إسلام ويب

سورة المائدة - الآيات [101-102]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن السؤال طريق للعلم ونفي للجهل، إلا أنه قد يكون مذموماً، وذلك إذا كان السائل متعنتاً غير متعلم، كأن يسأل عن مسألة لم تقع ولا يترتب عليها عمل، وهذا قد نهى الله عنه حيث قال: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، فينبغي للمسلم البعد عن السؤال الذي لا يترتب عليه حكم شرعي، ولا مصلحة دنيوية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ...) إلى قوله: (... ثم أصبحوا بها كافرين)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء الحادي والأربعين في الآية الأولى والثانية بعد المائة من سورة المائدة، قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة:101-102].

    أيها الإخوة الكرام! من صفات النقص التي جبل عليها الإنسان: كثرة الجدل، كما وصفه ربنا في القرآن: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، مثلما وصفه بأنه كان: ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72]، ومثلما وصفه بقوله: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]؛ فالإنسان مجبول على الجدل.

    أسئلة مذمومة سئلها النبي صلى الله عليه وسلم

    فبعض الصحابة رضوان الله عليهم مارسوا شيئاً من كثرة السؤال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بعض هذه الأسئلة مما لا يترتب عليه عمل؛ بل هو من قبيل المسكوت عنه الذي يجمل بالمرء أن يسكت ولا يسأل عنه، من ذلك مثلاً: ما رواه البخاري و مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة؛ فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم؛ فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، يقول أنس : فجعلت لا ألتفت يميناً ولا شمالاً إلا وجدت كلاً لافاً رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه .. ) يعني: هذا الرجل كان إذا حصلت خصومة بينه وبين أحد عيره بقوله: لست ابن فلان، وهذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه فقال: ( يا رسول الله! من أبي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أبوك حذافة ، ثم قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً عائذاً بالله من شر الفتن، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط )؛ فلما رجع عبد الله بن حذافة إلى أمه قالت له: ( ما رأيت ولداً قط أعق منك، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رءوس الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته ).

    فهذا نموذج من الأسئلة التي لا فائدة منها: (يا رسول الله! من أبي؟) فربما يكون أبوه هو غير الشخص المعروف عند الناس؛ فما زاد على أن فضح أمه.

    أيضاً من هذه النماذج: ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً، وهم المنافقون، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101] ).

    ومن النماذج أيضاً: ما رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه عن علي رضي الله عنه: ( لما نزل قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] ، قال رجل: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت صلى الله عليه وسلم، فقال: أفي كل عام؟ فسكت، حتى رددها الرجل ثلاثاً؛ فقال عليه الصلاة والسلام: لا. ولو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ).

    ومن ذلك أيضاً أن رجلاً قال: ( يا رسول الله! أين أبي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أبوك في النار )، فهذا الإنسان ماذا استفاد من معرفة مصير أبيه؟!

    يقول ابن عطية رحمه الله: والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات؛ فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101].

    توجيه الخطاب بلفظ الإيمان في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا ...)

    ويمكن توجيه مخاطبة الله للسائلين بلفظ الإيمان بأنه إذا كان السائل عبد الله بن حذافة أو واحداً من المؤمنين فلا إشكال أن يخاطبهم الله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا [المائدة:101]، أما إذا كان السائل منافقاً -كما هو ظاهر من رواية من يسأل استهزاءً: أين ناقتي؟ من أبي؟- فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[المائدة:101] يكون معنياً به: يا أيها الذين آمنوا بظواهرهم، لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ[المائدة:101]، وهذا أيضاً يقال في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    معاني مفردات الآيات

    فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ [المائدة:101]، الأشياء جمع شيء، والشيء هو الموجود.

    وقوله: إِنْ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101]، أي: تظهر لكم.

    وقوله: تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، أي: تسوءكم، وتسبب المساءة لكم.

    وقوله: وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101]، على تقدير مضاف، فالمعنى إن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه تبد لكم، أو أن يكون المعنى كما يقول الشيخ السعدي رحمه الله: حين ينزل القرآن إن تسألوا عن آية أشكلت أو حكم خفي وجهه عليكم في وقت يمكن فيه نزول الوحي من السماء تبد لكم، أي: تبين وتظهر.

    وقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْهَا [المائدة:101]، أي: سكت الله عنها ولم يبين، أو أن يكون المقصود: عفا عن مسألتكم الماضية؛ فلا يؤاخذكم بما سألتم عنه في الماضي.

    وقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101]، أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة؛ بل سبقت رحمته غضبه جل جلاله.

    ثم يقول سبحانه واعظاً ومذكراً: قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:102]، فثمود سألوا الناقة، وآخرون قالوا: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [العنكبوت:29]، وفريق ثالث قالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ [الشعراء:136]، ونحو ذلك.

    أكفر الناس في قصص القرآن

    ثم قال: ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة:102]، وأكفر الناس في قصص القرآن فرعون الذي قال له موسى: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:30-33]، هاتان آيتان، ثم جاءه بالطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فصارت سبعاً، ثم جاءه بالسنين ونقص من الثمرات، فصارت تسع آيات بينات، و فرعون لا يزداد إلا كفوراً وغروراً.

    المعنى الإجمالي للآيات

    فالمعنى الإجمالي لهاتين الآيتين الكريمتين: هو أن الله عز وجل يؤدب عباده المؤمنين؛ فينهاهم عن السؤال عن الأشياء التي لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تنتهكوها، وسكت عن أمور رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها )، وفي الحديث: ( إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ).

    قال القرطبي رحمه الله: قال كثير من العلماء: المراد بقوله: (وكثرة السؤال) التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعاً وتكلفاً فيما لم ينزل.

