إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآيات [6-10] الثانيللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شدد الشارع الحكيم في قضية الأعراض، حفاظاً على الأنساب أن تختلط، وأن يدخل على الرجل من ليس منه، وأن يرث ماله من ليس من صلبه، فشرع اللعان وغلظ فيه، مع العلم أنه لا يشترط له الرؤية، ويحصل به الفراق، ونفي الولد، وحرمة النكاح أبداً.

    1.   

    تلخيص لما سبق من الأحكام في آيات اللعان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [النور:6-10].

    وقد تقدم معنا الكلام: أن هذه الآيات الكريمات مخصصة لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[النور:4]، فلو أن رجلاً قذف امرأته بالفاحشة، فإنه لا يطالب بأن يأتي بأربعة شهداء، بل يكفي أن يحلف هو أربع مرات بأن الزوجة قد زنت، ويسميها، وإن كان ثمة حمل فإنه ينفيه عن نفسه، وفي المرة الخامسة يقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين.

    وتقدم معنا أن سبب نزول هذه الآيات هو ما كان من شأن عويمر بن أشقر العجلاني رضي الله عنه حين قذف امرأته بـشريك بن السحماء البلوي ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( البينة أو حد في ظهرك )، فجاء الفرج من الله عز وجل بنزول هذه الآيات التي هي غاية الحكمة وغاية العدل، فإن الرجل المؤمن مطبوع على الغيرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن من الغيرة ما يحبه الله، ومن الغيرة ما يبغضه الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي لا يحبها الله فالغيرة في غير ريبة )، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الثناء على سعد : ( أتعجبون من غيرة سعد؟! فأنا أغير منه، والله أغير مني )، وبين عليه الصلاة والسلام (أن الله تعالى يغار من أن يزني عبده، أو أن تزني أمته )، وأنه ( لا أحد أغير من الله ) جل في علاه.

    1.   

    الحكمة من المغايرة بين دعاء الزوج ودعاء الزوجة في اللعان

    وهاهنا مسائل:

    المسألة الأولى: لماذا غاير الله بين دعاء الزوج ودعاء الزوجة، بمعنى: أن الزوج في المرة الخامسة يقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، والزوجة في الخامسة تقول: غضب الله علي إن كان من الصادقين، فلم لم يجعل اللعنة للطرفين أو الغضب للطرفين، ولم لم يكن العكس، بأن تقول الزوجة: لعنة الله علي وأن يقول الزوج: غضب الله علي، ومعلوم أن القرآن هو أحسن الكلام، وأحكمه وأعدله؟!

    قال أهل التفسير: لما كانت النساء يكثرن اللعن وذلك بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (يا معشر النساء! أكثرن من الصدقة فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: يا رسول الله! ولم؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك سوءاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط ).

    فالمرأة دائماً تقول: لعنة الله على فلان، لعنة الله على كذا، لعنة الله على كذا ولربما تلعن نفسها، فلما كن يكثرن اللعن، وكان المقام مقام تخويف وترهيب؛ فإن الله جل جلاله اقتضت حكمته أن تؤمر المرأة بلفظ آخر غير الذي اعتادته؛ ليكون ذلك أرهب لها من أن تقول الكذب، أو أن تنطق بالزور، ولذلك فإن المرأة تقول: غضب الله علي.

    وهاهنا أيضاً لا بد من التنبيه على أن اللعنة لا ينبغي أن تصدر من فم المؤمن ولا المؤمنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولعن المؤمن كقتله )، وقال: ( ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن اللعنة إذا خرجت من فم العبد، فإنها تصعد إلى السماء، ثم تنزل إلى الأرض، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، ثم تذهب إلى الملعون، فإن كان أهلاً وإلا ارتدت على اللاعن ).

    ولذلك فإن على الإنسان أن لا يعود لسانه على اللعن، فلا تلعن إلا من لعنه الله أو لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلاً إبليس قال الله عز وجل عنه: لَعَنَهُ اللَّهُ[النساء:118]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله النامصة والمتنمصة )، وهذا على العموم، وليس على التعيين، فلو رأيت امرأة تنمص فلا يجوز لك أن تقول لها: لعنك الله.

    وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله من لعن والديه، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله من ذبح لغير الله )، هذا كله على سبيل العموم، أما على التعيين، بأن تلعن مؤمناً أو مؤمنة، فإن هذا لا يجوز.

    وقد كان العلماء من أهل الورع والصدق يتحاشون اللعن؛ ولذلك الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله، لما سأله ولده، فقال له: يا أبت! أتكتب الحديث عن يزيد ؟ يعني: يزيد بن معاوية ، فقال: لا، ولا كرامة، وهو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل، فقال له ولده: يا أبت! إن قوماً يقولون: إنا نحب يزيد ، فقال له أبوه: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقال له: يا أبت! لم لا تلعنه؟ قال له: ومتى سمعت أباك يلعن أحداً؟!

    وكما قال بعضهم: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفة: لا إله إلا الله، ولعن الله فلاناً، ولأن يخرج من صحيفتي لا إله إلا الله أحب إلي؛ لأن الإنسان لو أمسك مسبحة مثلاً وقال: لا إله إلا الله مائة مرة، فإنه سيكون عنده حسنات كثيرة، لكن لو أمسك مسبحة وقال: لعن الله إبليس، لعن الله إبليس، لعن الله إبليس، فإنك لا تستطيع أن تجزم بأن عنده شيئاً، ثم إنه ما غير من الواقع شيئاً، فالله قد قال: لَعَنَهُ اللَّهُ [النساء:118]. وإذا كان هذا في شأن إبليس فغيره من باب أولى.

    1.   

    المقصود بالعذاب في قوله تعالى: (ويدرأ عنها العذاب)

    المسألة الثانية: قال الله عز وجل: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ[النور:8]، ويدرأ بمعنى يدفع، والمقصود بالعذاب في الآية حد الزنا الذي هو الرجم، والدليل على ذلك أمران اثنان:

    الأمر الأول: سياق الآيات، فإن السياق في الحديث عن حد الزنا، فإن الله عز وجل قال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي[النور:2]، ثم قال: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً[النور:3]، ثم قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ[النور:4]، فالسياق كله في الحديث عن الزنا وبيان العقوبة الشرعية التي رتبها الله عليه.

    الأمر الثاني: أن العذاب قد أطلق مراداً به الحد، في قول الله عز وجل: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، وهذا بإجماع المفسرين مقصود الحد.

    وكذلك في قوله تعالى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ[النساء:25]، فسمى الله الحد عذاباً.

    إذاً: قول الله عز وجل: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ، المقصود به حد الزنا، الذي هو الرجم؛ لكونها محصنة.

    1.   

    إطلاقات لفظ (الزوج) في القرآن الكريم

    المسألة الثالثة: يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ[النور:6].

    كلمة الزوج في القرآن تطلق مراداً بها الرجل، وتطلق مراداً بها المرأة، كقول الله عز وجل: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ[الأعراف:19]، وكما في قول الله عز وجل: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ[الأحزاب:37]، وكما في قول الله عز وجل: اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا[النساء:1]، وكما في قوله سبحانه: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ[الذاريات:49]، وكما في قوله سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36].

    وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ، المراد به زوجاتهم، فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل هو الذي يلاعن المرأة وليس العكس، فالمرأة لا تلاعن الرجل، يعني: المرأة لا تذهب وتقول: بأن زوجي فلاناً قد زنى ويطلب منها أن تلاعنه؛ لأن تضرر الرجل بزنا امرأته أعظم من تضرر المرأة بزنا زوجها؛ لأن المرأة قد تدخل عليه من ليس منه، وتنسب إليه من ليس من مائه، بالإضافة إلى كونها دنست فراشه، وانتهكت عرضه، ثم إنها لو حملت من غيره فإنه يترتب على ذلك أن يرث ماله من ليس من صلبه، ويترتب عليه أن يطلع على حريمه، فيطلع على أخواته من ليس محرماً لهن، وكذلك يطلع على بناته من غير تلك المرأة من ليس محرماً لهن، إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة.

    ومن أجل هذا اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون اللعان من الزوج للزوجة؛ ولذلك إذا أقيم اللعان فإن الذي يبدأ بالحلف هو الزوج.

    1.   

