إسلام ويب

تفسير سورة النور - قصة الإفك [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت عائشة رضي الله عنها من الغافلات المؤمنات، لذلك لم تعرف بقصة أصحاب الإفك إلا بعد شهر من خوض الناس فيها، وقد مرضت بعد رجوعها مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة المريسيع، فلم تشعر بشيء إلا أنها لم تلق اللطف الذي كانت تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم حين تمرض.

    1.   

    رجوع عائشة إلى المدينة ومرضها شهراً

    قالت عائشة رضي الله عنها: ( فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، والذي يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ).

    نستفيد من هذا أدبين عظيمين، تقول عائشة رضي الله عنها: ( فقدمنا المدينة فاشتكيت شهراً )، (اشتكيت) بمعنى: مرضت.

    إخبار المريض بما يظن أنه يزيده مرضاً

    ( والناس يفيضون في قول الإفك، ولا أشعر بشيء )، نستفيد من ذلك أن أهل المريض ينبغي ألا يبلغوه بما يزيده مرضاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بما يقوله الناس، وكذلك أبو بكر و أم رومان عليهما من الله الرضوان، لكن لما كانت عائشة رضي الله عنها مريضة، فإنهم قد أمسكوا عن إخبارها لئلا تزداد مرضاً، ومن هنا يبحث العلماء في مسألة وهي: إذا غلب على ظن الطبيب أن هذا المرض هو مرض الموت المخوف؛ لأنه أحياناً بقوانين الطب يعلم الطبيب أن هذا المرض لا علاج له، وأنه في الغالب يعقبه موت، فهل يخبر المريض بذلك أم لا؟

    كثير من العلماء قالوا: لا يخبر الطبيب المريض بأن مرضه مميت؛ لأنه لو أخبره ازداد مرضاً، ولربما عجل بهلاكه، وبعض العلماء ومنهم العلامة الشيخ محمد المختار في كتابه القيم أحكام الجراحة الطبية، قال: بل ينبغي أن يخبره بطريق ما؛ من أجل أن تتحقق عدة مصالح:

    أولها: أن يعجل بالتوبة.

    ثانيها: أن يرد المظالم إلى أهلها.

    ثالثها: أن ينبعث في الطاعات ويكثر منها.

    رابعها: أن ينظم أموره؛ فإذا كان عنده ديون، أو كان عنده وصايا، أو كان عنده شيء يحتاج إلى قسمة على ما شرع الله فإنه يحصل تلك المصالح كلها إذا علم بأنه ميت.

    ولا يخفى عليكم بأن المسألة ربما تكون تقديرية، فقد يرى الطبيب بأن من المصلحة أن يخبر المريض لما هو عليه من رباطة جأش، وقوة إيمان، وقد يرى الطبيب بأن المريض لو أخبر ربما يزداد سوءاً على سوء؛ فهذا أدب أول نستفيده.

    حسن معاشرة الزوجة وجميل ملاطفتها

    الأدب الثاني: حسن معاشرة الزوجة، وجميل ملاطفتها.

    هنا السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: ( فما رابني إلا أني لم أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أجده منه حين أمرض )، معنى ذلك: أن الهدي الدائم من النبي عليه الصلاة والسلام ملاطفة زوجاته، وحسن معاشرتهن، لكنه عليه الصلاة والسلام لما كان متأثراً بما يقوله الناس من الطعن في عرضه، فإنه ما كان يلاطف عائشة في مرضها، قالوا: ويستفاد من ذلك أن الزوج يكف عن الملاطفة، أو يقصر فيها من أجل أن تنتبه الزوجة للمخالفة التي وقعت فيها.

    قالت: (إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف ).

    (كيف تيكم؟) تقال للمؤنث، ويقابلها في المذكر كيف ذلكم؟ فما كان يزيد على ذلك صلوات ربي وسلامه عليه، ما كان يجلس عندها، بينما هديه عليه الصلاة والسلام حتى إذا زار مريضاً من أصحابه كان يجلس عند رأسه، ويقول له: ( كيف تجدك؟ )، ولربما سأله: هل يشتهي شيئاً؟ فإذا علم أنه يشتهي شيئاً ولا يضر، أمر له به، وكان يدعو ثلاثاً: اللهم اشف فلاناً، مثلما قال: ( اللهم اشف سعداً ، اللهم اشف سعداً ، اللهم اشف سعداً )، ولربما قال سبع مرات: ( أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك )، ولربما رقاه، أي: استعمل الرقية، وكان عليه الصلاة والسلام يتفل على إصبعه ثم يضعه في تراب، ثم يضعه في موضع الألم ويقول: ( باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا ).

    1.   

    خروج عائشة رضي الله عنها مع أم مسطح إلى المناصع

    قالت: ( فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت ).

    (نقهت) الناقه هو المريض الذي لم تتكامل صحته يقال له: ناقه، والفعل (نقهت)، والمدة تسمى فترة النقاهة، نقه هو بين الصحيح والمريض، بدأ يتعافى من مرضه، ولكن لم تكتمل صحته.

    قالت: ( فخرجت مع أم مسطح ).

    أم مسطح سلمى بنت أبي رهم بن عبد مناف ، وهي ابنة خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أم أبي بكر اسمها سلمى ، وهذه المرأة الطيبة المباركة اسمها سلمى بنت أبي رهم بن عبد مناف ، وأما ولدها فهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، مسطح بكسر فسكون ففتح، ابن أثاثة بضم الهمزة، ابن أثاثة بن عباد بن المطلب ، وكان رجلاً بدرياً، أي: ممن شهدوا بدراً، وممن قال الله لهم: ( اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ).

    قالت: ( فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وكان متبرزنا ).

