إسلام ويب

التعريف بكتب التفسير [4]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من كتب التفسير المؤلفة في القرن الثالث تفسير أبي منصور الماتريدي، ويكثر فيه من التأويلات الضعيفة بسبب اعتماده مبدأ إدخال المحتملات، فهو تفسير يقلل من الاستشهاد بالشعر؛ لأن العمدة عنده القضايا العقلية، وله استنباطات عقدية تناسب مذهبه. ومنها: تفسير السمرقندي، ويغلب عليه الوعظ، ويتميز بتفسير المفردات، وتوجيه القراءات والإكثار من ذكر أقوال السلف. ومن التفاسير في القرن الثاني: تفسير يحيى بن سلام، وله عدة اختصارات، ومن دواوين السنة ما تضمن كتباً في التفسير.

    1.   

    تابع أمثلة لما دون من كتب التفسير في القرن الثالث

    تفسير أبي منصور الماتريدي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يقول أبو منصور الماتريدي في قوله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة:80] (أجمع أهل التفسير والكلام على صرف الأيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أيام عبادة العجل, ويقدرونها بأربعين يوماً وذلك لا معنى له لوجهين:

    أحدها: أن هؤلاء المخاطبين لم يعبدوا العجل, وإنما عبده آباؤهم، فلا معنى لصرف ذلك إلى هؤلاء, صرف ذلك يعني: العذاب إلى هؤلاء الذين لم يحضروا.

    والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضاً؛ لأنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك، فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله لقوله تعالى: إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]).

    من خلال ما سبق نلاحظ أن جميع استدلالاته عقلية, فهو يحكي الإجماع, فيقول: (أجمع أهل التفسير) ثم يعترض على هذا الاجماع, ونحن نحاكمه إلى قوله, مع أنه لا يوجد إجماع كما سيأتي بعد قليل.

    فهذا الإجماع الذي زعم أنه وارد في الآية منتقض بما رواه الطبري عن ابن عباس عن مجاهد : أن اليهود قالوا: إنهم يعذبون سبعة أيام, ولهم رواية أخرى: غير أنهم يعذبون أربعين يوماً, ففي معنى الأيام المعدودة عند السلف قولان:

    القول الأول: أنها أربعون يوماً.

    والقول الثاني: أنها سبعة أيام, فهذا الإجماع منتقض، ومع أنه حكى الإجماع إلا أنه رده؛ لأن الاعتماد عنده على العقل.

    والقول الذي زعم أنه إجماع هو قول الجمهور, منهم: ابن عباس و قتادة و السدي و أبو العالية و عكرمة و الضحاك و زيد بن أسلم, وكما أشرت فإن عنوان الكتاب في قضية التأويلات؛ لهذا يكثر عنده التأويلات الباطلة والضعيفة, بسبب اعتماده مبدأ إدخال المحتملات، بغير ضابط لما يدخل وما لا يدخل من هذه المحتملات؛ ومن أمثلة ذلك: قوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاة [البقرة:3], في أول سورة البقرة المعروف أن المراد بالصلاة، الصلاة المعروفة التي هي ذات الأفعال والأقوال المخصوصة, وإذا جاءت: (يقيمون) مع (الصلاة), فإن المراد به الصلاة الشرعية.

    لكن المؤلف سيذكر من هذه المحتملات فيقول: يحتمل وجهين: يحتمل الصلاة المعروفة يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها والخشوع والخضوع له فيها, وإخلاص القلب في النية على ما جاء في الخبر.

    ويحتمل الحمد والثناء, فإن كان المراد هذا فلا يحتمل النسخ ولا الرفع في الدنيا والآخرة, يعني: إن كان مراده الحمد فإنه لا يحتمل النسخ ولا الرفع في الدنيا والآخرة.

    وهذا الوجه الآخر الذي ذكره وجه غريب, لم يذكره عن قائل, فقد يكون ذكره احتمالاً من ذاته, وقد يكون نقله, وسواء كان ناقلاً أو كان ذاكراً فهذا القول الذي أورده ضعيف وغير صحيح.

    ويلاحظ أنه يكثر من الرد على المعتزلة, كما أنه ذهب في المسائل الفقهية مذهب أبي حنيفة, ولا يظهر من الكتاب الوجهة التامة له، لكنه واضح أنه حنفي المذهب ويستدل له.

    ويقل في تفسيره الاستشهاد بالشعر؛ لأن العمدة عنده على القضايا العقلية.

    وينقل عن أهل الكلام ويعتمد تفسيرهم ويقدمه على تفسير السلف, ومن أمثلة ذلك: قال: (ثم اختلف أهل التفسير في (العالمين) -في قوله: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]- فمنهم من رده إلى كل ذي روح ودب على الأرض, ومنهم من رده إلى كل ذي روح في الأرض وغيرها. ومنهم من قال: لله كذا وكذا عالم).

    وطبعاً هذه أقوال للمفسرين من السلف, قال: (والتأويل عندنا ما أجمع عليه أهل الكلام أن (العالمين): اسم لجميع الأنام والخلق جميعاً, وقول أهل التفسير يرجع إلى مثله, إلا أنهم ذكروا اسماء أعلام، وأهل الكلام على ما يجمع ذلك وغيره), فكأنه اعتمد قول أهل الكلام, وأدخل فيه في النهاية قول أهل التفسير.

    ومن الآثار المرتبطة بالاعتقاد عنده مفهوم الإيمان, وهو نفس ما عند الأشاعرة، وهو أن الإيمان هو التصديق، فيقول: وإن كان في أهل الكتاب ففيه الأمر بالإيمان الذي هو إيمان وهو التصديق, قال: (والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب، ودليله قول جميع أهل التأويل والأدب: فإنهم فسروا (آمنوا) بصدقوا, في جميع القرآن).

    فهم يزعمون أن (آمنوا) بمعنى: صدقوا في جميع القرآن هذا قول أهل التأويل والأدب, ويقصد بأهل الأدب أهل العربية.

    وقال في قوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:25]: (تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً, لما أثبت له اسم الإيمان دون الأعمال الصالحات, غير أن البشارة لهم وذهاب الخوف عنهم إنما أثبت بالأعمال الصالحات).

    قال رحمه الله: (ويحتمل الأعمال الصالحات عمل القلب: وهو أن يأتي بإيمان خالص لله لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب), وهو هنا يريد أن يرد على المعتزلة, حيث يرون أن الأعمال غير الإيمان.

    وهنا نلاحظ أنه ادعى الإجماع على أن المراد بالإيمان: التصديق فيقول: (أجمع عليه قول جميع أهل التأويل والأدب).

    وعندما نقرأ في تفسير الطبري في تفسير قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3], نجد أن ابن مسعود يقول: الإيمان التصديق, وقال ابن عباس : يؤمنون يصدقون, وقال الربيع بن أنس : يؤمنون يخشون, وقال الزهري : الإيمان العمل, فهذا رد على مثل قول الماتريدي.

    يقول الطبري معلقاً على ذلك: (ومعنى الإيمان عند العرب التصديق, فيدعى المصدق بالشيء قولاً مؤمناً به, ويدعى المصدق قوله بفعله مؤمناً, ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17], يعني: وما أنت بمصدق لنا في قولنا.

    وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل, والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل, وإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً, إذ كان جل ثناؤه لم يحصرهم معنىً من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل).

