إسلام ويب

فقه الصلاة فضل الجماعة وشروط الإمامةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع أو خمس وعشرين درجة، وما عذر النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى ورخص له في ترك الجماعة، بل قد عزم صلى الله عليه وسلم على تحريق بيوت المتخلفين عنها، وذلك لأهميتها العظيمة في الإسلام. والإمامة في الإسلام من أشرف المناصب وأرفعها، كيف لا وأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم منذ أن فرض الله الصلاة إلى أن توفاه الله ما ترك إمامة المسلمين في الصلاة إلا بعد أن أقعده المرض قبل وفاته صلى الله عليه وسلم؟! وللإمامة شروط ينبغي توافرها في الإمام.

    1.   

    فضل صلاة الجماعة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد:

    فنتناول الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة، وبين يدي هذه الأحكام لا بد لنا من مقدمة أذكر فيها بأن الإسلام هو دين الجماعة، ودائماً ما يرغبنا في الاجتماع، سواء كان ذلك في العبادات، أو كان ذلك في العادات، وحتى في الطعام فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (اجتمعوا على الطعام يبارك لكم فيه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار)، ويبين لنا عليه الصلاة والسلام أن (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)، وينهانا صلى الله عليه وسلم أن يسافر أحدنا وحده.

    فهذا كله من أجلى المظاهر وأوضحها بأن الإسلام هو دين الجماعة، وكذلك هذه الصلوات الخمس المكتوبات، فالإسلام يحثنا على السعي إلى المساجد لأداء هذه الصلوات في جماعة، فقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من غدا إلى المسجد أو راح؛ أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح).

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه رتب على صلاة الجماعة أجراً عظيماً فأخبر: (أن الرجل إذا خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له درجة، وحطت عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما دامت الصلاة هي التي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه).

    وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن صلاة الجماعة يرفع الله بها الدرجات ويمحو بها الخطيئات، قال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط) .

    فصلاة الجماعة سبب لمضاعفة الحسنات، وحط الخطيئات، ورفع الدرجات، ويحصل بسببها خير كثير، فالإنسان في المسجد يلقى أخاه المسلم؛ فيتبسم في وجهه؛ فيكتب الله له بذلك صدقة، وقد يصافحه؛ فتتساقط الذنوب قبل أن يتفرقا، وقد يجد في المسجد محتاجاً فيساعده، أو ملهوفاً فيغيثه، وقد يصادف في المسجد جنازة فيصلي عليها، وقد يخبر في المسجد أن فلاناً مريض فيعوده، أو أن فلاناً قد مات له ميت فيعزيه.. وهكذا صلاة الجماعة سبب لخير كثير؛ لذلك قال الإمام الشوكاني رحمه الله: لا يخل بالمحافظة عليها إلا محروم مشئوم.

    1.   

    حكم صلاة الجماعة

    القول بأن صلاة الجماعة سنة مؤكدة

    حكم صلاة الجماعة مختلف فيه:

    فيقول المالكية رحمهم الله: صلاة الجماعة سنة مؤكدة في الفرض غير الجمعة، أما الجمعة فشرطها الجماعة، أي أن صلاة الجمعة لا تصح إلا في جماعة، أي: لا يصح مثلاً أن أقوم أنا في بيتي منفرداً فأؤذن للظهر، ثم أقوم فأخطب الخطبة الأولى، ثم الثانية، وأصلي ركعتين؛ لأن الجمعة أصلاً مشتقة من الجماعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي معنا الحديث في أحكام صلاة الجمعة-: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة) فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم لصحة الجمعة حصول الجماعة، أما الصلوات الخمس فصلاة الجماعة فيها عند المالكية سنة مؤكدة.

    والدليل على أن صلاة الجماعة سنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، وفي حديث أبي هريرة : (بخمسة وعشرين جزءاً).

    فعندنا هاتان الروايتان، في أحدهما: سبع وعشرون، وفي الأخرى: خمس وعشرون، وقد تعددت أوجه أهل العلم رحمهم الله في الجمع بين هاتين الروايتين:

    فرجع بعضهم رواية الخمس؛ لكثرة رواتها.

    ورجح آخرون رواية السبع؛ لأن فيها زيادة للعدل الثقة، وزيادة العدل الثقة مقبولة.

