إسلام ويب

تفسير سورة نوح [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان نوح عليه السلام أول رسول إلى أهل الأرض، وكان مبعثه بعد وقوع الناس في الشرك، وقد كانوا من قبل موحدين، فجدد التوحيد ونبذ الشرك والأوثان، ودعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل وهم الضعفاء والفقراء، أما الملأ وأصحاب المال والسلطان فعتوا عن أمر ربهم، وأصروا على شركهم واستكبروا استكباراً.

    1.   

    مناسبة سورة نوح للسورة التي قبلها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فموعدنا في هذا الدرس مع أوائل سورة نوح، وهي سورة مكية باتفاق أهل التفسير، وفيها ثمان وعشرون آية، ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وتسعمائة وتسعة وخمسون حرفاً.

    وهذه السورة المباركة اتصالها بالسورة التي قبلها واضح، ففي السورة التي قبلها بين ربنا جل جلاله أن المشركين يستعجلون نزول العذاب: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ[المعارج:1]، وفي هذه السورة يبين نموذجاً من العذاب الذي أنزله بأمة عتت عن أمر ربها وعصت رسولها، وأصرت على كفرها وعنادها، وهو مجرد نوع من أنواع عديدة أنزلها ربنا بالأمم المكذبة، كما قال سبحانه: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[العنكبوت:40].

    وفي السورة التي قبلها تهدد ربنا جل جلاله أولئك الكفار بقوله: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ[المعارج:40-41].

    وفي هذه السورة بيان لحال أمة كذبت وعصت وعتت وتمردت؛ فالله عز وجل أهلكهم عن بكرة أبيهم وأبدل بهم غيرهم، فما نجا من الطوفان إلا من كانوا في السفينة، كما قال الله عز وجل: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ[هود:40]، وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ[الصافات:77].

    1.   

    موضوع سورة نوح

    هذه السورة المباركة من أولها إلى آخرها موضوعها واحد، وهو الحديث عن نوح عليه السلام وقومه، فبين ربنا جل جلاله في أول السورة بأن نوحاً عليه السلام قد اجتهد في إبلاغ الدعوة بالليل والنهار، والسر والجهار، وأنه تلطف مع قومه، وبين لهم الفوائد الدنيوية والأخروية لو أنهم استجابوا له، وذكر أن الله عز وجل سيرسل السماء عليهم مدراراً ويمددهم بأموال وبنين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهاراً، ثم بعد ذلك رهبهم بقوله: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً[نوح:13].

    وبين ربنا جل جلاله ما كان عليه قومه من العناد حين أصروا على عبادة الأصنام ودعاء الأنداد؛ وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً[نوح:23]، هذه أصنام خمسة كانت تعبد من دون الله عز وجل.

    ثم بين ربنا جل جلاله أن نوحاً عليه السلام لما أيس من هداية قومه، ولما زاد عتوهم وتمردهم دعا عليهم، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً[نوح:26]، أي: أحداً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً[نوح:27]، فاستجاب الله دعاءه وأغرقهم؛ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً[نوح:25].

    وختمت السورة بذلك الدعاء المبارك الذي دعا به نوح عليه السلام للمؤمنين جميعاً: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً[نوح:28].

    1.   

    قصة نوح عليه السلام مع قومه

    خبر نوح عليه السلام مذكور في كثير من سور القرآن، لكن الله عز وجل فصل خبره في سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة هود، وفي سورة الأنبياء، وفي سورة الشعراء، وفي سورة الصافات، وفي سورة: ((اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ))، وفي هذه السورة المباركة.

    أول رسول إلى أهل الأرض

    وخلاصة ذلك: أن نوحاً عليه السلام كان أول رسول إلى الأرض، كما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلهم على الإسلام؛ لأن آدم عليه السلام الذي كان نبياً مكلماً، كما ثبت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي ذر رضي الله عنه، ذكر أنه بعد آدم عليه السلام كان الناس على الإسلام، على التوحيد يشهدون أن لا إله إلا الله، ويعبدونه وحده ولا يعبدون أحداً سواه.

    تزيين إبليس لقوم نوح عبادة الصالحين من دون الله

    ثم بعد ذلك طرأ على دين الناس تغيير وتبديل، فكان هناك قوم صالحون، وهم هؤلاء الخمسة: ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر، فهؤلاء كانوا رجالاً صالحين طيبين، ولما ماتوا جزع عليهم أقوامهم جزعاً عظيماً، فإبليس لعنه الله سول لهم أن يصوروا لهؤلاء الصالحين صوراً، وأن ينحتوا لهم تماثيل، بحيث إنهم إذا رأوا تلك الصور تذكروا أولئك الصالحين وما كانوا عليه من العبادة والاستقامة، فتأسوا بفعالهم واقتدوا بحالهم.

