إسلام ويب

من سورة يونسللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يضرب الله سبحانه مثلاً لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة زوالها بنبات أخرجه من الأرض بعد إنزال المطر، حتى إذا تزينت الارض به وحان وقت حصاده، جاءه أمرٌ من الله فجعله كأن لم يكن شيئاً من قبل

    1.   

    تشبيه الله تعالى للدنيا بنبات الأرض وبلوغه حال الحصاد وإصابة الإعصار له

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    في الآية الخامسة والعشرين من سورة يونس يقول ربنا جل جلاله: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].

    هذا مثل ضربه الله عز وجل لهذه الدنيا؛ من أجل أن يبين حقارتها وتفاهتها، وأن المغرور هو الذي يأمن جانبها ويركن إليها، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيه ملك عادل، يحق الحق ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة، ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها.

    إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ[يونس:24]، الباء هاهنا في قول الله عز وجل: فَاخْتَلَطَ بِهِ[يونس:24]، إما أن تكون باء المصاحبة: أي أن هذا الماء اختلط بذلك النبات، وإما أن تكون باء السببية: فاختلط بسببه نبات الأرض، أي هذا الماء أنبت النبات من كل لون ومن كل نوع، كما قال الله عز وجل: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ[الرعد:4]، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ[يونس:24]، من النباتات التي هي غذاء لبني آدم ونباتات أخرى هي غذاء للأنعام.

    حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا[يونس:24]، يشبه الله عز وجل هذه الأرض بعروس تزينت وتبرجت وتهيأت للناظرين.

    حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا[يونس:24]، أي: ظن أهل تلك الأرض أنهم متمكنون منها، وأنها في ملكهم، يصرمونها كيف يشاءون، وبينما هم يعدون الخطط من أجل أن يصرموا تلك المحاصيل ويوزعوا تلك الفاكهة، ويجنوا من ورائها أرباحاً طائلة، قال الله عز وجل: أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً[يونس:24]، جاءتها آفة سماوية، أو آفة أرضية، فسلط الله عليها حريقاً مدمراً أو ريحاً عاتية، أو سلط عليها بعض الدود والحشرات، أو بعض الآفات، أو أرسل عليها جراداً فأتى عليها كلها.

    فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا [يونس:24] أي: كأنها حصدت، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].

    1.   

    وجه الشبه بين الدنيا والماء

    والله جل جلاله في القرآن يكرر ضرب المثل للدنيا بالماء، ففي سورة الكهف التي نقرؤها في كل جمعة: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45]، وفي سورة الحديد: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20].

    يقول أهل التفسير: الشبه بين الدنيا والماء من عدة وجوه:

    الوجه الأول: أن الماء لا يستقر في مكان واحد، وإنما هو متموج متحرك، وكذلك الدنيا لا تدوم لأحد، قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ[آل عمران:26].

    الوجه الثاني: أن الماء يجمع قطرة قطرة، ثم يذهب دفعة واحدة، وكذلك الدنيا يجمعها صاحبها حيناً بعد حين، ثم بعد ذلك إما أن تذهب عنه أو يذهب عنها.

    الوجه الثالث: أن الماء لا تمسكه اليد، فكذلك الدنيا لا تمسكها اليد، فكم من غني أصبح فقيراً! وكم من عزيز أمسى ذليلاً! وكم من ملك أصبح سجيناً! والله جل جلاله يقلب الليل والنهار؛ ولذلك العاقل هو الذي لا يركن إلى هذه الدنيا.

    لا تركنن إلى القصور الفاخرة واذكر عظامك حين تمسي ناخرة

    وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل يا رب إن العيش عيش الآخرة

    ولذلك بعدها مباشرة قال سبحانه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ[يونس:25]، يدعو إلى دار لا انتقال منها، ولا خروج منها، ولا تنغيص فيها، ولا يصيب أهلها هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا مكر ولا كيد ولا غل ولا حسد ولا غش ولا بغضاء، ليس فيها شيء من منغصات هذه الدنيا، وهي فوق ذلك دار البقاء السرمدي الأبدي، والنعيم الذي لا يحول ولا يزول، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، وأن يهدينا سواء السبيل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.