إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - تدبر القرآنللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على تدبر القرآن، وفهم معانيه وقصصه وأخباره، في رمضان على وجه الخصوص، وفي غيره، وكان من حالهم العمل به وتطبيقه، واستذكاره عند وجود أمر يؤخذ منه درس وعظة، حيث أن عجائبه لا تفنى، وفهمه يؤتيه الله من يشاء.

    1.   

    معنى تدبر القرآن

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    فرمضان هو شهر القرآن، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالقرآن عناية خاصة في رمضان، وكان جبريل عليه السلام ينزل عليه في رمضان فيعارضه القرآن مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه نزل عليه جبريل فعارضه القرآن مرتين. وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم كانت لهم بالقرآن عناية خاصة في رمضان، فكانوا إذا صلوا العشاء ابتدروا سواري المسجد ولهم بالقرآن دوي كدوي النحل، يصلون فرادى، وقد يصلي الرهط بصلاة الرجل، حتى جمعهم عمر رضي الله عنه على أقرئهم وهو أبي بن كعب ، وقال تلك الكلمة المشهورة: نعمت البدعة الحسنة هي!

    والمطلوب منا في رمضان تدبر القرآن مع تلاوته، وليست التلاوة فقط؛ لأن الله تعالى ذم ناساً فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، فتدبر القرآن مطلوب.

    والتدبر معناه: النظر في عواقب الشيء وأواخره، والمقصود بالنسبة لتدبر القرآن: أن يتأمل الإنسان معانيه، وأن ينظر في دلالات ألفاظه، وأن يتأمل في أمثاله وقصصه، وأخباره؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى عنه الإمام الطبراني ، قال: ( يأتي أناس يقرءون القرآن يسلقونه بألسنتهم، يشربونه كما يشربون اللبن )، بمعنى أن القرآن يمر على ألسنتهم لكن الواحد منهم لا يتأمل في أحكامه ولا يتدبر في معانيه، ولو سئل عن لفظة من ألفاظ القرآن مما يردده وهو صغير إلى أن شاب، كقوله تعالى: اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:2]، لن يعرف معناها!

    1.   

    أمثلة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على تدبر القرآن

    وأريد أن أذكر هنا بعض الأمثلة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، مما يدل على تدبرهم لهذا القرآن، فمن الأمثلة على ذلك:

    العمل بمقتضى الآيات

    العمل بمقتضى الآيات، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي )، أي: يتأول القرآن في الركوع والسجود؛ استجابة لقول الله عز وجل: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:3].

    استدعاء معنى الآية عند وجود المناسبة

    المثال الثاني من تدبره عليه الصلاة والسلام للقرآن: استدعاء معنى الآية عند وجود المقتضي، فلما ذهب هو و أبو بكر و عمر إلى بستان أبي الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، فأكلوا من الرطب وشربوا من الماء البارد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والله، لتسألن يوم القيامة عن هذا! )، أي عن الرطب والماء، ( ثم تلا قول الله عز وجل: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ [التكاثر:8] )، فاستدعى الآية عند وجود مقتضى ذلك.

    المسارعة إلى تنفيذ الأمر

    المثال الثالث من تدبرهم للقرآن: المسارعة إلى تنفيذ الأمر، فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، لما نزلت براءة أمنا عائشة من مقالة الإفك، وكان ممن خاضوا في هذا الكلام مسطح بن أثاثة ، وهو ابن خالة أبي بكر ، وكان رجلاً ينفق عليه أبو بكر ويحسن إليه، فغضب أبو بكر وقال: والله، لا أنفق عليه أبداً، فأنزل الله عز وجل قوله: وَلا يَأْتَلِ[النور:22]، أي: ولا يحلف، وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ[النور:22]، قال أبو بكر : بلى، إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع يعطي مسطحاً ضعف ما كان يعطيه، استجابة لأمر الله عز وجل.

    اتباع أحسن الحديث

    الاستدلال بآياته على أسماء الله وصفاته

    المثال الخامس من تدبرهم للقرآن: الاستدلال بآياته على أسماء الله وصفاته، ومثال ذلك: عندما جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي باكية، فقالت: ( يا رسول الله! نثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني ورق عظمي؛ ظاهر مني، إلى الله أشكوه، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: والله إني لفي ناحية البيت ويخفى علي بعض كلامها، وقد سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فسبحان من وسع سمعه الأصوات )، تشير إلى قول الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1]، يعني: أن السيدة عائشة تستغرب! كيف أنها كانت جالسة في ناحية من الغرفة وتسمع بعض الكلام ويخفى عليها بعضه، والله جل جلاله من فوق سبع سموات سمع مقولة تلك المرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم!

    الخوف من العقوبة

    المثال السادس من تدبرهم للقرآن: الخوف من العقوبة، كما قال عكرمة رحمه الله: دخلت على ابن عباس وهو يبكي بكاء شديداً، وقد نشر بين يديه المصحف، قال: فأعظمت أن أدنو منه وهو على تلك الحال، فلبثت حيث أنا، قال: فلما طال مقامي، دنوت منه، فقلت له: ما يبكيك أبا العباس ؟ وإذا بين يديه سورة الأعراف، فتلا علي قول الله عز وجل: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:166]، وقبلها قول الله عز وجل: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165]، قال ابن عباس : إني رأيت الله عز وجل قد نجا الذين ينهون عن السوء، وسكت عن الآخرين، سكت عمن سكتوا، وإني أرى هاهنا أموراً لله فيها مقال فلا ننكرها، فقال له عكرمة رحمه الله: أما سمعت الله تعالى قال عن أولئك: أنهم قالوا للمنكرين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف:164]، فها هم قد أنكروا، ففرح ابن عباس رضي الله عنه بتأويل هذا التلميذ النجيب، وأمر له بأن يكسى ثوبين.

    1.   

    استخراج عجائب القرآن بتدبر معاني آياته

    عجائب القرآن لا تنقضي، واكتشاف ما فيه من العجائب ليس حكراً على الصحابة أو التابعين أو القرون المفضلة، بل كما في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة رحمه الله: أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: ( هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي؟ فقال علي : لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله عز وجل رجلاً في كتابه، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما فيها؟ فإذا فيها العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ) ، فهنا علي رضي الله عنه يذكر بأن الله عز وجل يؤتي من شاء فهماً في كتابه، والذي يطلع على تفاسير بعض المعاصرين يجد أن الله عز وجل قد فتح عليهم بمعان لم يفتح بها على الأولين.

    وجاء في سنن الترمذي من رواية الحارث الأعور في وصف القرآن: أنه لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تفنى عجائبه.

    ولذلك الأفضل في رمضان أن يكون معك المصحف ومعه شيء من التفسير وأسباب النزول وكلمات القرآن ومعاني المفردات، وما إلى ذلك، بحيث إذا التبس عليك فهم شيء من القرآن ترجع إلى ما دونه أولئك المفسرون. ويأتي معنا لاحقاً إن شاء الله الكلام عن الأسباب التي نستطيع بها تدبر القرآن.

    أسأل الله سبحانه التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.