    ثم بعد ذلك توالت الأجيال وانتسخ ذلك الأمر حتى عبدوهم من دون الله؛ ولذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية التحذير من تصوير تلك الصور، كما ثبت في الصحيحين من حديث أم حبيبة و أم سلمة رضي الله عنهما، ( أنهما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في أرض الحبشة، وما فيها من التصاوير -يعني: ما فيها من الأصنام- فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله )؛ ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، ولا صورة إلا طمسها، كما ثبت من حديث أبي الهياج الأسدي رحمه الله قال: قال لي علي : ( ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )، من أجل أن يكون تعلق المسلم بالله عز وجل لا بأحد سواه.

    فالصالحين نوقرهم ونحترمهم ونلتمس بركة دعائهم، كل هذا لا مانع منه، أما أن نتخذ لهم أصناماً أو أن نتمسح بقبورهم أو أن ندعوهم من دون الله عز وجل فهذا هو الممنوع المحذور، وهو الذي يؤدي إلى الشرك بالله عز وجل.

    فنوح عليه السلام بعثه الله إلى أولئك القوم المشركين المعاندين.

    الأوصاف التي وصف الله بها نوحاً عليه السلام

    وقد بين ربنا أن هذا النبي المبارك كان يوحى إليه، كما قال سبحانه: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ[النساء:163]، وبين ربنا جل جلاله أنه كان من أهل الهداية والاستقامة: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ[الأنعام:83-84]، وبين ربنا جل جلاله بأنه كان من أهل الذكر والشكر: إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً[الإسراء:3]، وكان لا يأكل أكلة ولا يشرب شربة إلا حمد الله عليها.

    دعوة نوح إلى التوحيد ورد المشركين عليه

    هذا النبي المبارك عليه الصلاة والسلام بين ربنا خبره في سورة الأعراف: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[الأعراف:59]، بدأ بدعوة قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونفى الألوهية عما سواه: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:59]، وهي دعوة كل نبي وكل رسول، كما قال جل جلاله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:36]، وكذلك قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ[الأنبياء:25].

    لكن القوم واجهوا نبيهم عليه الصلاة والسلام أقبح مواجهة، كما حكى الله عنهم: قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[الأعراف:60]، نراك في زيغ، وزيغك واضح ظاهر لا لبس فيه.

    الأنبياء لا يتكلمون بالكلام الفاحش ولا البذيء، كان لنوح عليه السلام أن يقول لهم: بل أنتم الضلال الفساق.. لكنه عليه الصلاة والسلام اكتفى بأن قال: يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الأعراف:61]، أنا لست ضالاً، بل أنا على هدى واستقامة، وأنا رسول مبعوث من رب العالمين الذي خلقكم وسواكم وصوركم جل جلاله، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ[الأعراف:62]، أبلغكم البلاغ المبين، الذي لا لبس فيه ولا غموض، وأنا مخلص في نصحي لكم، وما أريد لكم إلا الخير والسداد، والهدى والرشاد.

    ثم قال لهم: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الأعراف:63]، يعني: لا غرابة من أن الله عز وجل اختارني واصطفاني واجتباني، وأنزل علي هذا الذكر من أجل أن أبلغكم إياه لكن القوم استمروا على ضلالهم وغيهم وعنادهم.

    وفي سورة هود يفصل الله عز وجل في خبر نوح عليه السلام تفصيلاً كثيراً، فيخبر بأن هذا النبي المبارك صلوات الله وسلامه عليه قد أتى قومه ودعاهم إلى عبادة الله وحده، وقال لهم: فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ[هود:3]، لكنهم أساءوا إليه وأغلظوا له القول، فقالوا له: مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا[هود:27]، وهذه الشبهة التي كانت عند الكفار جميعاً، كانوا يقولون: أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ[القمر:24]، وكانوا يقولون لرسلهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا[إبراهيم:10]، وقالوا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ[الفرقان:7]، يعني: هم بضعف عقولهم كانوا يرون أن النبي المبعوث من عند الله لا يمكن أن يكون بشراً.

    استهزاء المشركين بأتباع نوح ورده عليهم

    ثم بعد ذلك أساءوا إلى أتباعه، وقالوا: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ[هود:27]، يعني: اتبعك الناس البسطاء، ممن لا يأبه لهم ولا يلتفت إليهم، (بَادِي الرَّأْيِ) يعني: آمنوا بك لأول وهلة، وما فكروا في حقيقة أمرك، وهذا الذي ذموهم به هو ما يمدحون من أجله؛ لأن كون الإنسان يرى الحق فيتبعه ولا يتردد فهذا أمر يمدح به ولا يذم؛ ولذلك سحرة فرعون لما رأوا الآية التي أجراها الله على يد موسى ما ترددوا؛ بل قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ[الأعراف:121-122]، وكذلك مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ، فقال: ( ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم )، رضي الله عنه، يعني: لمجرد أن دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام - وهو يعرف أخلاقه عليه الصلاة والسلام وطباعه وصدقه وأمانته - فـأبو بكر رضي الله عنه دخل في الإسلام ولم يتردد ولم يتلعثم.

