إسلام ويب

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني [6]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لضعف الإيمان مظاهر وأسباباً ينبغي الحذر منها؛ فمن مظاهر ضعفه ضيق الصدر وقلة الصبر عند المصائب مع عدم وجود حلاوة للعبادة وحصول الشك، وأما أسباب ضعفه فكثيرة منها: التكاسل عن الطاعات وقلتها مع هجر للقرآن وإعراض عن النظر في آيات الله الكونية، وقلة ذكره والإفراط في النوم والأكل والضحك والخلطة وكذا الانشغال بالدنيا الفانية عن الآخرة الباقية.

    1.   

    مظاهر ضعف الإيمان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه, سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    إن لضعف الإيمان مظاهر وأسباباً لا بد لنا أن نعرفها؛ فمن مظاهر ضعف الإيمان:

    المظهر الأول: ضيق الصدر.

    المظهر الثاني من مظاهر ضعف الإيمان: أن الإنسان لا يصبر عند المصائب؛ فإذا نزلت به مصيبة تجده هلعاً جزعاً متسخطاً وغير راض بقضاء الله عز وجل.

    ومن مظاهر ضعف الإيمان: أن الإنسان لا يجد حلاوة للذكر ولا للعبادة, وإنما يفعلها أداء للواجب فقط؛ ولأن هذا أمر فرضه الله فهو يقوم به.

    ومن مظاهر ضعف الإيمان -نسأل الله السلامة والعافية-: حصول الشك والريبة, التي قد تصل ببعض الناس -والعياذ بالله- إلى الاشمئزاز من ذكر الله، قال تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[الزمر:45], ولذلك نجد ضعيف الإيمان أن أشق شيء على نفسه أن يجلس في حلقة تلاوة, أو أن يستمع إلى محاضرة, أو إلى ذكر لله عز وجل, أعني: تعلم الحلال والحرام, وتفسير القرآن وما إلى ذلك؛ فنجده لا تنقاد نفسه لمثل هذه المجالس, وكلما ضعف إيمانه عظم نفوره, إلى أن يصل -والعياذ بالله- إلى الحضيض ويكون ممن قال الله فيهم: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر:45].

    1.   

    أسباب ضعف الإيمان

    ونذكر هنا الأسباب التي تؤدي بالإنسان إلى ضعف الإيمان عنده والعياذ بالله.

    التكاسل عن الطاعات

    فمن هذه الأسباب التي تؤدي إلى ضعف الإيمان: التكاسل عن الطاعات, أي: أن الإنسان لا ينبعث إلى الطاعات, وإنما هو متكاسل عنها؛ كما قال الله عن المنافقين: إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا[النساء:142]. ولذلك من علامات ضعف إيمانه نجده دائماً يأتي إلى الصلاة وقد فاتته, أو فاته بعضها وهكذا دائماً, ولذلك ينبغي أن نراقب أنفسنا في هذا الأمر؛ فالمتكاسل قد تفوته ركعة أو ركعتين أو ثلاث ركعات؛ فلا تراه إلا مسبوقاً, مع أن (تكبيرة الإحرام خير من الدنيا وما فيها) كما ورد.

    والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر: ( بأن الناس لو يعلمون ما في النداء والصف الأول, ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ), وأخبر صلوات الله وسلامه عليه: ( أن الناس لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ), والتهجير بمعنى: التبكير والسعي إلى صلاة الظهر في الهاجرة أي: في شدة الحر, فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتزاحمون على مواطن الخير هذه.

    ولكن تجد الإنسان المتكاسل زاهداً في هذا كله, وهذا يؤدي به إلى ضعف الإيمان.

    هجر القرآن

    ومن أسباب ضعف الإيمان: هجر القرآن, فتجد الشخص لا يقرأ القرآن إلا في رمضان, أو لا يقرأه إلا في يوم الجمعة, مثل: سورة الكهف يقرأها يوم الجمعة فقط, فهذا الزاد هو زاد الأسبوع, ولكن بعد ذلك ليست له علاقة بالقرآن.

