إسلام ويب

تفسير من سورة الشمس إلى سورة الشرحللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تُعدُّ سورة الشمس والليل والضحى والشرح من السور المكية التي نزلت في فترة حرجة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد احتوت على دروس وفوائد عظيمة، ومنها: أن العظيم لا يقسم إلا بعظيم، وقد أقسم الله في هذه السور بعدد من مخلوقاته العظيمة والعجيبة، وبيان عاقبة من حاد الله ورسوله من الأمم السابقة، وفضل الجود والإنفاق في سبيل الله، وذم الشح والبخل وبيان عاقبته، وذكر النعم والمنن التي امتن الله بها على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرها من الدروس والفوائد العظيمة. فعلى المسلم أن يقف مع كتاب الله عز وجل متدبراً متأملاً، ليكون له نبراساً ونوراً في طريقه إلى ربه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير سورة الشمس

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فنسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.

    سورة الشمس سورة مكية، اشتملت على خمس عشرة آية، وفيها أربع وخمسون كلمة، ومائتان وأربعون حرفاً، فمن وفقه الله لتلاوتها كتب الله له أربعمائة وألفي حسنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

    وهذه السورة المباركة افتتحت بالقسم، وقد تقدم أن في القرآن تسع عشرة سورة افتتحت بالقسم، وفي هذه السورة المباركة أقسم ربنا جل جلاله بسبعة من مخلوقاته: أقسم بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض والنفس.

    إقسام الله بالشمس وعظيم خلقها وأثرها

    بدأ ربنا جل جلاله هذه السورة بقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا[الشمس:1].

    فأقسم ربنا جل جلاله بالشمس؛ لأنها من عظيم مخلوقاته، وآية من آياته، كما قال سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[يس:37-40].

    والشمس هي الآية التي حج بها إبراهيم عليه السلام النمرود بن كنعان الطاغية المستبد: قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ[البقرة:258].

    والله عز وجل يقسم بالشمس لأنها عظيمة في خلقها وأثرها، عظيمة الحرارة والضوء على مر الزمان بلا انتقاص.

    يقول العلامة الشيخ عطية رحمه الله في أضواء البيان: قال أهل العلم من أهل الفلك: لو أن الشمس اقتربت من الأرض قليلاً أو ابتعدت عن الأرض قليلاً ما أدت مفعولها ولا وظيفتها؛ فلو ابتعدت قليلاً تجمدت المخلوقات، ولو اقتربت قليلاً احترق العالم. ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[يس:38].

    فيقسم الله عز وجل بالشمس وضحاها، وضحى الشمس هو: انتشار لضوئها من حين طلوعها وارتفاعها قدر رمح -فيما يظهر للرائي- إلى قبيل الزوال بربع ساعة تقريباً.

    وقال بعض أهل التفسير: الضحى المقصود به هاهنا وفي قوله تعالى: وَالضُّحَى[الضحى:1]: الساعة التي خر السحرة فيها ساجدين. بيانه: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى[طه:59] فأقسم ربنا بالشمس وضحاها.

    إقسام الله بالقمر وعظيم خلقه وأثره

    أقسم تعالى بالقمر، فقال: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا[الشمس:2]، وهو أيضاً من عظيم مخلوقات الله عز وجل، فيخفف ظلمة الليل، وجعله الله عز وجل ميقاتاً للناس في زكاتهم، وصيامهم، وإفطارهم، وحجهم، وحساب حول زكاتهم، وعدة المرأة إذا طلقت أو توفي عنها زوجها، وليس عندها ما تحسب به إلا هذا القمر، وقد أعلى الله عز وجل قدره فأقسم به في القرآن فقال: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ[الانشقاق:17-18] أي: إذا اكتمل.

    وقول الله عز وجل: كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ[المدثر:32-34].

    فيقسم ربنا بالقمر إذا غربت الشمس، ثم ظهر القمر وتلاها وتبعها في بعض أيام الشهر، وعلى العكس في أيام أخرى.

    قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: ابتدئ القسم في هذه السورة بالشمس إيماء لشأن الإسلام أنه سينتشر انتشار الشمس بحيث لا يترك للضلال مسلكاً، وإيماء لعموم نوره في الكون كما عَمَّ نور الشمس. ومصداق كلامه رحمه الله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار)، فأقسـم ربنا بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها.

    إقسام الله بآيتي الليل والنهار

    أقسم الله أيضاً بالنهار إذا جلاها فقال: وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا[الشمس:3] أي: النهار إذا جلى ضوء الشمس.

    وقال ابن كثير رحمه الله: الضمير يرجع إلى الأرض وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، أي: كشف الأرض بحيث ينتشر الناس آمنين.

    وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا[الشمس:4] فيغطي الأرض ويغطي الشمس.

    فهاتان الآيتان لا ينتبه إليهما الناس، لكن الله عز وجل نبهنا إلى أن الليل والنهار آيتان من آيات الله كما أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله.

    وربنا سبحانه وتعالى بين أنه لو لم ينعم علينا بنعمة الليل ومثلها نعمة النهار ما استطاع أحد أن يأتي بها: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[القصص:71-73]. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[الفرقان:62]

    الليل آية من آيات الله، والنهار آية من آيات الله، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا[الفرقان:47]، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا[النبأ:10-11]، هذه آية من آيات الله.

    إقسام الله بالسماء والأرض وعظيم بنيانهما

    قال تعالى: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا[الشمس:5].

    قال بعض أهل التفسير: (ما) هنا بمعنى من، أي: السماء ومن بناها؟ والمقصود رب العزة جل جلاله، كما في قوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ[الكافرون:3]، أي: من أعبد جل جلاله؟

    وقوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ[النساء:3]، أي: من طاب لكم من النساء؟ فـ (ما) تقام مقام من أحياناً، وقال بعضهم: بل (ما) مصدرية، والمعنى: والسماء وبناءها.

    فيقسم الله عز وجل بهذه السماء التي رفعها بغير عمد، والتي لفت إليها الأنطار في كثير من آيات القرآن فقال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ[ق:6].

    وفي سورة الملك أمرنا الله عز وجل بأن نكرر البصر إلى هذه السماء لننظر هل فيها من فطور؟ هل فيها من شقوق؟ لا، إنها من آيات الله جل جلاله.

    وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا[الشمس:6] طحاها بمعنى دحاها، وكما في سورة النازعات: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا[النازعات:30] أي: كورها؛ لأن دحاها وطحاها بمعنى واحد.

    معاني النفس في القرآن

    قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا[الشمس:7]

    اعلموا بارك الله فيكم أن النفس في القرآن تطلق ويراد بها أربعة معاني:

    كلمة النفس تطلق ويراد بها الروح، ومنه قول الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ[الأنعام:93]، أي: أرواحكم.

    وتطلق النفس ويراد بها مجموع الروح والجسد مع بعضهما، كما في هذه الآية: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا[الشمس:7]، أي: سوى خلقتها فجعلها معتدلة مستقيمة، وسوى فطرتها فجعلها فطرة قويمة.