    فهذا كلام الطبري يفند ما يزعمه الماتريدي رحمه الله من الإجماع على أن الإيمان هو التصديق فقط, وأن العمل لا يدخل في الإيمان.

    فالخلاصة أن السلف يرون أن العمل من الإيمان.

    وأيضاً يلاحظ أن له عناية بالاستدلال والاستنباط من الآيات, وقد تكون هذه الاستنباطات عقدية تتناسب مع ما يذهب إليه, وقد تكون غير ذلك, ومن أمثلة ذلك: في قوله سبحانه وتعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24], يقول: في الآية دلالة على أنها لم تعدّ لغير الكافرين, وهو يريد من هذا أن يرد على المعتزلة الذين يرون خلود صاحب الكبيرة في النار, فيقول: في الآية دلالة على أنها لم تعد لغير الكافرين, كأنه يقول: يلزم من قول المعتزلة بخلود صاحب الكبيرة أن يكون كافراً وهم لا يقولون بأنه كافر, بل يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين.

    وأيضاً في قوله سبحانه وتعالى: قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32], يقول: وفي الآية منع التكلم بالشيء إلا بعد العلم به, والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم, وهذا هو الحق الذي يلزم كل من عرف الله, وبه أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام، فقال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، فهذه من الاستنباطات اللطيفة عنده.

    فهذا بعض ما يتعلق بمنهج أبي منصور الماتريدي .

    والكتاب كما ذكرت قليل الوجود, ولا يستفيد منه إلا المتخصصون, ولكن أردت أن نتعرف على المطبوع من هذه الكتب من خلال القرن الثاني والثالث، والكتاب الذي يمكن أن يقتنى ويحرص عليه هو كتاب: ابن جرير الطبري لما سبق من تميزه واعتنائه بآثار السلف والترجيح بينها, وكذلك كتاب ابن أبي حاتم لعنايته أيضاً بالآثار, ولمن أراد أن يعرف قول السلف في الآية ويستفيد من هذا الكتاب الذي هو تفسير ابن أبي حاتم.

    أنموذج من تفسير الطبري

    قال المؤلف رحمه الله:

    (وقوله: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57], يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حره, وغساق فليذوقوه، فالحميم مرفوع بهذا, وقوله: (فليذوقوه) معناه: التأخير؛ لأن معنى الكلام ما ذكرت: وهو هذا حميم وغساق فليذوقوه, وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفياً بقول: فليذوقوه, ثم يبتدأ فيقال: حميم وغساق، بمعنى: منه حميم ومنه غساق.

    كما قال الشاعر:

    حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس وغودر البقل ملوي ومحصود

    وإذا وجه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يضمر قبلها لها ناصب، كما قال الشاعر:

    زيادتنا نعمان لا تحرمنّنا تق الله فينا والكتاب الذي تتلو

    والرفع بالهاء في قوله: (فليذوقوه) كما يقال: الليل فبادروه، والليل فبادروه ..).

    ذكر المعنى الجملي، وإن كان لم يفسر معنى الغساق، والغساق فيه خلاف, ثم ذكر ما يرتبط بالإعراب وجواز الوقف على قوله: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ [ص:57], ثم تبتدئ: حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57], يعني: على التفصيل: منه حميم، ومنه غساق, وواضح الاستدلالات الشعرية، لهذه القضية النحوية.

    ثم قال: (حدثنا محمد بن الحسين، عن السدي هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57], قال: الحميم: الذي قد انتهى حره.

    حدثني يونس عن ابن زيد : الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه).

    ونلاحظ في روايته عن السلف في معنى الحميم: الذي انتهى حره, ثم هو نفسه فسر بهذا, وابن زيد فسر الحميم فقال: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه, فهنا المعنى زائد القدر و الطبري لم يعترض, فالمعنى محتمل.

    لكنها قضية غيبية, تحتاج إلى نص يبين أن هذا النوع من الحميم هو الذي يكون من دموع أعينهم؛ فـالطبري في مثل هذه المرويات يسكت عنها، فلا يشير إلى الموافقة ولا إلى المخالفة.

    ثم قال: (وقوله: (وغساق) اختلفت القراء في قراءته، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف: (وغساق) وقالوا: هو اسم موضع. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (وغسّاق) مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غسق يغسق غسوقاً: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يسقون الحميم، وما يسيل من صديدهم.

    والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السين أتم عندنا في ذلك؛ لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته).

    فهنا يظهر تحليله للقراءات، فيقول: ورد في (غساق) قراءتان: الأولى: بتشديد السين، والثانية: بتخفيفها, يعني: (غساق) و(غسّاق).

    وذكر أن أهل القراءة الأولى وجهوه إلى أنه موضع, اسمه غساق في النار, وذكر القول الأخير وأنه من السيلان, غسق الوادي إذا سال, وغسق الجرح أيضاً إذا سال صديده, ثم نبه على أن القراءتين كلاهما صحيحة, قال: (فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب), ولكنه ذكر أن أحبها إليه التشديد, لكونها أتم من جهة المعنى، والمعروف من كلام العرب, فهذه إحدى الطرائق في الترجيح بين القراءات عنده.

    ثم قال: (واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر عن قتادة : هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57], قال: كنا نحدَّث أن الغساق: ما يسيل من بين جلده ولحمه.

    حدثنا محمد عن السدي قال: (الغساق): الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم.

    حدثنا ابن حميد عن إبراهيم قال: (الغساق): ما يسيل من سُرمهم، وما يسقط من جلودهم.

    حدثني يونس , قال ابن زيد (الغساق): الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه.

    حدثني يحيى بن عثمان, حدثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أي شيء الغساق؟ قال: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو : هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب.

    قال يحيى بن عثمان : فقال: حدثنا أبو قبيل عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة .

    حدثنا ابن عوف , قال: حدثنا أبو يحيى عطية الكلاعي، أن كعباً كان يقول: (هل تدرون ما غساق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه).

    كلام كعب يوافق القراءة هذه في الموضع, ويحتاج أن نراجعه هل هو اسم موضع؟ كلامه إشارة إلى أنه عين، يعني: اسم موضع, لكن يراجع.

    ثم قال: (وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مجاهد (وغساق) قال: بارد لا يستطاع، أو قال: برد لا يستطاع.

    حدثني علي بن عبد الأعلى، عن الضحاك : هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57], قال: يقال: الغساق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنتن النتن.

    وقال آخرون: بل هو المنتن.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثت عن المسيب، عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة، قال: الغساق: المنتن، وهو بالطخارية.

    حدثني يونس، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا ).

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم؛ لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغسوق، وإن كان للآخر وجه صحيح).

    فنلاحظ أنه أورد الروايات في الاختلاف ثم رجح, والمعتمد في الترجيح أن الأغلب من معنى الغساق في اللغة هو ما يسيل, يعني: فهو راجع إلى مادة السيلان, فهو يدل على أن الحديث الذي أورده فيه ضعف, ولو كان الحديث صحيحاً لما اعترض عليه, لكن من منهجه أنه يورد ما يتصل من الآثار بتفسير الآية.

    فاعتمد المعنى الأول؛ لأنه الأغلب, قال: وإن كان للآخر وجه صحيح, ووجه صحته أن الغسق يطلق في اللغة على الشيء البارد فمنهم يسميه الغسق؛ لأنه وقت برودة في الجو, غسق الليل يعني: الوقت البارد منه, فأطلق عليه غسق.

