إسلام ويب

سورة الأحزاب - الآية [9]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اجتمع الكفار على المؤمنين في السنة الخامسة من الهجرة للقضاء عليهم، فلما سمع رسول الله بتلك المؤامرة شاور أصحابه واتفقوا على حفر الخندق حول المدينة، وأنزل الله آيات لنصرة المسلمين كإرسال الريح وقذف الرعب في قلوب المشركين، وقرر المشركون الانسحاب من المعركة دون مواجهة إلا لبعض المقاتلين، وانتهت المعركة بنصر المؤمنين، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ما زلنا مع سلسلة نداءات الرحمن، ومع النداء الستين في الآية التاسعة من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الأحزاب:9].

    سبب تكالب الأحزاب على رسول الله في الخندق

    أيها الإخوة! كان سبب قدوم الأحزاب أن نفراً من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ظهرت خيانتهم وبان كذبهم، ذهبوا إلى مكة يحرضون كفار قريش على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وجه إليهم كفار قريش سؤالاً فقالوا لهم: يا معشر اليهود! أنتم أهل العلم بالكتاب الأول، نسألكم أديننا خير أم دين محمد؟

    فقال لهم اليهود: بل دينكم خير من دين محمد؛ فأنزل الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء:51-52].

    فكرة حفر الخندق وتأهب المسلمين للمعركة

    هؤلاء اليهود اتفقوا مع كفار قريش على أن يتعاونوا ليستأصلوا الإسلام، ويقتلوا رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، وحرضوا بعد ذلك من كان حولهم من قبائل العرب من بني سليم، وغطفان، والأحابيش، وغيرهم، فكلهم جاءوا إلى المدينة، فلما بلغ الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، استشار الصحابة، وكان الرأي أن يحفروا حول المدينة خندقاً من الناحية الغربية؛ لأن فجاج المدينة ضيقة من الناحية الشرقية فلا يستطيع جيش أن يدخل منها، أما الناحية الغربية فكانت أرضاً سهلة منبسطة، ويمكن لجيش كامل أن يدخل من خلالها.

    عمل النبي صلى الله عليه وسلم بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه، واجتهدوا في حفر الخندق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحفر معهم، وينقل التراب، وكان في ذلك الحفر آيات بينات، ودلائل واضحات ثبت الله بها الذين آمنوا حين اعترضت المسلمين صخرة كأداء، وشكوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: ( فدعا بماء، فقرأ فيه ودعا، ثم نضح تلك الصخرة، وضربها بمعوله صلوات الله وسلامه عليه، فخرج منها نور عظيم، قال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر! أوتيت مفاتيح فارس، ثم ضربها وقال: الله أكبر! أوتيت مفاتيح الروم، ثم ضربها وقال: الله أكبر! أوتيت مفاتيح اليمن )، فسخر المنافقون وقالوا: يعدكم محمد كنوز كسرى وقيصر والواحد منا لا يستطيع أن يذهب أن يبول! مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً [الأحزاب:12]، أما المؤمنون الطيبون فقالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

    أيها الإخوة الكرام! كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج ومن معه من المسلمين وهم نحو من ثلاثة آلاف، فأسندوا ظهورهم إلى جبل سلع، ووجوههم إلى نحر العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم، وبينهم يحجب الخيالة والرجال أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة، في الحصون خوفاً عليهم من يهود بني قريظة بزعامة كعب بن أسد ، الذين نقضوا العهد، يقول الله عز وجل: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:11]؛ لأنهم محاصرون؛ فالعدو من أمامهم ومن خلفهم، والمنافقون في داخل الصفوف يبثون الأراجيف وينشرون الأكاذيب ويقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً [الأحزاب:13].

    ما وقع من القتال في غزوة الخندق

    أيها الإخوة! لم يقع قتال بين المسلمين والكفار سوى ما كان من عمرو بن عبد ود العامري وكان من شجعان قريش رجلاً خبيثاً شديد القلب حديد البصر، اقتحم بفرسه في الخندق، ثم نادى على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد! أنت تزعم أن قتلانا في النار وقتلاكم في الجنة، وقد اشتاقت نفسي إلى النار، فهل منكم من أحد قد اشتاقت نفسه إلى الجنة؟! فقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذهب إلى ذلك الكافر عدو الله فاحتقره الكافر وازدراه.

    قال له: من أنت يا فتى؟

    قال: أنا علي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقال له الكافر: لقد استصغروني يا علي فأرسلوك إلي، لم لم يرسلوا واحداً من الكبار؟

    فقال له علي : أرسلوني لأنني أقلهم شأناً، وأنت لست أهلاً لواحدٍ منهم.

    فقال له الكافر: يا علي ! لقد كان أبوك صديقي، وأنا لا أحب أن أفجعه فيك.

    قال له علي : ولكن أباك لم يكن صديقي، وأنا أحب أن أفجعه فيك، فغضب الكافر وأخذته حمية الجاهلية.

    ثم قال له علي : يا عمرو بن عبد ود ! كنت قد عاهدت ربك ألا يعطيك أحد ثلاث خصال إلا قبلت واحدة؟

    قال: بلى.