    وتطلق النفس ويراد بها القلب، كما في قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ[الأعراف:205]، أي: في قلبك. تَضَرُّعًا وَخِيفَةً[الأعراف:205].

    وقول الله عز وجل في شأن قصة يوسف: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ[يوسف:77] أي: في قلبه.

    وتطلق النفس على القوة المفكرة المدبرة، كما في قول الله عز وجل: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى[النازعات:40]، وقول الله عز وجل: وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ[القيامة:2].

    فيقسم ربنا بهذه النفس التي فيها عجائب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا[الشمس:7] أي: ومن سواها جل جلاله أو وتسويتها.

    إلهام الله للنفوس فجورها وتقواها

    يقول ربنا سبحانه: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[الشمس:8]، الإلهام علم يحصل من غير تعليم من الله جل جلاله.

    فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[الشمس:8] التقوى: الطاعة والخير، والفجور: المعصية والشر. وهذا كله بقدر الله.

    روى الإمام مسلم عن أبي الأسود الدؤلي رحمه الله: أن عمران بن حصين رضي الله عنه سأله فقال له: أرأيت ما يسعى الناس فيه ويتكادحون، أأمر قدر عليهم فيما مضى وسبق، أم أمر يستقبلونه فيما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت: بل أمر قدره الله عليهم وسبق، فكل شيء بقدر، فقال: أترى ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت فزعاً شديداً، وقلت له: ليس ظلماً بل الله عز وجل لا يسأل عما يفعل، فقال لي: سددك الله! إنما سألتك لأختبر عقلك.

    وهذا يؤخذ منه: أن العالم يطرح السؤال على المتعلم من أجل أن يختبره، وإذا كان مخطئاً يسدده ويصححه. قال: إنما سألتك لأختبر عقلك، وإن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أأمر قد قضي فيما سبق وقدر أم أمر يستقبلونه وتقوم الحجة به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أمر قد قدر. قال: ففيم الحساب؟ -إذا كان شيء مقدر وكتب الفجور وكتبت التقوى- قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .

    فلاح الأنفس بالطاعات وخسرانها بالمعاصي

    قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا[الشمس:9] أي: من زكى نفسه وطهرها بالطاعات وبالإيمان، والتزكية في القرآن تنسب إلى الله بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ[النساء:49] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا[النور:21].

    وأحياناً تنسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ[الجمعة:2]، خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا[التوبة:103].

    وأحياناً تنسب إلى الشخص، ومنه قوله في هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا[الشمس:9].

    تزكية النفس تكون بالطاعات، الصلاة، الطهارة، الزكاة، الصيام، ذكر الله، قراءة القرآن، الدعاء، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الدعوة إلى الله.. كل هذا تزكية للنفس.

    ثم كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) فالتزكية من الله عز وجل.

    وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[الشمس:10] قال أهل التفسير: دساها بالمعاصي، دساها أخفاها.

    قال الإمام القرطبي : فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها، قال: وكذا الفاجر أبدا خفي المكان، فهو غامض الشخص، ناكس الرأس، زمر المروءة. أي: قليل المروءة. هذا هو الفاجر والعياذ بالله.

    وقال بعض أهل التفسير: أخفاها في أهل الطاعات وهو ليس منهم.

    (خاب من دساها) أي: يدس نفسه ويسلك بنفسه مع الصالحين وهو ليس منهم.. يسلك نفسه مع الصالحين ببعض المظاهر والأشكال، وهو يعلم من حاله أنه ليس صالحاً، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[ الشمس:9-10].

    قتل ثمود لناقة الله

    ذكر ربنا قصة أولئك القوم العتاة الجبابرة الذين ذكروا في سورة الفجر: وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ[الفجر:9] جابوا: قطعوا، فقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين.

    قال الله عز وجل: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا[الشمس:11]، أي: بسبب طغيانها وعتوها وجبروتها وكبرها.

    إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا[الشمس:12] رجل اسمه قدار بن سالف عارم عزيز في قومه، كان معجباً بنفسه معتزاً برهطه، هذا الرجل انبعث فاعتدى على الناقة، وكانوا ثمود قد طلبوا من صالح آية. ما الآية التي تريدون؟ قالوا: نريد ناقة كوماء، أي: ضخمة، وكثيرة اللبن، فيكون لبنها في الشتاء دافئاً، وفي الصيف بارداً. هكذا طلبوا آية على مزاجهم، فدعا الله عز وجل فانشقت صخرة، وخرجت منها الناقة على الصفة المذكورة، قال لهم صالح: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ[الشعراء:155]، هذه ناقة تشرب في يوم، ثم أنتم تشربون في اليوم الذي بعده. هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[الأعراف:73]، لكن القوم كانوا جبارين عتاة شياطين؛ فحرضوا هذا الخبيث قدار بن سالف، فانبعث أشقى القوم، وكان صالح عليه السلام قد حذرهم: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا[الشمس:13] (فقال لهم رسول الله) صالح. (ناقة الله) احذروا ناقة الله وسقياها، ولا تمسوها بسوء. قال أهل التفسير: الإضافة إلى الله للتشريف، ومعلوم بأن النوق كلها لله، لكن الإضافة للتشريف.. احذروا ناقة الله وسقياها.

    فَكَذَّبُوهُ[الشمس:14] وقالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من المرسلين، قال الله على ألسنتهم : ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ[الأعراف:77]. مثلما قال قوم لوط وقوم هود.

    الراضي بالمنكر كالفاعل له

    فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا[الشمس:14] مع أن العاقر واحد، وانتبهوا أن الله نسب الفعل للجميع؛ لأنهم كانوا راضين، فالمنكر إذا فعل ولم ينكره الإنسان لا بيده ولا بلسانه ولا كرهه بقلبه فحكمه حكم الفاعل، فلذلك الله عز وجل نسب الفعل للجميع، وأنزل العذاب على الجميع.

    فَعَقَرُوهَا )) قال قتادة رحمه الله: بلغني أن الشقي ما عقرها إلا بعدما بايعه كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم، بل كانوا يريدون أكثر من ذلك.. كانوا يريدون قتل صالح، قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ[النمل:49]، قال الله عز وجل: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ[النمل:50-51].

    إهلاك الله لثمود

    قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا[الشمس:14]، قال القرطبي رحمه الله: الدمدمة إهلاك مع استئصال، وبين ربنا جل جلاله صفة الإهلاك في آيات أخرى: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ[القمر:31] فكان هذا حالهم.

    فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا[الشمس:14] سواها فيها تفسيران: فقيل: سوى بينهم في العقوبة. وقيل: سوى عليهم الأرض ودفنهم بعدما أرسل عليهم الصاعقة.

    قال سبحانه: وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا[الشمس:15] الله أكبر، الله عز وجل يقول عن نفسه: أنا لا أخاف عاقبة الفعل، وقد قال في الحديث القدسي في صحيح مسلم من رواية أبي ذر : (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    فالله عز وجل لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[فصلت:46]، نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين.