    نكتفي بهذا النقل من تفسير الطبري ؛ لأن منهجه واضح ونلاحظ أن هذا التفسير فيه تكامل من جهة إيراد القراءات، ومعاني القراءات، والاستشهاد بالشواهد الشعرية، وذكر آثار السلف، والترجيح بينها, وبيان مدلولات لغوية، فهو كتاب متكامل, فمن أراد أن يقرأ فيه فليقرأ بعناية وتؤدة، ليستفيد كثيراً من هذا الكتاب.

    أنموذج من تفسير ابن أبي حاتم

    الكتاب الآخر لـابن أبي حاتم يقول رحمه الله في قوله تعالى: فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ [هود:43].

    (حدثنا أبي حدثنا سهل بن غياث، عن مجاهد قال: لما أصاب قوم نوح الغرق قال: قام الماء على رأس كل جبل خمسة عشرة رأساً، قال: فأصاب الغرق امرأة فيمن أصاب لها صبي فوضعته على صدرها، فلما بلغها الماء وضعته على منكبيها، فلما بلغها الماء وضعته على يديها، قال: فقال تبارك وتعالى: لو رحمت أحداً من أهل الأرض لرحمتها.

    حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، عن عون بن أبي شداد قال: غرق الماء الجبال فوقها ثمانين ميلاً.

    قوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44].

    حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عباد المزني، عن أبي سعيد، (وغيض) قال: خرجت أريد أن أشرب ماء فمررت بالفرات فإذا الحسن و الحسين فقالا: يا أبا سعيد، أين تريد؟ قلت: أشرب ماء المر، قال: لا تشرب ماء المر، فإنه لما كان زمن الطوفان أمر الله الأرض أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع، فاستعصى على بعض البقاع فلعنه فصار ماؤه مراً وترابه سبخاً لا ينبت شيئاً.

    أخبرنا أبو عبد الله الطهراني بسنده إلى وهب بن منبه أنه سمع: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44], يقول بالحبشية: ازرديه).

    بالحبشية: ازرديه, من ازدرد الطعام يعني: أكله كأنه يقول: مادة بلع هذه حبشية.

    وعلى العموم فهذا من باب الفائدة الاستطرادية، لغة الحبشة أصلها عربية؛ لأن العرب انتقلوا إلى الحبشة فقد تكون فيه موافقة بين الأصل والفرع, وهذا الموضوع ليس هنا محله، لكن المقصود التنبه إلى هذا.

    ثم قال: (حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، بسنده عن قتادة، قوله: يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44], يقول: ابلعي ما كان عليك.

    حدثنا أبي, بسنده عن ابن عباس قوله: وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي [هود:44], يقول: اسكني، وروي عن قتادة، نحو ذلك).

    فمنهج ابن أبي حاتم على هذه الطريقة, غيض الماء يقول: ذهب الماء، وروي عن قتادة نحو ذلك, فهذا الكتاب ليس فيه إلا آثار.

    فيستفاد منه في حال البحث عن أثر من آثار السلف, ويعتبر مرجعاً يرجع إليه, وليس صالحاً للقراءة فليس كتاباً متكاملاً في التفسير، بخلاف تفسير الطبري.

    أنموذج آخر من تفسير أبي منصور الماتريدي

    قال المؤلف رحمه الله:

    (وقوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40], إلى قوله: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47].

    يحتمل: فضّل أوائلهم.

    وفي الآية وجهان على المعتزلة:

    أحدهما: قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40], وعندهم: أن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزاً، فإذا كان تركه بفعله جائزاً ففعله حق عليه).

    للأسف قضية هذه التأويلات لما دخلت في كتب التفسير أفسدتها, تلاحظ الفرق بين كلام ابن جرير الطبري وطريقته في التفسير، فتشعر أنك تستفيد، فهو علم واضح جداً ما فيه غموض, بخلاف مثل هذه الكتب فتجد فيها مثل هذا الكلام البعيد عن التفسير, كذلك تفسير ابن أبي حاتم واضح، لأنه آثار سلفية التفسير.

    يقول: (ولا أحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعماً على أحد؛ فثبت أن كان ثم منه معنى زائد خصهم به، وأن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخل كما قالوا.

    والثاني: قوله: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47], فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك.

    ومن قول المعتزلة: أن ليس لله أن يخص أحداً بشيء إلا باستحقاق بفعله، وبذلك هم فضلوا أنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يمن عليهم بذلك؟! ولا قوة إلا بالله.

    مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أن يكون لهم الفضل في الدين أولاً، فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل، وإن كان ثبث أن ليس من الحق عليه التسوية بين الجميع في أسباب الدين).

    كل هذا الكلام يعود إلى تفضيل الله سبحانه وتعالى، يقول: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47], فهو فضل من الله عليهم, ولم يفضلوا هم أنفسهم؛ وقضية نسبة الفعل للعبد أو إلى الرب, هذا راجع إلى أفعال العباد.

    ثم قال: (وقوله عز وجل: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة:48].

    الآية - والله أعلم - كأنها مؤخرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأنه قال: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47], ثم ذكر الأفضال والمنن، فقال: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49], الآية، وقوله: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ [البقرة:50], وقوله: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50].

    ذكرهم عز وجل عظيم نعمه ومننه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها منة، وأنه فضل منه.

    ثم حذرهم جل وعز فقال: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة:48], الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة من الهلاك وأنواع العذاب بعد الأمن، والتوسع عليهم، كقوله: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا [الأنعام:43], إلى قوله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ [الأنعام:44], الآية.

    ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوماً مقذوفاً بشتم والديه؛ لما عيرهم جل وعز بصنع آبائهم بقوله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [البقرة:51], وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم، وكذلك ذكر عز وجل صنعه ومننه عليهم).

    هذا أيضاً فيه إشارة إلى أنه كان على مذهب أبي حنيفة ، فهو يورد الاستدلالات الخفية في مثل هذا؛ نصرة لـأبي حنيفة وأصحابه, وهذا مثال آخر من كتاب تأويلات أهل السنة لـأبي منصور الماتريدي, ولا شك أنه يظهر من الكتاب هذا الأسلوب, ففيه تفسير، لكن فيه أشياء كثيرة جداً من هذه التأويلات, وبهذه النماذج يظهر لنا بالموازنة الفرق بين مناهج هذه الكتب, وأيها أنفع بالنسبة لطالب العلم, وإنما ذكرته لأني أردت أن أستقصي قدر الإمكان ما في هذ القرن, وهو يعتبر أيضاً مرجعاً لمن أراد أن يرجع إلى أقوال أهل التأويل المنحرفة في التفسير، لكنه لا يعد كتاباً صالحاً للقراءة.