    وقال بعضهم: ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، كما في أصول الفقه؛ لأن المفهومات عند الأصوليين متعددة: فهناك مفهوم اللقب، ومفهوم العدد، ومفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم المخالفة، فمفهوم العدد بعض أهل العلم كالحنفية لا يقولون به أصلاً، فمثلاً: قول الله عز وجل: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ[التوبة:80]، فهل لو استغفر لهم مائة مرة سيغفر الله لهم؟ الجواب: لا، والعدد لا مفهوم له، فههنا أيضاً قالوا: العدد لا مفهوم له، وإنما المراد أن الثواب كثير، وفرضوا هذا في جميع الأعداد الواردة في الجزاء على الأعمال، مثل قول الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة[البقرة:261] ثم قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ[البقرة:261].

    ومثله قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة كاملة، فإن عملها فاكتبوها عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة) فليست القضية أنها تسعيرة لا تزيد ولا تنقص بل هي بحسب نية الإنسان، وجودة عمله، وإخلاصه لله عز وجل، فالثواب يتفاوت، لأسباب متعددة، فهنا قالوا: مفهوم العدد غير مراد، وذكر القليل لا ينفيه الكثير.

    الوجه الثالث: قيل: أخبر بالخمس والعشرين، ثم أخبره الله بزيادة الفضل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن صلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين جزءاً) هكذا أخبر عليه الصلاة والسلام، ثم أوحى الله إليه أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.

    الوجه الرابع: قالوا: إن الفرق باعتبار قرب المسجد وبعده، أي: أنها خمس وعشرون درجة للمسجد القريب، وسبع وعشرون للمسجد البعيد، ويدل على هذا المعنى أن أحد الصحابة رضوان الله عليهم كما يقول الصحابة عنه: كنا لا نعلم رجلاً أبعد ممشى إلى المسجد منه، وكان لا تفوته أو لا تخطئه صلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا له: لو ابتعت حماراً تركبه في الليلة الظلماء، وفي الليلة الشاتية، فقال: والله ما يسرني أن بيتي معلق طنبه بطنب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرجو أن يكتب الله لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي منه، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (قد جمع الله لك ذلك كله) أي: أن الدرجات مكتوبة لك في الذهاب وفي الرجوع، فقالوا: كلما كان المسجد أبعد؛ كانت الحسنات أكثر.

    الوجه الخامس: أن الفرق باعتبار حال المصلي، كأن يكون أعلم، أو أخشع، فنحن نصلي في المسجد بجوار بعضنا، ولكن أجرنا ليس سواء، فبعض الناس يصلي في المسجد ويخرج بالحسنات كاملة، وبعض الناس يصلي ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، أو سدسها، أو سبعها، أو ثمنها، أو تسعها، أو عشرها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فليس الناس في الأجر سواء، فالفرق باعتبار حال المصلين، فبعضهم أعلم من بعض بالصلاة وأحكامها وسننها وآدابها، وبعضهم: قلبه أخشع وأسكن وأكثر طمأنينة، وكما قال العلماء: الخشوع نوعان: خشوع الجوارح، وخشوع القلب، فإذا كانت الجوارح خاشعةً والقلب غافلاً فإن هذا الخشوع يسمى خشوع المنافقين، وهو أن يقف الإنسان في صلاته ساكناً لا يتحرك، لكن قلبه في واد آخر، وكان بعض السلف يقول: نعوذ بالله من خشوع النفاق.

    الوجه السادس: أن الفرق بإيقاعها في المسجد أو غيره، أي: أن من صلى في المسجد فله سبع وعشرون، ومن صلى مع الزوجة والعيال في البيت فله خمس وعشرون، وكذلك من صلى أمام الدكان وصلى جماعة معه فله خمس وعشرون، وهذا كما يصنع بعض الناس في رمضان في صلاة المغرب.

    الوجه السابع: أن الفرق بالمنتظر للصلاة وغير المنتظر، فإنسان صلى المغرب، وجلس ينتظر العشاء؛ فله سبع وعشرون، وإنسان صلى المغرب وانصرف، ثم رجع للعشاء فله خمس وعشرون، أو إنسان جاء إلى صلاة المغرب قبل عشر دقائق، فمكث في المسجد، وآخر جاء مع الإقامة؛ فليسوا في الأجر سواء.