    1.   

    تفسير سورة الليل

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.

    سورة الليل سورة مكية، اشتملت على إحدى وعشرين آية، في إحدى وسبعين كلمة، في ثلاثمائة وعشرة أحرف. وهذه السورة من قرأها له من الحسنات ثلاثة آلاف ومائة حسنة وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[البقرة:261].

    وهذه السورة كسابقتها افتتحت بالقسم، وتقدم أن سورة الشمس قد أقسم الله فيها بسبعة من مخلوقاته، وفي هذه السورة أقسم الله عز وجل بثلاثة من مخلوقاته.

    إقسام الله بالليل والنهار

    قال الله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى[الليل:1-3].

    أقسم ربنا سبحانه بالليل إذا يغشى الكون بظلامه ويغطيه بظلمته، وأقسم ربنا جل جلاله بالنهار إذا تجلى بضوئه وأسفر بنوره، والليل والنهار آيتان من آيات الله ذكرهما ربنا جل جلاله في كثير من آياته، وبين أنهما من آثار رحمته: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[القصص:73]. وأنه لا أحد سوى الله يستطيع أن يأتي بالليل أو بالنهار: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ[القصص:71-72].

    قوله: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى[الليل:3].

    قال بعض أهل التفسير: (ما) بمعنى من، كما في قول الله عز وجل: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا[الشمس:5] أي: ومن بناها الله جل جلاله، ومن خلق الذكر والأنثى، فيقسم ربنا بذاته. وقال بعض أهل التفسير: (ما) مصدرية، أي: والذكر والأنثى.

    والمقسم عليه قول الله عز وجل: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى[الليل:4]، فالناس في هذه الدنيا سعيهم مختلف؛ فمن فاعل خيراً، ومن فاعل شراً، ومن فاعل لرضا الله، ومن فاعل لرضا الناس، ومن آمر بالمعروف وناه عن المنكر، ومن ناه عن المعروف وآمر بالمنكر.

    بيان جزاء من أعطى واتقى وصدق بالحسنى

    يقول الله عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[الليل:5-7].

    فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى[الليل:5] قال قتادة رحمه الله: أي: أعطى حق الله، واتقى محارم الله، والحسنى هي: الإسلام. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الجنة. ويشهد لهذا قول الله عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ[يونس:26].

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الحسنى، أي: أيقن بالخلف من الله، وأن الله عز وجل سيخلف عليه.

    وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى[الليل:6] صدق بالإسلام، بلا إله إلا الله، بالجنة، بأن الله سيخلف عليه.

    فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[الليل:7] سنيسره للخصلة الميسرة المؤدية إلى الخير الباعثة على الهدى.

    هذه الآيات نزلت مبشرة جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه، هذا التقي النقي الجواد الكريم الباذل ماله في رضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    مر على بلال رضي الله عنه وقد ألقي في حر الشمس بعد أن أجاعوه وعطشوه ووضعوا على صدره الصخرة العظيمة، ودفعوه إلى غلمان قريش يتقاذفونه كالكرة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أمية! أما آن لك أن ترحم هذا المسكين؟! أما تتقي الله فيه؟ فقال له الكافر الخبيث: يا أبا بكر! أنت الذي أفسدته، فإن شئت خلصه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بكم تبيعه؟ قال: بعشر أواق. فذهب أبو بكر رضي الله عنه فعد المال نقداً، ثم جاء به إلى أمية ، وبعدما أمسك الخبيث بماله قال: أما لو أبيت إلا أوقية لبعتك، قال أبو بكر : والله لو أبيت إلا مائة لاشتريت. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات.

    فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى[الليل:5] أبو بكر رضي الله عنه أعطى حق الله، واتقى محارم الله، وصدق بالخلف من الله عز وجل فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[الليل:7].

    وروى ابن أبي حاتم رحمه الله، عن ابن عباس : أن رجلاً كانت له نخلة فرعها مائل في بيت رجل من الأنصار، فكان هذا الرجل صاحب النخلة إذا صعد ليأخذ شيئاً من تمرها ربما سقط شيء من التمر من الفرع المائل في بيت الأنصاري الفقير، فيأخذ أولاده ذلك التمر فيأكلون منه، فيشرع ذلك الرجل فيجمع التمر، بل ربما يخرجها من فم الصبي الصغير، فاشتكي الفقير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: اذهب، ثم لقي صاحب النخلة، فقال له: يا فلان! أرأيت نخلتك المائل فرعها في دار فلان؟ قال: بلى، قال: أعطنيها ولك بها نخلة في الجنة -فيبدو والله أعلم أن الرجل كان منافقاً- فقال: لقد أعطيت -أي: الثمن طيب- ولكن تمرها أحب إلي من كل شيء، فهو لا يريد أن يبيعها بنخلة في الجنة.

    وكان رجل من الصحابة اسمه ابن الدحداح ويقال له أبو الدحداح، فسمع هذا الكلام، فذهب لذلك الرجل وقال له: أتبيعني نخلتك المائل فرعها في دار فلان، فقال له ذلك الرجل: لعلك سمعت أن محمداً قد أعطاني بها نخلة في الجنة. قال له: بلى. قال له: فإني لا أبيعها إلا بأربعين نخلة. فقال له: نخلتك المائل فرعها بأربعين نخلة لقد سألت عظيماً، قال: لا أريد غير ذلك، فسكت الرجل رضي الله عنه حينا،ً ثم قال له: قد اشتريت. فقال له: إن كنت صادقاً فأشهد من كان حاضراً على أنه قد باعه حائطه الذي حوى أربعين نخلة بتلك النخلة المائل فرعها، فلما تمت الصفقة جاء ابن الدحداح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أرأيت ما قلت لفلان؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو أني قد أعطيتكها أتعطيني نخلة في الجنة؟ قال: بلى. قال: فهي لك يا رسول الله اصنع بها ما شئت.

    فهذا الرجل أعطى تلك النخلة للرسول عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم ذهب للأنصاري الفقير، وقال له: النخلة لك ولعيالك، وما مضى إلا قليل على أبي الدحداح رضي الله عنهما، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يضعه في لحده ويقول: (كم من عذق معلق في الجنة لـأبي الدحداح)، باع فانياً بباقي، وعاجلاً بآجل رضي الله عنه وأرضاه.

    وأنزل الله عز وجل هذه الآيات في شأن هؤلاء، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[الليل:5-7]، يعينه الله عز وجل ويوفقه من خير إلى خير، ومن حسنة إلى حسنة، ومن طاعة إلى طاعة.

    بيان جزاء من بخل واستغنى وكذب بالحسنى

    قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى[الليل:8-10] وأما من بخل -والعياذ بالله- بحق الله، واستغنى عن رحمة الله.

    وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى حين يقول: لا أبيع عاجلاً بآجل، لا أبيع نقداً بنسيئة، لا أبيع حاضراً بغائب.

    فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، أي: سنيسره للخصلة المؤذية القبيحة الشديدة.