    تفسير السمرقندي المسمى ببحر العلوم

    تفسير أبي الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي المتوفى سنة (375) يسمى بحر العلوم, وقد طبع كاملاً, و أبو الليث السمرقندي كان معروفاً بالوعظ، وله في ذلك كتاب بستان العارفين, وكما أشرت سابقاً إلى أن تخصص العالم يؤثر على تفسيره، ولهذا ستجد وأنت تقرأ في تفسير أبي الليث بعض القضايا الوعظية, فمن ذلك مثلاً في قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38], قال: (يعني: آدم وحواء وإبليس والحية, وفي الآية دليل على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها؛ لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصيته، كما قال الشاعر:

    إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم

    وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله شديد النقم)

    وقال في قوله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45], يقول: (ذكر في هذه الآية الطاعة الظاهرة والطاعة الباطنة, فأمر بالصبر والصلاة؛ لأنه ليس شيء من الطاعات الظاهرة أشد من الصلاة على الجسد؛ لأنه يجتمع فيها أنواع الطاعات: الخضوع, والإقبال, والسكون, والتسبيح, والقراءة, فإذا تيسرت عليه الصلاة تيسر عليه ما سوى ذلك, وليس شيء من الطاعات الباطنة أشد من الصبر على البدن, فأمر الله بالصبر والصلاة؛ لأنه حسن, ثم قال: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153], فالله تعالى مع كل أحد، ولكن خص الصابرين؛ لكي يعلموا أن الله سبحانه وتعالى يفرج عنهم) انتهى كلامه.

    فهذا التفسير يلاحظ فيه العناية بمفردات القرآن, والحرص على بيان معاني الألفاظ.

    من ذلك في قوله: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117], يقول: (أي خلقهما, والإبداع في اللغة: إنشاء لم يسبق إليه على غير مثال ولا مشورة, وإنما قيل لمن خالف السنة: مبتدع؛ لأنه أتى بشيء لم يسبقه إليه الصحابة ولا التابعون, ومعناه: خالق السموات والأرض).

    ففي هذا الكتاب تجد عناية ببيان المدلولات, ولا يخلو كتاب من كتب التفسير من بيان الألفاظ, لكن محاولة التحرير بهذه الطريقة ليس كل تفسير ينحو إليها.

    وأيضاً لا يخلو هذا الكتاب من القصص والأخبار الإسرائيلية, وقد كان يروي هذه القصص والأخبار عن مفسري السلف: كـابن عباس , و السدي و الكلبي , و مقاتل وغيرهم, وهو مكثر من الرواية عن مقاتل و الكلبي , كما أنه يروي تفسير السلف بلا إسناد وإنما يعلقه على قائله, ومن ذلك قال: ( فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت:17], يعني: بينا لهم الحق من الباطل والكفر من الإيمان, وقال مجاهد : فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت:17]، أي: دعوناهم, وقال قتادة و مقاتل : بينا لهم, وقال القتبي : دعوناهم ودللناهم), و القتبي هو ابن قتيبة , وهو أيضاً مكثر من النقل عنه, فيكاد يكون كتاب تفسير غريب القرآن موجوداً في كتاب بحر العلوم.

    وفي قوله تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16], يقول: (أي: جعل في الأرض علامات من الجبال وغيرها، تهتدون به الطرق في حال السفر, قال: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16], أي: بالجدي والفرقدين تعرفون الطرق في البر والبحر, وروى عبد الرزاق عن معمر في قوله: وَعَلامَاتٍ [النحل:16], قال: قال الكلبي الجبال, وقال قتادة : النجوم.

    وروى سفيان عن منصور عن مجاهد : وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16], قال: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به, وقال عمر بن الخطاب : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في طرقكم وقبلتكم ثم كفوا, وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم.

    وقال السدي : وَعَلامَاتٍ [النحل:16], أي: الجبال بالنهار تهتدون بها في الطرق, والنجوم بالليل).

    فهو هنا ينقل عن مجموعة من السلف ويعلق الأقوال عليهم دون ذكر الإسناد, لكنه أحياناً قد يورد الإسناد وهذا قليل جداً.

    ولم يكن رحمه الله كثير الاعتناء بقضية الترجيح, بل قد يرجح لكنه قليل, وإنما يذكر التفسير أحياناً على هذه الشاكلة، حيث يذكر الأقوال الواردة في تفسر الآية.

    ونلاحظ أنه اعتنى بذكر قارئي القراءات من الأئمة السبعة, سواء كانت في السبعة أو كانت شاذة أيضاً فإنه ينسب القراءة إلى من قرأ بها, واعتنى كذلك بتوجيه القراءة, فهو يذكر القراءة ويوجهها؛ لأن بعض المفسرين يذكر أحياناً القراءة دون التعرض للتوجيه، أما هو فكان يعنى مع نقل القراءة وبيان من قرأ بها بتوجيه القراءات وبيان معانيها.

    ففي قوله سبحانه وتعالى مثلاً: هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ [يونس:30], يقول: (قرأ حمزة و الكسائي : (تتلوا) بالتاءين، يعني: عند ذلك تقرأ كل نفس برة وفاجرة: مَا أَسْلَفَتْ [يونس:30], يعني: ما عملت من خير أو شر, وهذا قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71], ويقال: تتلوا بمعنى: تتبع, كقوله: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2], يعني: تبعها, والباقون (تبلوا) بالتاء والباء يعني: تجد, ويقال: تظهر كقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9], وقال القتبي : أي: يختبر).

    فتلاحظ هنا أنه أورد القراءات الواردة ثم بين معنى قراءة (تتلوا) ومعنى قراءة (تبلوا).

    وأيضاً اعتنى بالتفسير المنقول كأسباب النزول ومن نزل فيه الخطاب.

    وأخيراً الكتاب لا يخلو من حكاية تأويلات المتكلمين, و أبو الليث السمرقندي توفي سنة (375ه) في سمرقند, وكذا الماتريدي أيضاً من نفس المدينة، فلا يبعد أن يكون أبو الليث قد أخذ بعقيدة الماتريدي , وإن كان هذا يحتاج إلى تتبع.

    أنموذج من تفسير السمرقندي

    قال المؤلف رحمه الله:

    (قوله تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الجاثية:24], يعني: آجالنا, تنقضي, نموت ويحيا آخرون, يعني: نموت نحن ويحيا أولادنا, ويقال: يموت قوم ويحيا آخرون.

    ووجه آخر: نَمُوتُ وَنَحْيَا [الجاثية:24], يعني: نحيا ونموت، لأن الواو للجمع لا للتأخير.

    ووجه آخر: نَمُوتُ وَنَحْيَا [الجاثية:24],، أي: كنا أمواتاً في أصل الخلقة، ثم نحيا، ثم يهلكنا الدهر فذلك قوله: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، يعني: لا يميتنا إلا مضي الأيام، وطول العمر.

    قال الله تعالى: وَمَا لَهمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ [الجاثية:24], يعني: يقولون قولاً بغير حجة، ويتكلمون بالجهل: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24], يعني: ما هم إلا جاهلون.

    قوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [الجاثية:25], يعني: تعرض عليهم آيات القرآن واضحات، بين فيه الحلال والحرام مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ [الجاثية:25], أي: لم تكن حجتهم وجوابهم: إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا [الجاثية:25], يعني: أحيوا لنا آباءنا: إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية:25], بأنا نبعث, قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ [الجاثية:26], يخلقكم من النطفة, ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [الجاثية:26]، عند انقضاء آجالكم.

    ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الجاثية:26], يعني: يوم القيامة يجمع أولكم وآخركم, لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية:26], لا شك فيه عند المؤمنين، ويقال: لا ينبغي أن يشك فيه, وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:26], يعني: البعث بعد الموت.