    اشتراط الرؤية في اللعان

    المسألة الرابعة: اختلف أهل العلم في قذف الرجل لامرأته ولعانه إياها، هل يشترط أن يذكر الرؤية؟ وهذا ما يسميه علماؤنا بالقذف المقيد بالرؤية، ويقابله القذف المجرد، وقد تقدم معنا في حد الزنا بأن الشهود لو قالوا: فلان زنى بفلانة، فإنه لا يكفي هذا الكلام، بل لا بد أن يقولوا: قد رأينا هذا منه في ذاك منها، كالرشاء في البئر، أو كالميل في المكحلة، فلا بد أن ينصوا على الرؤية.

    وهاهنا لو أن الرجل رمى امرأته بالفاحشة، هل يكتفى منه بالكلام العام، أي: بأن يقول: إن فلانة زوجتي قد زنت، وهذا الحمل الذي في بطنها ليس مني، أو أنه لا بد أن يقول: قد رأيت بعيني فلانة وهي تزني. فالإمام مالك رحمه الله يشترط أن يقيد اللعان بالرؤية، ويستدل على ذلك بحديث عويمر العجلاني رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله! رأته عيناي، وسمعته أذني، يعني: رأى بعينه، وسمع بأذنه، فهو لا يشك قط في أن زوجته قد زنت.

    فالإمام مالك رحمه الله يستدل بهذه الرواية على أن قذف الرجل لزوجته هكذا مجرداً لا يقبل، بل لا بد أن يقيد ذلك بأنه قد رأى بعينه.

    أما جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة و الشافعي و أحمد فقالوا: اللعان لا يشترط فيه التقييد بالرؤية، لما يلي:

    أولاً: لعموم قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ[النور:6].

    ثانياً: قالوا: أما عويمر فلم يطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: رأته عيناي، بل هو قال ذلك من تلقاء نفسه، ولم يشترط عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

    ثالثاً: قالوا: في الحديث قرينة تدل على أن هذا ليس شرطاً؛ لأنه قال: رأته عيناي، وسمعته أذني، وبالإجماع، فالإمام مالك وغيره متفقون على أنه لا يطلب سماع الأذن؛ فدل ذلك على أنه لا يشترط أن يذكر رؤية العين.

    وما ثمرة الخلاف هنا بين القولين؟

    ثمرة الخلاف أنه على قول الجمهور لو أن إنساناً ما رأى، لكن أخبره ثقات بأن زوجته قد حصل منها الزنا، وهو يثق بخبرهم، فإنه يجوز له أن يلاعن، فمثلاً لو أن الرجل كان مسافراً، غاب عن أهله، ثم لما رجع أخبره من لا يتهم ممن هو شاهد عدل بأن زوجته قد حصل منها كذا وكذا، وكان يتردد عليها فلان، ونحو ذلك، فعلى قول الجمهور يجوز له أن يلاعن، أما على قول الإمام مالك فلا يجوز له أن يلاعن بناء على خبر غيره، بل لا بد أن يرى بعينه.

    1.   

    اللعان بين اليمين والشهادة

    أقوال أهل العلم في اعتبار اللعان شهادة أم يميناً

    المسألة الخامسة: اختلفوا في اللعان، أهو شهادة أم أيمان؟ على أربعة أقوال:

    القول الأول: بأن اللعان أيمان، والأيمان جمع يمين.

    والقول الثاني: بأنه شهادات، وليس أيماناً.

    والقول الثالث: أنه شهادات مؤكدة باليمين، والقول الرابع عكسه: أي: أنه أيمان غلظت بلفظ الشهادة.

    فعندنا أربعة أقوال، وتعرفون أن اليمين هي أن يحلف الإنسان بالله، أو بصفة من صفاته، يعني: يقول: والله لقد حصل كذا، أو بالله لقد حصل كذا، أو تالله لقد حصل كذا، أو يقول: ورب الكعبة أو والذي نفسي بيده ونحو ذلك، أو يقسم بصفة من صفات ربنا مثل: أقسم بجلال الله، أقسم بقدرة الله، أقسم بعظمة الله ونحو ذلك، فهذه يمين يترتب عليها حكمها، سواء وضعت يدك على المصحف أو ما وضعت؛ لأن بعض الناس يعتقد أن اليمين التي تلقيك في النار لا بد أن تضع يدك فيها على مصحف، وبعضهم يقول لك: والله حلفت، ووضعت يدي على المصحف، وأنا كذاب، لكن ما كنت متوضئاً، يعني: يظن أنه بعدم الوضوء ليس عليه شيء، وأن يمينه هذه لاغية، لا، حتى لو كنت جنباً وقلت: والله، فهذه يمين تؤاخذ عليها.