    قال أبو حيان رحمه الله: هذا على سبيل المقابلة (فسنيسره لليسرى) (فسنيسره للعسرى) ؛ لأن العسرى لا تيسير فيها.

    وقال العلامة الشيخ عطية رحمة الله عليه: وقد يكون التيسير حقيقياً لا مجازياً؛ فإن المشاهد من حال من خذلهم الله -والعياذ بالله- أن الواحد منهم يجد قبولاً وارتياحاً وتيسيراً في كل حرام، حتى إنه لا يستطعم الحلال، ولا يجد للحلال طعماً.

    قال: وقد حدثوني أن واحداً من الناس قد احترف السرقة، فلما كثر ماله وكبرت سنه ترك السرقة، لكنه لم يصبر عليها، وهو لا يستطيع أن يمارسها بنفسه، قال: فاستأجر رجلاً وأعطاه مالاً ليسرق له ثمراً من بستان فلان، قال: فذهب الرجل المستأجر إلى بستان الرجل الخبيث نفسه، وأتاه بثمرة، فبمجرد ما أكلها لفظها، وقال: لا أجد فيها طعم السرقة، فصار يميز ويستطعم.

    قارنوا حال هذا الرجل بحال أبي بكر الذي كان لا يأكل طعاماً حتى يسأل من أين هو؟ فجاءه غلامه يوماً بطعام و أبو بكر جائع فأكل لقمة، فقال له الغلام: كنت تسألني في كل ليلة، ولم تسألني في هذه الليلة؟ قال: والله ما حملني إلا الجوع، من أين أتيت بها؟ قال له: إني تكهنت لقوم في الجاهلية، أي: ادعيت أني أعرف الغيب وقرأت لهم الكف وضربت الرمل، فجعلوا لي جعلاً، فما أعطوني إلا الليلة، فابتعت لك هذا الطعام. قال أبو بكر : لا إله إلا الله كدت تهلكني، فأخذ رضي الله عنه يشرب الماء ويضع أصبعه في فيه ويتقيأ، قال له بعض الناس: إنها لقمة. قال: والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، فقارنوا هذا بهذا.

    قال الله عز وجل : وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى[الليل:8-11]

    قال الإمام القرطبي رحمه الله: دلت هاتان الآيتان: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى[الليل:5-6]، مع قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[البقرة:3]، وقوله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً[البقرة:274] على: أن الجود من مكارم الأخلاق، وأن البخل من أرذلها، وليس الجواد هو الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطى أجراً وحمداً فهو الجواد، وكل من استحق بالمنع ذماً أو عقاباً فهو البخيل.

    قال الله عز وجل عن هذا البخيل المستغني: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى[الليل:11] أي: إذا هوى وسقط في دركات الجحيم سيندم، ويقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ[الحاقة:28]، لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[الشعراء:88-89]، لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ[الممتحنة:3].

    هداية البيان والإرشاد

    قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى[الليل:12] أي: أن الله عز وجل يقطع على نفسه عهداً بأن يهدي، قال أهل التفسير: الهداية هنا هداية البيان والإرشاد، ولا تعارض هذه الآية قول الله عز وجل: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ[البقرة:2]، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ[المائدة:16] فالهداية هنا بمعنى الدلالة والإرشاد، وهي للناس عامة.

    وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى[الليل:13] أي: لله عز وجل الدنيا والآخرة.

    بيان من يستحق النار

    فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى[الليل:14] أي: ناراً حامية تتلظى وتتلمظ لمجيء الكفار والفجار.

    لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى[الليل:15] أي: لا يقاسي حرها إلا الأشقى. قيل: نزلت في أمية بن خلف .

    الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى[الليل:16] أي: كذب بكلام الله وتولى عن طاعته، وقيل: كذب بقلبه، وتولى بجوارحه، كما في قول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ[الغاشية:23-24].

    إنفاق الصديق وبذله للأموال في سبيل الله

    قال الله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى[الليل:17]، قال ابن كثير رحمه الله: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نازلت في أبي بكر . قال: ولا ريب أن صديق هذه الأمة التقي النقي الجواد الممدح الباذل ماله في رضا الله ورسوله داخل دخولاً أولياً في هذه الآية، فإنه قد بذل ماله لا على الضعفاء والمساكين بل على السادات والرؤساء، ويدلك على ذلك: أن عروة بن مسعود الثقفي يوم الحدييبة كان يفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا محمد! لا يغرنك هؤلاء الذين اجتمعوا حولك فإنهم عما قليل يوشك أن ينفضوا عنك -يمارس معه حرباً نفسية- فقال له أبو بكر : نحن ننفض عنه؟! امصص بظر اللات، فقال عروة : من هذا يا محمد؟ من هذا الفظ الغليظ، قال له: هذا أبو بكر ، فقال عروة بن مسعود : والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لرددت عليك. أي: لولا أنك رجل كريم ورجل باذل، وقد فعلت في معروفاً، وهذا المعروف أنا ما جزيتك به، لكنت رددت عليك هذه الكلمة بمثلها، لكنني لا أستطيع.

    أبو بكر رضي الله عنه نزلت فيه هذه الآية: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى[الليل:18] فينفق ماله، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله ما نفعني مال مثلما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ما بقيت لأحد يد في الإسلام إلا جزيناه بها إلا أبا بكر ، فإن له يداً يجزيه الله بها يوم القيامة)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، رواه مسلم عن أبي ذر .

    وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي يوم القيامة: يا عبد الله! هذا خير ادخل من باب الجنة. قال أبو بكر رضي الله عنه: فهل أحد يدعى من الأبواب كلها يا رسول الله؟ قال: نعم، وأنت منهم يا أبا بكر).

    وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى[الليل:19]

    أبو بكر لما اشترى بلالاً و زنيرة وجارية بني المؤمل وفلاناً وفلاناً من الضعفاء وقال في بلال : لو أبى أمية إلا مائة لاشتريت، قال المشركون: إن لـأبي بكر يداً عند بلال، أي: أبو بكر عمل جميلة في بلال و بلال يريد ردها، قال الله عز وجل: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ [الليل:19] لا بلال ولا غيره مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى[الليل:19-21] أي: هو ما عمل شيئاً من أجل الناس وإنما من أجل الله، قال الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يَرْضَى[الليل:21]، الله أكبر! سيرضى إذ رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وكان معه ولم يفارقه قط في غزاة ولا هجرة ولا سفر ولا حضر، حتى قيل لـعمر رضي الله عنه: أنت خير أم أبو بكر ؟ فبكى رضي الله عنه، وقال: والله ليلة لـأبي بكر مع رسول الله في الغار خير من عمر وآل عمر، وليتني كنت شعرة في صدر أبي بكر ، أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي.

    ثم أرضاه الله بأن يرافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البرزخ، ثم سيرضى يوم البعث الأكبر، وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً بين أبي بكر و عمر وقال: (هكذا نبعث يوم القيامة) نسأل الله أن يحشرنا معهم.

