إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآيات [6-10] الرابعللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر اللعان من أهم الأحكام التي اهتمت بها الشريعة، ويظهر ذلك جلياً في المسائل المتعلقة به؛ ومنها: أنه لا يفتقر إلى اللعان لنفي الولد في أحوال، ومنها ما يتعلق بقذف الزوج زوجته بالزنا قبل الزواج بها، ومنها صفة توارث التوأمين من الزوجة التي لاعنت زوجها في وقت الحمل بهما. وقد ختمت آيات اللعان بذكر اسمين من أسماء الله تعالى الدالة على سعة رحمته وحكمته في تشريع أحكام اللعان.

    1.   

    تلخيص لما سبق من الأحكام المتعلقة باللعان

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [النور:6-10].

    تقدم معنا الكلام فيما سبق أن اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء: لفظ، وجمع، وزمان، ومكان.

    أما اللفظ فلا بد أن يكون بالعدد الذي بينه ربنا: أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وفي المرة الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

    ثم تقوم بعده المرأة فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وفي المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

    وأما الجمع: فلا بد أن يكون ذلك في محضر جماعة من المؤمنين، وهذان شرطان أي: اللفظ وجمع الناس، وهناك أمران مستحبان هما: أن يكون اللعان بعد صلاة العصر، وأن يكون في مكان معظم كالمسجد ونحوه.

    ومما مضى الكلام عنه كذلك: أنه لا يجوز اللعان لمجرد الاحتمال، كون المرأة جاءت بولد لا يشبه الزوج ولا الزوجة فهذا لا يبيح اللعان، وكذلك كون الزوج قد عزل عن زوجته ولم يقذف ماءه في رحمها، فهذا لا يبيح اللعان، وكذلك كونه وطئها بين فخذيها لا يبيح له اللعان كذلك؛ لأن هذه المسائل كلها لا تنفي حدوث الحمل وأن ذلك الحمل منه، وقد أرشد إلى هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه من يشكو بأن امرأته ولدت غلاماً أسود.

    ومن المسائل التي سبق ذكرها كذلك: لو أن المرأة حملت فلم يلاعنها زوجها حتى وضعت، فهل يقبل لعانه بعد الوضع أم لا؟

    وذكرنا أنه قال علماؤنا رحمهم الله: إذا كان اللعان بعد الوضع مباشرة، وقد قال: إني رجوت أن يكون ريحاً ينتفش، يعني قال: أنا لم ألاعن لما كانت حاملاً؛ لأني وضعت احتمالاً بأن هذا ليس بحمل، ويسميه الناس الآن بالحمل الكاذب؛ أن ينتفخ بطن المرأة وليس ثمة ولد، وليس في بطنها شيء.

    فلو قال الزوج: أنا لم ألاعن حين كانت حاملاً؛ لأني رجوت أن يكون ريحاً ثم ينفش ويذهب، ففي هذه الحال يتاح له أن يلاعن، لكنه لو لم يلاعن بعد الوضع مباشرة، فما هي المدة التي يمهل فيها؟

    بعض العلماء قالوا: يمهل ثلاثة أيام؛ لأنها أقل حد الكثرة، وبعضهم قال: بل يمهل إلى انقضاء النفاس أربعين يوماً.

    وهذه المسألة راجعة إلى العرف، فلو سكت مدة يعتبر العرف سكوته فيها إقراراً، فإنه لا يقبل بعد ذلك لو جاء وقال: أريد أن ألاعن.

    أيضاً من المسائل التي سبق ذكرها: إذا طلق امرأته ثم قذفها، فبعض أهل العلم قالوا: يعد قاذفاً ويقام عليه حد القذف، ولا يتاح له أن يلاعن؛ لأنه لما طلقها دل ذلك على أنه لا يريد لعانها، فلو قذفها بعد الطلاق -سواء كان ذلك في أثناء العدة أو بعد انقضائها- فإنه يقام عليه حد القذف.