    قال له: فإني أعرض عليك الإسلام؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    فقال عدو الله: والله لا أقولها ولو كان رأسي في قعر جهنم، هات الثانية.

    قال: الثانية: أن ترجع ولا تقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: أتريد أن يقول الناس: ضحك عليك غلام صغير، لا نجوت إن نجا محمد، هات الثالثة.

    قال: الثالثة: أن تقاتلني وأنت على فرسك وأقاتلك وأنا على الأرض، وقاتله علي رضي الله عنه وأعانه الله عز وجل على قتل ذلك الصنديد الخبيث، وكان ذلك من أولى بشائر النصر.

    حال المسلمين في الخندق وتفريج الله الحصار عنهم

    أيها الإخوة الكرام! استمر الحصار زماناً؛ فأرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحاً شديدة الهبوب قوية، كفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وألقت الرعب في قلوبهم، قال تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً [الأحزاب:25].

    ففي هذه الآية يذكر الله عز وجل عباده بهذه النعمة فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الأحزاب:9]، أي: يوم الأحزاب، إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ ))، وهم قريش، وغطفان، وبنو سليم، والأحابيش، وقريظة، والنضير.

    قوله: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً ))، هي: ريح الصبا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا ))، الجنود التي لا ترى هم الملائكة، فقد بعث الله عليهم الملائكة فقلعت أوتاد الخيم، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه: يا بني فلان! هلم إلي، فإذا اجتمعوا إليه، قال لهم: النجاء النجاء.

    ثم قال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الأحزاب:9]، الله عز وجل كان عليماً بما لقيه المسلمون من الشدة، اجتمعت عليهم ثلاث مصائب: جوع شديد، وبرد شديد، وخوف شديد، حتى إنه لما حصلت الجلبة في معسكر الأعداء، ولما جاءت الريح وقلعت الخيام وكفأت القدور، قال الرسول عليه الصلاة والسلام للصحابة: ( من يذهب فيأتي بخبر القوم؟ فمن شدة الخوف ما قام أحد. قال عليه الصلاة والسلام: من يذهب فيأتي بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟ فما قام أحد. قال عليه الصلاة والسلام: قم يا حذيفة )، لما لم ينفع التطوع كان لا بد من التعيين، فعين النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة وأمره ألا يحدث شيئاً، وإنما يذهب لينظر الأخبار ويعود؛ فدخل حذيفة رضي الله عنه في معسكر القوم، يقول رضي الله عنه: وكان أبو سفيان يجول في الناس، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتلته -لأنه كان قريباً منه-، يقول: فقال أبو سفيان : أيها الناس! لينظر كل امرئ من جليسه - يعني: ما دام الأمر هكذا فلا بد أن محمداً صلى الله عليه وسلم أرسل ناساً هم الذين كفئوا القدور وقلعوا الخيام، فكل امرئ يتأكد من جليسه - فبادر حذيفة رضي الله عنه وما انتظر إلى أن يمسك به من بجواره؛ بل أمسك به وقال له: من أنت؟ قال: أنا فلان، وهذه مبادرة من حذيفة رضي الله عنه.

    تذكير الله للمؤمنين بنعمة النصر يوم الخندق وذكر حالهم

    لقد كان الله عز وجل عليماً بما لقيه المسلمون من المشقة والمصابرة في حفر الخندق، والخروج من الديار إلى معسكرهم خارج المدينة، وبذلهم النفوس في نصر دين الله، فجزاهم الله عز وجل بالنصر المبين.

    يقول الله عز وجل: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله اذكروا نعمة الله وفضله وإحسانه حين صرف أعداءكم وهزمهم، حين تألبوا عليكم وتحزبوا لقتالكم في شوال سنة خمس من الهجرة، اذكروا هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم، وكان الله عز وجل بما تعملون بصيراً لا يخفى عليه شيء، فيجازي كل امرئ بما قدم.

    أيها الإخوة الكرام! كان من ابتلاء الله عز وجل للمسلمين في ذلك اليوم أنهم من شدة الخوف بلغت القلوب الحناجر، حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! هل من دعاء نقوله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ).

    1.   

    المواضع التي أيد الله فيها المسلمين بالملائكة

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ...)

    مما يستفاد من هذه الآية:

    أن الله عز وجل ينصر عباده بما شاء، كيف شاء، وأن نصره لا يتوقف على الأسباب.

    ومن فوائد الآية: وجوب ذكر نعمة الله عز وجل وعدم نسيانها، وهذه هي التقوى: أن يذكر الله فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر.

    ومن فوائد الآية: أن المشركين دأبهم التحزب والاجتماع لحرب الله ورسوله.

    ومن فوائد الآية: أن الريح من جنود الله؛ ولذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبها، قال: ( لا تسبوا الريح فإنها من جند الله، وقولوا: اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به ).

    ومن فوائد الآية: إثبات الاسم الحسن لله عز وجل وهو اسم: البصير، فمن أسمائه الحسنى: البصير.

    نسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا وأن يفقهنا في ديننا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.