    الإعراض عن النظر في ملكوت الله

    ومن أسباب ضعف الإيمان: الإعراض عن النظر في ملكوت الله عز وجل قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ[يوسف:105], فهو معرض لا ينظر إلى الجبال, ولا إلى البحار ولا إلى الشمس ولا إلى القمر, ولا إلى زينة السماء في نجومها وكواكبها, ولا ينظر إلى بديع صنع الله عز وجل في خلقه سبحانه أبداً؛ فلا ينظر إلى شيء من ذلك.

    قلة الذكر

    ومن أسباب ضعف الإيمان: قلة الذكر, قال الله عن المنافقين: وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا[النساء:142]؛ فلا تجد على لسانه ذكراً لله, بل تجد بعض الناس يخدع نفسه، فتلقاه في سيارته دائماً مشغلاً أشرطة الطنابير والمزامير ويقول لك: هذا فيه مديح! فلو أنه شغل لسانه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإننا نجزم بأن في ذلك من الحسنات الشيء العظيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره جبريل أنه: ( لا يصلي عليك أحد صلاة إلا كتب الله له بها عشر حسنات, ومحا عنه عشر خطيئات, ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها ), أما إنك تسمع واحداً بالعود عازفاً وهو يقول: صل يا رب صل! فهذه فيها كم حسنة؟ ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن فيها حسنة أو نصف حسنة؟ دعنا من السيئات التي فيها, فالشيطان يخدع بعض الناس, فتجده بالليل والنهار يسمع إلى هذه الأغاني, وبعد ذلك يقول لك: إن هذا مديح, فلننتبه لمثل هذا.

    الإفراط في الأكل والنوم والضحك

    ومن أسباب ضعف الإيمان: الإفراط في الأكل والنوم والضحك, فبعض الناس كأنه ما خلق إلا ليأكل, وحتى إذا جالسته تجد أنه لا حديث له إلا عن الطعام؛ بأن السمن الجيد موجود في المكان الفلاني, والمخبز الفلاني كذا, واللحم الفلاني عند فلان, وكذا وكذا, دائماً لا هم له سوى الحكاية عن المخابز والمطاعم والمشوي والباسطة .. فالإفراط في الطعام مشكلة, أما الإفراط في النوم؛ فإن النوم عون على الطاعة, وعون على العبادة, فهو آية من آيات الله؛ لأن الإنسان يكون بعد العمل مهدوداً ومكدوداً ومتعباً ومرهقاً, ثم بعد ذلك ينام نصف ساعة أو دونها فيقوم وكأنه مثل الأسد, وكأنه ما كان هناك شيء من التعب, سبحان الله! ولكن بعض الناس يفتعل النوم ويستدعيه, وليس له حاجة إليه؛ لأنه قد أخذ كفايته منه, ولكنه لا يكتفي بذلك؛ فتجده بالنهار يستدعي النوم مع أن النهار ليس وقتاً له, ولكن تجده يظلم على نفسه الدنيا, فيغلق النوافذ والأبواب, ويضع تحت رأسه وسادة وفوق رأسه وسادة, ثم يتهدد الزوجة والأطفال ويقول لهم: لو أني سمعتكم سأفعل بكم وأفعل؛ لأنه كسلان فنقول له: لا تنم، بل قم وتوكل على الله.

    ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل حتى تتورم قدماه؛ ثم بعد ذلك إذا حان وقت صلاة الصبح فإنه صلى الله عليه وسلم كان يضع يده تحت خده وينام حتى ينفخ, يعني: الغطيط؛ لأنه بالليل كان ساهراً، ثم بعد ذلك يقوم للصلاة, فلما قيل له: (يا رسول الله! ألا تتوضأ؟ قال: إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي), عليه الصلاة والسلام, وهناك شخص من الناس كان حريصاً في المسجد قبل أن يصلي الفريضة أن يتمدد, فقلت له: ما هذا يا عبد الله؟! قال لي: والله! هذه سنة. فقلت له: أين قيام الليل؟ يعني: سنة أيضاً؛ والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعلها لأنه محتاج إليها, أما أنت فنائم الليل كله ثم تأتي بين الأذان والإقامة فتنام؟ هذا لا يصلح.