    لكن أحياناً في القضاء يلجئون إلى التغليظ، من باب التخويف والترهيب؛ أخذاً من هذه الآيات، فمثلاً أحياناً القاضي يأتيك بصيغة فيها كلام كثير من أجل أن تخاف، يقول: أقسم بالله العظيم وبكتابه الكريم، ولربما يزيد فيقول: قل: أقسم بالله العظيم، وبكتابه الكريم، أقسم بالله القادر على أن يمسخني قرداً أو خنزيراً وكذا، وكل هذا من أجل التخويف.

    وأيضاً المصحف جعل من أجل التخويف؛ ولذلك يذكرون عن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله صاحب الأضواء أنه كان قاضياً في وقت ما في بلاده، قال: فجاءت امرأة تدعي على إنسان بأنه قد سرق منها تيساً، فقال له: رد إليها تيسها، فقال: ما سرقت، فقال له: تحلف؟ قال: أحلف؛ لأن البينة على من ادعى والمرأة ما عندها بينة، واليمين على من أنكر، قال له: تحلف، قال: أحلف، ومباشرة قال: بأنه يريد أن يأخذ المصحف، وكان المصحف قديماً، فقال له: لا، بل تحلف على ذلك الكتاب، وكان مختصر خليل بن إسحاق وهو مجلد بالأحمر فاخر نسبياً، فقال: لا، الكتاب ذاك أنا لن أحلف عليه، فقال له: اذهب وأعد لها التيس.

    ومثله أيضاً في سابقة قضائية هاهنا: واحد من الناس قيل له: تحلف؟ قال: أحلف، فقال خصمه: لا، وقال للقاضي: اجعله يحلف عند قبر الشيخ فلان، فقال: لن أحلف عند قبر فلان، فتغليظ اليمين قد يطلب أحياناً من أجل أن يستبين المحق من المبطل.

    وهاهنا الله عز وجل قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ [النور:6]، هل هذه الألفاظ التي تخرج من الملاعن، ومثلها من زوجه التي رماها، هل هي شهادة أو هي أيمان؟ هل هي أيمان مغلظة بلفظة الشهادة؟ أو هي شهادة مؤكدة باليمين؟

    أدلة من قال بأن ألفاظ اللعان أيمان

    فمن قالوا: بأنها أيمان عندهم أدلة، من هذه الأدلة:

    أولاً: قوله تعالى: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ [النور:6]، قالوا: هنا لفظة بالله يمين.

    ثانياً: استدلوا بأن الشهادة في القرآن تطلق مراداً بها اليمين، فمثلاً في قول الله عز وجل: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ [المائدة:107]؛ بدليل قوله بعدها: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ[المائدة:108]، ومثله قول الله عز وجل: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ[المنافقون:1]؛ بدليل قوله بعدها: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً[المنافقون:2]، فالشهادة هاهنا أطلقت مراداً بها اليمين.

    ويقول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: وأظهر الأدلة أن اللعان يمين وليست بشهادة؛ أنه لا ينبغي لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه يعني: لو أن الإنسان ذهب فادعى على فلان مالاً، فقال له القاضي: أين البينة؟ أين السند الذي عندك؟ يقول: ما عندي سند؟ قال له: أين شهودك؟ يقول: ما عندي شهود، فقال للمدعى عليه: أخذت منه مالاً؟ قال: أبداً، ولا رأيته، هل ينفع أن أقول للقاضي: والله ما عندي سند، ولا عندي شهود ولا كذا، لكن أنا سأحلف، لا ينفع ذلك، فأقل ما هنالك أن يكون شاهد ويمين، شاهد خارج، ثم يمين المدعي.