    (وكان متبرزنا) أي مكان قضاء الحاجة، (المناصع) مكان في المدينة يسمى بهذا الاسم فضاء أو براز من الأرض، كان الواحد إذا أراد أن يقضي حاجته فإنه يذهب إلى ذلك المكان.

    قالت: ( وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من البيوت، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ).

    (الكنف) جمع كنيف، والكنيف هو الساتر، ومنه في الحديث: (إن الله عز وجل يوم القيامة ينادي عبده المؤمن فيرخي عليه كنفه )، أي: ستره جل جلاله، ( ثم يقرره بذنوبه ).

    والمقصود بالكنيف: المكان المتخذ لقضاء الحاجة، وإلى الآن في بعض البلاد يسمى كنيفاً، وهو -أجلكم الله- الحمام، فلا زال في بعض البلاد يسمونه كنيفاً.

    تقول عائشة رضي الله عنها: ( وأمرنا أمر العرب الأول )، العرب كانت تأنف أن تتخذ الكنف في بيوتها، وإنما إذا أرادوا قضاء الحاجة فإنهم يخرجون إلى البرية أو إلى البراز، أو إلى الفضاء، وعادة النساء بأنهن يخرجن من الليل إلى الليل، قضاء الحاجة عندهن دائماً يكون بالليل.

    وأيضاً من الآداب التي تستفاد من هذا: استحباب اصطحاب المرأة من يحرسها أو من يخدمها، فالسيدة عائشة لم تخرج وحدها، وإنما خرجت ومعها أم مسطح رضوان الله على الجميع.

    قالت: ( فانطلقت أنا و أم مسطح ، وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر ، خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، فأقبلت أنا و أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح ).

    (تعس مسطح ) بمعنى: كب على وجهه، أو بمعنى هلك، وهي بهذا تدعو على ولدها، وفي هذا بيان فضل هذه المرأة، وعظيم إيمانها رضي الله عنها، فإنها قد تألم قلبها، وتغير حالها لما تكلم ولدها في شأن عائشة ، فقدمت محبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولآل بيته على محبتها الفطرية لولدها، ولذلك دعت عليه ( تعس مسطح )، في بعض الروايات: بأنها كررت ذلك ثلاث مرات، أنها تعثرت ثلاث مرات في مرطها -أي: في ثوبها- فقالت: تعس مسطح ، قال ابن أبي جمرة رحمه الله: يحتمل أن يكون الله عز وجل قد أجرى ذلك على لسانها اتفاقاً من أجل أن تتنبه عائشة لما يقال فيها، أو أنها تعمدت ذلك من أجل أن تسألها عائشة .

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحداث قصة الإفك

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى. أما بعد:

    تقدم معنا الكلام في أن الذي تولى كبره بشهادة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هو عدو الله ورسوله عبد الله بن أبي ابن سلول، وتوقف بنا الكلام في حديث الإفك: ( أن عائشة رضي الله عنها رجعت إلى منازل القوم، فما وجدت بها من داع ولا مجيب، وأنه غلب على ظنها أنهم إن افتقدوها رجعوا إليها؛ فغلبتها عيناها فنامت)، وهذا النوم إما أن يكون سببه الغم الذي أحاط بها، وعرفنا الفرق بين الغم والخوف، وأن الغم جالب للنوم بخلاف الخوف فإنه طارد له، وإما أن يكون سبب نومها ما أصابها من برد السحر، مع رطوبة جسدها، وصغر سنها، ويدل على ذلك قولها: ( فتلففت بجلبابي فنمت )، وإما أن يكون ربنا جل جلاله قد أرسل عليها النوم من أجل أن يطرد عنها وحشة الوحدة والانفراد في البرية، ويدل على ذلك قول ربنا جل جلاله: إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال:11]، ولا مانع من اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كلها.

    ولما غلبتها عيناها نامت فجاء صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني، وعرفنا بأنه كان رجلاً من فضلاء الصحابة، وممن أسلم قديماً، وأول مشاهده الخندق وقيل: بل المريسيع، وقد عاش رضي الله عنه حميداً، ومات شهيداً في سنة تسع عشرة من الهجرة في غزو أرمينيا على أيام خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه، جاء صفوان بن المعطل ، وهذا الرجل كانت مهمته دائماً أن يسير من خلف الناس، فمن فقد شيئاً كان صفوان يجمعه، فمن فقد سقاءً أو وعاءً أو متاعاً فإن صفوان رضي الله عنه كان يسير في مؤخرة الجيش فيجمع تلك المفقودات، فلما رأى ظل إنسان في بعض الروايات بأنه قال: ( يا نومان! ثم لما دنا عرف عائشة ، وكان يعرفها قبل أن يضرب عليها الحجاب، فقال: ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما خلفك يرحمك الله؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، تقول عائشة : فاستيقظت على صوت استرجاعه، والله ما كلمني بكلمة غيرها، فأناخ بعيره، وحول وجهه بعدما غمزه بقدمه لئلا يتحرك، و عائشة رضي الله عنها استوت على البعير راكبة، فمضى يقودها حتى أدركوا القوم وهم موغرون )، وعرفنا أن (موغرون) هذه من الوغرة بفتح ثم سكون وهي شدة الحر، يعني: أنهم أدركوا الناس وهم في وقت ضحى، وقد اشتد الحر، وهذا وقت الناس جميعاً فيه منتبهون، ولذلك تجدون موسى عليه السلام قال لـفرعون : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه:59]، من أجل أن يتأتى للجميع أن يروا، وهذا دليل على أن عائشة رضي الله عنها كانت من الغافلات المؤمنات، وكذلك صفوان كان من الغافلين، فما خطرت الفاحشة لهم ببال أبداً، عليهم من الله الرضوان.