    1.   

    تفسير سورة الضحى

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.

    سورة الضحى هي سورة مكية، اشتملت على إحدى عشر آية، في خمسين كلمة، في مائة واثنين وسبعين حرفاً.

    سبب نزول سورة الضحى

    هذه السورة المباركة يقول عنها سيد قطب رحمه الله: هذه السورة بموضوعها وتعبيرها ومشاهدها وظلالها وإيقاعها لمسة حنان، ونسمة رحمة وطائف من ود، وهي بموضوعها وتعبيرها وظلالها وتصويرها خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وقد نزلت في ظروف خاصة.

    روى البخاري و مسلم من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه: أن امرأة من قريش قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا ودعك!

    وكان الوحي قد أبطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم في فترة، فقالت: -وجاء في بعض الروايات تسميتها بأنها- أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان زوجة أبي لهب التي سماها الله في القرآن حمالة الحطب: ما أرى شيطانك إلا ودعك، فأنزل الله عز وجل هذه السورة: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى[الضحى:1-3].

    إقسام الله بالضحى والليل إذا سجى

    يقسم ربنا جل جلاله بالضحى وبالليل، وقد تقدم القسم بهما في سورة الشمس، وعرفنا بأن الضحى هو: الوقت من طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح -فيما يظهر للرائي- إلى قبيل الزوال، وهذا هو الوقت الذي خر فيه السحرة ساجدين، وذلك عندما حشروا ضحى في مواجهة موسى الكليم عليه الصلاة والسلام.

    فيقسم ربنا بهذا الوقت (والضحى، والليل إذا سجى) يقال: ليلة ساجية إذا غطت بظلامها الكون، ويقال: تسجى فلان بالثوب إذا تغطى.

    والمقسم عليه هو: ( ما ودعك ربك)، أي: ما تركك.

    مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى[الضحى:3] قال أهل التفسير: المعنى وما قلاك، لكن من أجل مراعاة الفواصل قال: (وما قلى)، أي: وما أبغضك منذ أحبك، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما ادخره الله لنبيه في الآخرة أعظم مما أعطاه في الدنيا

    قال الله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى[الضحى:4] أي: ما أعطاه الله عز وجل في الدنيا من شرح الصدر، ورفع الذكر، وحط الوزر، وظهور أمره، وعلو شأنه، وما ألقاه الله عز وجل له من المحبة في قلوب خلقه، كل هذا لا شيء بجوار ما أعد الله له في الآخرة.

    ( وللآخرة خير لك من الأولى ) قال أهل التفسير: أري رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك أمته من بعده فسر بذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ( وللآخرة خير لك من الأولى ) فأعطاه الله عز وجل ألف ألف قصر من لؤلؤ في الجنة، ترابه المسك مع ما ينبغي له.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سألت ربي مسألة وددت أني ما سألته إياها، قلت: يا رب لقد اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، واصطفيت نوحاً على البشر، وجعلت عيسى يحيي الموتى فما أعطيتني؟ قال الله عز وجل له: يا محمد! ألم أجدك يتيماً فآويتك، ووجدتك ضالاً فهديتك، ووجدتك عائلاً فأغنيتك، ألم أشرح لك صدرك، وأضع عنك وزرك، وأرفع لك ذكرك، قلت: بلى يا رب! قال: (وللآخرة خير لك من الأولى)، أعطيتك الكوثر ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، وعدد آنيته بعدد نجوم السماء).

    قال ابن كثير رحمه الله: ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد خلق الله في الدنيا، وأعظمهم اطراحاً لها، حتى أنه لما خير صلوات ربي وسلامه عليه بين الخلد في الدنيا وملكها وبين لقاء الله عز وجل اختار ما عند الله.

    وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، ثم استيقظ وقد أثر الحصير في جنبه، فجعلت أمسح عنه، وأقول: يا رسول الله! هلا آذنتنا لنفرش لك على الحصير شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها).

    وهذا أيضاً تكرر مع عمر رضي الله عنه لما رأى أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى عمر وقال: (يا رسول! كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت أكرم الخلق على الله تنام على مثل هذا؟ فقال له صلى الله عليه وسلم معلماً ومصححاً: يا عمر ! أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: رضيت يا رسول الله! قال: فاحمد الله على ذلك).

    عطاءات الله لنبيه وأمته

    قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[الضحى:5] هذه الآية من أعظم آي القرآن بشارة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويتضح ذلك من سبب نزولها.

    فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل على لسان إبراهيم : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[إبراهيم:36]، وقول عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[المائدة:118]، فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل لجبريل: يا جبريل -وربك أعلم- اذهب إلى محمد فقل له: ما يبكيك؟ فجاء جبريل عليه السلام ثم رجع إلى ربه فأخبره، قال الله عز وجل لجبريل: اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).

    ولذلك قال القائل:

    ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى فحاشاك أن ترضى وفينا معذب

    وقال علي بن أبي طالب : أما نحن أهل البيت فنقول: إن هذه أرجى آية في كتاب الله.

    وبعض أهل التفسير قالوا: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ[الزمر:53] وقال بعضهم: أرجى آية في القرآن: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ[النساء:48]، وقال بعضهم: أرجى آية في القرآن: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا[الرعد:23]، فهي تشمل الظالم المقتصد، والسابق بالخيرات، أما علي رضي الله عنه فيقول: أما نحن أهل البيت فنقول: هذه أرجى آية في القرآن: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[الضحى:5].

    منن الله على نبيه صلى الله عليه وسلم

    المنة الأولى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى[الضحى:6]، أي: يا محمد! قد علم ربك أنك يتيم لا أب لك ولا أم، ومع ذلك آواك ربك، وسخر لك من يكفلك ويرعاك ويقوم على شأنك.

    وقد سئل جعفر الصادق رحمه الله: لم يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه وأمه؟ أبوه مات وهو في بطن أمه، وأمه ماتت لما بلغ السادسة. قال: لئلا تكون لمخلوق عليه منة، وتبقى المنة لله وحده.

    وقال مجاهد بن جبر رحمه الله: اليتيم هاهنا من قول العرب: درة يتيمة، إذا لم يكن هناك مثلها.

    المنة الثانية: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى[الضحى:7]، الضلال هنا قال بعض أهل التفسير: هو عدم معرفة تفاصيل الشريعة. وقال الرازي رحمه الله: أجمع أهل العلم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أشرك بالله قط، وحاشاه عليه الصلاة والسلام.

    فالضلال هنا مستبعد فيه معنى الشرك والكفر والفسق، وهذا كله قد برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالضلال هاهنا معناه: عدم معرفة تفاصيل الشريعة، كما قال ربنا سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا[الشورى:52]، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يدري، وهذا هو معنى الضلال في الآية.