    فهذا هو القول الأول: بأن اللعان أيمان وليست شهادات؛ لأن الله عز وجل قال: بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ [النور:6]، وهناك المرأة تحلف: بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ [النور:8]، ثم القرآن أطلق الشهادة يريد بها اليمين.

    أدلة من قال بأن اللعان شهادة

    وبعض أهل العلم قالوا: لا، بل اللعان شهادة، استدلوا بقول الله عز وجل: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ[النور:6]، وقول الله عز وجل: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ[النور:8].

    وثمرة الخلاف بين القولين: لو قلنا بأن اللعان يمين؛ فمعنى ذلك أنه يصح اللعان بين كل زوجين، أما لو قلنا بأن اللعان شهادة؛ فلا يصح اللعان من الفاسق.

    فلو أن إنساناً ذهب ليشهد في قضية وهو فاسق، فلن تقبل شهادته؛ لأن الله قال: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ[البقرة:282]، والفاسق غير مرضي، فلو قلنا بأن اللعان شهادة، فذهب زوج، وهذا الزوج معروف بأنه مرتشي، أو أنه مرابي، أو أنه حد في الخمر مثلاً؛ لأنه خمير سكير فذهب وقال: إن زوجتي قد زنت فإنه لا يقبل قوله أصلاً، ولا يتمادى معه في اللعان؛ لأن شهادته مردودة.

    أما لو قلنا بأن اللعان أيمان، فإنه يصح اللعان بين كل زوجين، ولو كان أحدهما فاسقاً، أو كان أحدهما لا تقبل شهادته لكونه مملوكاً مثلاً.

    1.   

    وقوع المقذوف في الزنا قبل إقامة الحد على القاذف

    المسألة السادسة: لو أن رجلاً قذف امرأته ثم زنت قبل أن يلاعنها، وهذه قد مر معنا نظيرها، فلو أن رجلاً قذف رجلاً أو امرأة، وما استطاع أن يثبت، ثم حكم عليه بحد القذف ثمانين جلدة، وقبل أن يقام عليه الحد زنى المقذوف، وثبت عليه ذلك ببينة أو إقرار، فإن الحد يدرأ عن القاذف.

    كذلك هاهنا لو أن الرجل قذف امرأته، ثم زنت قبل أن يلاعنها، فإنه يستغنى عن اللعان، ويقام عليها الحد، فمثلاً لو أنه جاء فبلغ، والقاضي أخذ أقواله، ثم جاء بالمرأة فأنكرت، فقال لهم القاضي: موعدنا يوم الجمعة بعد الصلاة في المسجد الجامع، عند المنبر، أمام الناس؛ من أجل أن تحلف أيها الرجل مراراً أربعة بأن امرأتك قد فعلت الذي رميتها به، وفي المرة الخامسة تقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وبين للمرأة كذلك، ولكن فيما بين هذا اليوم ويوم الجمعة وقع من المرأة الزنا، وثبت عليها ذلك؛ إذاً: لا حاجة إلى اللعان، وإنما يقام عليها الحد؛ لأن الله اشترط في هذا كله الإحصان، وقد ثبت بذلك أنها ليست محصنة.

    1.   

    إقامة الحد على من قذف امرأة ثم تزوجها

    المسألة السابعة: لو أن رجلاً قذف امرأة ثم تزوجها، فإنه لا يدرأ عنه الحد، ولا يطالب باللعان؛ لأنه لما قذفها كانت أجنبية عنه، فمثلاً قذفها اليوم، وفتح فيه بلاغ، فذهب إلى أهلها وقال لهم: نريد أن نتصالح وأتزوجها، نقول له: تعال يوم الجمعة بعد الصلاة نزوجك إياها، فهل زواجه بها يدرأ عنه حد القذف؟ الجواب: لا.

    لأنه لما قذفها كانت أجنبية عنه، ولو قال: لا، أنا مستعد أن ألاعنها، نقول له: لا ينفع؛ لأنك لما قذفتها ما كنت زوجاً لها، فلا ينفعك أن تلاعنها، ولا ينفعك أن تدعي بأنك كاذب.

    نقف عند هذا الحد. أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    1.   