    وأما الإفراط في الضحك فبعض الناس يريد أن يضحك دائماً، ينتقل من مسرحية إلى نكتة إلى مزحة .. من أجل أن يستغرق الوقت كله في الضحك, وربنا جل جلاله ذكر عن أهل الجنة بأنهم كانوا في الدنيا أهل حزن, وأهل تفكر؛ ولذلك يقولون في الجنة: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ[فاطر:34], أي: في الدنيا ويقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ[الطور:26], بينما أهل النار -والعياذ بالله- قال الله فيهم: وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ[المطففين:31], وقال: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا[الانشقاق:9], وبين -سبحانه- بأنهم كانوا أهل سخرية واستهزاء، فقال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[التوبة:79].

    فمسألة السخرية والاستهزاء بعباد الله والضحك عليهم والتعليق على أقوالهم وأفعالهم وما إلى ذلك, هذه أيضاً من المصائب العظام التي تؤدي إلى قسوة القلب وضعف الإيمان.

    قلة الطاعات وهجر القرآن

    ومن أسباب ضعف الإيمان: قلة الطاعات, فنجد الواحد يقتصر على الفرائض ولا يزيد شيئاً من النوافل, وبالمقابل عنده معاص عظيمة؛ فلو أنه حوسب بالربح والخسارة فلا شك أنه سيكون خاسراً؛ لأن طاعاته أيضاً لا تسلم من نقص, وليس عنده من النوافل ما يجبرها.

    إذاً: من أسباب ضعف الإيمان: التكاسل عن الطاعات.

    ومن أسباب ضعف الإيمان: هجر القرآن, والمقصود بهجر القرآن: هجر قراءته, وهجر تعلم أحكامه, وهجر التحاكم إليه, وهجر الاستشفاء به, فهذا كله من أنواع الهجر قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[الفرقان:30].

    الإفراط في الخلطة بالناس

    ومن أسباب ضعف الإيمان: الإفراط في مخالطة الناس, لا بد للإنسان أن يكون له وقت يخلو فيه بنفسه, كما مر معنا في تفسير سورة الأعلى, أنه ينبغي للعاقل أن يكون له ثلاث ساعات, ساعة يحاسب فيها نفسه, وساعة يعبد فيها ربه, وساعة يخلو لحاجته من المطعم والمشرب, وينبغي للعاقل ألا يكون ضاعناً أي: مسافراً إلا في ثلاث: مرمة لمعاش, أو استعداد لمعاد, أو لذة في غير محرم, وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان العاقل.

    الانشغال بالدنيا عن الآخرة

    ومن أسباب ضعف الإيمان: الانشغال بالدنيا عن الآخرة, ومن الانشغال بالدنيا الاستغراق فيها, بمعنى: أن الإنسان إذا كان تاجراً أو طالباً أو موظفاً؛ فإنه يقبل على ما هو فيه, بحيث يشغله ذلك عن طاعة ربه فإن هذا لا يجوز؛ بل ينبغي للإنسان أن يأخذ من دنياه بقدر ما يهيئه لآخرته؛ فإن الدنيا ليست إلا عرضاً حاضراً, كما قال علي رضي الله عنه: الدنيا عرض حاضر, يأكل منه البر والفاجر, والآخرة وعد صادق, يحكم فيه ملك عادل, يحق الحق ويبطل الباطل, فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا, فإن لكل منهما بنين, وإن كل أم يتبعها ولدها.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين, والحمد لله رب العالمين.