    قال القرطبي رحمه الله: اللهم إلا إذا كان حمل لم يظهر إلا بعد طلاقه إياها، فله أن يلاعن من أجل أن ينفي ذلك الحمل، فاللعان خاص بمن كان زوجاً، أما من قذف من ليست بزوجة، فإنه لا يتاح له أن يلاعن.

    وأيضاً مما مر معنا من المسائل: من قذف زوجته وأمها، فإنه يلاعن زوجته، أما أمها فإنه يقام عليه الحد قولاً واحداً.

    وأيضاً من المسائل التي مرت معنا: من قذف زوجته ثم جاء أربعة شهود فشهدوا عليها بالزنا، فلا بد من اللعان كذلك، يعني صورة المسألة: لو أنه لم يقذفها وشهد عليها أربعة يقام عليها الحد، لكن هنا لا بد من اللعان؛ لأن شهادة الشهود لا تستعمل إلا في درء الحد عن الزوج، لكنه بعد ذلك يفتقر إلى اللعان لنفي الحمل، أو لنفي لحوق هذا الولد بهذا الرجل الذي رميت به أمه، فلا مهمة للشهود سوى درء الحد عن الزوج، لكن بعد ذلك نفي هذا النسب لا يتأتى إلا من طريق واحد وهو اللعان، هذا إن كان ثمة حمل، أما إذا لم يكن هناك حمل فلا يفتقر إلى اللعان.

    ومن المسائل التي مرت أيضاً: أن اللعان إذا حصل بشروطه؛ فحلف الزوج مراراً أربعاً وبالخامسة التعن، وحلفت الزوجة مراراً أربعاً ثم في الخامسة قالت: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فتقدم معنا الكلام في أنه يترتب على ذلك خمسة أحكام:

    الحكم الأول: يفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً؛ لقول سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، بعدما حكى قصة اللعان التي كانت على أيام رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: ( ثم مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً )، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب و عبد الله بن مسعود و عبد الله بن عباس وغيرهم رضوان الله على الجميع, وهو قول عامة أهل العلم، لكن بعضهم - وهم قلة قليلة - قالوا: إنه إذا رجع الزوج فأكذب نفسه جاز له أن يتقدم كخاطب من الخطاب، يعني: أنه بعدما تلاعنا وفرق بينهما لو أن الزوج رجع بعد زمن من اللعان وقال: تبت إلى الله، وأنا والله افتريت عليها، قالوا: يمكن بعد ذلك أن يتقدم كخاطب من الخطاب، لكن كما قلت لكم: إن هذا الأمر خلاف التحقيق، والذي عليه جميع الصحابة رضي الله عنهم أن المتلاعنين يفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً، حتى قال بعض العلماء: إذا تلاعنا في المسجد يخرج هو من باب وهي من باب، فلا يخرجا من باب واحد؛ لأن التهمة التي اتهمها بها شنيعة، فهذا هو الحكم الأول: أن يفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً.

    الحكم الثاني: أن ينفى هذا الولد من الزوج الذي نفاه عنه ويلحق نسبه بأمه التي ولدته، أما أبوه فلا يعلم من هو، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( الله يعلم أن أحدكما كاذب ).

    الحكم الثالث: لا يجوز قذف هذا الغلام ولا أمه، فلا يجوز أن نقول له: يا ابن الزانية، ولا يجوز أن نقول للمرأة: يا زانية؛ لأن الحقيقة لا يعلمها إلا الله، وهي قد نفت عن نفسها التهمة وحلفت.

    الحكم الرابع: أنه يدرأ عنهما الحد، فلا يقام عليها حد الزنا ولا يقام عليه حد القذف، يدرأ عنهما العذاب.

    الحكم الخامس: أنه يجب لها الصداق كاملاً، إن كان كاذباً فهو أبعد له منها، وإن كان صادقاً فبما استحل من فرجها. فهذه خمسة أحكام تترتب على اللعان.

    1.   