    وقال بعضهم: ووجدك ضالاً، أي: وجدك محباً للهداية فهداك. وقال بعضهم: الضلال هنا بمعنى: المحبة، وأنشدوا في ذلك قول كثير عزة :

    هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققا

    عجباً لـعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا

    بعد الضلال أي: بعد المحبة، لكن لعل هذا المعنى -والله أعلم- بعيد، فالضلال هاهنا معناه الحيرة.

    المنة الثالثة: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى[الضحى:8] أي: وجدك عائلاً فقيراً عديماً ما عندك شيء، وتقول العرب: فلان عائل، وكما في قول جرير :

    الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل

    فالعائل بمعنى: الفقير المعدم.

    فالله عز وجل أغنى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وحتى قد مكنه من مفاتيح خزائن الأرض، فكان عليه الصلاة والسلام تأتيه الغنائم والأنفال كأمثال الجبال، ومن الغنى الذي سكن قلبه لا تغرب عليه الشمس إلا وقد وزعها جميعاً، ولا يصطفي لنفسه شيئاً عليه الصلاة والسلام.

    وقد نظر بعض الأعراب إلى إبل في واد وهو مذهول من كثرتها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتعجبك؟ قال: نعم. قال: فهي لك كلها، فالرجل رجع إلى قومه أشبه بالمجنون، وقال لقومه: يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أي: ليس عطاء معتاداً.

    فالله عز وجل امتن عليه بهذه المنن الثلاث: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى[الضحى:6-8].

    وهنا طرح الرازي رحمه الله سؤالاً فقال: أما ذم الله فرعون لما قال لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا[الشعراء:18]، أي: أن فرعون اللئيم يمتن على موسى الكليم بهذا: كنت تأكل من طعامنا وتشرب من مائنا، والله عز وجل هنا يمتن على محمد صلى الله عليه وسلم.

    وحقيقة أن سؤال الرازي رحمه الله هذا عجيب، فالله عز وجل لا يسأل عما يفعل.

    لكن على كل حال هو طرح هذا السؤال وأجاب بقوله: شتان شتان بين مآن هو الله، ومآن هو فرعون، قال: ثم عاقبة المن مختلفة، ففرعون يقول: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا[الشعراء:18]، ومعنى كلامه: فما بالك لا تعبدني ولا تخدمني، والله عز وجل يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى[الضحى:6-8] فما بالك تقطع عني رجاءك.. ليستمر رجاؤك لسبق نعمي عليك.

    1.   

    توجيهات سماوية للنبي صلى الله عليه وسلم

    ثم ختم ربنا جل جلاله هذه السورة بثلاث توجيهات:

    فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى:9-11].

    واليتيم هو: الذي فقد أباه قبل البلوغ، فلا تقهره، ولا تؤذه، ولا تتسلط عليه.

    وصايا القرآن باليتامى

    قال العلامة الشيخ عطية رحمه الله في أضواء البيان: علم من استقراء القرآن أن الآيات التي أوصت باليتامى على خمسة أنواع:

    النوع الأول: آيات جاءت لدفع المضار عن اليتيم، كقول الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ[الأنعام:152] وكقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا[النساء:10].

    ثانياً: جلب المنفعة له، فالله عز وجل يأمرنا بأن نرعى مال اليتيم، وأن نحفظه، فإذا بلغ رشده دفعناه إليه، قال الله عز وجل: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا[النساء:6] إلى أن قال: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا[النساء:6].

    ثالثاً: عدم الإساءة لليتيم في الجانب النفسي، يعني ليس فقط في الجانب المادي، لا، بل حتى في الجانب النفسي، قال الله عز وجل: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ[الضحى:9]، وقال ذاماً أقواماً: كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ[الفجر:17]، وقال: فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ[الماعون:2].

    رابعاً: أمر الله عز وجل بالإحسان إلى اليتيم وحسن تربيته، يقول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ[البقرة:220].

    خامساً: يعلي الله عز وجل في القرآن الكريم من شأن اليتيم، ويبين أن جلب المنفعة له من خصال الصالحين والأنبياء، وفي قصة موسى مع الخضر يتكلف العبد الصالح ببناء جدار، والبناء يتحمل فيه الإنسان مشقة وعنتاً، ثم بعد ذلك يعلل ويقول: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا[الكهف:82].

    وهنا تنبيه: ليس من قهر اليتيم زجره لينصلح حاله، فلو أن إنساناً ولي يتيماً، فالواجب عليه أن يعامله كما يعامل ولده، وولدك يحتاج أحياناً إلى زجر وقرع بالكلام، ويحتاج إلى ضرب أحياناً، فكذلك اليتيم وكما قيل:

    فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم

    بيان مفهوم السائل وأحكامه

    قال الله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ[الضحى:10]

    السائل فيها تفسيران: التفسير الأول: السائل عن أحكام الدين، فمن جاء يسأل عن الحلال والحرام فإنه لا ينهر، اللهم إلا إذا كان سؤاله يقتضي نهراً، كما نهر النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة لما قالت: وهل تحتلم المرأة؟ ونهر صلى الله عليه وسلم الرجل الذي سأل عن ضالة الإبل؟ ونهر صلى الله عليه وسلم من قال: يا رسول الله! من أبي؟ ونحو ذلك، وهذا معروف عند أهل العلم.

    التفسير الثاني: السائل هو: الذي يطلب نولاً من مال أو طعام، فهذا السائل يجيبه ببذل يسير أو رد جميل.

    تنبيهان:

    التنبيه الأول: شاع عند الناس حديث: (لا ترد السائل ولو جاء على فرس) ، وبعضهم يقول: للسائل حق وإن جاء على فرس.

    قال الإمام أحمد : لا أصل له وهو حديث مخترع. وقد يكون السائلون هم الذين اخترعوه كما اخترع غيرهم أحاديث، فالسائل إذا كان محتاجاً يعطى، وإذا كان غير محتاج فلا يعطى، والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لما جاءه رجلان يطلبان الصدقة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله جزأها ثمانية أجزاء؛ فإن كنتم من أهلها أعطيتكم وإلا فلا).

    وأخبر صلى الله عليه وسلم (أن من سأل وله ما يكفيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً في وجهه، حتى يلقى أحدهم ربه وليس في وجهه مزعة لحم).

    ولو أننا أعطينا من اعتاد التسول لكان هذا من التعاون على الإثم والعدوان، إذ قد تجد الشاب فارع الجسم، قوي العضلات، حاضر القوة، ثم بعد ذلك تعرف من حاله أنه قد احترف السؤال، ولو أنك أعطيته تكون متعاوناً معه على الإثم والعدوان، وكأنك تقول له: أرق ماء وجهك وابذل حياءك في مقابل دريهمات ترمى لك، فتكون قد تعاونت معه على الإثم والعدوان.