    الوجه الثامن: أن الفرق بإدراكها كلها أو بعضها فلو جاء واحد وأدرك تكبيرة الإحرام، وجاء الثاني وأدرك الركوع الأخير فهل هما في الأجر سواء؟ ليسوا سواء.

    الوجه التاسع: أن الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم، فمن صلى في زاوية المصلون فيها عشرة، ليس أجره كمن صلى في الجامع والمصلون فيه ألف أو يزيدون.

    الوجه العاشر: أن السبع والعشرين درجة مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: الفجر والعصر، وأن الخمس والعشرين مختصة بالصلوات الأخرى.

    الحادي عشر: أن السبع والعشرين للجهرية، والخمس والعشرين للسرية، ورجح هذا الحافظ ابن حجر في الفتح، والصلوات الجهرية هي:

    الصبح، والجمعة، والأوليان من المغرب والعشاء، فالفضل فيها بسبع وعشرين، لماذا؟ لاعتبار زيادة العمل فيها؛ لأن الصلاة المعروف أنها اشتملت على أكثر العبادات، فالصلاة فيها ركوع، وسجود، وخشوع، وفيها كذلك تسبيح، وتحميد، وتهليل وتكبير، وفيها كذلك صيام؛ لأن الإنسان لا يأكل ولا يشرب في الصلاة، وفيها كذلك الصدقة، فالإنسان يتصدق بوقته، فيترك مكتبه، ويترك حانوته، ويترك عمله، وفيها كذلك الاتصال بالبيت الحرام عن طريق استقبال الكعبة، والصلاة الجهرية فيها عمل أكثر من الصلاة السرية، فالإنسان إذا كان إماماً أو منفرداً يقرأ، وإذا كان مأموماً فإنه يمسك عن القراءة، ففيها زيادة عمل، ويترتب على ذلك زيادة في الأجر ونقول: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ[الجمعة:4]، والعلم عند الله تعالى.

    فخلاصة قول المالكية رحمهم الله، ومعهم الحنفية: أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة أي: أن من أدى صلاة الجماعة في المسجد فأجره مضاعف، ومن صلى وحده فصلاته صحيحة، لكنه فوت على نفسه الأجر الكثير.

    القول بوجوب صلاة الجماعة

    القول الثاني: أن صلاة الجماعة واجبة وهو قول: عطاء بن أبي رباح و الأوزاعي و إسحاق بن راهويه و أحمد بن حنبل و أبو بكر بن المنذر و ابن حبان و ابن خزيمة ، وأهل الظاهر وهم أصحاب داود بن علي الظاهري و ابن حزم فمن تركها من غير عذر؛ فهو آثم.

    واستدل المالكية رحمهم الله بقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد …) إلخ.

    قالوا: إن قوله: ((أفضل)) معناه: أن في كلتيهما فضيلة، ولكن إحداهما أفضل من الأخرى، أما الذين يقولون بوجوبها فيقولون: لا، بل إن صلاة الجماعة قد استأثرت بالفضل كله، فصلاة الإنسان فرداً مجزئة وتسقط عنه الواجب، لكنه قد يحمل من الإثم وزراً عظيماً، ودليلهم على هذا القول: حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلى رجال يصلون في بيوتهم؛ فأحرق عليهم بيوتهم).

    واستدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة : (أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! إني أعمى وليس لي قائد يلائمني، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، هل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فأذن له، فلما ولى دعاه قال: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) رواه مسلم .

    واستدلوا بأثر ابن مسعود قال: ولقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وجه الدلالة من هذه الأدلة:

    الدليل الأول: وهو حديث أبي هريرة المروي في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الصبح).

    ومعناه: أن الصلاة على المنافقين كلها ثقيلة، لكن هاتان الصلاتان أعظم ثقلاً، قال: (ولو يعلمون ما فيهما) أي: من الأجر والثواب، (لأتوهما ولو حبواً) كما يحبوا الصغير على يديه وركبتيه أو على استه.

    قال عليه الصلاة والسلام: (ولقد هممت) والهم: هو العزم، (أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلى رجال يصلون في بيوتهم فأحرق عليهم بيوتهم)، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على التحريق، والتحريق عقوبة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعاقب الناس على أنهم تركوا صيام الإثنين والخميس -مثلاً- أو على أنهم تركوا ركعتين بعد صلاة المغرب، بل في حديث الأعرابي أنه لما عرف أن الصلوات خمس، وأن الصيام المفروض هو صيام رمضان، وأن الحج مرة، قال: (والله! لا أزيد عليها ولا أنقص، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق).