    الأحوال التي لا يفتقر فيها إلى اللعان لنفي الولد

    ومن المسائل أيضاً المتعلقة باللعان: لو أن المرأة ولدت ولداً -غلاماً كان أو جارية- لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون للزوج، فإنه لا يلحق به، ولا يفتقر إلى اللعان لينفيه عن نسبه، مثال ذلك:

    لو أن رجلاً تزوج امرأة -عقد عليها- ثم طلقها في مجلس العقد قبل غيبته عنهم، وهذا يحصل، وقد ذكر لي بعض الإخوة وهو من غير أهل هذه البلاد، قال: إنهم عقدوا لأحد الناس مرة من المرات، وفي مجلس العقد جرت العادة بأن يسقيها شيئاً أو تسقيه شيئاً، أو يؤكلها شيئاً مما يسمى بالكيكة ونحوها، وكأنه ارتعدت يده فقالت له: يا حمار! فقال: اشهدوا بأنها طالق.

    فهذه المسألة لها عدة صور منها: لو أن رجلاً عقد على امرأة ثم طلقها في مجلس العقد قبل أن يغيب عن الناس، يعني: قبل أن يخرج من مجلس العقد، ثم بعد ستة أشهر جاءت بولد وزعمت بأنه منه، فهنا لا يحتاج إلى لعان، وإنما ينفى مباشرة، هذه صورة.

    صورة ثانية: لو أن الرجل غاب عن المرأة، كما يحصل الآن من بعض الناس مثلاً يذهب إلى مكان عمله بعيداً، ولربما يغيب سنة أو ثلاثاً أو خمساً، فلو أن المرأة في تلك المدة وضعت، فإنه لا يمكن أن ينسب إليه، ولا يفتقر إلى لعان من أجل أن ينفيه.

    صورة ثالثة: لو كان الزوج صغيراً لا يتأتى منه الوطء، كما يحصل الآن مثلاً في بلاد الهند حيث يزوج الولد بالبنت وهما صغيران، ربما أحياناً يكون عمره سنة! ويعقد لهما، فإذا بلغ مبلغ الرجال يقال له: هذه زوجتك منذ خمس عشر سنة أو ما أشبه ذلك ويدخل عليها.

    فلو فرض بأنه عقد لصغير لا يتأتى منه الوطء، كأن يكون ابن خمس أو ابن ست، ثم بعد ذلك زوجته هذا حملت، وادعت أن هذا الحمل منه، فإنه أيضاً لا يفتقر إلى لعان من أجل أن ينفي هذا النسب.

    والعجيب أيها الإخوان! أن بعض الحنابلة قال: إذا كان ابن عشر سنين فإنه يلحق به، وبعضهم قال: إذا كان ابن تسع سنين ونصف، واستدلوا بالحديث: ( علموهم الصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر )، وكما قال الشيخ الأمين الشنقيطي: وهذا استدلال ظاهر السقوط، مع أن العلاقة ليست بين الصلاة وبين أن يلصق الولد بالأب الذي لا يتأتى منه الوطء وهو ولد ليس منه.

    فمرة ثانية نقول: إذا نسب إلى زوج ولد، وهذا الولد لا يمكن أن يكون منه، فإنه لا يلحق به ولا يفتقر إلى لعان من أجل أن ينفيه.

    1.   

    قذف الرجل زوجته بالزنا قبل الزواج بها

    ومن المسائل المتعلقة باللعان:

    إذا تزوج امرأة ثم قذفها بالزنا، قائلاً: زنت قبل أن أتزوج بها، وهذا للأسف يحصل الآن كثيراً، بعض الناس يتزوج، فإذا دخل بها يأتي فيتكلم بأنها كذا وكذا، وأني وجدتها كذا وكذا، ويبدأ يشيع هذا في كل واد.

    وهذا حرام، ولا يجوز؛ لأن البكارة -وهذا يقرره الأطباء- قد تزول بغير وطء؛ إما في قفزة، وقعت لها من مكان إلى مكان، وإما لحكة.. يعني: حكت ذلك المكان، أو لغير ذلك من الأسباب.

    فقضية أن الزوج يسارع إلى رمي زوجه وهو قد أخذها من بيت دين، أو على الأقل من بيت مستور، فلا يحق له لمجرد أنه اشتبه في الأمر أن يتكلم وأن يقذفها في عرضها وما إلى ذلك.