    التنبيه الثاني: قال الإمام الألوسي رحمه الله : إذا كان السائل لا يندفع إلا بالزجر فإنه يزجر. أي: إذا كان إنسان يسأل وأنت تعرف أنه لا يستحق فرددته ثم عاد فإنه يزجر، وقد فعل ذلك عمر ، عندما قام واحد يسأل في المسجد، فـعمر رضي الله عنه قال لأحد الصحابة: خذ الرجل هذا وأطعمه، فجاء في صلاة العشاء فوجد الرجل يسأل، فقال للصحابي: ألم أقل لك أطعمه. قال له: أطعمته. فـعمر رضي الله عنه أمسك بالشيء الذي يحمله الرجل ونظر فيه فوجد فيه خبزاً وكذا وكذا، فذهب فنثره في إبل الصدقة ثم ضرب بها وجهه وقال له: الآن سلمنا، فهذا زجر من عمر رضي الله عنه؛ لأنه وجد الرجل قد احترف الأمر.

    التحدث بالنعمة الدينية والدنيوية

    قال الله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى:11] النعمة إما أن تكون نعمة دينية أو دنيوية، فالنعمة الدينية يتحدث الإنسان بها: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي وفقنا لصيام رمضان، وهذا في الشيء العام. أما الشيء الخاص الذي هو سر بينك وبين الله فلا تتحدث به واجعله سراً، فكونك تصدقت، أو صليت بالليل، أو ختمت القرآن كذا من المرات، أو فعلت كذا وكذا من الخيرات.. فاجعله سراً بينك وبين ربك.

    ثم النعمة الدنيوية فتحدث بها بأن يرى أثرها عليك، وفي الحديث الذي رواه النسائي عن مالك بن نضلة الجشمي رضي الله عنه قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلي فإذا أنا رث الهيئة، فقال: ألك مال؟ قلت: نعم من كل المال، فقال صلى الله عليه وسلم: فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، أي: أعطاك الله مالاً ليرى أثر هذا المال في ثيابك، وطعامك، ومسكنك، ومركبك من غير سرف ولا مخيلة، وبذلك تكون قد تحدثت بنعمة الله. نسأل الله أن يتم نعمته علينا.

    1.   

    تفسير سورة الشرح

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.

    سورة الشرح أو سورة الانشراح هي في معناها مكملة لسورة الضحى، ففي سورة الضحى امتن الله عز وجل على نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتلك النعم الثلاث: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى[الضحى:6-8].

    وهاهنا أيضاً يعدد بعض نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم، فيقول سبحانه:

    أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[الشرح:1-4].

    شرح الله لصدر نبيه

    قال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ[الشرح:1] قال أهل التفسير: الاستفهام هنا للتحقيق، أي: أن حرف الاستفهام وهو (الهمزة) إذا دخلت على (لم) النافية فإنه يراد بها التحقيق، كما في قول الله عز وجل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ[التين:8]، وكما في قوله تعالى: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى[القيامة:40]، وكما في قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان :

    ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح

    (ألم نشرح لك صدرك) بلى، قد شرح الله له صدره.

    قال أهل التفسير: المعنى: ألم نوسع لك صدرك؟ ألم نفسح لك في صدرك؟

    قال أهل التفسير: ومن شرحه لصدر نبيه صلى الله عليه وسلم: أن صدره وسع علوم الأولين والآخرين، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (أوتيت جوامع الكلم)، أي: يجمع المعنى الغزير في اللفظ اليسير.

    وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضوان الله عليهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت صوتاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فجاءني ملكان ومعهما طست فيه ماء زمزم، فشرحا صدري إلى أسفل بطني) أي: شقا صدره صلوات ربي وسلامه عليه.

    والحديث أيضاً عندما الإمام أحمد عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان أبو هريرة جريئاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن أشياء لا يسأل عنها غيره. قال مرة: يا رسول الله! ما أول نبوءتك؟ قال: فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً وقال: إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر -يعني: كان عمره صلوات ربي وسلامه عليه عشر سنوات وشهور- إذ رأيت ملكين بأرواح فاستقبلاني بوجوه لم أراها لخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أجدها على أحد من خلق الله قط، قال أحدهما للآخر: أهو هو؟ قال: نعم. قال: فأخذ كل منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما للآخر: أضجعه فأضجعاني، ثم قال: افلق صدره، ففلق صدري من غير وجع ولا دم، ثم استخرجا منه مثل العلقة. قال: أخرج الغل والحسد، ثم قال: أدخل الرقة والرحمة، فأدخلا شيئاً شبيه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، وقال: اغدو واسلم رحمة للصغير ورقة للكبير).

    قال العلامة الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله: ومن شرح الصدر الممتن به على نبينا صلى الله عليه وسلم: ما آتاه الله عز وجل من صبر وحلم وصفح ورقة، حتى أنه كان ليعامل العدو اللدود معاملة الصديق الصدوق، وهذا ظاهر في سيرته صلوات ربي وسلامه عليه لما غزا ثقيفاً، وأصيب عدد من أصحابه وما استطاعوا أن يفتحوا حصونها، ولما استحر فيهم القتل رضي الله عنهم وأوجعوا قالوا: (يا رسول الله! ادع على ثقيف، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم)، فدعا بذلك ثلاث مرات فجاءت قبيلة ثقيف كلهم مؤمنون مسلمون.

    وكذلك لما جاء أبو هريرة رضي الله عنه يبكي قال صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟ قال: يا رسول الله! أمي دعوتها إلى الإسلام فأسمعتني فيك ما أكره، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء وقال: اللهم اهد أم أبي هريرة ، اللهم اهد أم أبي هريرة).

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فانطلقت أعدو والباب مجاف، وسمعت صوت خضخضة الماء، قالت أمي: على رسلك يا أبا هر ! ثم خرجت إلي وقد عجلت عن خمارها، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    فنبينا عليه الصلاة والسلام اتسع صدره حتى شمل العدو المخالف مع المؤمن الموافق، وكان صدره عليه الصلاة والسلام فسيحاً بنعمة الله عز وجل، ومثلما آتاه الله صدراً منشرحاً آتاه شريعة سهلة ميسرة لا تشق على شيخ كبير، ولا شاب صغير، ولا امرأة عجوز، ولا فتاة محدثة، وإنما الكل يجد في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ما يناسبه وما يصلح دنياه وآخرته.

    وضع الله لوزر نبيه وكلام العلماء فيه

    قال الله: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ[الشرح:2] وضعنا: حططنا وأزلنا. هذه الآية كقول الله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا[الفتح:1-2].

    والسؤال: ما هو الوزر الذي وضع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قال بعض أهل التفسير: هو ما عاتبه عليه ربه جل جلاله في القرآن من الأمور الراجعة للاجتهاد، كقوله سبحانه: عَبَسَ وَتَوَلَّى[عبس:1]، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ[التوبة:43]، مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ[الأنفال:67].

    وقال بعضهم: بل المراد ما كان من أمر الجاهلية؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على مذهب قومه، ولعله قد عبد صنماً أو وثناً.

    وقال بعضهم: هي ذنوب أمته، ونسبت إليه؛ لأنه كان مشغولاً بها صلوات الله وسلامه عليه.