    أقسام الناس في السؤال

    والناس في ذلك على طوائف ثلاث:

    الطائفة الأولى: من سد باب المسائل، فلا يسأل عن الدين أصلاً، نسأل الله العافية، تجده يسأل عن أنواع السيارات، وأنواع الأجهزة، وأنواع كذا، ويسأل عن مواد البناء، وهو خبير بكل شيء؛ لكنه لو سئل عن النجاسات ما يعرفها، ولو سئل عن أركان الإيمان ما يعرفها؛ لأنه ما اعتنى أصلاً بذلك؛ بل سد باب السؤال كبراً والعياذ بالله! حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله؛ فكان كمن قال الله فيهم: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:97].

    الطائفة الثانية: من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، سواء ما يقع في العادة أو ما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك وكثرة الخصومات والجدال، حتى تولد من ذلك افتراق القلوب، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على كراهيته.

    الطائفة الثالثة: وهم الوسط، يسألون عما أشكل عليهم من أمور دينهم عملاً بقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وهمهم البحث عن معاني كتاب الله، يقول لك: أرجو تفسير قوله تعالى كذا؟ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا؟ ما حكم الدين في كذا وكذا؟ ويريد بالسؤال أن يتعلم فيعمل، وهذا الصنف من الناس ممدوح ومحمود، ومسلكه هو مسلك العارفين.

    التنطع في السؤال ومثاله

    أيها الإخوة الكرام! التنطع في السؤال ممنوع، ومثاله: أن يسأل إنسان عن شيء فتجيبه، فيقول لك: لكن كذا وكذا؟ فتجيبه. فيقول لك: افترض كذا وكذا؟ وهكذا يبدأ يولد من السؤال أسئلة، ويشدد على نفسه.

    يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسئول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن -يعني: مفتي يسأل عن شيء فيقول: يجوز. لكن السائل يبدأ يتنطع حتى يقول له: ما يجوز؛ كأن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: هل يكره شراؤها ممن هي في يده؟ يعني: واحد عنده بهارات وواحد عنده سيارات وواحد عنده حديد وأسمنت.. وهكذا. هل يكره الشراء من هذه السلع التي في الأسواق؟ فيقول المفتي: لا يكره؛ بل يجوز. فيقول له السائل: هل يجب علي السؤال عن مصيرها، من أين جاء بها؟ يعني: هل أسأل البائع من أين أتيت بهذا الجبن؟ ومن أين أتيت بهذا البيض؟ وهل الدجاج يعلف علفاً حلالاً أم حراماً؟ وهل .. وهل.. فيقول له: لا يجب عليك أن تسأل. فيقول له: أخشى أن يكون من نهب أو غصب؛ فيقول له المفتي: نعم. ما يجوز لك أن تشتري، فالمفتي ما تناقض، وإنما هذا الإنسان شدد على نفسه حتى أوقع في قلب المفتي الشك، فقال له: لا يجوز. ولو جاء بعده واحد فقال له: هل يجوز أن أشتري كذا، سوف يقول له: اشتر. لكن ذاك شدد على نفسه فشدد المفتي عليه، حاله كحال بني إسرائيل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، فبدءوا يقولون: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة:68]، مَا لَوْنُهَا [البقرة:69]، مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة:70]، وبدأت الأوصاف في كل مرة تضيق وتضيق وتضيق حتى لم يجدوها إلا عند يتيم طلب وزنها ذهباً، فجاءوا يشتكون إلى نبي الله موسى ، فقال لهم: اعطوه رضاه، هذه بقرته، هو حر، ولما قال لهم: اذبحوا بقرة، لو أخذوا أي بقرة فذبحوها لأجزأت وكفت.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ...) إلى قوله: (... ثم أصبحوا بها كافرين)

    أيها الإخوة الكرام! يستفاد من الآية فوائد:

    أولها: تحريم السؤال عما لم ينزل الله حكمه في القرآن، ومثاله الآن سؤال بعض الناس، أحياناً مشافهة يكون وأحياناً يأتي كتابة، يقول فيه: سؤال القبر بأي لغة هو؟ هل صحيح أنه بالسريانية؟ يا أخي! بالسريانية، بالإنجليزية، بالفرنسية، بالعربية، المهم أعد للسؤال جواباً، أما اللغة هذه فلست مكلفاً بمعرفتها بأي لغة يتكلم معنا ربنا يوم القيامة؟

    ومن ذلك أيضاً: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:40]، من هذا الذي عنده علم من الكتاب؟ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص:11]، من هي أخته؟ وبعض المفتين لما انزعج قال له: وأنت تريد تخطبها؟! ما شأنك بها؟ أخت موسى ما اسمها؟ وأخو يوسف ما اسمه؟ ويبدأ يفرع ويولد أسئلة لا يترتب عليها عمل.

    وقد كان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سئل عن الأمر يقول: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن قال: ذروه حتى يكون، يعني: لم يكونوا يجيبون عن مسائل افتراضية، وقد عهد في الفقه مدرسة يقال لها: مدرسة الأرأيتية، الذين يقولون: أرأيت لو كان كذا فحصل كذا، أرأيت لو كان كذا فحصل كذا.

    يقول ابن عباس رضي الله عنه: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منها: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ [البقرة:217]، وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ [البقرة:222]، وشبهه، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم، والأثر رواه الدارمي.

    قال ابن عبد البر رحمه الله: من سأل مستفهماً راغباً في العلم ونفي الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنىً يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به، فشفاء العي السؤال، ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره.

    ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل:43].

    ومما يستفاد من الآية: بيان سعة عفو الله عز وجل؛ حيث لم يؤاخذهم بالعقوبة ولم يعاجلهم بالعذاب.

    أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.