إسلام ويب

سورة المائدة - الآية [105]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حماية لجناب الدين وإبراء للذمة ورفعاً لعقاب الله، ومن ثم فلا يضر من ضل بعد القيام بهذه الشعيرة العظيمة. وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط وواجبات وحكم لا ينبغي إغفالها بل ينتبه لها حتى تؤتي هذه الفريضة المباركة ثمارها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء الثاني والأربعين في الآية الخامسة بعد المائة من سورة المائدة، قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105].

    هذه الآية أشكلت على كثير من الناس، حتى اتخذها بعضهم ذريعة ودليلاً لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى في داخل بيته، فإذا خوطب بأنه مقصر استدل بهذه الآية: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].

    سبب نزول الآية

    وأما سبب نزولها فقد قال أبو السعود رحمه الله تعالى: نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة، وكانوا يتمنون إيمانهم وهم من الضلال، بحيث لا يكادون يرعوون عنه بالأمر والنهي، يعني: كان المسلمون وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحسرون على إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين، وقد خاطبه ربه جل جلاله بقوله: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، وبقوله: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، فلما كان المسلمون يتحسرون على هؤلاء الكفار أنزل الله هذه الآية: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].

    معاني مفردات الآية

    قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، أي: الزموا إصلاح أنفسكم، وأنفسكم منصوبة على الإغراء.

    ولقد قيل لـابن عمر رضي الله عنهما: ( لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؛ فإن الله تعالى ذكره يقول: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، فقال ابن عمر : إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم).

    قول الله عز وجل: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، أي: لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين، ومعلوم أن من أنواع الاهتداء: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حسب طاقته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ).

    وقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ [المائدة:105]، إلى الله، لا إلى أحد سواه، (مرجعكم): أي: رجوعكم يوم القيامة.

    وقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105]، أي: يخبركم جل جلاله بما كنتم عليه من أعمال الهداية والضلال.

    المعنى الإجمالي للآية

    والمعنى الإجمالي لهذه الآية: يا أيها الذين آمنوا الزموا إصلاح أنفسكم، واعملوا على خلاصها من عذاب الله، وانظروا فيما يقربها من ربها، ولا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق إن أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وهذا في الزمان الذي لا يسمع فيه لأمر آمر ولا لنهي ناه، ويدل على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت هوىً متبعاً وشحاً مطاعاً ودنيا مُؤْثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، فإن من بعدكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين يعملون مثل عملكم، قالوا: يا رسول الله! كأجر خمسين عاملاً منهم؟) -يعني: ظن الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق لسانه بغير ما أراد عندما قال: (للصابر منهم يومئذ أجر خمسين منكم، فقالوا: أجر خمسين عاملاً منهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا. كأجر خمسين عاملاً منكم؛ فإنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون )، وهذا الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب صحيح.

    توجيه قول الله تعالى: (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)

    وقوله: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، أي: بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: ( والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعو الله خياركم فلا يستجاب لهم. وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم منه بعقاب ).

    وهذه الآية إما أن تحمل على الزمان الذي لا يستمع فيه لأمر ولا نهي، وليس هو زماننا والحمد لله، فما زال المسلمون بخير، فكثير من العصاة والغافلين والضالين إذا وجد من يذكره بالله تذكر.

    أو أن الآية تحمل على ما بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني: أنت وجدت إنساناً على خطأ أو مجموعة من الناس يتناقشون في أمر ما، فنصحتهم وأمرتهم ونهيتهم، لكن وجدت منهم إعجاباً بآرائهم وإيثاراً لأهوائهم، ففي هذه الحالة يجوز لك أن تستدل بقوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].