    فكون النبي صلى الله عليه وسلم نوى تحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، دل ذلك على أن صلاة الجماعة واجبة.

    لكن المالكية والحنفية ردوا عليهم فقالوا: إذا كانت صلاة الجماعة واجبة فكيف يتركها الرسول صلى الله عليه وسلم ويذهب ليحرق بيوت المتخلفين عنها، فقيل لهم: لا، بل سيرجع ويصليها بعدما يحرق بيوتهم، أو أنه يصلي الجماعة ثم يذهب ليحرق بيوتهم لتخلفهم عن صلاة الجماعة.

    فرد عليهم المالكية والحنفية وقالوا: عقوبة التحريق لا تكون إلا للكفار، وهي ليست للمسلمين، فدل ذلك على أن القوم كانوا منافقين، وليسوا مسلمين أصلاً، فتحريق البيوت ليست لترك أهلها الجماعة بل لنفاقهم ولم يذكر عنه أنه أحرق بيت مسلم؛ لأنه يصلي في بيته.

    فرد عليهم الحنابلة ومن معهم بقولهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن المنافق كافر في الباطن لا تقبل صلاته، ولا تنفعه سواء أوقعها في البيت أو أوقعها في المسجد، أي: المنافق الذي قلبه انطوى على الكفر لو صلى لا تنفعه صلاته سواء صلى إماماً بالناس أو صلى في الصف الأول ما يزيده ذلك من الله إلا بعداً.

    فقال المالكية والحنفية: إن هذا الحديث منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد).

    فردوا عليهم بقولهم: أين دليل النسخ؟ وأين الدليل على أن هذا الحديث كان بعد هذا؟ لأن هذا الناسخ الذي زعمتم متأخر عن المنسوخ، وبين القوم أجوبة ومطاولات.

    فأتى الحنابلة ومن معهم بالحديث الذي بعده وهو حديث الأعمى الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إني أعمى وليس لي قائد يلازمني، والمدينة كثيرة الهوام والسباع أتجد لي رخصة؟) طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الترخيص، والترخيص: هو التسهيل والتيسير، فقال: أتجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن له وقال: ( صلِ في بيتك ) فلما ولى دعاه وقال: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص للأعمى ترك الجماعة فكيف بالبصير، والحديث صحيح رواه مسلم و النسائي.

    وفي الحديث إشكالان:

    الإشكال الأول: كيف أذن له النبي صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم ألزمه ثانياً، قالوا: الإذن أولاً من الرسول صلى الله عليه وسلم، والإلزام ثانياً جاء بوحي من الله، فالرسول اجتهد لكون الرجل أعمى فعذَرَه وأذن له أن يصلي في بيته، ومثل ذلك إذنه للمنافقين في غزوة تبوك اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم؛ فعاتبه الله بقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ[التوبة:43] فهنا أيضاً قالوا: ترخيصه للأعمى كان اجتهاداً منه، وهذا الاجتهاد منع بالوحي، وقيل: إن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أتجد لي رخصة أن أصلي في بيتي أي: ويكون لي أجر الجماعة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا، أجب ).

    ويترتب على هذا الإشكال إشكال ثان: وهو ألم يقل الله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ َ[النور:61]؟ وهذه تكررت مرتين في القرآن في سورة النور، وفي سورة الفتح لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ َ[النور:61]، فهو أعمى وليس عنده قائد يقوده، والمدينة لم تكن شوارعها مرصوفة، ولا كانت فيها الأنوار، وهي كثيرة الهوام والسباع، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يأذن له بترك الجماعة؛ ففي هذا غاية الحرج.

    رد الحنفية والمالكية عن ذلك بقولهم: قد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأعمى تعييناً يستطيع أن يصل إلى المسجد بدون قائد؛ لفرط ذكائه كما هو حال كثير من العميان؛ فألزمه بالحضور، فقد تجد أحياناً أعمى يمشي إلى المكان وحده، وبدون قائد، ومن لا يعرفه يحسبه بصيراً؛ إما لأنه كان يتردد عليه قبل العمى، أو لأنه ذكي ألمعي، ولذلك قد تجد بعض العميان يسلم على الإنسان، وقد طالت الدهور بينهم، فبمجرد أن يسمعه يعرفه؛ لأن الله عز وجل عوضه حاسة بحاسة.