    الأسئلة

    اشتراط الرؤية في اللعان

    السؤال: مضى معنا أنه لا يشترط في اللعان أن يقول الزوج: قد رأيت بعيني، وإنما لو أخبره من يثق به جاز له أن يلاعن. أليس في هذا إجحاف بالزوجة؟

    الجواب: أولاً مبدأ الستر هو الذي ينبغي أن يرجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة )، ( وإن الله حيي ستير )، كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

    كذلك في قصة ماعز فإنه قال للرجل الذي أرشده إلى الإقرار: ( لو سترته بثوبك لكان خيراً لك )، لكن أحياناً قد تفوح رائحة منتنة -والعياذ بالله- ويكثر الكلام، ويصل الإنسان إلى قناعة، أو ربما يصل إلى دليل دامغ بأن هذه المرأة تمارس الفحش في غيبة زوجها، ففي هذه الحالة مثل ما أننا نرجح الستر، أيضاً نرجح حماية عرض ذلك الغائب، ونرجح أيضاً مقصد الشرع في عدم اختلاط الأنساب، ونرجح مقصد الشرع في حماية الأعراض.

    ففي هذه الحالة لو أن الإنسان وجد المصلحة في أن يخبر الزوج من أجل أن يتخلص من هذه الزوجة، ولا ينسب إليه من ليس منه، فما عليه إثم إن شاء الله، وليس في ذلك إجحاف بالزوجة؛ لهذا المقصود. والإنسان لا يتعلق بالشبهات، لكن لو علم بالدليل الدامغ أن هذا الشيء حاصل، فإنه يبلغ الزوج، ( ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ).

    من حلف أن يفعل شيئاً ثم لم يفعله

    السؤال: لو حلف الإنسان على أن يفعل شيئاً ثم لم يفعله، فهل هذه يمين غموس؟

    الجواب: هذه ليست يميناً غموساً، بل يمين منعقدة، لأن الأيمان ثلاثة:

    اليمين الغموس ويمين اللغو، واليمين المنعقدة.

    ويمين اللغو فيها صورتان: الصورة الأولى: أن يقول الرجل: لا والله، وبلى والله فهي تجري على لسانه من غير قصد اليمين، فمثلاً بعض الناس يقول لك: والله كذا وهو لا يقصد اليمين، أبداً ما تواطأ قلبه مع لسانه، فهذه صورة.

    الصورة الثانية: أن يحلف الرجل على غلبة ظنه، مثلاً يقول: قد كان كذا وكذا، والآخر يقول له: أبداً، فيقول له: لا، والله قد كان، فهو ما تعمد كذباً، وإنما حلف على غلبة ظنه.

    فهاتان الصورتان داخلتان في قوله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ[البقرة:225].

    أما اليمين المنعقدة، فهي: أن يحلف الرجل على أن يفعل الشيء ثم لا يفعله، أو يحلف على أن لا يفعل الشيء ثم يفعله، وهذه هي التي أوجب الله فيها الكفارة؛ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ[المائدة:89]، الآية.

    وأما اليمين الغموس، فهي أن يحلف الإنسان على شيء قد مضى، وهو يعلم أنه كاذب، يعني: يحلف أنه ما فعل كذا، وهو يعلم بأنه قد فعل، أو يحلف على أنه فعل كذا، وهو يعلم بأنه ما فعل، فهذه غموس تغمسه في نار جهنم.

    أما بالنسبة لليمين المتعلقة بالانتخابات؛ لأن بعض الناس يعطي رشوة، ويقول لك: حط يدك في المصحف، وتحلف بالله أنك تصوت لفلان، فإذا ما صوت لفلان فإنه يكون قد وقع في معصيتين:

    المعصية الأولى: كونه مرتشياً، أكل مالاً بالباطل، والرجل الثاني أيضاً ملعون، كلهم ملعونون؛ ( لعن الله الراشي والمرتشي ).

    المعصية الثانية: أنه نقض العهد، والله عز وجل قال: وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً[النحل:91].

    أما قضية التسجيل للاعبين، فهؤلاء من الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، فلماذا يحلف بالله؟! يسجل أو ما يسجل، يلعب أو ما يلعب، يفوز أو ما يفوز.. هذه كلها هراء ولعب، والله سبحانه أجل وأعظم من أن يتخذ اسمه عرضة للأيمان في مثل هذه الأمور الفارغة.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.