    فهذا عين ما يمدحون به، لكنهم ذموهم، قالوا: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا[هود:27]، وأتباع الأنبياء دائماً يكونون من الضعفاء؛ لأنهم ليس عندهم ما يخسرونه، أما الملأ أصحاب الأموال وأصحاب الجاه فهم الذين يعارضون دعوة الأنبياء؛ ولذلك في القرآن دائماً تقرءون: قَالَ الْمَلأ[الأعراف:60]، في عدة مواضع، ومضى معنا أنهم سموا ملأً: لأنهم يملأون المجالس بضخامة أجسادهم، ويملأون الأعين بمهابتهم، فعندهم مهابة في فخامة ثيابهم وضخامة أجسادهم، وكثرة من يتبعهم من الأجناد والأنصار وما إلى ذلك.

    قالوا: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ[هود:27]، فنوح عليه السلام تلطف وترفق: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ[هود:28]، يعني: لا أكرهكم، ولا أجبركم، ولا آخذكم إلى ديني قسراً، وإنما أنا رسول مبعوث من عند الله، عندي بينات وبراهين وأدلة.. وما أستطيع أن ألزمكم، مثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[سبأ:24]، قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ[سبأ:25]، يعني: الإكراه ليس وارداً في الدين؛ لأن الله يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ[البقرة:256]، ويقول: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28].

    ثم أزال الشبهة من عقولهم، فقال لهم: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ[هود:29]، يعني: أنا لا أطلب على هذه الدعوة منفعة دنيوية، ولا أجراً عاجلاً منكم، وإنما الذي أؤمله وأرجوه من أجر هو عند الله جل جلاله.

    إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا[هود:29]، يعني: هؤلاء الذين تصفونهم بأنهم أراذل وأن رأيهم كليل عليل، أنا لا أستطيع أن أطردهم، وهذا الأمر تكرر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما جاءه بعض كبراء قريش، قالوا: يا محمد! وددنا لو أننا جلسنا إليك وسمعنا منك، ولكن معك بعض هؤلاء الذين يؤذوننا برائحة جبابهم -أي: رائحة ثيابهم ليست طيبة- ولذلك لا نستطيع أن نجلس معهم، فاجعل لنا يوماً واجعل لهم يوماً؛ فأنزل الله عز وجل قوله: وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52]، وقال له: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ[الكهف:28]، الزم هؤلاء المساكين الراغبين في الهدى، الحريصين على الحق، ولا تلتفت إلى أولئك الذين أعشى الله أبصارهم وأظلم قلوبهم فلا ينتفعون بالهدى؛ ولذلك نوح عليه السلام قال لقومه: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [هود:29]، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:30]، يعني: هؤلاء لو أني طردتهم سيغضب الله عز وجل علي، فمن ينصرني حينئذ في تلك الحال؟ ومن ينفعني؟!

    ثم أثبت وأكد لهم بشريته، وقال لهم: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ[هود:31]، قال لهم: أنا بشر كامل البشرية، ليس عندي خزائن ولا ملك ولا أدعي علم الغيب، وإنما أنا بشر، لكن القوم كانوا جهالاً فجاراً فقالوا: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [هود:32]، أنت تخوفنا بالعذاب، ايتنا بالعذاب! وهكذا الكفار دائماً يستعجلون العذاب، كما قال ربنا جل جلاله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ[الرعد:6]، أي: العقوبات، قالوا له: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [هود:32]، فقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:33-34]، ليس علي إلا البلاغ والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، إن شاء هداكم وإن شاء أزاغكم وهو سبحانه ربكم وإليه ترجعون.

    صناعة نوح للسفينة بعد استكبار قومه

    نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، تسعمائة وخمسون سنة يدعوهم إلى الله، بالليل والنهار، سراً وعلانية، مثنى وفرادى، يخطب فيهم جماعات، لكن الرجل من قوم نوح كان إذا بلغ ولده مبلغ الرجال وبدأ يعقل، يوصيه فيما بينه وبينه ألا يؤمن بنوح، وكان الرجل إذا نزل به الموت تكون آخر وصية لأولاده بألا يؤمنوا بنوح ولا يتبعوه؛ ولذلك أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام بعد هذه المدة الطويلة: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36]، وأمره الله عز وجل أن يبدأ في صناعة سفينة؛ ولذلك يذكر بعض المفسرين أنه بدأ في زراعة الشجر، بدأ يزرع شجراً من أجل أن يستخلص خشباً ليصنع منه السفينة، فانظروا كم صبر إلى أن نبت الشجر ثم بعد ذلك نحته ونشره ثم أتى بالدسر -وهي المسامير- وسوى السفينة وجعل لها جؤجؤاً، كما يقولون، أي: صدراً، وطولها كذا وعرضها كذا، على تفاصيل يذكرونها، ولا تعنينا؛ لأن القرآن قد أبهمها.

    فالله عز وجل أمره بأن يصنع الفلك وأن ينتظر ما سيأتي به الله من أمر، وكان قومه يمرون به ويهزءون منه، يقولون له: يا نوح! صرت نجاراً بعدما كنت نبياً، ثم يسخر به آخرون ويقولون له: أين الماء؟ أي: أن هذه البلاد التي نحن فيها ليس فيها بحر ولا ماء تجري عليه هذه السفينة، فكان عليه الصلاة والسلام يقول لهم: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:38-39].

    أسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين المعتبرين المتعظين! وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.