    وقد أخرج نعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير و البيهقي في الشعب عن أبي العالية قال: (كنا عند عبد الله بن مسعود ، فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر، فقال آخر إلى جنبه: عليك نفسك، فإن الله تعالى يقول: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]). هذا هو الفهم الخاطئ (عليك نفسك)، يعني: دع الاثنين يتقاتلان، ولربما يسفك أحدهما دم الآخر: عليك نفسك.. معناها فسدت الأرض، فلو أن كل إنسان قال: علي نفسي، ودعني من الناس؛ فإن الأرض تفسد. فهذا الرجل يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والآخر يقول له: عليك نفسك، فقال ابن مسعود: (مه! -يعني: كف عن هذا الكلام- لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن أنزل حين أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، قصص الغابرين، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين، كما في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55]، وهذه ما حصلت إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسنين، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة، كأشراط الساعة وعلاماتها، ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب يوم القيامة، مثل ما ذكر من أمر الجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، فلم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية).

    1.   

    مسائل متعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أيها الإخوة الكرام! هذه الآية المباركة لا بد من التنبيه فيها على مسائل:

    واجب الآمر والمأمور بالحق

    المسألة الأولى: واجب على كل من الآمر والمأمور اتباع الحق المأمور به، فواجب على من يأمر بالمعروف ومن يؤمر بالمعروف أن يتبعا الحق الذي أمر الله عز وجل به؛ لأن القرآن دل على أن الذي يؤمر بالمعروف فلا ينتفع هو بمنزلة الحمار، قال الله عز وجل: فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:49-51].

    ودلت السنة على أن الآمر الذي لا يلتزم بما يأمر به هو أيضاً كالحمار، ففي الحديث الثابت في الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أي فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ).

    وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض

    الأمر والنهي عن علم

    المسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم فيما يأمر به، وعلم فيما ينهى عنه؛ لأنه إذا كان جاهلاً فقد يأمر بمنكر، وقد ينهى عن معروف، قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108]، وقال سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ أي: بالعلم، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125].

    ولا بد كذلك أن يصبر على أذى الناس كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17].

    مراعاة المفاسد عند الأمر والنهي

    المسألة الثالثة: يشترط في جواز الأمر بالمعروف ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ترك المعروف، ويشترط في جواز النهي عن المنكر ألا يؤدي إلى مفسدة أكبر من ارتكاب المنكر؛ لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين، فإن جزمت بعدم الفائدة -يعني: أن الأمر بالمعروف في هذا الموضع لا تترتب عليه فائدة، أو النهي عن المنكر لا تترتب عليه فائدة- فلا تأمر ولا تنه؛ لأن الله عز وجل قال: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى [الأعلى:9]، أما إذا كانت الذكرى لا تنفع فلا تذكر.

    الحكمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    المسألة الرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث حكم:

    الأولى: إقامة حجة الله على الخلق: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[النساء:165]، مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164].

    الحكمة الثانية: رجاء النفع للمأمور، كما قال الله عز وجل: لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة:12]، وكما قال: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].

    الحكمة الثالثة: خروج الآمر والناهي من عهدة التكليف.

    أحوال الرعية مع الإمام من حيث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    المسألة الخامسة: من أعظم أنواع الأمر بالمعروف: كلمة حق عند سلطان جائر، كما في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )، رواه أبو داود و الترمذي ، وقال: حديث حسن.

    قال الشيخ العلامة محمد الأمين رحمه الله: واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث:

    الحال الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحال مجاهد سالم من الإثم، ويجب أن يكون نصحه للسلطان بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن ذلك هو مظنة الفائدة؛ لأن السلطان غشوم، والسلطان الذي في يده القوة لو لم تستعمل معه الحكمة والموعظة الحسنة قد يغضب، وإذا غضب فسيكون شر عظيم.

    الحال الثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره؛ ولأن نصيحته ستؤدي إلى منكر أعظم كما حصل في بعض البلاد، كأن يقوم بعض أئمة الجمعة فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فتغلق المساجد وتمنع صلاة الجمعة، نسأل الله العافية! وفي هذه الحال يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهة منكره والسخط عليه، وذلك أضعف الإيمان.

    الحال الثالثة: أن بعض الرعية قد يكون راضياً بالمنكر الذي يفعله السلطان متابعاً له عليه، فهذا شريكه في الإثم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله! ألا نقاتلهم؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة ). أي: طالما أنهم ما منعوكم من الصلاة فلا تقاتلوهم، والحديث رواه مسلم .

    أسأل الله أن يجعلنا ممن يقولون بالحق وبه يعدلون. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.