    فأقول: لو أن الزوج قذف زوجته بالزنا، قائلاً: قد زنت قبل أن أتزوجها، فأكثر العلماء على أنه لا يلاعن وإنما يقام عليه حد القذف؛ لأنه نسب الفعل إلى وقت كانت هي أجنبية عنه، فتدخل في عموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[النور:4].

    وبعض العلماء قالوا: بل يمكن من اللعان، باعتبار الوقت الذي رماها فيه؛ لأنه لما رماها هي زوجه، قالوا: فيدخل في عموم قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ[النور:6]، الآيات.

    1.   

    صفة توارث التوأمين من الزوجة التي لاعنت زوجها في حملهما

    ومن المسائل أيضاً: لو أن رجلاً لاعن زوجته وهي حامل، فلما وضعت تبين أن المولود توأم - اثنين- فهل يتوارثان توارث الشقيقين، أم يتوارثان توارث الإخوة لأم؟

    أولاً: لنعلم أن الإخوة لأم نصيبهم في الميراث: إذا كان واحداً يأخذ السدس، أما إذا كانوا مجموعة فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار.

    أما إذا كانا شقيقين فإنهما يتوارثان بالتعصيب.

    فلو أن امرأة لاعنها زوجها وهي حامل، ثم بعد ذلك لما وضعته تبين أن المولود توأم -أخوان أو أختان- فهل يتوارثان توارث الشقيقين أو الإخوة لأم؟

    الظاهر أنهما يتوارثان توارث الإخوة لأم؛ لأنه ليس لهما أب معروف، فإن زوج المرأة قد نفاهما وأباهما، والله أعلم بحقيقة الأمر، فهما ينسبان إلى أمهما؛ من أجل ذلك قال أكثر العلماء: بأنهما يتوارثان توارث الإخوة لأم، لا توارث الشقيقين. وبهذا نكون قد أكملنا مجمل المسائل المتعلقة بآيات اللعان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم)

    وقد ختم ربنا جل جلاله هذه الآيات بقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [النور:10]، جواب (لولا) محذوف، و(لولا) حرف امتناع لوجود، ومعنى الآية: لولا وجود فضل الله ورحمته بنزول هذه الأحكام وبيان تلك الآداب لتعدى بعضكم على بعض، ولحصلت لكم مشقة وعنت، كما قال الصحابي: ( يا رسول الله! إن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ).

    فالله جل جلاله بفضله ومنه ورحمته رفع عنا المشقة والعنت وأنزل هذه الآيات فيها بيان هذه الأحكام.

    ثم بعد ذلك يختم الآية بهذين الاسمين العظيمين والوصفين الجميلين؛ بأنه سبحانه تواب حكيم، (تواب) كثيرة التوبة على عباده، فلو أن العبد أذنب مائة مرة أو ألف مرة ثم تاب؛ تاب الله سبحانه وتعالى عليه، وفي هذا إرشاد للزوجين المتلاعنين بأن من تاب تاب الله عليه، فلا ينبغي بعد ذلك لهما القنوط من رحمة الله ولا اليأس من روح الله، بل باب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وباب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تبلغ الروح الحلقوم، ومن تاب بالليل قبله الله، ومن تاب بالنهار قبله الله.

    وهو سبحانه وتعالى حكيم، فأقواله وأفعاله وأحكامه، وأقداره لا تصدر عن عبث، بل عن حكمة تامة وعلم تام.

    وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ[النور:10]، لا يخفى عليكم أن الصفتين جاءتا على صيغة المبالغة: تواب: فعال، وحكيم: فعيل، والله عز وجل يتوب على من تاب، وهو سبحانه أحكم الحاكمين.

    وبهذا نكون قد فرغنا من التنبيه على أهم الأحكام والمسائل المتعلقة باللعان، وقد بلغت نحواً من عشرين مسألة، وربما أكثر لو ضممنا إليها المسائل المتعلقة بألفاظ الآيات وسبب النزول، ولم غاير ربنا جل جلاله بين اللعنة والغضب. وإن شاء الله من الدرس الآتي نبدأ في الكلام عن قصة الإفك، بداية من قول ربنا: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[النور:11].