    الدليل الثالث: وهو أثر ابن مسعود ، قال رضي الله عنه: يا أيها الناس! من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، فلو أنكم صليتم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم؛ لضللتم، قال: ولقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.

    هذا الكلام الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه لو طبقناه الآن على المسلمين فكم يوجد من المنافقين؟ وإذا قُرنت صلاة الصبح بصلاة الجمعة في سائر المساجد؛ ففي صلاة الجمعة أكثر الناس يصلون في المسجد، ولربما يصلون تحت حرارة الشمس في الشارع، أما صلاة الصبح فنجد الناس يعدون بالأصابع، وبقية الناس أين هم؟ والذي فرض الجمعة هو الذي فرض الصبح، لكن كما قال صلى الله عليه وسلم: (أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الصبح).

    وفي بعض الأحاديث قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدكم أنه يجد عظماً سميناً)لو عرف أن المسجد فيه لحم (أو مرماتين حسنتين)وهو لحم الضلوع (لشهد العشاء الآخرة).

    القول بأن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة

    القول الثالث: أن صلاة الجماعة شرط في صحة الصلاة، فالذي يصلي في بيته صلاته باطلة، وهذا قول الظاهرية، والبعض كالشافعية قالوا: إن صلاة الجماعة فرض كفاية.

    وخلاصة ما قاله العلماء رحمهم الله في صلاة الجماعة، والتي ذكرها الشوكاني رحمه الله: أنه لا يخل بالمحافظة عليها إلا محروم مشئوم، وأعيذك بالله ونفسي أن نكون من هؤلاء المحرومين المشئومين؛ لأن في ترك الجماعة في المسجد هجر لبيوت الله عز وجل، وهذا لا يجوز، قال الله عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ[النور:36-37]، فالرجل صلاته في المسجد.

    بم تدرك صلاة الجماعة؟

    تدرك صلاة الجماعة بإدراك ركعة مع الإمام، وذلك بأن يركع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، وإن لم يطمئن إلا بعد اعتدال الإمام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام؛ فقد أدرك الصلاة).

    مثال ذلك: صلاة العشاء في الحضر أربع ركعات، وجئت متأخراً فما أدركت إلا الركوع الأخير وهو ركوع الركعة الرابعة، لكني أدركت الإمام قبل أن يقيم صلبه، فقد أدركت الركعة كاملة، وبالتالي أدركت صلاة الجماعة ولو لم أطمئن -والطمأنينة هي استقرار الأعضاء- إلا بعد اعتدال الإمام، فأنا بذلك أدركت فضل الجماعة، ومعنى ذلك: أن من أدرك التشهد فليس له حكم الجماعةُ، من أدرك الإمام بعدما قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة؛ فليس له حكم الجماعة، أما من ناحية الفضل فالله أعلم بذلك فهل أدرك فضل الجماعة أو لم يدرك؟ الله أعلم.

    ولو أن رجلاً تأخر عن الجماعة؛ لأنه كان مشغولاً بتمريض أبيه، أو أمه، وآخر تأخر عن الجماعة؛ لأن هناك مباراة فليس هذا والأول سواء.

    ومن أخطاء المصلين أنه إن أدرك الإمام راكعاً أحدث أصواتاً من فرط سرعته ولربما قال للإمام: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[البقرة:153] ليتأخر الإمام في الركوع فيدرك معه الركعة، وهذا جهل منه.

    ومن الأخطاء: أنه إن أدرك الإمام راكعاً؛ كبر وركع ونوى بهذه التكبيرة الانتقال إلى الركوع، فصلاته باطلة؛ لأنه يكبر تكبيرة الإحرام.

    1.   

