إسلام ويب

دروس عن الهجرة [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أذن الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، فاتخذ عليه الصلاة والسلام أسباباً للنجاة والوصول إلى المدينة بسلام، ومن ذلك: اتخاذه من أبي بكر الصديق رفيقاً وصديقاً، فكان نعم الصاحب. وقد حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم أخلاق طيبة مع من صادفهم في طريق هجرته إلى الله، ومع من رافقه أثناء رحلته، فصلى الله وسلم على من أدبه ربه فأحسن تأديبه.

    1.   

    بين يدي الموضوع

    الحمد لله رب العالمين، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم! صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! قد تقدم معنا الكلام على بعض الدروس المستفادة من هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ ومنها أن الله عز وجل مع أوليائه، وأنه ناصر عباده المؤمنين، كما وعد في القرآن الكريم: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[الصافات:171-173].

    ومنها أن الله عز وجل ينزل على قلوب أنبيائه وأوليائه سكينة وطمأنينة عند الشدائد، فلا يخافون ولا يحزنون، كما قال ربنا سبحانه في شأن أم موسى: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[القصص:10]، وكما قال في شأن إبراهيم عليه السلام: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[الأنبياء:69].

    ومن الدروس المستفادة: الأخذ بالأسباب، وهذا ظاهر في جميع مراحل الهجرة النبوية المباركة.

    1.   

    الدروس المستفادة من هجرة المصطفى

    اتخاذ الصاحب الطيب

    ومن الدروس المستفادة: اتخاذ الرفيق الصالح الطيب المؤمن التقي، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي).

    فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الهجرة، ويريد منه أن يأذن له في الهجرة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: (يا أبا بكر ! اصبر، لعل الله يجعل لك صاحباً)، فيغيب أبو بكر أياماً ثم يأتي يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم حاله كحال العبد الصالح الذي قال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى[طه:84]، ويريد أن يعجل بالهجرة إرضاءً لله عز وجل، فكان صلى الله عليه وسلم يقول له: (اصبر، لعل الله يجعل لك صاحباً)، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر وقال له: (يا أبا بكر ! إن الله أمرني بالهجرة، قال أبو بكر : الصحبة الصحبة يا رسول الله! -أي: اجعلني لك صاحباً ورفيقاً- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بلى يا أبا بكر ! فبكى رضي الله عنه).

    تقول أمنا عائشة : والله! ما ظننت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي في ذلك اليوم.

    الدعوة إلى الله بالأقوال والأفعال

    ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة: أن العبد الصالح يدعو إلى الله عز وجل بأقواله وفعاله وسمته وهيئته، وهذا الأمر نستدل عليه من مرور النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد الخزاعية ، وهي امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، وتطعم وتسقي من يمر بها، فإذا مر بها قوم مسافرون فإنها تطعمهم وتسقيهم، وهي امرأة معروفة بالكرم، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحباه أبو بكر الصديق رضي الله عنه و عبد الله بن أريقط فسلم عليها صلى الله عليه وسلم، ثم سألها: (هل من لبن فنشربه؟ أو لحم فنشتريه؟ فقالت له المرأة: فداك أبي وأمي، لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت)، تقول له: لو كان عندنا طعام أو شراب ما نحوجكم إلى أن تطلبوا، وإنما نكرمكم ابتداءً، لكن لا حلوبة في البيت، أي: ليس في البيت شاة تحلب، ثم إن الشاة التي تحلب هي في المرعى عازب، أي: بعيدة، (فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في ستر الخيمة -أي: في جانب الخيمة- فقال لها: ما هذه الشاة؟ قالت له: خلفها الجهد عن الغنم -يعني: هي مريضة- فقال لها: هل بها من حلب؟ -أي: هل فيها شيء يحلب؟- قالت له: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: فداك أبي وأمي! إن كان بها حلب فاحلب -يعني: طالما أنك لا تريد أن تصدق فجرب-، فدعا صلى الله عليه وسلم بإناء يربض الرهط -يعني: إناء كبير- فسمَّى النبي صلى الله عليه وسلم الله عز وجل، ومسح على الضرع فتفاجت -أي: هذه الشاة فرجت بين رجليها-، فحلب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاً حتى علته الرغوة، ثم دفع الإناء إلى المرأة -إلى أم معبد أولاً- فشربت ثم سقى صاحبيه، ثم سمى الله عز وجل وشرب آخر القوم عليه الصلاة والسلام، ثم حلب فيه ثانية، فشربوا عللاً بعد نهل، ثم حلب فيه صلى الله عليه وسلم وخمره وقال: ارفعي هذا لـأبي معبد ، ثم سلم وانصرف، قال: فما لبثت إلا قليلاً، حتى أقبل أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً يتساوقن هزالاً لا نقي فيهن، فقال: ما هذا اللبن -يا أم معبد - والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟! قالت: لا والله! إلا أنه مر بنا رجل مبارك)، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما تلا عليها قرآناً، ولا ألقى عليها خطبة، وإنما وصفته بالبركة بما رأت من حاله وكلامه وسمته وهيئته وفعاله صلوات ربي وسلامه عليه، فوصفته بأنه رجل مبارك، وكان من خبره كيت وكيت، فقال أبو معبد : صفيه لي يا أم معبد ! فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، أبلج الوجه، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي صوته صهل، وسيم قسيم، لم تعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، أجمل الناس وأحلاهم من بعيد، وأحسنهم وأبهاهم من قريب، إذا تكلم علاه البهاء، وإذا سكت علاه الوقار، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له أصحاب يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود، غير عابس ولا مفنَّد، فقال لها زوجها: والله! إنه لصاحب قريش الذي تطلب، ولأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه.