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    ألفاظ الملاعنة بين كونها أيماناً أو شهادات

    السؤال: ألفاظ الملاعنة هل هي أيمان أو شهادات؟

    الجواب: نحن قلنا بأن بعضهم قال: إنها أيمان، وذكرنا الأدلة من القرآن ومن السنة، فمن القرآن: أنه أطلق الشهادة مراداً بها الأيمان، ومن السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لولا الأيمان؛ لكان لي ولها شأن )، ثم من ناحية العقل: لم يرد في الشريعة أبداً أن إنساناً يدعي على غيره شيئاً ثم يشهد لنفسه، هذا ليس موجوداً في الشريعة.

    وقلنا: قال علماء آخرون: إنها شهادات، واستدلوا بلفظ الشهادة في الآية: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ [النور:6]، وقوله: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ [النور:8]، قالوا: فاللعان شهادة.

    وقال بعض العلماء: إن اللعان شهادة مؤكدة باليمين، وهذه ظاهرة، يعني كأنه في معنى القول الثاني -أن اللعان شهادة- لكن هذه الشهادة أكدت بالأيمان التي تحلف.

    وبعضهم قالوا: هي أيمان غلظت بلفظ الشهادة، ومضى معنا الكلام عن مسألة تغليظ اليمين، وأنه معمول به قضاء في القديم والحديث. والصحيح أنها أيمان؛ لقوله: بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ [النور:6]، وبِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ [النور:8].

    تعلق نفقة أولاد المطلقة أو الملاعنة بالأب

    السؤال: هل يجب على الوالد نفقة أولاده من امرأته المطلقة أو الملاعنة؟

    الجواب: نفقة الأولاد واجبة على الوالد، سواء طلق أمهم أو لاعنها أو قتلها أو حبسها..، وعلى كل الأحوال يجب على الرجل أن ينفق على أولاده ذكوراً وإناثاً، ينفق على الذكور حتى يبلغوا مبلغ الرجال ويستغنوا، وينفق على الإناث حتى يتزوجن، بصرف النظر عن علاقته بأمهم، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس ممن لا يخافون الله، يطلق المرأة فيقول: ليس لي علاقة بها ولا بأولادها، وهذا حرام، وبعض الناس يقول: والله أنا كرهتها، يا أخي! كرهتها أو أحببتها، وسواء أغضبتك، أو شتمتك، أو ضربتك، إلا أنه يبقى الأولاد أولادك وأنت مسئول عنهم، قال الله عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ[الطلاق:7]، وقال سبحانه: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ[البقرة:233] أي: الزوج، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا[البقرة:233]، والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية القشيري رضي الله عنه، قال: ( ما حق زوجتنا علينا؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت )، فتنفق على الزوجة إذا طلقتها وتنفق عليها أيضاً في فترة العدة، فنفقة المطلقة هذه واجبة عليك، فإذا انتهت العدة فنفقتها ليست عليك، لكن تبقى نفقة الأولاد.

    حضانة الطفل بعد وقوع الطلاق بين أبويه

    السؤال: من أحق بحضانة الطفل الأم أم الأب؟

    الجواب: أما مسألة الحضانة فالأم أحق بولدها، ذكراً كان أو أنثى، مالم تتزوج، فإذا تزوجت فالحضانة تنتقل إلى أمها -التي هي جدة الطفل- فإذا لم يكن لها أم، فإنها تنتقل إلى الخالة، يعني: خالة الأولاد، فإذا لم يكن فإنها تنتقل إلى أم الأب -جدته من جهة الأب- أما ما يتعلق بمدة الحضانة فلم يأت نص من الشريعة يبين ذلك، لكن القانون يحددها بسبع سنوات للذكر وتسع سنوات للأنثى؛ وذلك لأن الذكر إذا بلغ سبعاً فإنه يحتاج إلى الأب؛ يحتاج إلى زجر الأب وشخصية الأب ونحوها.

