: على صورة هذا الوجه خلقه الله بيديه جل جلاله، وهو أشرف ما في الإنسان وأكرمه؛ ولذلك الكافر يوم القيامة أول ما يسلط عليه العذاب، يسلط على وجهه، كما قال ربنا: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً[الإسراء:97]، وقال سبحانه: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ[التوبة:35]، قالوا: يكون الضرب على الظهر وما يليه وتتقى المقاتل، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البينة وإلا حد في ظهرك )، فإنما يراد به تخويف ذلك الرجل من أن يقذف امرأته بغير بينة، وليس المقصود خصوص الضرب في الظهر وحده.

    الآلة التي تستعمل في الجلد

    المسألة السادسة: ما هي الآلة التي تستعمل في الضرب؟

    نستعمل سوطاً ليس بلين ولا يابس، ومعنى ذلك أننا لا نستعمل شيئاً يكون خفيفاً لا يحصل به الإيلام والإيجاع، ولا نستعمل كذلك عصاً غليظة يحصل بها الأذى؛ ( ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يجلد إنساناً في حد فأتي بسوط ضعيف، فقال: فوق هذا، فأتي بسوط غليظ فقال: دون هذا )، فيكون وسطاً، لا باليابس الذي يؤذي ويتلف، ولا بالهين الذي لا يحصل به الغرض المطلوب من إقامة الحد.

    صفة الجلد

    المسألة السابعة: قالوا: ينبغي أن يكون الضرب وسطاً، لا ضرب حانق ولا بموات، يعني: الضارب لا يكون حانقاً، ولا يضرب بموات، وإنما قالوا: يكون الضرب وسطاً، ولا ينبغي للضارب أن يرفع يده حتى يرى إبطه، ويفرق الضرب، هذا هو دين الله عز وجل.

    ولذلك ابن عمر رضي الله عنهما لما زنت إحدى إمائه، قال للضارب: اضرب ظهرها ورجليها ضرباً وسطاً، فقال له ولده: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ[النور:2]، فالتفت ابن عمر إليه منكراً، وقال له: أقتلها؟!

    نعم ربنا قال: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ[النور:2]، لكن ما قال: اقتله.

    فالضرب يكون بآلة وسط، ويكون ضرباً وسطاً؛ لأن المقصود هو الزجر، والتشهير، والإيلام والإيجاع، وليس المقصود أن يكون ضرباً عنيفاً شديداً يسيل دماً، أو يطير لحماً؛ لأن السوط إذا كان الضرب به شديداً فإنه يبدأ اللحم يتطاير؛ وهذا ليس مطلوباً في إقامة حد الله عز وجل.

    وهذا لا يجوز؛ لأن الأذية حرام، فلا يجوز للمسلم أن يؤذي نفسه، ولا أن يؤذي غيره إلا بموجب شرعي، وبالنسبة لجلد الزاني هذا أذى، لكنه أذى مطلوب، فقطع يد السارق أذى لكنه أذى مطلوب. أما الأذى لمجرد الأذى فقط، أو لمجرد أن يقول الناس: إني بطل؛ فلا يجوز وليبلغ الشاهد الغائب؛ وكذلك الشلوخ لا يجوز؛ لأنه أذى، ولأنه تغيير لخلق الله، وكذلك الوشم أو دق الشلوفة كما يقال لا يجوز؛ لأنه أذى ولأنه تغيير لخلق الله.

    أما الأذى إذا كان فيه إيلام لكنه طبيعي أو فيه مصلحة مثل الختانة فإن فيها أذى وفيها إيلام، لكن المصلحة التي ترجى منها أقوى، فإن الطفل إذا أخذت قلفته فإنه يتألم ويبكي، لكنه من أجل مصلحة أكبر، فإننا نرتجى طهارته، ونظافته، وتجنيبه الأمراض.

    إذاً: عرفنا من المخاطب بقوله: فَاجْلِدُوا[النور:2]، وعرفنا ما هو العدد المطلوب، وعرفنا ما هي الآلة التي تستعمل، وعرفنا الضارب كيف يضرب، وعرفنا الأعضاء التي تضرب.

    هيئة المجلود عند إقامة الحد

    المسألة الثامنة: قال أهل العلم: يضرب الرجل قائماً، وتضرب المرأة جالسة.

    أما قيام الرجل فلأنه أبلغ في زجره، وأما جلوس المرأة فلأنه أدعى إلى سترها.

    حتى في الرجم سيأتي معنا قول نبينا في الحديث: (فأمر بها فشكت عليها ثيابها)، شكت بمعنى: جعل فيها الشوك، الذي هو مقام الأزرار. وفي لفظ: ( فشدت عليها ثيابها )؛ لئلا تتكشف؛ فالمرأة مطلوب فيها الستر.

    تجريد المجلود من الثياب

    المسألة التاسعة: هل يجرد المجلود من ثيابه؟

    لأهل العلم في ذلك قولان: الصحيح أنه لا يجرد، لكنه يجرد من الثوب الثقيل الذي يمنع وصول أثر الضرب؛ لأن بعضهم يكون محترفاً كما يقولون، أو متعوداً أنه يجلد دائماً، كما يفعل الصغار في المدارس، تجده يتعمد أن يلبس ثوباً فوق ثوب بحيث لو جلد فإنه لا يبالي! فهنا لا بد أن يكون القاضي فطناً، فيجرده من ثيابه، ولا يبقي عليه إلا الثوب الذي يستره؛ من أجل أن يصل إليه أثر الضرب.

    لكن ليس مطلوباً منا أن نجرده من ثيابه كلها، فيقف أمام الناس وقد حسر عن جسده؛ لأن الحد ليس مقصوداً منه الانتقام، وإنما المقصود منه الزجر والتشهير.

    هذا بالنسبة للنوع الأول من الزناة، وهم الأبكار، ( البكر بالبكر جلد.. ).

    ونأتي لمسألة مهمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( جلد مائة وتغريب عام )، التغريب مشتق من الغربة، وهي البعد عن الوطن.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011611680

    عدد مرات الحفظ

    722184592