    قوله عز وجل: وَللهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الجاثية:27], يعني: خزائن السموات والأرض. ويقال له: نفاذ الأمر في السموات والأرض, وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ [الجاثية:27], يعني: يخسر المكذبون بالبعث، وهم أهل الباطل والكذب.

    ثم قال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:26].

    وقوله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الجاثية:28], يعني: مجتمعة للحساب على الركب، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [الجاثية:28], يعني: إلى ما في كتابها من خير أو شر، وهذا كقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71], يعني: بكتابهم, الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28], يعني: يقال لهم: اليوم تثابون بما كنتم تعملون في الدنيا، من خير أو شر.

    قوله تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ [الجاثية:29], يعني: هذا الذي كتب عليكم الحفظة, يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية:29], يعني: يشهد عليكم بالحق, إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29], يعني: نستنسخ عملكم من اللوح المحفوظ، نسخة أعمالكم، ما كنتم تعملون من الحسنات والسيئات.

    قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد , يسوق السند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أول ما خلق الله القلم، فكتب ما يكون في الدنيا من عمل معمول، براً وفاجراً، وأحصاه في الذكر فاقرءوا إن شئتم: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29], فهل يكون النسخ إلا من شيء قد فرغ منه ) ).

    فهذا النص يوضح صورة موجزة عن تفسير أبي الليث السمرقندي وهو يعتبر من التفاسير المتوسطة, وعبارته كما يلاحظ سهلة, وهو أيضاً تفسير مباشر, ويذكر المحتملات، وإن كان في الغالب لا يرجح أحد هذه المحتملات.

    ويعتبر من الكتب الصالحة للقراءة فيما لو اعتمده إنسان؛ لأنه يجد فيه المادة التفسيرية المتكاملة, ولا يخلو تفسير من ملحوظة, لكن المقصود أنه يمكن أن يستفاد منه.

    وروايته عن مقاتل و الكلبي وهما متهمان بالكذب لا يعتبر عيباً في تفسيره؛ لأنه يروي قولهما لا نقلهما, وقد قلت: إن القول إذا كان منسوباً فنعرف صحته من عدم صحته من جهة المعنى, أما لو كان ناقلاً فإنا نتوقف فيه, ولن نقبله, فالنقل عن مقاتل و الكلبي لا يقبل, لكن إذا كان رأياً لهما فإنه إن كان هذا الرأي معتبراً وصحيحاً قبل, وإن كان فيه خطأ من جهة المعنى فإنه لا يقبل.

    مختصر تفسير يحيى بن سلام

    نأتي إلى تفسيرين بينهما تقارب من جهة أنهما مختصران لكتاب تفسير يحيى بن سلام , وقد اختلف المختصران في العقيدة, الكتاب الأول لـ هود بن محكم الهواري الإباظي , وهذا الكتاب مطبوع ومتداول, ومن هنا جاء الحديث عن هذا الكتاب.

    والكتاب الآخر هو لأحد أئمة السنة، وهو الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين شيخ قرطبة، المتوفى سنة (399), و الهواري ذكره المحقق وهو أيضاً إباضي من معاصريه, وتوفي في القرن الثالث, لكن لا يظهر بالدقة هل كان في نفس هذا القرن أم لا, فأنا أخرته لعلاقته بتفسير؛ لأنه مختصر تفسير يحيى بن سلام فربطته بتفسير ابن أبي زمنين لكي نرى الفرق بين هذين التفسيرين.

    تفسير يحيى بن سلام

    أما تفسير يحيى بن سلام فلأنه مخطوط لم أتكلم عنه في القرن الثاني, وسأشير إليه هنا لعلاقته بهذين التفسيرين: تفسير يحيى بن سلام البصري المتوفى سنة (200).

    فـيحيى بن سلام أخذ رواية التفسير عن علماء البصرة, كما أخذ عن نحاة البصرة أيضاً, فأخذ عن علماء البصرة التفسير والنحو, ولهذا ورد في كتابه بعض المسائل الإعرابية, وكتابه في التفسير كتاب متكامل في علم التفسير, وأدخل فيه الإعراب, فيكون تفسيره من أوائل من أدخل علم النحو في التفسير, ولا يعارضه معاني القرآن للفراء، ومعاني القرآن للأخفش, مع أنهما في عصره؛ لأن الكلام هنا عمن تكاملت فيه المادة التفسيرية.

    واعتمد الإسناد في روايته عن المفسرين, كما أنه قد يورد أحاديث مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولأنه متوفى سنة (200) فهو في عصر الإسناد، فقد اعتمد الإسناد إلى المفسرين.

    وأكثر من النقل عن الحسن و قتادة بالذات؛ لأنهما من أعلام البصرة, كما روى عن مجاهد وعن عكرمة وعن الكلبي وغيره.

    وكذلك أيضاً اعتنى بالقراءات وتوجيهها, والغالب أنه يذكر القراءة كيف قُرئت كما في قوله سبحانه وتعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:24], فيقول: الغيب: الوحي, (بضنين) ببخيل, يبخل عليكم به, وبعضهم يقرأ: (بظنين), أي: بمتهم, ولا يورد من الذي قرأ بها.

    وأيضاً يصدر تفسيره أو تعليقه أو استنباطه بقوله: قال يحيى , ثم يذكر ما يتعلق إما بترجيحه لبعض المعاني، وإما بإعراب أو غير ذلك.

    فيقول في قوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ [النور:61], الآية, يقول: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61], (عن قتادة قال: منعت البيوت زماناً كان الرجل لا يتضيف أحداً, لا يأكل في بيته غيره تأثماً من ذلك.

    قال يحيى : بلغني أن ذلك حين نزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29].

    قال قتادة : فكان أول من رخص الله له الأعمى والأعرج والمريض, ثم رخص لعامة المؤمنين: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [النور:61], إلى قوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61], فقوله: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور:61], قال بعضهم: هم المملوكون الذين هم خزنة على بيوت مواليهم, وقوله: صَدِيقِكُمْ [النور:61], قيل للحسن: الرجل يدخل على الرجل يعني: فيأكل من صديقه فيخرج الرجل من بيته ويرى الآخر شيئاً من الطعام في البيت يأكل منه, فقال: كل من طعام أخيك.

    قال يحيى : لم يذكر الله في هذه الآية بيت الابن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( أنت ومالك لأبيك ), من هذه الآية) يعني: كأنه يقول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنت ومالك لأبيك), استنباطاً من هذه الآية؛ لأن الله لم يذكر بيت الابن.

    وهذا التفسير مع كونه متقدماً إلا أنك لا تجده في روايات الطبري ، ولا في روايات ابن أبي حاتم ، والظاهر أنه لم ينتشر في المشرق العربي في عصرهما, كذلك لم يسند منه السيوطي مع تأخره، وإن كان قد أشار إليه ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب, ونبه عليه فقال: ومنها يعني من التفاسير: تفسير يحيى بن سلام المغربي وهو كبير في نحو ستة أسفار، أكثر فيه النقل عن التابعين وغيرهم, وهو لين الحديث، وفيما يرويه مناكير كثيرة, وشيوخه مثل سعيد بن أبي عروبة و مالك و الثوري .

    فهو أصله بصري ثم انتقل إلى القيروان وعاش بها، ومات ونشر العلم هناك.

    والقيروان في تونس ويطلقون عليها أحياناً: إفريقية, وبعضهم يقول فيه الإفريقي: يحيى بن سلام الإفريقي، فالمغربي، والبصري، والقيرواني كلها نسبة صحيحة.