    والأنثى تبقى إلى تسع سنين؛ من أجل أن تعلمها الأم ما تحتاج إليه الأنثى، كأحكام الحيض وما إلى ذلك، ثم بعد ذلك ترجع كفالتها إلى الأب.

    ولكن هذا ليس قانوناً مفروضاً، أحياناً القاضي قد يحكم ببقاء الحضانة عند الأم، وذلك إذا كان الأب سفيهاً، لا يؤمن.

    وأحياناً قد يحكم بانتقال الحضانة إلى الأب، إذا كانت الأم سلوكها مشين، أو البيئة التي هي فيها بيئة سوء.

    ويذكر أن بعض القضاة الأولين لما تنازع رجل وامرأة في الولد، فالقاضي قال: نخيره، فقيل للولد: من تختار؟ قال: أختار أبي، فقالت الأم: أيها القاضي، سله لم اختاره؟ فلما سأله، قال له: لأنه يدعني ألعب مع الصبيان ولا يسألني، أما أمي فإنها تدفع بي إلى الكتاب فيضربني المعلم، فحكم به للأم، لأنه تبين أن الأب شخص غير مسئول، يقول له: يا ولدي! خذ راحتك، الدنيا ما تستاهل! أما الأم فعندها ضبط وربط، فلذلك حكم به للأم.

    شهادة النساء في إثبات الزنا

    السؤال: هل يصح أن يأتي الرجل بنساء يشهدن بوقوع امرأة أخرى في الزنا؟

    الجواب: ليس للنساء شهادة، نحن تكلمنا أيها الإخوان! بأنه مضت السنة ألا تقبل شهادة النساء في الحدود ولا في الدماء، النساء ليس لهن شأن في هذا الموضوع أبداً.

    إثبات الزنا بالوسائل الحديثة

    السؤال: ما حكم إثبات الزنا بالوسائل الحديثة كالبصمات أو الحمض النووي؟

    الجواب: بالنسبة للزنا ليس ثمة سبيل إلى إثباته إلا بالإقرار -أي: الاعتراف- أو البينة التي هي الشهود، والمالكية عندهم طريق ثالث وهو الحمل، فإذا وجدت امرأة حامل من غير زوج فحملها دليل زناها، والجمهور قالوا بخلاف ذلك.

    أما بالنسبة لما يسمى بالأشياء الحديثة كالبصمات والصور الفوتوغرافية أو الفيديو، أو التسجيلات الصوتية أو تقنية الحامض النووي أو ما يسمى بالتحليل المنوي.. وما إلى ذلك، فهذا كله لا يثبت به حد، فلا يمكن إثبات الزنا برفع البصمات أو غيره؛ لأن هذه كلها قرائن، وليست بينات.

    لكن بالنسبة للنسب فتقنية فحص الحامض النووي حسب قرار مجمع الفقه الدولي يستعان بها في إثبات النسب لا في نفيه، مثلاً: لو أن شخصاً شك في ولده فذهب لعمل فحص الحمض النووي، فقيل له: هذا ليس ولدك، فجاء الرجل وأنكر هذا الولد ونفاه، فهنا لا نقبل كلامه؛ لأن الولد للفراش، ولا يستعان بهذه الطريقة -تقنية الحمض النووي- على نفي النسب.

    لكن لو فرض أنه في مستشفى الولادة التبس فيما بين الأطفال، فامرأة أخذت ولداً، وهذه أخذت ولداً، وأخرى أخذت ولداً، ومن ثم تنازعن فيما بينهن، كل واحدة تدعي أنه ولدها، ففي هذه الحالة نلجأ إلى تقنية فحص الحامض النووي؛ من أجل أن نثبت هذا لمن وهذا لمن، لكن ليس كحل سليمان عليه السلام عندما قال: ائتوني السكين، اشقه بينكما! الآن الحمد لله أغنانا ربنا عن السكين بما توصل إليه العلم الحديث.

    الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن العبد يعمل بطاعة الله سبعين سنة ثم يجور في الوصية ويختم له بالسوء ويكون من أهل النار، وربنا بعدما ذكر الميراث، قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14].

    فتعطى البنتان نصيبهما، وهذا تقسيمه لغو، لا قيمة له.