    فضل الإمامة

    الإمامة من أشرف المناصب وأرفعها، ويكفي الإمامة شرفاً: أنه تولاها خير خلق الله صلى الله عليه وسلم، وأنه في حياته المباركة عليه الصلاة والسلام، منذ أن فرض الله الصلاة إلى أن توفاه الله ما تخلف عن إمامة المسلمين سوى خمس عشرة صلاة، وهي: ثلاثة أيام قبل أن يتوفاه الله؛ لأنه ما استطاع أن يصلي بهم أصلاً، فبعدما كان يصلي بهم قائماً، صلى بهم قاعداً، ثم عجز عن الخروج أصلاً، وذلك عندما أمر عليه الصلاة والسلام بماء؛ فوضع له في المخضب؛ فاغتسل عليه الصلاة والسلام، فلما أراد القيام أغشي عليه، فأمر بماء فوضع في المخضب؛ فاغتسل فلما أراد القيام أغشي عليه، فسأل: (هل صلى الناس؟) قالوا: لا، فأمر بماء فوضع له في المخضب؛ فاغتسل فلما أراد القيام أغشي عليه فسأل: أصلى الناس؟ قالوا: لا، هكذا سبع مرات، كلما أراد أن ينهض عليه الصلاة والسلام أغشي عليه، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) لذلك كانت الإمامة أشرف المناصب.

    ومن أدلة شرفها: أن الصحابة لما قدموا أبا بكر خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاكماً على المسلمين، استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله إماماً في الصلاة وقالوا: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا؛ أفلا نرضاك لدنيانا!

    ومن فضل الإمامة كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للأئمة فقال: (اللهم! أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين، الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن).

    1.   

    شروط الإمامة

    الإمامة من أشرف المناصب وأجلها وأرفعها؛ لذا كان لا بد لها من شروط؛ لأن الإمامة العظمى وهي رئاسة الدولة أو الخلافة لها شروط كذلك، فلا يصلح كل شخص للإمامة في الصلاة:

    والشروط المعتبرة للإمام عند المالكية هي:

    أول شرط: الذكورة، فلا تصلي بالناس امرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم) فالمالكية رحمهم الله استدلوا بهذا الحديث على: أن المرأة لا تؤم رجالاً، ولا نساء، وهذا خلاف قول الجمهور الذين قالوا: إن المرأة تصلي بالنساء وتقف في وسطهن، ولم يخالف في عدم جواز إمامة المرأة الرجال في الصلاة إلا الإمام الطبري لو صحت الرواية عنه، والإجماع منعقد على أن المرأة لا تؤم الرجال.

    ووجه استدلال المالكية في عدم جواز إمامتها للرجال والنساء: أن كلمة القوم معني بها الرجال، والدليل أن الله عز وجل قال: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ[الحجرات:11] ثم قال: وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ[الحجرات:11] واستدلوا بقول القائل:

    وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء

    والمقصود أرجال آل حصن أم نساء

    والصحيح -والعلم عند الله تعالى- هو قول الجمهور، وهو أن المرأة تصلي بالنساء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لـأم ورقة رضي الله عنها أن تتخذ مؤذناً، وأن تؤم نساء دارها.

    الشرط الثاني: الإسلام، وهذا لا نقاش فيه؛ لأن الكافر لا يصح منه عمل أصلاً، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[الفرقان:23].

    وقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ[النور:39].

    وقال: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِف[إبراهيم:18].

    وقال: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[الأنعام:88].

    الشرط الثالث: العقل؛ فالمجنون لا تصح إمامته، وكذلك السكران، لأن قد يصلي العشاء ركعتين، والفجر ثمان وقد يركع في الركعة الواحدة ثلاث ركعات، وقد يفعل الأفاعيل المبطلة للصلاة.

    الشرط الرابع: البلوغ، فلا تصح إمامة الصبي؛ لأن الصلاة في حقه نافلة.

    وعند المالكية: لا يصح أن يأتم المفترض بالمتنفل، ومثلهم الحنفية في عدم جواز إمامة الصبي، وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في قول له، لكن الصحيح أنه يجوز أن يصلي الصبي بالناس، ولا فرق في ذلك بين فريضة أو نافلة، ودليل ذلك: حديث عمرو بن سلمة الذي رواه البخاري قال: (لما كانت وقعة الفتح؛ قدم الناس بإسلامهم وبادر أبي بإسلام قومه ثم جاءنا فقال: قدمت من عند رسول الله حقاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن أحدكم؛ وليؤمكم أكثركم قرآناً؛ فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين، وكانت علي بردة، وكنت إذا سجدت تقلصت عني البردة -يعني: إزار صغير فكان إذا سجد تقلصت البردة- فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا سوءة قارئكم؟ قال: فاشتروا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص).

    الشاهد من الحديث أنه صلى بالناس وهو ابن ست أو سبع وهو صبي.