    فتفسيره اشتهر في منطقته بالذات -منطقة تونس- أكثر من غيرها, ولهذا ما زالت مخطوطاته موجودة في تونس إلى الآن.

    ويعتبر من أول من استفاد منه الماوردي، المتوفي سنة (450), و الطبري سنة (110), و ابن أبي حاتم (327), فكأن هذا الكتاب ما جاء ذكره إلا متأخراً بعد زمن هذين الرجلين المعتنين بالإسناد, فنقل منه الماوردي كثيراً, ولهذا يصدر دائماً عبارته فيورد قولاً ثم يقول: يحيى بن سلام عن كذا .. ويمكن لمن أراد أن يبحث عن اختيارات يحيى بن سلام إن كان يدرسها دراسة تفسيرية أن يعتمد على تفسير الماوردي ؛ لأنها نسخة عن تفسيره مباشرة مع ما هو موجود من الكتب التي سيأتي ذكرها بعد قليل.

    وعن الماوردي نقل ابن الجوزي ، ونقل القرطبي من طريق الماوردي اختيارات يحيى بن سلام ؛ فاستفادا من الماوردي في نقل تفسير يحيى بن سلام , كما تجدونه مبثوثاً وإن كان قليلاً في كتب أبي عمرو الداني , وكثيراً ما يروي الداني بالسند عن يحيى بن سلام تفاسير وآثار نبوية, والداني كما هو معروف مغربي, فرواية يحيى بن سلام رواية مغربية.

    وبعض المغاربة الذين درسوا حياة يحيى بن سلام أرادوا أن يثبتوا أن الطبري نقل عن يحيى بن سلام، ولا يوجد في الطبري إلا نقل واحد من حديث ابن سلام في مسألة فقهية, أما من خلال تفسيراته فلا يوجد في تفسير الطبري أي نقل تفسيري من طريق يحيى بن سلام.

    فهذه إشارة سريعة إلى تفسير يحيى بن سلام البصري .

    تفسير الهواري الإباضي

    تفسير بدر بن المحكم الهواري الإباضي , ومعروف أن الإباضية فرقة من فرق الخوارج, ومحقق الكتاب جزائري إباضي, وقد كفانا مؤونة تتبع إشكاليات الإباضية؛ فإنه إذا وردت قضية إباضية أشار إليها في الحاشية؛ ولهذا فأنا اعتمدت على كلام المحقق في استخلاص هذه القضية؛ لأن هذا الكتاب ما فيه قيمة تفسيرية كبيرة؛ لأنه في الحقيقة اختصار لكلام يحيى بن سلام , وهو اختصار غير واضح, كما سيتضح من خلال ما سيأتي بعد قليل من تفسير ابن أبي زمنين ؛ فإنه اختصار منظم وواضح, فإذا نظرنا في تفسير هود وتفسير ابن أبي زمنين من جهة الاختصار نجد أن تفسير ابن أبي زمنين أفضل من جهة الاختصار وأوضح, ولم يضف أو يحرف في عبارات ابن سلام , كما تصرف, هود في العبارات بما يوافق معتقده, ولذا سأركز على هذه القضية, وهي القضية البارزة في تفسير هود بن المحكم وما يرتبط بالاعتقاد.

    فـهود بن المحكم لم يبين أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام، وقد تنبه المحقق إلى هذه القضية وذكرها في مقدمة تحقيقه، وكيف توصل إلى أن هذا الكتاب إنما هو في الحقيقة اختصار لتفسير يحيى بن سلام .

    يقول محقق الكتاب: فالملاحظ يعني: على منهج هود أنه يحذف الأحاديث التي لم تصح عنده, والتي لا تتفق مع أصول مذهبه, لقد حذف أحاديث في تفسير قوله تعالى في سورة مريم: لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم:87], وهي أحاديث الشفاعة, وحذف أحاديث متتابعة في تفسير قوله تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2], وهي أحاديث حول من سموا بالجهنميين أو بعتقاء الرحمن, لم تصح عنده كذلك, أي: لم تصح من جهة الرأي، فحذفها؛ لأن عقيدته خطأ, وهي عقيدة الخوارج وهي تكفر أصحاب الكبائر, ولهذا لا يرون أحاديث الشفاعة الدالة على خروج أصحاب الكبائر من النار, فهم يرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار.

    وأيضاً يلاحظ على اختصاره أنه حذف الإسناد, واختصر كثيراً من الآثار, وقد عدها محقق الكتاب من عيوب اختصاراته.

    ودائماً إذا وجدت في كتاب هود بن المحكم : قال بعضهم, فالغالب أنه من كلام يحيى بن سلام , وقد ترد هذه العبارة والمراد غيره.

    وأدخل هود بن المحكم بعض آراء الإباضية من فقه أو اعتقاد في هذا المختصر, فجعل اختصاره لتفسير يحيى بن سلام محلاً لإظهار معتقده الإباضي, وقد ذكرت سابقاً أن المحقق تتبع إباضيات هود بن المحكم وبينها، سواء من جهة الفقه أو من جهة الاعتقاد, ولهذا فبنظرة سريعة في الحواشي تستطيع أن تعرف المواطن الإباضية في الكتاب.

    يقول المحقق إذا وردت كلمة أصحابنا من الشيخ الهواري فإنما يقصد بها علماء الإباضية, وسيذكرهم بأسمائهم عند تفسير بعض آيات الأحكام الخاصة, وذكر منهم أبا عبيد مسلم بن أبي شريمة .

    قال: ويزيد أحياناً فيقول: والعامة من فقهائنا, والمراد به فقهاء الإباضية.

    ومما غيره من تفسير يحيى بن سلام ليوافق معتقده.

    مثال للحذف: في قوله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [البقرة:11], ورد في تفسير يحيى فقال: لا تشركوا, فقال في تفسير ابن المحكم : وَإِذَا قِيلَ لَهمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [البقرة:11], بالعمل بالمعصية, فغير لا تشركوا إلى: بالعمل بالمعصية, ليتوافق مع مذهبه.

    يقول المحقق وهذا تفسير ابن سلام لا شك, يقصد قوله: لا تشركوا, وما جاء من تغير في التأويل بالعمل بالمعصية، أو من زيادات مما أثبته دال وقاطع لنسخ المخطوطة من قول الشيخ هود الهواري قال: وهذا نموذج من عمله في كامل الكتاب, فما جاء في تفسير ابن سلام موافقاً لأصوله الإباضية أثبته, وما خالفها حذفه وأثبت مكانه ما وافق رأي الإباضية في مسألة الإيمان والكفر, وفي مسائل أخرى من مسائل الخلاف, فهذا كلام المحقق وهو إباضي أيضاً.

    فهم يرون ما هو معقول عن الإباضية فيثبتونه، وليس كل آرائهم تخالف كل أراء أهل السنة فهناك أشياء توافق، فما وافق أبقوه, وما خالف حصل له هذه التغيير.

    وهذا التفسير يعدّ أول تفسير للإباضية, وإن كان المحقق يرى غير ذلك, فالمحقق يقول: إننا لا نعلم للإباضية تفاسير كاملة لكتاب الله قبل الهواري، إلا تفسيراً ينسب إلى الإمام عبد الرحمن بن رستم وطبعاً هو إباضي, وآخر للإمام عبد الوهاب .

    وليس ببعيد أن يكون الهواري قد اطلع عليهما، وليس بين أيدينا الآن فيما بحثت وعلمت شيء من تفسيريهما، حتى نتمكن من المقارنة بين هذه التفاسير ونخرج بجواب شافٍ في الموضوع.

    وأما أبو المنيب محمد بن يانس المفسر الذي ناظر المعتزلة فلم يذكر عنه أنه ترك أثراً مكتوباً في التفسير, طبعاً وهذا في علماء الإباضية, وكلامه هذا فيه نظر؛ لأنه لو كان بالفعل يوجد كتاب للإباضية، فما الذي يدعو هود الهواري إلى أن يختصر تفسير يحيى بن سلام, فالاعتماد على تفاسير أئمته أولى من أن يأتي إلى تفسير يخالف منهجه ومعتقده وآراءه الفقهية, ثم يختصره ويدخل عليه الآراء الخاصة به, ولهذا والله أعلم يعتبر هذا أول تفسير للإباضية.

    فهذا بعض ما يتعلق بتفسير هود بن المحكم , ومن أراد الزيادة فليرجع إلى مقدمة المحقق فقد ذكر فيها جملة مما يتعلق بمنهج هود بن المحكم .

    تفسير ابن أبي زمنين

    نأتي إلى التفسير الآخر وهو تفسير ابن أبي زمنين , الإمام الزاهد القدوة, وهو من أهل السنة والجماعة, وتفسيره هذا يعتبر أيضاً من التفاسير المتوسطة وهو سهل العبارة, وأيضاً صالح لأن يكون كتاباً مقروءاً في التفسير, تتكامل فيه مادته التفسيرية, وهو كما ذكرت اختصار لتفسير يحيى بن سلام, وقد ذكر في مقدمة كتابه سبب اختصاره لهذا التفسير, وهو وجود التكرار الكثير في التفسير، يعني: أنه حذف المكرر في تفسير يحيى .

    وكذلك ذكر أحاديث يقوم علم التفسير بدونها, مثل كتاب جملة من الأحاديث ليست من صلب التفسير ولا علاقة للتفسير بها فحذفها.

    كذلك قال: قلة نشاط أكثر الطالبين للعلوم في زمانه.

    وهذه مشكلة قائمة, فكل عالم في كل زمان يشكو هذه المشكلة: وهي قلة نشاط أكثر الطالبين للعلوم في زمانه.

    فـالطبري كما يروون عنه أن كتابه التفسير كان كبيراً, فاختصره إلى الحد الموجود وكان يقول: ماتت الهمم, فهذه ثلاثة أسباب من أسباب الاختصار.

    ومن الأشياء المهمة جداً في تفسير ابن أبي زمنين أنه أضاف إضافات على تفسير يحيى بن سلام , حيث رأى أن تفسير يحيى قد نقصه هذا المضاف, فذكر ما لم يفسره، فإذا وردت جمل لم يفسرها يحيى فإنه يفسرها.

    وأيضاً أضاف كثيراً مما لم يذكره من اللغة والنحو على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل, ومع ذلك فلا يأخذ ممن خالف علماء السنة.

    ميز تفسيره وآراءه بقول: قال محمد , فنستطيع أن نعرف صلب تفسير يحيى المختصر, ونعرف زيادات ابن أبي زمنين ، بخلاف هود بن المحكم فإنه لم يذكر ما يدل على الزيادات, وصار لا بد من التتبع الذي قام به المحقق.

    فما ورد في التفسير قال: يحيى ؛ فيكون من صلب تفسير يحيى بن سلام , وما ورد مصدراً بعبارة قال: محمد فالمراد به ابن أبي زمنين .

    ومن مميزات تفسير ابن أبي زمنين: أنه من التفاسير المتقدمة؛ لأن صاحبه توفي سنة (199), وقد اعتنى واعتمد على آثار السلف وخصوصاً على تفسير يحيى بن سلام المخطوط أو الذي لم يطبع بعد، وجزء منه مفقود.

    ومن المميزات: كون هذا المختصر من أهل السنة والجماعة, فيسلم من إشكالية ما يرتبط بالتأويلات المنحرفة, ومن أمثلة ذلك: ما ورد في قوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3], وطبعاً هذا كلام لـيحيى: ( (وَلَقَدْ فَتَنَّا), اختبرنا, (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا), أي: بما أظهروا من الإيمان, وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3], يعني: الذين يظهرون الإيمان وقلوبهم على الكفر, وهم المنافقون), قال: (وهذا علم الفعال), هذا كلام يحيى .

    قال محمد: (معنى علم الفعال: العلم الذي تقوم به الحجة, وعليه يكون الجزاء، وقد علم الله الصادق والكاذب قبل خلقهما).

    فإذاً: علم الله سبحانه وتعالى بالموجودات قبل خلقها, فقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3], ليس علماً جديداً, وإنما هو العلم المرتبط بحدوث هذا الحدث, ولذا قال عنه: علم الفعال: هو العلم الذي تقوم به الحجة.

    ومما يتميز به هذا التفسير: سلاسة عباراته ووضوحها.

    ومن المميزات لهذا الكتاب: ما فيه من الاختصار.

    كذلك ما فيه من الزيادات المهمة التي زادها المختصر, كالاستشهاد للمعاني اللغوية بالشعر وغيرها, مثال ذلك في قوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:2], قال محمد: (يقال: أذنت بالشيء آذن أذناً إذا سمعته, قال الشاعر:

    صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

    أي: سمعوا, فـ(أذنت) هنا بمعنى سمعت.

    ومما تميز به: نقله لتوجيه القراءات خصوصاً عن أبي عبيد القاسم بن سلام في المختصر، حيث أخذ كثيراً من تفسير أبي عبيد القاسم بن سلام , في مثل قوله سبحانه وتعالى: هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [الملك:27], قال محمد: (ذكر أبو عبيد أن من القراء من قرأ: (الذي كنتم به تدعون) خفيفة؛ لأنهم كانوا يدعون بالعذاب في قوله: اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال:32], الآية.

    قال: وقرأ أكثرهم (تدّعون) بالتشديد، قال: هي القراءة عندنا), ولا زال الكلام من كلام أبي عبيد, (والتشديد مأخوذ من التخفيف (تدعون) تفعلون, و (وتدّعون) تفتعلون, مشتقة منه).

    إذاً أبو عبيد رجح قراءة التشديد، فاستفاد محمد من توجيهاته؛ لأن أبا عبيد له كتاب مستقل في القراءات, وبعض العلماء يقول: إنه أول من دون جمع القراءات.

    واستفاد أيضاً من غيره من أئمة اللغة كـالزجاج وغيرهم.

    فهذه إشارة مختصرة لاختصار ابن أبي زمنين لتفسير يحيى بن سلام .

    أنموذج من تفسير الهواري

    قال المؤلف: (قوله عز وجل: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ [الأحزاب:13], أي: من المنافقين, يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:13], يقوله المنافقون بعضهم لبعض, يقولون: إن خليناها ضاعت، قال الله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ [الأحزاب:13], يقولون: إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب:13], قال: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا [الأحزاب:14], أي: لو دخل عليهم أبو سفيان ومن معه، مِنْ أَقْطَارِهَا [الأحزاب:14]، أي: من نواحيها يعني: المدينة, ثُمَّ سُئِلُوا [الأحزاب:14], أي: طلبت منهم, الْفِتْنَةَ [الأحزاب:14], أي: الشرك, لَآتَوْهَا [الأحزاب:14], أي: لجاءوها, رجع الضمير إلى الفتنة: وهي الشرك على تفسير من قرأها بالحذف, ومن قرأ مثقلة ممدودة (لآتوها) أي: لأعطوها يعني: الفتنة وهي الشرك, لأعطوها إياهم, وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب:14], وهذه الآية تقضي بين المختلفين.

    تنفي عن المنافقين الشرك إن أبقى الله أهل الفراق ولم يكابروا عقولهم؛ إذ يقول: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا [الأحزاب:14], يعني: المنافقين, والفتنة تعني: الشرك, لَآتَوْهَا [الأحزاب:14], أي: لجاءوها ولأعطوها, فكيف يسألون الشرك وهم عليه, وكيف يجيئون إلى الشرك ويعطونه من طلبه منهم وهم عليه, فليتقِ الله أهل الفراق لنا، وليعلموا أن المنافقين ليسوا بمشركين, وقد برأهم الله من الشرك في هذه الآية, وأخبر أنهم: لو دخل عليهم من أقطارها يعني: من نواحيها, ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ [الأحزاب:14], أي: الشرك, لَآتَوْهَا [الأحزاب:14], أي: لأعطوها ولأتوه ما أبين هذا بنعمة الله وبحمده).

    كأنه يرد على أهل السنة في هذا الموطن, يسميهم أهل الفراق المفارقين لهم, ثم فرق في مسألة الإيمان والكفر.

    (قوله: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ [الأحزاب:15], ذكروا أن جابر بن عبد الله قال: ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نفر ولم نبايعه على الموت ), وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا [الأحزاب:15], أي: يسألهم الله عن ذلك العهد الذي لم يوفِّ به المنافقون, قال: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ [الأحزاب:16], أي: في الدنيا, إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:16], أي: إلى آجالكم).

    أنموذج من تفسير ابن أبي زمنين

    نقرأ من كلام ابن أبي زمنين نفس المنطق هذا تقريباً لنرى أنه لا توجد هذه الزيادة التي زادها هود بن المحكم، إنما زادها لتوافق مذهبه ونعلق عليها تعليقاً مذهبياً.

    قال المؤلف رحمه الله: (قوله تعالى: إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الأحزاب:9], يعني: أبا سفيان وأصحابه, فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا [الأحزاب:9], قال مجاهد : وهي الصبا كانت تكبهم على وجوههم، وتنزع الفساطيط حتى أطعنتهم, وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9], يعني: الملائكة, إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب:10], تفسير الحسن : جاءوا من وجهين: من أسفل المدينة, ومن أعلاها, وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب:10], من شدة الخوف, وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا [الأحزاب:10], يعني: المنافقين ظنوا أن محمداً سيقتل وأنهم سيهلكون, قال الله: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ [الأحزاب:11], أي: اختبروا, وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11], أي: حركوا بالخوف وأخذتهم الشدة, إِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأنفال:49], وهم المنافقون، المرض في تفسير قتادة : النفاق, مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:12], فيما يزعم أنه رسوله, إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12], أي: وعدنا الله النصر فلا ترانا ننصر, وترانا نقتل ونهزم, ولم يكن فيما وعهدهم الله ألا يقتل منهم أحد, وألا يهزموا في بعض الأحايين, وإنما وعدهم النصر في العاقبة.

    وقوله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:13], قال الكلبي : لما رأى المنافقون الأحزاب جبنوا، فقال بعضهم لبعض: لا والله ما لكم مقام مع هؤلاء, فارجعوا إلى قومكم يعنون المشركون فاستأمنوهم, إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ [الأحزاب:13], أي: خالية نخاف عليها السرق, قال الله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ [الأحزاب:13], إن الله يحفظها, إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا [الأحزاب:13-14], يقول: لو دخل عليهم أبو سفيان ومن معهم من نواحيها, ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ [الأحزاب:14], يعني: الشرك, لأتوها لجاءوها, وتقرأ (لآتوها) بالمد المعنى: لأعطوها. وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ [الأحزاب:15], أي: ينهزمون, وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا [الأحزاب:15], يعني: يسألهم عن العهد الذي لم يوفوا به).

    وبهذا يتبين الفرق بين طريقة هود بن المحكم في الاختصار وطريقة ابن أبي زمنين , فواضح جداً أن هود بن المحكم كان إذا جاءت مناسبة يدخل عقيدته الإباضية في هذا المختصر.

    فالمنافقون يرى أنهم مشركون وهم كفار، فالنفاق كفر, ففي عبارة السلف نوع من التسامح فهو أخذها بهذا المفهوم أن هؤلاء المشركين كيف أسلموا فهؤلاء ليسوا مشركين إذ كيف يطلب منهم، أو أنهم مشركون فكيف يطلب منهم الشرك, وهذا كله راجع إلى قضية المفهوم الذي عندهم لأن الناس عندهم إما كافر أو مؤمن فقط، والمعاصي داخلة في التخليد في النار, لأن صاحب الكبيرة مخلد في النار.

    كتاب التفسير من السنن الكبرى للنسائي

    ومن كتب السنة التي تضمنت كتاباً في التفسير، كتاب أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة (303), وهو كتاب السنن الكبرى, وهذا الكتاب لا يخرج عن الأفكار التي سبق طرحها في كتب السنن, فهو يروي بالإسناد كبقية كتاب السنن الكبرى, وكذلك يورد كثيراً من أسباب النزول.

    ووردت بصيغة النزول في كتاب التفسير من السنن الكبرى قرابة مائتين وعشرين مرة.

    من أمثلة ذلك ما أورده في تفسير قوله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256], حيث أورد السند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكون لها ولد، تجعل على نفسها لئن كان لها ولد لتهودنه, ولما أسلمت الأنصار قالوا: كيف نصنع بأبنائنا فنزلت هذه الآية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256].

    وسيراً على منهج المحدثين يورد الأحاديث المناسبة لمعنى الآية, فقد أورد في تفسير قوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى:25], ما رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم قد أضل راحلته في أرض مهلكة يخاف أن يقتله الجوع ).

    كما أنه أيضاً يورد الأحاديث المتعلقة بالآية ولو كان من وجه ضعيف, مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97], حيث أورد فيها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ), فكأنه يقول: إن الكعبة جعلها الله سبحانه وتعالى مبنية للناس يأتون إليها، ولكن سيقع فيها تخريب, والحديث هذا ليس له علاقة مباشرة بالآية, لكن له ارتباط بقضية الكعبة فأورده.

    وهناك أمثلة أخرى في تفسيره.

    وأيضاً يورد بعض آثار الصحابة في التفسير، ويغلب عليها أنها داخلة في أسباب النزول وليست من باب التفسير، وقد يأتي التفسير لكنه قليل.

    فمثلاً: أورد عن ابن عباس في قوله: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57], قال: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85]، قال: إلى مكة, يعني: أورد تفسير ابن عباس : لرادك إلى معاد إلى مكة، فهذا من باب التفسير لكنه قليل.

    فهذه إشارة سريعة إلى كتاب سنن النسائي الكبرى، وهو سائر على نفس منهج المحدثين في كتابة التفسير.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3045836595

    عدد مرات الحفظ

    733191508