    وقال الحسين بن الفضيل رحمه الله: بل المراد الخطأ والنسيان؛ لأن الخطأ والنسيان في حق الأنبياء ليس كما هو في حق غيرهم، وكلنا يقرأ في القرآن قول ربنا جل جلاله: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا[طه:115] وقد عدها ربنا معصية وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[طه:121].

    وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ[الشرح:2].

    وهاهنا بحث قال أهل العلم فيه: ينبغي الجزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البعثة كان معصوماً من الذنوب صغيرها وكبيرها، وهذا نص القرآن في قول ربنا سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[الأحزاب:21]، والتأسي لا يتحقق لو كان يذنب، فهو صلى الله عليه وسلم بعد البعثة لا يذنب ولا يتعمد كبيرة ولا صغيرة، فهو معصوم من الذنوب.

    وأما قبل البعثة فهو كذلك صلوات ربي وسلامه عليه لم يأت كبيرة قط؛ لأنه قد هيئ منذ صغره للنبوة، ولو كانت عهدت عليه كبيرة لاحتج بها مخالفوه وشانئوه بها، كأمثال أبي جهل و الوليد بن المغيرة و عقبة بن أبي معيط و شيبة بن ربيعة ومن كان مثلهم من صناديد الكفر، لقالوا: يا محمد! أنت فعلت كذا أو أنت قلت كذا، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عهدت عنه فاحشة ولا كذبة ولا غدراً ولا خيانة صلوات ربي وسلامه عليه.

    وأما بالنسبة للصغائر قبل البعثة فهي محل احتمال، فامتن الله عز وجل عليه بهذه المنة.

    الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ[الشرح:3] أي: أنقض حتى سمع لظهرك نقيض صوت العظام والمفاصل، وكأن هذا الأمر كان ثقيلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل بشره.

    رفع الله لذكر نبيه

    ثم قال له: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[الشرح:4] قال مجاهد رحمه الله: المعنى: لا أذكر إلا ذكرت معي، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المعنى: أنه لا يذكر الله إلا ويذكر معه محمد رسول الله، في الأذان والإقامة والتشهد في الصلاة وخطبة الجمعة وخطبة العيد وخطبة النكاح، وإذا أراد إنسان أن يدخل دين الإسلام لا يتم له الأمر إلا بعد أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    وهذا المعنى أخذه حسان عليه من الله الرضوان حين قال:

    وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

    وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

    فاسمه صلوات ربي وسلامه عليه مرفوع فوق المآذن في مشارق الأرض ومغاربها، فيذكر اسمه بالليل والنهار.

    وقال الزمخشري : من رفع الذكر: أن الله عز وجل قرن بينه وبين نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[النور:54]، وقال: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ[التوبة:62]، وقال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ[النساء:80].

    قال الرازي رحمه الله: ومن رفع الذكر أن الله عز وجل ما ناداه في القرآن باسمه، ما قال كما قال: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ[الأعراف:144]، يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ[آل عمران:55]، يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا[الصافات:104-105]، فهو لم يقل أبداً: يا محمد! بل يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ[الأنفال:64]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ[المائدة:41]، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[المزمل:1]، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ[المدثر:1]. وهذا كله من رفع الذكر.

    تيسير الله على النبي وأمته

    قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[الشرح:5-6].

    هذه الآيات نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في مكة محاصر مضطهد، وهو صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يستطيعون أن يظهروا دينهم ولا أن يجهروا بدعوتهم، ولا أن يواجهوا مخالفيهم، فالله عز وجل يعده ويقول له: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[الشرح:5-6].

    قال الإمام القرطبي رحمه الله: ويمكن أن تفسر هذه الآية بأن العسر ما كان في مكة من ضيق واضطهاد، فيحصل معه يسر وهو ما كان يوم الفتح حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل لا يعرف أوله من آخره، فجعل الله بعد العسر يسراً.

    قال: ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله له مكة واليمن، وهاداه ملوك هجر والبحرين، وآتاه الله عز وجل بالغنائم والأنفال حتى كان يعطي الرجل الواحد المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة، وهذا كله في حياته صلوات الله وسلامه عليه.

    وهذا المعنى فهمه الصحابة حق الفهم، فلما كان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في بعض الغزوات وجاء الروم بجموع كثيرة، وخاف أبو عبيدة رضي الله عنه من كثرتهم، كتب إلى عمر رضي الله عنه يشكو إليه، ويطلب دعاءه، فأجابه عمر : أما بعد: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من ضيق وشدة يجعل الله له فرجاً، ولن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[آل عمران:200].

    وهذا المعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم به في أحلك اللحظات، وأشد الحالات، ومن ذلك: عندما كان الصحابة رضي الله عنهم يعذبون في مكة جاء خباب بن الأرت فشكا إليه وقال: يا رسول الله! ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا؟ قال: (فاعتدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفسي بيده! لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).

    فينبغي أن يعلم الإنسان أنه لو كان في ضيق فإن بعد الضيق فرجاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

    وليعلم أن الفرج من الله عز وجل آت لا محالة: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.

    أمر الله لنبيه بدوام عبادته

    ختم ربنا جل جلاله هذه السورة بأمرين مثلما ختم سورة الضحى، قال الله عز وجل: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى:9-11]، وهنا أيضاً قال الله عز وجل: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ[الشرح:7-8].

    وقد نبه أهل العلم إلى أن بعض المبتدعة قرأ هذه الآية: فإذا فرغت فانصب. وقال: نصب إماماً، وهم الرافضة ويقصدون بذلك علياً ، قال بعض أهل التفسير: ويمكن للناصبي المبتدع في الجهة المقابلة أن يقرأها: فإذا فرغت فانصَب. من النصب وهو كراهية آل البيت، ودين الله لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

    قال ابن مسعود رضي الله عنه: (فإذا فرغت) من الفرائض (فانصب) في قيام الليل. والنصب هو: التعب.

    وقال الكلبي : فإذا فرغت من جهاد عدوك فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.

    وقال قتادة رحمه الله: فإذا فرغت من أمر الخلق فاجتهد في عبادة الحق.

    وقال آخرون: فإذا فرغت من أمور نفسك فتفرغ لعبادة ربك، وانصب في عبادة ربك.

    والمعنى: أن الله عز وجل يريد لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن أن ينتقل من عبادة إلى عبادة، ومن طاعة إلى طاعة، ولنتأمل شهر الصيام، فإذا أفل نجمه دخلت أشهر الحج، فإذا انتهى الحج دخل شهر الله المحرم، وأحب الصيام إلى الله بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وهكذا المسلم ليله ونهاره في كل وقت من أوقات العمر يتقلب من عبادة إلى عبادة، ومن طاعة إلى طاعة، وليس هناك سن للتقاعد في عبادة الله عز وجل، بل كما قال الله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[الحجر:99].

    وقوله تعالى: وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ[الشرح:8]. أي: لتكن رغبتك وحاجتك إلى ربك.

    وبعض أهل التفسير فسر هذه الآية بقوله: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وهذا المعنى صحيح، ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ بن جبل : (يا معاذ ! والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

    نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى.