إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - العنكبوتللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة العنكبوت سورة مكية، وجاء فيها التقرير بابتلاء أهل الإيمان وامتحانهم وأمرهم بالصبر والمجاهدة، وأن الله عز وجل سيهدي أولياءه سواء السبيل إذا جاهدوا وصبروا.

    1.   

    أوجه التناسب بين سورة العنكبوت وسورة القصص

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    سورة العنكبوت سورة مكية بإجماع المفسرين، وآياتها تسع وستون آية باتفاق القراء، وفيها من الكلمات تسعمائة وثمانون كلمة، وفيها من الحروف أربعة آلاف ومائة وخمسة وتسعون حرفاً، وهذه السورة المباركة بينها وبين السورة السابقة عليها أوجه من الشبه.

    ففي سورة القصص ذكر الله عز وجل طغيان فرعون وجبروته، وأنه علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، وفي هذه السورة المباركة بين ربنا جل جلاله أن الابتلاء لازم من لوازم الإيمان، فقال: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    وفي آخر سورة القصص آية نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة وهي: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ[القصص:85]، وفي هذه السورة يقول الله عز وجل: يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].

    وفي سورة القصص خبر فرعون و قارون ، وفي هذه السورة أيضاً يقول الله عز وجل: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ[العنكبوت:39-40].

    وفي سورة القصص تسفيه لعبدة الأوثان، وبيان أنهم يوم القيامة مفضوحون، كما قال الله عز وجل: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:42].

    وهنا أيضاً في هذه السورة بين ربنا جل جلاله على لسان إبراهيم عليه السلام أن أهل الأوثان يوم القيامة سيتبادلون اللعنة فيما بينهم، وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25].

    وقد سميت هذه السورة بسورة العنكبوت؛ لتكرر اللفظ فيها مرتين، مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41].

    1.   

    ابتلاء أهل الإيمان

    والسنة التي قررتها هذه السورة المباركة أن أهل الإيمان مبتلون في هذه الدنيا، وهذا الأمر قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آذاه بعض الناس، فحكى صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون )، وكذلك لما آذاه بعض الناس، قال له: ( يا محمد! اتق الله واعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله )، تغير وجهه صلى الله عليه وسلم لهذا الكلام المقذع، الفاحش، لكنه عليه الصلاة والسلام مسح عن وجهه وقال: ( يرحم الله موسى ، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ).

    ولما جاءه خباب بن الأرت رضي الله عنه يشكو إليه ما يلقونه من المشركين من الشدة والعنت، قال لهم عليه الصلاة والسلام: ( والذي نفسي بيده! لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيمشط ما دون لحمه وعظمه بأمشاط الحديد، لا يرده ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على رأسه حتى يفرق بين رجليه، لا يرده ذلك عن دينه )، ثم بشرهم عليه الصلاة والسلام، فقال: ( والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون ).

    1.   

    معية الله لعباده وأنواعها

    ولذلك ختم الله عز وجل هذه السورة بقوله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، قال أهل التفسير: المعية في القرآن نوعان: معية عامة، فالله مع الناس جميعاً، بعلمه جل جلاله، كما قال سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ[الحديد:4]، وكما قال سبحانه: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[المجادلة:7]، هذه معية عامة يستوي فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر.

    لكن هناك معية خاصة للمؤمنين الطيبين، كما في قول نبي الله موسى عليه السلام لما قال له قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، قال: كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أبا بكر يبكي في الغار، قال: ( لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، قال: يا أبا بكر ! لا تحزن إن الله معنا )، هذه معية خاصة، ومثلها أيضاً قول الله عز وجل: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، ونحو ذلك، فهذه معية التأييد والتسديد والنصر والتوفيق والتثبيت، وإنزال السكينة والطمأنينة، وهذه لا تكون إلا لمن رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.

    أسأل الله أن يجعلنا منهم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.