    أي: بمجرد أن رأوا من حاله وأفعاله صلوات ربي وسلامه عليه هذا الحال قال: لأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة المباركة يعلمنا أن الإنسان يدعو إلى الله عز وجل بقوله وفعله وسمته وهيئته صلوات ربي وسلامه عليه.

    ومما يستفاد من هذه القصة: حسن رعايته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في السفر، فلما حلب الشاة ما شرب اللبن صلى الله عليه وسلم، وما آثر نفسه، بل آثر أصحابه رضوان الله عليهم، وسقى أم معبد من أجل أن تزداد يقيناً، وأن تعلم حقاً أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لابد للنصر من بذل وتضحية

    ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة المباركة: أن دين الله عز وجل لا ينتصر إلا ببذل جهد، ولا ينتصر إلا بعناء، ولا ينتصر إلا ببذل المال والنفس والوقت، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج مع أبي بكر رضي الله عنه، ويسلك طريقاً غير الطريق، ويعاني عليه الصلاة والسلام من الحر والقر والشمس وظلمة الليل، ويستغرق في الطريق خمسة عشر يوماً، وهو مع هذا كله مطارد، صلوات الله وسلامه عليه، فيطارده المشركون، ويعرضون العروض لمن يأتي به حياً أو ميتاً، كل هذا والنبي صلى الله عليه وسلم واثق بربه، فبذل هذا الجهد، وترك الأهل والمال والوطن، وترك بناته صلوات ربي وسلامه عليه في مكة، وخرج مهاجراً إلى الله يريد أن ينتصر لدين الله، فهذه غايته، وهذا هدفه صلوات الله وسلامه عليه.

    ولذلك لا يظنن ظان بأن الدين ينتصر والناس قعود، وهم في هجوع، والناس في كسل ونعاس، فلا يجتهد الواحد في أن يطلب علماً، ولا أن يحصل عملاً، بل إن بعض الناس يمنّ على ربه أنه يصلي الفريضة في وقتها، وبعضهم يمن على ربه أنه يخرج الفريضة من ماله، وبعض الناس يمنّ على ربه أنه يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر، أو يدعو إلى هدى، أو يقيم أمر الله في بيته، فلا ينتصر الدين بمثل هذا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحقق أنواع الجهاد كلها، فيجاهد نفسه، ويجاهد الشيطان والهوى، ويجاهد بماله، ويجاهد الكفار والمنافقين، وكل هذه الأنواع من الجهاد مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك قرن الله عز وجل بين الهجرة والجهاد في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[الأنفال:72]، فإيمان وهجرة وجهاد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في هذه الأنواع كلها.

    حسن اختيار الله لأصحاب رسول الله

    ومما يستفاد من هذه الهجرة المباركة: أن الله عز وجل قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم أصحاباً هم خير الأصحاب، وأنصاراً هم خير الأنصار، فقد مضى معنا خبر أبي بكر وماذا كان يصنع في طريق الهجرة، وإلى أن وصل صلى الله عليه وسلم إلى المدينة و أبو بكر معه كالخادم الأمين، يقول الأنصار رضي الله عنهم: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه أبو بكر وأكثرنا ما رآه، ما عرفنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أبا بكر حتى زال الظل وجاءت الشمس، فخلع أبو بكر رداءه وظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمنا أن الجالس هو رسول الله وأن القائم عليه هو أبو بكر .

    وكذلك علي رضي الله عنه نام في فراش النبي عليه الصلاة والسلام وقد أحاطت به الأخطار، وأسماء بنت أبي بكر ، يأتي جدها أبا قحافة فيقول لها: لقد خدعكم أبوكم في نفسه وماله، فتعمد رضي الله عنها إلى حجارة تجمعها، ثم تأخذ بيدي جدها وقد كان أعمى، فيتحسس تلك الأحجار، تقول له: ترك لنا مالاً كثيراً، من أجل أن تطمئنه وتصرف الوسواس عنه.

    ويأتي عدو الله أبو جهل يدق باب أبي بكر ويقول: يا أسماء ! أين أبوك، تقول: ما أدري، فيلطمها عدو الله لطمة حتى يطير قرطها، أي: الحلق الذي في أذنها.

    وقل مثل ذلك في عامر بن فهيرة ، وفي عبد الله بن أبي بكر ، وهؤلاء جميعاً رضوان الله عليهم، كانت لهم قدم صدق في الإسلام.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الاقتداء بهم، والسير على نهجهم، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله.