إسلام ويب

تاريخ القرآن الكريم [3]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اعتنى الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن اعتناء بالغاً، تحملاً وبلاغاً، ومن مظاهر اعتنائه: إسماع الكفار القرآن، وقراءته على الصحابة في الخطب، وأمره بقراءته، وترتيب الأجر على ذلك، ومن مظاهر الاعتناء بالقرآن تدوينه، فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم كتاب للوحي كعلي وعثمان وأبي وزيد.

    1.   

    القرآن في العهد المدني

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أما بعد:

    فنكمل في هذا اللقاء ما يتعلق بتاريخ القرآن في العهد المدني؛ لأن العهد المكي كما سبق أن أشرت لم يكن فيه كبير عمل للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة تدوينه، أو من جهة العناية بحفظه للصحابة، وإن كان الصحابة يحفظونه، لكن بدأ يظهر هذا ويبرز في العهد المدني.

    العناية بالقرآن عند دخول رسول الله المدينة

    ففي هذا الموضوع أحب أن أرجع إلى ما ذكرت من قضية الواقع التاريخي، يعني: تصور الحال، إذا رجعنا إلى العهد الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في العام الأول من الهجرة، ويعتبر العام الثالث عشر من البعثة على أصح الأقوال في أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة.

    لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نريد أن نتصور الحال كم كان عدد المسلمين؟ وكيف كانت حالة المدينة في هذه السنوات الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ ثم كيف صارت الحال لما توفي صلى الله عليه وسلم؛ لكي نعرف جيداً كيف تعامل الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في قضية العناية بالقرآن؟

    نحن نتكلم الآن عن كيفية تلقي هؤلاء الصحابة القرآن، كيف أوصل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للصحابة؟

    لأن عدم تصور مثل هذه الأمور عند المسلم بالذات يجعله ناقص العلم، بحيث لو نوقش في شيء ما لا يستطيع أن يرد عليه، أو قد تقع عليه شبهة ولا ينتبه إلى أنها شبهة والحقيقة غيرها، فهذا التصور للحال هو الذي سأحاول أن أسوقه معكم اليوم منطلقاً أيضاً من الآثار الواردة في ذلك.

    تلاوة القرآن عند دخول المدينة

    إذا رجعنا إلى عمل النبي صلى الله عليه وسلم الأول الذي سبق أن ذكرت ذلك سابقاً وختمنا به الدرس فإن النبي صلى الله عليه وسلم أول عمل عمله لما وصل إلى المدينة واستقر بها هو بناء المسجد، الذي هو المنطلق الأول لجميع أعمال المسلم، لكن الآن سنخص منها ما يتعلق بقضية القرآن.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أغلب حاله أن يكون في المسجد مع أصحابه، في المسجد سنرى كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصل رسالته التي هي: القرآن إلى الصحابة؟

    عندنا أيضاً قضية مرتبة بالتلاوة أولاً وهي التي سنركز عليها ثم ننتقل إلى التدوين.

    القرآن نفسه نجد أن فيه إشارات وأوامر لتلاوة القرآن، مثل قوله سبحانه وتعالى في سورة النمل: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل:91-92]، فلاحظوا الأمر بأن يتلو القرآن، وهو أمر إلهي.

    لو نظرنا إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وما هو المقدار الذي كانت تأخذ منه تلاوة القرآن فسنجد أن حظ تلاوة القرآن من حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان حظاً كبيراً، سيتبين إن شاء الله من خلال ما ستأتي الإشارة إليه من القضايا اللاحقة.

    أيضاً: يقول الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت، وهي مكية، قال: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، والربط بين تلاوة ما أوحي إليه وإقامة الصلاة رابط واضح؛ لأن إقامة الصلاة هي أحد مناطات تلاوة القرآن مع أن تلاوة القرآن تكون في الصلاة وفي غيرها.

    كذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة مدنية: وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].

    وتذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسر ثمامة بن أثال وربطه في سارية في المسجد. كان يسمع القرآن، وكان يرى أخلاق المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا شك أن هذا أثر فيه، وسيأتينا أيضاً الإشارة إلى جبير بن مطعم لما سمع القرآن وغيره.

    فإذاً: قضية أن يوصل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ويتلوه كانت هذه من أكبر المهمات التي يقوم بها.

    أيضاً: يقول الله سبحانه وتعالى مادحاً الذين يتلون الكتاب: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [فاطر:29]، أيضاً ربط بينهما، فقال: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29].

    فإذاً: أقول: إن قضية تلاوة القرآن قضية مشاعة يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعها جميع الناس: يسمعها المؤمن والكافر، فتلاوة القرآن وإيصاله إلى مسامع الناس لم يكن خاصاً، وهذه قضية مهمة ننتبه لها، بخلاف كتب بني إسرائيل التي ما كان يعلمها إلا الرهبان والأحبار فقط في الزمان الماضي، وليس كاليوم حينما وجدت المطابع وطبعت كتبهم.

    فيجب أن التنبه لهذه الحيثية المهمة جداً وهي: أن تلاوة القرآن كانت أمراً مشاعاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن في آناء كثيرة، والصحابة كانوا يسمعون القرآن وهذه الآيات واضحة بالأمر بذلك.

    إيصال القرآن إلى مسامع الكفار

    فبعض الآيات موجهة للكفار، قال تعالى: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ [النمل:91-92]، فهذا الخطاب من الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وهو موجه للكفار، فهذا يدل على أن إيصال القرآن إلى مسامع الكفار نوع من العبادة، ونوع من الدعوة بحد ذاته، وهو مهم جداً وقد نغفل عنه أحياناً، بل قد يقول بعض الناس: الكافر لا يعرف العربية؟ لكن من الشواهد التي تنقل لنا: أن الكفار يميزون القرآن عن غيره وقد يحصل لهم تأثر نفسي به.

    فإذاً لا بد من التنبه لهذا الأمر، وأن لا يستهان به، لا يستهان بهذه القضية بالذات التي هي: تلاوة القرآن.

    مظاهر العناية النبوية بإيصال القرن إلى الصحابة

    ننتقل الآن إلى مظاهر العناية النبوية بإيصال القرآن للصحابة:

    هناك أمور مرتبطة ببعضها وهي: المسجد، والمصليات، والخطب.

    المسجد: الذي هو الصلاة، يعني: ما يقع فيه الصلاة.

    والمصليات: التي هي لإقامة العيد أو للكسوف والخسوف.

    والخطب النبوية سواءً كانت خطبة الجمعة أو خطبة العيدين أو غيرها.

    سماع الصحابة القرآن في الصلوات الجهرية

    روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1]، في العشاء وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه أو قراءة ).

    هذا الحديث وأمثاله إذا نظر إليه أحد العلماء كـالشافعي رحمه الله تعالى فإنه سيشفق من هذه الأحاديث فوائد كثيرة، لكن نحن الذي يهمنا الآن منه القضية التي نحن بصددها وهي: أن البراء سمع القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه إحدى الطرق التي كان يسمع بها الصحابة القرآن.

    الرسول صلى الله عليه وسلم جلس معهم عشر سنوات وصلى بهم جميع الصلوات، إلا عدداً قليلاً من الصلوات، التي لم يكن فيها النبي صلى الله عليه وسلم إماماً، وهي لا تتجاوز الثنتين، وهو حاضر عليه الصلاة والسلام.

    في هذه الفترة -وهي العشر السنوات وكان الصحابة دائماً حضوراً معه عليه الصلاة والسلام يسمعون القرآن ويميزونه.

    فلم يكن القرآن خفياً يعرفه واحد منهم والآخر لا يعرف عنه شيئاً! إنما كان حقاً مشاعاً يسمعه الجميع.

    أيضاً: يقول البخاري فيما رواه عن أم الفضل بنت الحارث قالت: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1]، ثم صلى لنا بعدها حتى قبضه الله )، يعني: كأنه من آخر ما صلى به النبي صلى الله عليه وسلم بهم وسمعته أم الفضل يقرأ : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1].

    وهنا ملاحظة وهي: أن الصحابة كانوا يعرفون ماذا يقرأ رسول الله، ولم تكن خافية عليهم هذه السور، ولا مجهولة عندهم، وستأتي آثار تدل على هذا.

    سماع الصحابة للقرآن من خطب رسول الله

    من استشهاداته صلى الله عليه وسلم بالقرآن في الخطب ما رواه مسلم وغيره عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لـعمرة قالت: ( أخذت (( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ )) من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة ). هذا معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يقرأ بها كان لها من القدرة على الحفظ ما يجعلها تحفظ سورة (ق)، فقد سمعتها أكثر من مرة من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الطريقة التي كان يحفظ بها الصحابة، يعني: السماع ثم يرددون ما سمعوا.

    كذلك رواية أخرى عند الإمام مسلم عن عبد الله بن محمد بن معن عن بنت الحارثة بن النعمان قالت: ( ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها كل جمعة )، قالت: ( وكانت تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم )، هذه رواية أخرى للأثر، وهذا يدل على نفس ما سبق.

    كذلك النسائي يروي بسنده عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] ).

    فمن خلال هذه الآثار التي عندنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن في الصلوات سواء كانت مفروضة أو غيرها، ومن خلال الخطب، والصحابة كانوا يعرفون ويميزون هذه السور وهذه الآيات.

    ذكر ترتيب الأجر على القراءة

    أيضاً من أوجه العناية: ترتيب الأجر على قراءته، وسيأتينا تعيين سور، يعني: من قرأ سورة كذا، من قرأ سورة كذا، ماذا نستفيد من قوله: من قرأ سورة كذا؟

    الأمثلة كثيرة منها: ما رواه الإمام مسلم ، بسنده عن أبي أمامة الباهلي قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه )، الصحابة رضوان الله عنهم لما يسمعون هذا الخبر ماذا تتصورون منهم وهم يبادرون لعمل الخير؟ سيبادرون إلى قراءة القرآن، فإذاً لما يقول لهم: ( اقرأوا القرآن )، القرآن معلوم عندهم يعرفونه لم يكن خافياً عليهم.

    وقوله: ( اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غييتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما ).

    وقوله: ( اقرأوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة )، والبطلة هم: السحرة.

    وقد ذكر رسول الله هنا سورتي البقرة وآل عمران، ومعنى ذلك أن الصحابة لما يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اقرأوا البقرة وآل عمران )، فإنهم هم يعرفون ما سورة البقرة ويعرفون ما سورة آل عمران، فليست خافية عنهم، فإذاً هم يعلمونها.

    وغير هذه الأحاديث مما ورد وفيه فضائل لبعض السور هو من جنس هذا، فإنه كان يحدد لهم فضيلة سورة معينة وهي معلومة عندهم وليست خافية.

    وهذا ليس كما يقول بعض الرافضة أو غلاة الصوفية أو الباطنية: أن هناك علماً لا يعلمه إلا الأولياء أو الأئمة. ليس هناك علم خاص بالشريعة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئاً من الوحي، بل قاله لكل الناس، إلا شيئاً يختص إنساناً بعينه به، مثلما خص فاطمة رضي الله عنها بخبر خاص بها وليس خبراً عاماً للناس، أما الخبر العام للناس فلا، بل كان مشاعاً، فلا يمكن أن يكون تعليم القرآن من هذا النوع الخاص كما يزعم بعضهم أبداً.

    قراءة بعض الصحابة على رسول الله أو سماعهم منه مباشرة

    أيضاً من مظاهر العناية النبوية: الآثار الكثيرة التي تدل على أن الصحابة قرأوا على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أو سمعوه مباشرة منه يعني: السماع الخاص وليس السماع العام.

    روى الإمام أحمد بسنده عن زيد بن ثابت قال: ( قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَالنَّجْمِ [النجم:1]، فلم يسجد فيها )، زيد بن ثابت قرأ سورة واضحة المعالم عنده ويعرفها وقال: لم يسجد فيها؛ لأن في آخرها سجدة فلم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء لهم تخريجات في سبب عدم سجود النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يؤخذ من فقه الحديث.

    لكن المقصد: أنه يقول: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقراءة على النبي صلى الله عليه وسلم أو القراءة على الشيخ تسمى: العرض، والسماع منه يسمى: التلقي.

    عن عبد الله بن عمر قال: ( قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم : هل من مذكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل من مدكر )، وهذا في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح.

    وهذا أيضاً يدلك على أمر مهم جداً تنتبه له وهو من فوائد هذا الحديث المتعلق بموضوعنا في قضية التصحيح النبوي وهو: أن المرجع في تصحيح القراءة هو النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتينا إن شاء الله الإشارة إليها، لكن أيضاً هذه فائدة من فوائد الحديث: أن المرجع في تصحيح القراءة هو النبي صلى الله عليه وسلم، فـعبد الله بن عمر قرأ: هل من مذكر، فصحح له النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( هل من مدكر ) فإذاً هذه أيضاً من العرض على النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن سماعهم وإن كان أيضاً هذا من السماع العام: ما رواه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير بن مطعم قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ).

    وهناك حديث أبي بن كعب : ( إن ربي أمرني أن أقرأ عليك سورة: لَمْ يَكُنْ [البينة:1] ).

    إن تلقي القراءة عن النبي فيه آثار كثيرة جداً وسيأتينا بعض الآثار، لكن فرقتها في أماكن وإلا هي تدل على هذا المعنى وعلى غيره.

    الأمر بالقراءة كما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ومن مظاهر العناية النبوية وهو الأمر الرابع: الأمر بالقراءة كما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم أقرأهم فكان من مظاهر عنايته صلى الله عليه وسلم: التنبيه على ألا يخرج عما قرأ، إذاً لا يجوز للصحابي أن يقرأ بالمعنى، أو أن يقرأ كما اتفق، وإنما يقرأ كما عُلِّم.

    روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: ( تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا علياً رضي الله عنه يناجيه، فقلنا: إنا اختلفنا في القراءة، فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تقرأوا كما علمتم )، وهذا إسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرنؤوط، وهذا أيضاً يدلك على أن المرجع عندهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه السورة التي يقول عنها ابن مسعود خمس وثلاثون أو ست وثلاثون يلاحظ أنها مرتبطة بقضية العد، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأوا كما علمهم؛ لأن قوله: ( اقرأوا كما علمتم )، المعلم هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد الأمر بالقراءة كما علموا في غير هذا الأثر، وورد الأمر بعدم الاختلاف: ( اقرأوا كما علمتم ولا تختلفوا كما اختلف بنو إسرائيل على أنبيائهم ).

    معارضة جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن

    أيضاً من مظاهر العناية -وهذا مرتبط بـجبريل عليه السلام-: معارضة جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهذا من أشهر الأحاديث الواردة فيما يتعلق بقضية تاريخ القرآن فعن مسروق قال: عن عائشة رضي الله عنها عن فاطمة عليها السلام: ( أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي )، فالنبي صلى الله عليه وسلم أسر لـفاطمة ليس بالمعارضة؛ لأن الصحابة يعرفون هذا، وإنما أسر إليها بقرب أجله صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا بكت، ثم أسر لها الثانية فضحكت، فـعائشة رضي الله عنها سألتها فأبت أن تخبرها فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم أخبرت عائشة بهذا الخبر؛ لأنه كان سراً بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

    فقوله: ( كان يعارضني بالقرآن كل سنة )، يبين أن هناك عناية إلاهية بقضية القرآن فالرسول صلى الله عليه وسلم يعارض كل سنة، وجبريل كان يعارضه يسمع منه.

    سنأتي إلى فائدة هذه المعارضة، من أهم فوائد هذه المعارضة: تثبيت ما ثبت من القرآن وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نسي شيئاً منه يكون فيه أيضاً تثبيت لما نسيه إن كان، لكن هو لم يرد، لكن لو افترضنا أنه قد وقع نسيان منه صلى الله عليه وسلم لكن في غير هذا الموطن ثم تذكره.

    فالمقصد من ذلك: أن هذه المعارضة كل سنة يكون عند الرسول صلى الله عليه وسلم فيها علم بالنازل عليه، ومن ثم يعطيه الصحابة.

    انعدام الاختلاف في القراءة بين الصحابة في عهده صلى الله عليه وسلم

    المظهر السادس: انعدام الاختلاف في القراءة بين الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والسبب في ذلك هو: الرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثلما سبق في قوله: ( اقرأوا كما علمتم ).

    من الأحاديث الواردة في ذلك: حديث عبد الله بن مسعود قال: ( أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من الثلاثين من آل حم، -قال: يعني: الأحقاف التي وقع فيها الخلاف قبل قليل- قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين سميت الثلاثين )، لاحظ الفوائد في طريقة تسمية الصحابة، يعني: أن السورة التي تكون أكثر من ثلاثين آية يسمونها سورة الثلاثين، يعني: التي تجاوزت الثلاثين.

    قال: ( فرحت إلى المسجد فإذا رجل يقرأها على غير ما أقرأني، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقلت للآخر: اقرأها، فقرأها على غير قراءتي وقراءة صاحبي، فانطلقت بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إن هذين يخالفاني في القراءة، قال: فغضب وتمعر وجهه وقال: إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، قال: قال زر: وعنده رجل، قال: فقال الرجل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم -الرجل هو: علي في الرواية الأخرى- يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما أقرأني؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، قال عبد الله: فلا أدري أشيئاً أسره إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو علم ما في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم )، قال: والرجل هو : علي بن أبي طالب، حتى لو كان قالها علي من نفسه فإنه قد أقره النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً المرجع في مثل هذا الخلاف هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث أو الأثر موضح للأثر الذي سبق أن ذكرته في الأمر بالقراءة كما علموا.

    أثر آخر وهو مشهور عن عمر بن الخطاب قال: ( أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من القرآن فحفظتها ووعيتها )، الآن: أقرأني معناه: أسمعني النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( فحفظتها ووعيتها، فبينما أنا قائم في المسجد أصلي إذا هشام بن حكيم يصلي إلى جنبي، فافتتح تلك السورة على غير الحرف الذي أقرأني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهممت أن أساوره في الصلاة، ثم كففت حتى صلى، فأخذت بمجامع ثوبه فقلت: من أقرأك هذه الآية؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت، لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير هذا الحرف، فخرجت أقوده فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمر ! خل سبيله، فأرسلت ثوبه فقلت: يا رسول الله! أقرأتني سورة من القرآن فإذا هو يقرأ على خلاف ما أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ يا هشام ! فقرأ. فقال -ولاحظوا العبارة مهمة جداً عندنا - : هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ يا عمر، قال: فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه ).

    أيضاً هنا فائدة مهمة جداً، نستفيد من هذا أن المرجع في الخلاف -لما كان النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً- هو النبي صلى الله عليه وسلم، الآن هذا مرتبط بالأحرف السبعة وسيأتينا إن شاء الله تفصيل لها، لكن الآن هل النبي صلى الله عليه وسلم له تدخل فيما يتعلق بالأحرف؟

    لا؛ لأنه يقول: ( هكذا أنزلت )، فإذاً هذه فائدة مهمة يجب أن ننتبه لها، وهي: أن كل ما يتعلق بنزول القرآن إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً، الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ فقط؛ ولهذا هو قال: ( هكذا أنزلت )، مع أنها مختلفة القراءة، وسيأتينا إن شاء الله لما نأتي بعد عهد عثمان والخلاف الوارد في القراءات، وأيضاً في عهد عثمان لعلنا نشير إليه أيضاً.

    معرفة الصحابة للسور وآياتها وانتشار القرآن بينهم

    السابع من هذه الأمور: معرفة الصحابة للسور وآياتها وانتشار القرآن بينهم، وهذه نتيجة للسابق الذي ذكرناه:

    روى البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: (في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول، وهن من تلادي)، (من تلادي) يعني: من محفوظي القديم، ماذا نستفيد من هذا الأثر؟

    الآن عبد الله بن مسعود يعرف أسماء السور وقد حفظها قديماً، وهذه كل السور التي ذكرها سور مكية، وأيضاً جاءت على ترتيب المصحف.

    كثرة القراء من الصحابة

    أيضاً روى البخاري عن أنس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدوه عدواً فأمدهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين من الأنصار )، قال أنس : كنا نسميهم القراء -انتبهوا للفائدة هذه- سبعون قارئاً، هذه هي بئر معونة كانت تقريباً في العام الثالث، وقد وصل القراء المتخصصون إلى سبعين، فما بالك بعد ذلك بكثير كم سيكون؟

    قال: ( كنا نسميهم القراء يحطبون بالنهار ويصلون بالليل )، معناه: أنهم في النهار يعملون لأنفسهم، يكفون الحاجة عنها، وبالليل شغلهم الصلاة، والصلاة تحتاج إلى قراءة وحفظ، فإذاً هم الآن تخصصوا لهذا.

    ومن باب الفائدة ننبه على أن بعض الناس قد يقلل من شأن حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى، أو ممن يعتنون بالقراءات ويقلل من شأن هذا العلم ويقول: هذا علم في النهاية لمن تقرأ؟

    نقول: لا. أي أمر يتعلق بكتاب الله سبحانه وتعالى فإنه عظيم ولا أدل على ذلك من معرفة حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحال علمائنا السابقين في هذا.

    فالذي معه قراءات تجده يتغنى بالقرآن بأكثر من وجه، فإن قرأ برواية استملحتها، وإن قرأ برواية أخرى استملحتها وهكذا، أما صاحب الوجه الواحد فليس عنده إلا صوت واحد فقط، أما من يكون عنده تعدد في القراءات فإذا قرأ فإنك تقول: ليته لا يسكت، يعني: كأنك تسمع القرآن جديداً كأنه الآن ينزل، أنت قد اعتادت أذنك على سماع وجه فلما يقرأ برواية أخرى تتمنى أن لا يسكت لأنك تترقب الوجوه المخالفة للقراءة التي عندك، وكأنما ينزل عليك الآن وتسمعه، فأقول: يجب أن ينتبه إلى هذا وأن لا يستهان بهذا العلم.

    ومن باب الفائدة أيضاً استطراداً واعذروني: أنه لا يقع هذا الكلام إلا إذا تزاحم علمان عند شخص ورؤى أن هذا الشخص قدرته في إيصال علم ما للناس أقوى، فهذه قضية أخرى، لكن نتكلم نحن عن عموم هذا العلم والعناية به وكونه يخرج عندنا ممن يعتني به، فهذا خير وبركة لمن يعتني بالقرآن، وهو يمثل حال هؤلاء الذين كانوا يسمون القراء.

    قال: ( يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، فانطلقوا بهم -يعني: تلك القبائل التي ذكرها- حتى بلغوا بئر معونة فغدروا بهم وقتلوهم، فقنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان ).

    قال قتادة: (وحدثنا أنس أنهم قرأوا بهم قراءناً : ألا بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ثم رفع بعد ذلك )، تنتبهون للفائدة هذه، يعني: نزل قرآن ثم رفع، هذه سنحتاجها إن شاء الله لاحقاً.

    أيضاً لو رجعنا إلى حديث جمع أبي بكر للقرآن سنجد امتداد هذه الطبقة من القراء.

    إن السبب الذي كان دافعاً لجمع القرآن في عهد أبي بكر هو ما ذكره زيد بن ثابت قال: (أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة -يعني: زمن مقتلهم- فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن) إذاً قراء القرآن في صفوف المعارك، يعني: أيضاً تجدهم بالليل في الصلاة وفي النهار يشتغلون لأنفسهم وعند المعارك يكونون في صفوف المعارك الأولى، وقوله: (استحر) لا يستحر القتل إلا بمن كان متقدماً في القتال، قال: (استحر القتل بالقراء بالمواطن).

    قال: (فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن) يعني: هذا عمر ، الآن أبو بكر يتكلم على لسان عمر، الذي نريد فقط هذه الفائدة: أنه استحر بقراء القرآن كأن للصحابة معرفة بهم، أنهم ناس قد تخصصوا لهذا.

    فإذا نظرنا إلى هذه الوجوه التي ذكرت لكم وهذه الآثار فإننا ننجزم جزماً يقينياً بالعناية التامة من النبي صلى الله عليه وسلم أولاً ومن الصحابة ثانياً بحفظ القرآن، فأي مشكك يأتي بعد ذلك يشكك في مثل هذه القضية فإنه يخالف النتيجة التي هي بين أيدينا الآن، فهو كتاب مكتوب، لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف جمع؟ كيف حفظ؟ إلا بمثل جهود هؤلاء.

    ومن نعمة الله سبحانه وتعالى علينا نحن المسلمين أن جعل لنا سبباً في حفظ القرآن، وإلا الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، لكن حفظ بأسباب من أكبر هذه الأسباب : تسخير وتيسير هؤلاء الصحابة الكرام للعناية بالقرآن.

    ويظهر حينئذ أن القرآن كان منتشراً مشتهراً في الصحابة قاطبة، متوزعاً فيما بينهم يعلمونه، وأن طبقة منهم كانت تسمى طبقة القراء كانت متخصصة فيما يتعلق بالقرآن.

    وهذا لم يكن موجوداً في أصحاب الكتب السابقة إطلاقاً.

    1.   

    تدوين القرآن في العصر المدني

    نأتي الآن إلى ما يتعلق بقضية التدوين، وكثير ممن يعترضون وينتقدون يأتون إلى الأحاديث المرتبطة بالتدوين ويتركون هذه الأحاديث المرتبطة بالإقراء، والدليل على انتشار القرآن وغيره؛ لأن هؤلاء لا يريدون حقاً إنما يريدون الطعن، فيأتون بزعمهم إلى مثل هذا للطعن على القرآن وأنى لهم؟!

    نأتي الآن إلى قضية الحرص على تدوين القرآن في العهد المدني:

    دلائل اعتناء رسول الله بالتدوين في المدينة

    في العهد المكي قلنا: إن الآثار لا تعطينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتنى بقضية التدوين، لكن في العهد المدني بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بالتدوين، عندنا حديث رواه الإمام البخاري يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم الحرص التام على العناية بكتابة القرآن، يقول صلى الله عليه وسلم: ( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه )، قال: ( وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكتب إلا القرآن، وكان هذا في أول الأمر، وفي نهاية الأمر نسخ هذا وأباح لهم الكتابة، ويدل على هذا قوله: ( اكتبوا لأبي شاه)، ويدل عليه أيضاً أنه كان لـعبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة كتبها عن رسول الله يقال لها: الصادقة.

    كتّاب الوحي

    ومن الدلائل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن: أنه كان إذا نزل عليه شيء من الوحي يأمر بعض كتبة الوحي الخاصين عنده؛ لأن هناك كتبة خاصين بالوحي بعضهم ممن تأخر إسلامه، لكنه كان كاتباً مجيداً أختصه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الوحي، وإلا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كثر، والذين يعرفون الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاروا كثراً، لكن الكلام عمن كان له خاصية في كتابة الوحي.

    روى البخاري أيضاً بسنده عن البراء رضي الله عنه قال: ( لما نزلت: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95]، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت فكتبها )، و زيد هو الذي دائماً يقول رسول الله فيه: (ادعوا زيداً )؛ لأنه هو أخص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة القرآن، قال: ( فجاء ابن أم مكتوم فشكى ضرارته، -أي: عماه- قال: فأنزل الله: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ[النساء:95] ).

    إذاً إذا تأملنا مثل هذه الأحاديث وغيرها أيضاً في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تدوين القرآن واجتهاده أيضاً في وضع الآيات في مكانها حيث كان يقول: (ضعوا آية كذا في مكان كذا)، فإنه يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو المباشر لما يتعلق بتدوين المصحف، وستأتي الآثار في ذلك.

    من خلال عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين المصحف بالذات وكتابته برزت طبقة اصطلح عليها فيما بعد بكتاب الوحي، يعني: طبقة من الصحابة، وعندنا طبقة سموا القراء.

    وقد عد بعض العلماء كتاب الوحي فوصلوا قرابة الأربعين ويزيدون، وكان بعضهم كاتباً للنبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً يعني: مثل كتابة الرسائل والحوائج، ولكن بعضهم كان مشهوراً بأنه من كتاب الوحي فقط منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد؛ لأنه كتب مرة ثم ختم الآية بنفسه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :( هكذا أنزلت )، فلبس عليه الشيطان، ثم ارتد، ثم أسلم وحسن إسلامه.

    ومن كتاب الوحي أيضاً: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يكتب أيضاً غير ذلك، كما كتب للنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية.

    ومنهم: أبي بن كعب الأنصاري ، وهو سيد القراء كما قال عمر .

    ومنهم: عثمان بن عفان رضي الله عنه، والذهبي رضي الله عنه يقول عنه: (هو أفضل من قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ) وقد أقرأ أيضاً رضي الله عنه، لكن إقراءه كان قليلاً لانشغاله.

    ومنهم وهو أهمهم: زيد بن ثابت الأنصاري، هذا أكثر الصحابة ملازمة للكتابة، وأكثر من كان يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم للكتابة.

    البخاري رضي الله عنه بوب في صحيحه قال: (كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ) وذكر خبر زيد رضي الله عنه.

    ومنهم: معاوية بن أبي سفيان ، وهذا ممن أسلم متأخراً، ولكنه أيضاً كتب عند النبي صلى الله عليه وسلم.

    هناك كتاب آخرون لكن يكفينا هذا القدر منهم.

    لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم كان عدد أهل المدينة كثيرين يبلغون الألوف.

    والكتاب فيهم قرابة الأربعين، فضلاً عن من لم يذكر أو لم يعرف، هذا ما ذكر وذكره العلماء.

    وهؤلاء الكتاب الذين كانوا يكتبون الوحي كانوا يكتبون لأنفسهم أيضاً، وكان بعضهم يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان من عنايتهم بالكتابة كتابة القرآن، وستأتي إن شاء الله الآثار اللاحقة فيما يتعلق بقصة جمع أبي بكر لما جمعوا ما كتب من الصحابة، وكذلك في عهد عثمان أيضاً جمعوا ما كتبه الصحابة أيضاً.

    فإذاً المقصد من هذا: أن القرآن كان حقاً مشاعاً حتى في الكتابة، كتبه الصحابة وانتشر بينهم، وسنأتي إلى الشبه المتعلق بمصاحف الصحابة لاحقاً إن شاء الله، لكن الذي نريد أن نثبته الآن هو: أن القرآن قد انتشر وشاع بينهم وصار معروفاً فليس أمره خافياً.

    كيفية تدوين القرآن في عهد رسول الله

    كيف جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: كيف كتب، كيف دون؟

    هناك آثار متعددة عن زيد بن ثابت نستفيد منها كيف كان جمع القرآن وكتابته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فعن زيد بن ثابت قال: ( بينا نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: طوبى للشام، قيل: يا رسول الله! ولماذا؟ قال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها )، قال البيهقي يشرح كلام زيد - نؤلف في الرقاع-، قال: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانت مثبتة في الصدور مكتوبة في الرقاع واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحف بإشارة من أبي بكر وعمر .. إلى آخر كلامه.

    فالمقصد من ذلك: أن هذا التأليف لا يبعد أن يكون تأليف السور، يعني: أن توضع الآيات في سورها كما يقول: ضعوا آية كذا في سورة كذا.

    أيضاً ما ذكره رضي الله عنه سيأتينا في جمع أبي بكر أنه قال: (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب والرقاع واللخاف )، وهذا يدل على أن القرآن قد جمع لكن كان مفرق الأدوات، يعني: الجمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

    هل يمكن لأحد أن يثبت أن القرآن لم يجمع كاملاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟

    لا يمكن، لكن هل يمكن أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع القرآن كله في هذه الأدوات؟

    نقول: نعم؛ لأننا إذا نظرنا إلى هذه العناية النبوية بكتابة القرآن كله فإن هذه العناية النبوية -من خلال هذه الآثار ومن خلال الواقع الذي نتكلم عنه- تدل دلالة قاطعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع القرآن كله، لكن كان مفرقاً، يعني: السور مع بعضها، ولكنها كانت مفرقة .

    الأدوات التي استعملت في جمع القرآن لدى الصحابة

    لم يكن عندهم القرطاس والقلم اللذين بين أيدينا اليوم، ولم تكن الأوراق في أي مكان موجودة، هذا ما كان إلا في هذا العصر، حتى قبل عصرنا بعصور يعني: الأجداد ومن قبلهم كانت قليلة، يعني: لا نقارن واقع الصحابة بواقعنا، الصحابة كانوا يعيشون في المدينة وفي بيئة صحراوية، ليس فيها إلا الجمل والشاة والنخلة، والحجر الذي يكون بشكل منبسط، وأشياء قريبة منه، هكذا استغلوا البيئة التي عندهم، وهذا يدل على الاهتمام والحرص؛ لأنهم استغلوا هذه البيئة التي عندهم.

    فكان عندهم الرقاع، وهي: جمع رقعة، وهي القطعة من الجلد، يدبغون جلود الأنعام ويستفيدون منها فوائد كان منها: جعلها مكاناً للكتابة.

    وكان عندهم الأكتاف وهي: جمع كتف، أي: كتف الحيوان، يعني: كتف البعير أو كتف الشاة، كانوا يكتبون عليها، فكان مساحة لها.

    أيضاً كانوا يكتبون على العسب وهي: جمع عسيب، وهو جريد النخل.

    أيضاً اللخاف وهي: صفائح الحجر الملساء، وهي يمكن الكتابة عليها.

    الأقتاب وهي: جمع قتب، وهي قطعة الخشب التي توضع على البعير.

    هذه هي الأدوات التي كتبوا فيها المصحف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما تلاحظون أنه كتب القرآن مفرقاً، لكن من خلال هذه الأدوات.

    جهد الصحابة الكبير في تدوين القرآن

    الذي أريد أن ننتبه له الآن أنه قد يأتي الإنسان أحياناً يفترض افتراضات جدلية، قد يقول قائل: لماذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى كذا ويحضر مثلاً أوراق البردة وغيرها؟ لماذا لم يفعل؟ لا. كل هذه الأعمال منطلقة من البيئة التي كان يعيشها النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى: أن الصحابة رضي الله عنهم كان من نعمة الله عليهم أن جعل جهدهم في جمع القرآن، وهذا فضل من الله ومنة عليهم، وأنه من تمام القدرة التي أعطيها هؤلاء الصحابة أن استطاعوا أن يجمعوا القرآن في الأدوات التي بين أيديهم، يعني: صنعوا من لا شيء شيئاً، فهذا أيضاً يجب أن نقدره وأن ننظر له، كونهم يفعلون هذا ويجتهدون في جمع القرآن بهذه الطريقة والأدوات عندهم قليلة لا شك أن هذا يدل على هذه العناية التامة منهم بجمع القرآن والاستفادة مما حولهم.

    فكيف يصح أن نجعل هذا الشيء الذي يفترض أن يكون إيجابياً بالنسبة لهم أمراً سلبياً؟!! كما زعم من زعم، فكيف يقال: كيف يفهمون كذا، ويعرفون أن هذه كذا، يبدأ يتخيل هذه التخيلات. لكن نحن لسنا بحاجة إلى هذا؛ لأن عندنا حفظ السطور وحفظ الصدور، فهذا الحفظ الأول حفظ الصدور، والثاني حفظ السطور، كيف جمع؟ كيف كان؟ الله أعلم، لكننا نجزم يقيناً أنه جمع، لكن كيف كان؟ يحتاج إلى مشاهدة أو إلى وصف، وليس عندنا مشاهدة، غير ممكنة، والوصف ليس عندنا وصفاً تاماً، لكن عندنا خبر عام في أنهم جمعوا القرآن في هذه الأدوات، فهذا يكفي.

    إذاً هذه فقرة فيما يتعلق بالاستفادة من الأدوات المتاحة عندهم رضي الله عنهم.

    1.   

    ملامح جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الآن من خلال ما سبق في قضية تدوين النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن يمكن أن نستفيد ملامح لهذا الجمع.

    أول مسألة: هل كان مفرقاً في عدد من الأدوات أو كان مجموعاً في أداة واحدة؟

    الظاهر من خلال النصوص أنه كان مفرقاً في عدد من الأدوات.

    الثاني: أن القرآن الذي نقرأه كان مكتوباً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: كل القرآن الذي نقرأه الآن كان مكتوباً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، للسبب الذي قلناه قبل قليل، كل هذه العناية والحرص وكونه صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه شيء يدعو زيداً ويكتب، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئاً من القرآن إلا وقد كتبه.

    الثالث: أنه قد يوجد في المكتوب بين أيدي الصحابة غير المكتوب عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنه ما تركت تلاوته في العرضة الأخيرة، لكنه مكتوب عند الصحابة، وسنأتي إليه لاحقاً، ولكن من باب الفائدة: أنه يوجد قراءات نازلة يقرأ بها الصحابة، لكنها ليست في العرضة الأخيرة والمكتوب الذي قد انتهت كتابته، هذا ما يتعلق بمسألة جمع النبي صلى الله عليه وسلم .

    1.   

    سبب عدم كتابة القرآن في مصحف واحد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    نأتي الآن إلى مسألة يوردها كثير ممن يتعرض لقضية تاريخ التدوين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا لم يكتب النبي صلى الله عليه وسلم أو لماذا لم يكتب القرآن كاملاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مجموعاً في مصحفٍ واحد كما فعل أبو بكر ؟

    دائماً في مثل هذه الأمور يجب أن نرجع إلى قضية مهمة جداً وهي قضية الحاجة، هل كان الصحابة رضي الله عنهم بحاجة إلى كتابة مصحف كامل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟

    الواقع يدل على أن الوقت لم يحن، يعني: لم تكن هناك حاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً، والمكتوب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً، فلم تقع الحاجة إلى أن يكتب في مكان أو يجمع في مكان واحد.

    هناك أيضاً من الفوائد التي ذكرها بعض العلماء: أن الكتابة في المصحف تصلح للشيء الذي قد انتهى واستقر، فلو جمع في مصحف واحد مثلما فعل أبو بكر، يعني: في جلود تجمع بعضها إلى بعض وتفتح مثل الصفحات فكيف ستكون الحال إذا نسخت آية أو نسخت مجموعة من الآيات أو أضيفت آية؟! سيكون الأمر صعباً، بخلاف ما لو كانت مفرقة إذا نسخت آية رفعت، وإذا جاءت آية أنزلت في مكانها، فلا يكون هناك أي إشكال في هذا، أو إذا أريد إعادة كتابة شيء ما محي وأعيدت وأضيف إليه ما ينزل فسيكون الأمر أيسر في قضية دخول بعض الآيات في أماكنها، وإذا نسخ شيء رفع من مكانه، بخلاف ما لو كان مجموعاً في مصحف واحد.

    الأصل في القراءة المحفوظ لا المكتوب

    هنا فائدة ستتكرر عندنا أذكرها أيضاً هنا وهي مهمة جداً وهي: أن الأصل في القراءة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو: المقروء المحفوظ، وليس المكتوب هو الأصل، الكتابة لضبط المقروء فقط، وليست للانطلاق منها للقراءة، وستأتي إن شاء الله تفصيلات لهذا.

    بهذا نكون قد انتهينا مما يتعلق بقضية جمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كانت في عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن وبإيصاله للصحابة أم بتدوينه أيضاً.

    عظم ما قام به الصحابة في كتابة القرآن وحفظه

    كما قلت لكم أريد أن نعود مرة لأقول: أنت تخيل الواقع الذي كان يعيشه الصحابة، وانظر هذا العمل الذي قاموا به، هل تعده بهذه الظروف التي عاشوها عملاً عظيماً؟ أو عملاً لا قيمة له؟ أو عملاً مدخولاً؟

    هو في الحقيقة عمل عظيم جداً، من أنصف من المخالفين إذا قرأ فإنه يعلم أن ما قام به الصحابة هو في الحقيقة عمل عظيم جداً، وأنه يستحق أن يشاد به.

    لكن الذي يراك بعين النقص أو يريد أن يطعن فيك يراه أمراً مدخولاً، ويبدأ يتكلم في مثل هذا الأمر ويهرف بأشياء كثيرة من أجل التشكيك ليس إلا.

    1.   

    مسائل متعلقة بالوحي

    أسماء القرآن المشيرة إلى طريقة الحفظ

    هناك مسائل متعلقة بالوحي وهي مهمة تركتها مستقلة، لكيلا ينخرم الموضوع المتعلق بقضية عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالتلاوة والتدوين.

    إن للقرآن اسمين أشارا إلى طريقة الحفظ، أحدهما الكتاب، وهذا هو التدوين، إشارة إلى التدوين.

    والثاني: القرآن إشارة إلى الحفظ والقراءة، أيضاً الذي ذكرنا في سورة البينة: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [البينة:2]، وأيضاً الذي ذكرناه في سورة عبس على الوجه الذي ذكره عبد السلام : فالمراد به قراء الصحابة أو كتبة الصحابة، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس:13]، التي هي صحف الصحابة، هذا كله إشارة إلى تدوين القرآن.

    الحال التي كانت تعتري رسول الله أثناء الوحي

    هناك مسألة مهمة فيما يتعلق بقضية الوحي وجمع القرآن وهي: مسألة الحال التي كانت تعتري النبي صلى الله عليه وسلم.

    لماذا نذكر هذا؟

    لأن هذا الأمر جزء مما يتعلق بالوحي، فيحتاج إلى أن نركز على هذا ونثبته؛ لأنه صار مدخلاً لكثير ممن يطعنون في الإسلام في مثل هذا الأمر.

    سبق أن ذكرت لكم قاعدة مهمة جداً وهي: أن نفرق في قضية الوحي: هل الوحي من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟

    مداخلة: من أمور الغيب.

    الشيخ: الوحي من ماذا؟

    مداخلة: أمور الغيب.

    الشيخ: الوحي من أمور الغيب، وهذه قضية مهمة يجب أن نضعها ونقعدها؛ لأن هذا التقعيد مهم؛ لأننا حينما نناقش قضايا مرتبطة بالوحي، فإنه يجب أن ننتبه إلى ما هو من آثار الوحي وما هو الوحي نفسه، أما كيفية الوحي نفسها فهذه قضية غيبية لا يمكن إدراكها.

    كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم لما ينزل إليه الوحي؟

    يقول الله سبحانه وتعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:6-7]، أليس كذلك؟ هذا الوعد الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:6-7]، وكذلك في قوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه:114]، لماذا؟ ما الذي حصل؟

    النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ينزل عليه الوحي كان يعالج صعوبة في الوحي، وكان يخشى صلى الله عليه وسلم أن لا يحفظ القرآن، إذاً لاحظ حتى وهو في حالة الوحي تجد العناية منه صلى الله عليه وسلم بضبط القرآن، فكان يحرك لسانه لأجل أن يحفظ مع جبريل عليه السلام وهو يلقي إليه الوحي، فيكون عليه صلى الله عليه وسلم كلفة أشد.

    يقول الله سبحانه وتعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16]، يعني: تعجل بحفظه، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ [القيامة:17]، أي: في قلبك، وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، أي: قراءته، ثم: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:18-19]، فهذه الآية في سورة القيامة والآيات السابقة تشير إلى الحالة العامة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا نزل عليه الوحي استعجل في حفظه خشية أن ينساه.

    فالله سبحانه وتعالى قال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:6-7]، وفي سورة طه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه:114]، وعندنا في سورة القيامة وكلها سور مكية.

    إذا كانت هذه هي الحالة العامة للنبي صلى الله عليه وسلم وحرصه صلى الله عليه وسلم على أن يحفظ القرآن فكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    1.   

    طريقة تلقي رسول الله للوحي

    وممكن أيضاً أن ندخل فيها: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:193-194]، هذه الآية في طريقة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم.

    كيف كان يتلقى الوحي؟

    عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ( أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ -لأنه أمر غريب حدث بالنسبة لنا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس -يعني: يسمع مثل صلصلة جرس- وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال )، وهذا مصداق قوله سبحانه وتعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى [الأعلى:6]، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، يعني: نجمعه في قلبك.

    قال: ( فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، قال: وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول) وهذه إحدى أنواع الوحي، يأتيه بالوحي إما بالطريقة الملائكية، يعني: أن ينزل عليه جبريل ملكاً على قلبه، وإما أن يأتيه بالطريقة البشرية يكلمه مباشرة مثل حديث الإسلام والإيمان والإحسان. ‏

    غطيط رسول الله عند نزول الوحي

    صفوان بن يعلى روى عن أبيه يعلى قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق صفوان كان يحب أن يرى الوحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم عمر أن يريه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى الوحي، قال: ( يا رسول الله! إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل؟ قال: فسكت عنه فلم يرجع إليه، وكان عمر يستره إذا نزل عليه الوحي يظله، فقلت لـعمر : إني أحب إذا أنزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، قال: فلما نزل عليه خمره عمر رضي الله عنه بالثوب قال: فجئته فأدخلت رأسي معه في الثوب فنظرت إليه، فلما سري عنه قال: أين السائل آنفاً ؟ فقام إليه الرجل فقال: انزع عنك جبتك، واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك )، وقال صفوان: إنه يغط كغطيط البكر، معناه: من شدة ما كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم.

    بعض التغيرات التي تحدث لرسول الله أثناء الوحي

    أيضاً أثر أنس بن مالك وهذا الأثر فيه خلاف، لكن الصواب أنه إحدى الحالات التي كانت تأتي النبي صلى الله عليه وسلم في الوحي قال: ( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم [الفاتحة:1]، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] .. الآيات ).

    زعم بعض العلماء أن هذا منام، لكن الأولى أن نقول: إن هذه إحدى حالات الوحي، بمعنى: أن الوحي إذا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم أحوال، يعني: يكون عنده نوع من التغير فلا يكون على حاله الطبيعي، ومنها الحال التي ذكرها صفوان من غطيطه صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: هذه الإغفاءة التي تحدث.

    ومنها أيضاً: ما ذكرته عائشة ، الحال الذي ذكرته عائشة في قضية أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد.

    هذه الأوصاف يعني: أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في حال الوحي يحسن لو جمعت ودرست؛ لأن فيها مجموعة من الآثار تدل على حالة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء تنزل الوحي عليه، كيف كان صلى الله عليه وسلم.

    بجمهورها أو بمجملها واضح أنها كانت شديدة.

    أقول الآن: لما نأتي إلى مثل هذا الأمر، كما قلت لكم لا يمكن أن نكيف هذا، وإنما هو تقريب للصورة، كصلصلة الجرس، ما يراه الصحابي ويصفه بأنه مثل الغطيط .. إلى آخره، وإلا فحقيقة الوحي نفسه وكيف النبي صلى الله عليه وسلم يعالجه ويحصل له هذا لا يمكن إدراكه البتة، لكن الآثار واضحة مثل: الصوت هذا، أو مثل تفصد العرق.

    ثم من آثاره العظمى: وهذا الوحي الذي نزل عليه وهو: القرآن الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار، فلو كان أحد فيه عقل، مسكة من عقل لو تأمل وتدبر فيما يزعم بعضهم أن هذه رؤى شيطانية أو غيرها، لو كان يعقل نقول له: إذا كانت هذه كما تزعم فكيف بالله عليك بقيت هذه الألفاظ التي تزعم أنت أنها من هذا الطريق هذه القرون الطويلة لم يتغير منها حرف واحد؟! وأنت ترى ما كتبه الناس يمنة ويسرة يتأثر ويتغير.

    لقد شهد هذا البقاء للقرآن أنه من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا أحد الشواهد العقلية التي تدل على ذلك. وشهد كذلك أنه محفوظ بحفظه سبحانه وتعالى.

    بطلان زعم خروج رسول الله عن صفته البشرية إلى الصفة الملائكية عند تنزل الوحي عليه

    زعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ينخلع من صورته البشرية إلى صورة ملكية؛ لكي يستطيع تحمل الملك جبريل، وهذا لا دليل عليه البتة أبداً، بل الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون ببشريته، لكن الله سبحانه وتعالى يعطيه من القوة ما يتحمل به، ومع القوة التي يعطيه الله سبحانه وتعالى إياها إلا أنك تجد آثار هذا الوحي كما أخبر صفوان وغيره.

    وهذا الزعم يبدو لي -والله أعلم- أنه من قول بعض المعاصرين، الذي يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينخلع من صورته البشرية إلى صورة ملكية؛ لكي يوافق طبيعة جبريل فيتلقى الوحي، وهذا ليس عليه دليل ألبتة.

    بل الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي كما هو، فلسنا بحاجة إلى مثل هذا الأمر، وإنما أخبر النبي عن شدة الحال التي تكون له صلى الله عليه وسلم.

    خلاصة أنواع الوحي

    المنام نوع من أنواع الوحي الذي يأتيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإلهام نوع من أنواع الوحي الذي كان يأتيه صلى الله عليه وسلم، والتكليم من المباشر نوع من أنواع الوحي وقد حصل له صلى الله عليه وسلم لما صعد به إلى السماوات.

    فإذاً أنوع الوحي بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت متعددة، لكن الذي كان يغلب عليه هو الطريقة الأولى التي كان يذكرها في نزول جبريل عليه السلام عليه صلى الله عليه وسلم هذه هي الطريقة الغالبة والعامة في وحي الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم.

    هذه الأنواع من الوحي الذي نزل القرآن بها، والأغلب منها: هو النوع الأول الذي هو نزول جبريل عليه السلام بالصورة الملكية على النبي صلى الله عليه وسلم.

    لا يمتنع عقلاً أن يكون نزل من القرآن شيء بغير هذه الطريقة، لكن لم يثبت شيء بطريق صريحٍ، إلا ما ورد في حديث عائشة لما سألها هشام بن حكيم كيف يأتيه الوحي.

    لكن يمكن أن نقول: إن الأصل نزول الوحي بالطريقة الأولى التي هي طريقة نزول جبريل بملكيته على النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    انقطاع الوحي

    أيضاً مما يتعلق بهذا الموضوع: موضوع انقطاع الوحي، فقد ذكر بعضهم فيه مطاعن، جهلاً بقدر الله وابتلائه. وابتلاء الله: انقطاع الوحي.

    فالوحي لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا سابقاً في حديث فترة الوحي، قال: ( ثم فتر الوحي )، بعض المعارضين من المنصرين والمستشرقين وغيرهم يطعن في هذا، ويقول: كيف انقطع الوحي؟!!

    لكن نقول: إنه مرتبط بقدر الله سبحانه وتعالى، فالذي أنزل القرآن هو الذي قطعه فترة من الزمن لا تدخل لأحد من البشر فيه حتى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، حتى جبريل عليه السلام لا ينزل إلا بأمر الله: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64]، الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل يرتاح ويفرح، فقال لـجبريل: ( لمَ لا تزورنا؟ )، لا تغب عنا كثيراً، فنزلت هذه الآية: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64].

    والمشكلة حينما نخلط في الأمور بين ما هو مطلوب منا وما هو مقدر علينا، فهناك أمر يأمر الله به علينا قدراً، وأمر يأمرنا الله به شرعاً، فلما يختلط هذا بهذا تجد أننا أحياناً نسأل عن أمر ليس مطلوباً منا، ماذا أراد الله بنا قدراً، كيف قدر لنا كذا؟ كيف قدر لنا كذا؟ هذا لا ندخل فيه، لكن ماذا أراد منا؟ الذي هو قضية الشرع والعمل هي التي نتحرك فيها، فإذاً عندنا مجالان.

    فنقول: هذا أمر مرتبط بالله سبحانه وتعالى وهو أعلم وأحكم، ولا يمكن تكييفه أو الوصول إلى حكمة هذه الأمور دائماً، لكن الحكمة العامة هي: امتحان النبي صلى الله عليه وسلم وابتلائه، وقد حصل له صلى الله عليه وسلم انقطاع الوحي، لكن كله كما قلت لكم راجع إلى هذه الحيثية وهي الابتلاء.

    كيفية قراءة سورة ق في الخطبة

    السؤال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة ق، هل يقرأها بدون تفسير؟

    الجواب: لا. الوارد أنه قرأها فقط، ولم يذكر أنه فسر، إنما ذكر أنه كان يقرأ فقط.

    كتاب: الظاهرة القرآنية

    السؤال: يقول: ما رأيكم في طرح مالك بن نبي في كتابه: الظاهرة القرآنية؟

    الجواب: كتاب: الظاهرة القرآنية بالجملة رائع جداً، الأسلوب الذي انتهجه مالك بن نبي رحمه الله تعالى أسلوب عقلي في قضية إثبات القرآن، وكذلك تبعه في نفس التفكير محمد عبد الله دراز في كتابه : النبأ العظيم، وهو أيضاً كتاب مهم جداً بنفس الأسلوب وبهذه الحيثية.

    وأتمنى لو كان المسلمون يعتنون بهذا الأسلوب أعني: الأسلوب العقلي في إثبات صحة القرآن وصحة النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً أننا أمام هجمة شرسة، وأنا قد أعجبني كتاب لا أذكر الآن عنوانه.

    احترام الإسلام الأديان السماوية

    لكن المؤلف حفظه الله وإن لم تخني الذاكرة: زين الدين ركابي ذكر مسألة لطيفة جداً وهي: أنه كان يتكلم عن العلاقة بالكفار، وكيف أن الإسلام يحترم الأديان الأخرى، فذكر كم مرة ورد ذكر موسى عليه السلام في القرآن، وكم مرة ورد إبراهيم عليه السلام في القرآن، وكم مرة ورد عيسى عليه السلام في القرآن، وكم مرة ورد محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: كأن العقل الغربي أو العقل البسيط المستعجل لما يقول لك: والله هذا كتاب المسلمين يتوقع أن أغلبه سيكون في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم.

    لو اطلع الغرب على مثل هذا فإنهم سيتفاجئون أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لم يرد في القرآن إلا أربع مرات، وأما غيره من الأنبياء إبراهيم وموسى بالذات فهو كثير وعيسى أكثر منه بكثير، وهذا سيكون مفاجأً لهم، وذكر أشياء مرتبطة بهذا أيضاً جميلة ولطيفة.

    وأذكر أن أحد الذين ناقشوا النصارى ذكر أيضاً من هذا، فذكر عناية المسلمين بـعيسى عليه السلام وأحواله، فذكر أننا ننزه مريم عليها السلام مما يصفها به اليهود، وأنه قد وجدت سورة كاملة في القرآن اسمها: سورة مريم، وأن عندنا سورة اسمها: سورة الحواريين، وأن أخبار عيسى عليه السلام عندنا مفصلة.

    وهذا كله كثير من الغرب لا يعرفون هذا ولا يدركونه، فإيصال مثل هذه الأمور بالنظر الذي يقبله العقل مهم جداً، فهم يتصورن أننا أعداء لهم، وليس بيننا وبينهم إلا السيف، هكذا يصور لهم، لكن إذا جاءت الدعوة نقية أقبل عليها الكثير.

    الجهاد في الإسلام

    أحب أن تنتبهوا لهذا؛ لأنه كثر الكلام عن جهاد الطلب، وجهاد الدفع، وبعض الفضلاء يذهب إلى أن الجهاد الإسلامي إنما هو جهاد دفع فقط، وقد وقع في ذلك فئام من الفضلاء وهذا ليس بصحيح إطلاقاً، بل النبي صلى الله عليه وسلم بدأ معاركه مع الغرب بغزوة تبوك؛ لأنها كانت ضد النصارى من الروم للنصارى للروم، فهي إشارة إلى الانطلاق العالمي للمسلمين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعتدي أبداً، وإنما كان يدعو، وبما أن الحق المطلق، وأقول: المطلق رغماً عن أنوف كل من يرفض هذا الحق المطلق هو في الإسلام ومع الإسلام مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، فإن أي واقف أمام هذا الحق المطلق ليصل إلى الناس هو الذي يحارب.

    فإذاً: الجهاد لإبعاد هؤلاء الطغاة الذين يمنعون الحق المطلق من الوصول إلى الناس، وليس أن يقتل هؤلاء الأبرياء؛ ولهذا في الإسلام لا يجوز قتل الطفل الرضيع، وقتل الطفل الصغير، ولا يجوز قتل المرأة، ولا قتل الشيخ الكبير ولا المتعبد في صومعته حتى، ولو كان على غير دين الإسلام، وإنما يقتل المقاتل.

    أما في كتب اليهود والنصارى، خاصة كتاب أسفار اليهود فهي طافحة بقتل الأطفال أشنع قتلة، وقتل الحامل أشنع قتلة، وقتل الشيخ أشنع قتلة، لا يتركون شجراً ولا حجراً ولا حيواناً إلا وقد أمروا بقتله في كتبهم، فيما يزعمون، وتعالى الله عن أن يكون هذا أمره.

    فلماذا -ونحن معنا الحق المطلق وهو واضح- نضعف في إيصال رسالتنا، وهؤلاء اليهود يقتلون إخواننا صباح مساء ويبيدون، وهذا الغرب الكافر يدمر في كل مكان بطائراته ودباباته وتنعكس القضية، نصير نحن أهل الإرهاب!

    لا، والله، لكن هو ضعف فينا، فأصبنا بمثل هذا، وصار الإعلام كما ترون يؤثر فينا تأثيراً شديداً، وأي واحد يريد أن يقدم شيئاً يجد من الممنوعات الشيء الكثير، من ذات نفسه أحياناً أو من إخوانه أحياناً، ويكون ذلك عن حسن قصد أحياناً، ولكن في الحقيقة هو مرجعه إلى الضعف.

    صارت الحال أن يقال: لكي لا نوسم بالإرهاب، احذف الكلمة هذه، لكي لا نوسم بكذا افعل كذا، وهم لا يفعلون.

    كتب اليهود الآن التي يدرسونها في مدارسهم، والنصارى ارجع إليها وانظر ماذا تصف العربي؟ ماذا تصف المسلم؟ ما طلب أحد منهم أن يعدلوا مناهجهم، لكن نحن لأننا ضعاف نؤمر بشيء كثير.

    فهذه لا شك أنها مرحلة وستزول إن شاء الله، نوقن بذلك، لكن كما قلت سابقاً: انظر أين أنت من نصرة دين الله سبحانه وتعالى؟

    1.   

    الأسئلة

    الأمر أهل الكتاب بحفظ كتبهم

    السؤال: هل فرض الله في الشرائع السابقة على اليهود والنصارى حفظ كتبهم؟

    الجواب: نعم، أمروا بحفظ الشرائع وإلا كيف يقيمون دين الله؟ لكن صار الحفظ موكلاً بهم، فخانوا الرسالة وخانوا الأمانة، أما كتاب المسلمين فالله سبحانه تكفل بحفظه كما هو، ظاهر من الآيات ومن الآثار وظاهر من الواقع؛ لأن الواقع يشهد بهذا.

    معنى الصلصلة

    السؤال: ما معنى الصلصلة؟

    الجواب: صوت الجرس.

    السؤال: هل المعنى أنه مثل صلصلة الجرس؟

    الجواب: يصوت هذا الصوت مثل الصلصلة، هو يشبهها يعني: يقرب منها، وليس ( مثل صلصلة الجرس ).

    عائشة رضي الله عنها تقول: ( لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً )، يعني: حبات العرق تسقط من جبينه، وهذا يدل على شدة الوحي إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:5]، قول ثقيل و جبريل عليه السلام ثقيل، فيتلقاه النبي عليه الصلاة والسلام وقد أعطى الله سبحانه وتعالى نبيه القدرة على تحمل هذا النزول الذي ينزل به جبريل عليه السلام، فأعطاه من القدرة ما يتحمل به نزول جبريل عليه السلام، وإلا لو كان على جمل لبرك الجمل من شدة الوحي.

    القول الثقيل معنوي أو حسي

    السؤال: [ هل القول الثقيل معنوي أو حسي]؟

    الجواب: القول الثقيل معنوي، وممكن أنه يشار إليه الحسي يعني: يكون من باب الإشارة.

    حكم سماع القرآن من النساء

    السؤال: [ نسمع الآن نساء في مصر يقرأن القرآن ويجتمع حولهن الرجال ]؟

    الجواب: قضية سماع القرآن من النساء لا شك أن هذا لا يجوز، وإن كانوا وجدوا أن عائشة رضي الله عنها كانت تجمع الصحابة يسمعون منها، فلا بأس نسمع، لكن هو مالم يحصل، فهل سمعتم أن الصحابيات كن يجلسن لإقراء الرجال؟

    لم يقع، فهذا الباب لا شك أنه الأصل، فلا يتوسع في هذا، أما قضية امرأة تقرأ على رجل أو رجل يقرأ على امرأة في حدود ضيقة جداً ولأسباب معينة وتحوطها فهذه قضية أخرى، فهذه القضايا قضايا عين ما تعمم، أما أن تجلس امرأة أمام الرجال وتقرأ قرآناً هكذا هذا لا يجوز.

    القنوات الخيرة والانشغال بها عن حفظ القرآن

    السؤال: [ هل للقنوات الفضائية حتى قنوات الخير منها مثل: المجد، تأثير سلبي على حفظ الطالب للقرآن، ثم نصيحتكم جزاكم الله خيراً لعموم الطلاب في مرحلتهم الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وهل تنصح بإخراج هذه القنوات من البيوت؟

    الجواب: عندنا إشكالية ليست في قضية القنوات ووجود القنوات الخيرة، إنما هي في كيف ننظم أوقاتنا؛ لأنها لو لم تكن موجودة، ولم يكن عندي همة فلن أفعل.

    وثقوا ثقة تامة أن كتاب الله أي إنسان يقترب منه فهو بإذن الله مثل المغناطيس يجذبه بقوة، ما يتأثر بهذا. لكن إذا رأيت نفسك تنجذب إلى غيره اعلم أن القلب عندك فيه ضعف؛ لأن هذه القنوات جاءت فأفسدت عليك الوقت كما تزعم، لا. الإشكالية عندنا نحن.

    فإذاً أقول نصيحة لي ولكم وأسأل الله أن ينفعني وإياكم بها: إننا بمثل هذه الأمور لا نحمل الخطأ على مثل هذه القنوات أو غيرها أنها لما دخلت صار عندنا تضييع الأوقات وكذا، لا. أنت حر في نفسك، لو كان عندك عمل ضروري وفيه برنامج تحبه تترك البرنامج وتذهب، أليس كذلك فإذاً ليست المسألة مرتبطة بهذا لكن المسألة مرتبطة بك أنت حينما تعطي لنفسك نوعاً من الراحة والاستجمام الزائد فتجلس أمام هذه القنوات فيما يفيد ولله الحمد والمنة.

    لكن أقول: الأولى أن يكون عندك نوع من ضبط وتنظيم.

    معاذ وقراءة القرآن

    السؤال: الصحابي معاذ بن جبل الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

    الجواب: نعم، كان من كتاب الوحي أيضاً لكنه لم يكن مشهوراً مثل هؤلاء. فيه حديث أرسل معه أبو موسى الأشعري إلى اليمن، على مخلافين في اليمن، كانا يلتقيان وهذه فائدة مرتبطة أيضاً بالموضوع هذا في صحيح البخاري، كان معاذ و أبو موسى يلتقيان في الطريق بينهما، فكان كل واحد منهما يسأل الآخر: كيف حزبك؟ يعني: كيف تقرأ حزبك من القرآن؟ وكانوا من قراء القرآن، كان كل واحد يذكر كيف يقرأ، واحد قال: أتفوقه تفوقاً، يعني: يقرأه مفرقاً حسب فراغاتي، يمكن يرجع إليه في صحيح البخاري ، وهذا يمكن أن يضاف إلى عناية الصحابة رضي الله عنهم بحفظ القرآن.

    تأثير القرآن على بعض الكفار

    السؤال: قال: ذكرت تأثر الكفار بالقرآن، وذكر قصة عمر بن الخطاب لما سمعه، وكذلك النجاشي و ابن المغيرة ؟

    الجواب: هذا يذكر أمثلة -جزاه الله خيراً- على تأثر بعض الكفار بالقرآن، مثل: قصة إسلام عمر وتكلمنا عنه سابقاً، كذلك النجاشي ، وكذلك الوليد بن المغيرة وغيرهم، وهذا كثير جداً.

    قلة الخطبة بسورة ق بين الخطباء

    السؤال: لماذا لا يخطب خطباء الجمعة بسورة ق، فلم أسمعها في خطبة جمعة إلا مرة واحدة في مكة ؟

    الجواب: إذا سمعتها مرة واحدة يكفي، قامت السنة الحمد لله، والسؤال لا يوجه إليَّ، فليسأل الخطباء عن ذلك.

    الشوق إلى الجهاد وصعوبات الواقع

    السؤال: عندما أقرأ آيات الجهاد في القرآن أخشى أن أكون من المخلفين عن الجهاد، وهل الجهاد واجب؟

    الجواب: لا. مسألة تنزيل القضايا الفقهية على الواقع وتكييفها هذا يحتاج إلى إمام علامة، ما يصح لمثلي ومثل فلان وعلان من طلبة العلم أن يتكلموا فيها بصراحة، وليس هذا تهرباً من هذا لكن هذا هو الواقع؛ لأن هذه الأمور مشتبكة ومرتبطة، وقد يكون لها إشكالات كثيرة جداً جداً، ولا أحب أن نذكر قضايا في الواقع كونها وقعت وأثمرت شراً أكبر منها، ونحن نعلم من قواعد إنكار المنكر: أنه إذا أنكر المنكر وصار هناك نوع من اليقين، بل غلبة الظن أنه إذا أنكر هذا المنكر فأتى منكر أعظم منه أنه لا يجوز تغيير المنكر، فيجب أن يكون عندنا نوع من التوازن والعدل، يعني: العلم لا يكفي، فقد يكون هناك عالم، لكن ما يعرف يوازن الأمور، ما يعرف كيف يرتب هذه الأمور، فلا يستعجل في مثل هذه القضايا إطلاقاً، بل تترك مثل هذه القضايا للراسخين في العلم.

    أنت بالنسبة لك معذور، القدرة عندك غير موجودة يعني: بجهادك، الجهاد أنواع: جهاد ببدنك غير موجود معذور، بمالك تستطيع الحمد لله، بلسانك تستطيع الحمد لله، وهذا هو الموجود وهو الأغلب المفترض أن يعمله المسلمون هو الجهاد باللسان، انظر حالك كم تدعو للمسلمين في أنحاء الأرض، ستجد أنه قليل وفي النهاية تقول: نريد أن نجاهد أين الجهاد؟ طيب أول شيء يبدأ بالمراحل الأولية هذه، المراحل الأولية هذه قد يكون من نعمة الله علينا أنه في الدعاء فقد يكون واحد يفك الله به كربة أمة، ( من لو أقسم على الله لأبره ).

    فإذاً: مثل هذه الأمور يجب ألا يستعجل فيها الشباب؛ لأن من المصائب المعروفة لدى بعض الشباب أن يتخذوا أنفسهم شيوخاً لأنفسهم، وينقطعون عن العالم كله، مثلما حصل للخوارج سابقاً، ثم تحصل مشكلات ثم تشابك الأمور فنحتاج إلى من يعيد الأمور مرة أخرى إلى نصابها، نحتاج إلى العلماء الربانيين.

    ولهذا أقول: يجب علينا جميعاً أن نحافظ على علمائنا، العلماء هؤلاء ذخر وكنز، وهذا استطراداً؛ لأنه لوحظ هذه الأيام في الصحافة وغيرها كلام عن قضايا فيها نوع من لمز في العلماء، إذا سقط العلماء فماذا سيحصل؟

    ابن عباس من فقهه يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41]، قال: بموت العلماء، وهذا فقه دقيق؛ لأنه إذا مات العلماء من الذي يمسك زمام الأمور؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41].

    فأود أن ترجعوا إلى هذا الفقه من ابن عباس قال: نقص الأرض: موت علمائها، إذا مات العلماء حدثت الحروب وانتهت هذه الأراضي التي كان يملكها المسلمون.

    اهتمام الرافضة بالقرآن

    السؤال: الرافضة يدعون أن لديهم قرآناً مأثوراً عن فاطمة رضي الله عنها، ويوزعونه في إيران والعراق، وهل الرافضة يحرصون على حفظ القرآن وتحفيظ أبنائهم، وحكم من يحرف القرآن؟

    الجواب: دعوى وجود مصحف فاطمة ما زال بعض الرافضة يحاول إنكاره، لكنه موجود ومكتوب ومطبوع، ونقول: إن مناقشة الرافضة في مثل هذا الأمر مجاله ليس هذا المجال، لكن لا شك أننا بحاجة إلى التنبيه على مثل هذا الأمر وأننا أمام أمر واقع، ما نكون مثلما يقال عن النعامة: ندس رؤوسنا في التراب والخطر من حولنا، لا.

    أما عناية الرافضة بالقرآن فمن الغريب أن الرافضة لا يعتنون بالقرآن مع إيمانهم أن هذا القرآن الموجود بين أيدينا صحيح، ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه كما قلت: يدعون نقصه، لكن لا نجد منهم حفظاً له، ولا عناية به، أكثر ما اعتنوا به من باب تفسيره هم المعتزلة الإمامية في الأصول، يعني: جمعوا بين الاعتزال والرفض؛ ولهذا لا تحسن قراءة كتبهم، ومن قرأ في كتبهم لا يستفيد إلا إذا كان من جهة ما يتعلق بلغة القرآن أو بلاغته فقط، أما ما يتعلق بالأمور الأخرى والآثار فإنه لا يستفيد منها البتة، وهذا عن خبرة لا أقوله عن افتراء أو جهل حتى لو سمع رافضي ذلك، أنا رأيي هكذا، أنه لا يوجد فيها شيء كلها مكذوبات، حدثنا فلان عن فلان عن فلان عليه السلام قال، وتجد متناقضات وأباطيل معروفة، لكن الرافضة مثل جلدهم أملس إذا أمسكته فلت منك، لو احتججت عليك بقول فلان وعلان قال لك: والله هذا قوله، أو قال: والله هذا مدسوس عليه، أو تقول: هذا مطبوع عندكم في إيران؟ قال: والله أسأل، ثم أرد إليك الجواب، وهكذا. ليس هناك إرادة حق للمناقشة، وأنتم تعرفون المجادلات التي قامت في رمضان قبل الماضي في المستقلة، ورأيتم كيف كانوا يتكلمون.

    ومن باب الفائدة استطراداً، من لطائف الأمور: إذا تجادل السني والشيعي الرافضي، فمع أيهما يكون السباب والشتم؟

    تجده مع الرافضي، فالرافضي سباب شتام صاحب مناحات على القنوات، وعلى غيرها لا تجدونه إلا صاحب مناحات ولا عندهم إلا قصة واحدة فقط هي قصة الحسين ، أنا ما أدري قصة الحسين كلها كانت في فترة كيف ألفوا فيها المؤلفات والمناحات، وهي قصة واحدة يمكن تروى وتذكر بصفحات معينة؟ ولكن ما شاء الله إذا سمعت أحد هؤلاء الرافضة يتكلم فيها وجدت -ما شاء الله- الطول الشاسع، كأنه يتكلم عن أيام وحروب.

    أيضاً: إذا تجادل المسلم والنصراني تجد أن النصراني سباب شتام، وأعف القوم هو المسلم، وفي الثانية أعف القوم هو: السني، أفلا يكون في هذا لمن له مسكة عقل أن يعرف أين يكون الحق؟ يعني: الإنسان لا يستطيع أن يشتم، هل واحد منا يستطيع أن يشتم علياً رضي الله عنه؟ مستحيل، بل لا يفكر بهذا ولا يقرب من هذا، لكن الواحد منهم يشتم -والعياذ بالله- أبا بكر أو عمر أو معاوية أو غيرهم، والأمر عادي عنده جداً، مع رضع اللبن يأخذ هذه الأمور.

    فهذه قضية لو تأملها القوم لوجدوا أنهم في الحقيقة ما عندهم أي شيء، الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الذي الآن يؤمنون به في كتابنا قال: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، يعني: أمهات المؤمنين، عائشة هل تثبت أنها زوجة أو ما هي زوجة؟ توفي عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي زوجة له إذاً هي أم.

    وكما قال الشيخ ... رحمه الله تعالى في أحد اشرطته لما ذكر أحد يسب عائشة غضب وقال عبارة، قال: إن لم تكن أمك فهي أمنا.

    فإذا كنتم ما تريدونها أماً لكم فهي أمٌ لنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6].

    فأقصد من ذلك أن موضوع الرافضة والكلام الطويل والعريض هذا لعل الله سبحانه وتعالى أن يرينا فيه خيراً؛ لأن انتشار الحق يؤثر على الباطل، ثقوا ثقة تامة انتشار الحق بعينه يؤثر على الباطل، والنصارى لماذا قاموا بهذه الانفعالات؟ إنما هو لانتشار الحق، ويخشون بعد قرابة خمسين سنة في تقديرات بعض المحللين عندهم أن تكون أوروبا مسلمة.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا شيئاً من ذلك.

    حكم التحريف والتأويل

    السؤال: ما حكم التحريف والتأويل؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل، يعني: هل هو بمعنى غير علم؟

    مثل هذه القضايا يجب أن يكون عندنا نوع من العدل، فلما نقول مثلاً: الأشاعرة مؤولة، الماتريدة مؤولة، المعتزلة مؤولة، الرافضة مؤولة، ما يأتي واحد ويقول: المؤولة إذاً: كفار، هذا ما يجوز، في مثل هذه الأمور يجب أن يكون عنده نوع من العدل، يبين الخطأ لكن يكون عنده عذر ببعض القضايا، ولا أريد أن أفصل في هذا؛ لأنه طويل لكن أنا أحب أن تنتبهوا إلى هذا، كوننا نعين ونشخص، هذا لا ينبغي؛ لأن نعين ونشخص تترك للراسخين في العلم.

    وأيضاً: الأحوال تختلف، والأشخاص يختلفون، بل في المذهب الواحد قد يختلف الأشخاص، ولا نستطيع أن تحكم عليهم بجملتهم، لكن قد تحكم على الكلام أو هذا بجملته.

    تضمن حوار الأديان الإيمان بوجود كتب غير القرآن

    السؤال: يقول: هل من يقول بحوار الأديان يقرون بوجود كتب أخرى غير القرآن؟ وهل تعتبر هذه من الشبه؟ وكيف نهتدي لهم؟

    الجواب: نحن نقر بوجود كتب أخرى وهذا منصوص القرآن، بل هو أحد أركان الإيمان، ( الإيمان بالله وبرسله وبكتبه ).

    وأيضاً: نقر بأن ما بين يدي اليهود والنصارى هو من بقايا البقايا التي عندهم، لكن ليس هو نص التوراة والإنجيل، هذا نقر به، فهذا الإقرار لا شك أنه من أصول ديننا.

    وكذلك نجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم احتج عليه بما بين أيديهم؛ ولذا يقول: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93]، وقرأوا منها آية الرجم، لكن هناك قضية طويلة عريضة ليس هذا مجالها، وهذه تقدر أيضاً بقدرها، مثل هذا الحوار يحتاج إلى الراسخين في العلم لا يحتاج إلى علم الساسة فقط، بل يحتاج إلى علم الراسخين مع علم الساسة بحيث إنه يخرج بصورة يمكن أن يوصل، ودائماً الضعيف لا يستطيع دائماً أن يوصل رسالته، فلا بد يكون عنده قوة يوصل بها رسالته.

    وإن كان من نعمة الله -كما قلت سابقاً- أن الإسلام دين الله فهو سيوصله، لكن هل نكون أسباب في إيصاله هذه هي المهمة بالنسبة لنا.

    ضبط قضية الإعجاز العلمي

    السؤال: ما رأي الشرع في مسألة الإعجاز العلمي؟

    الجواب: كذا رأي الشرع! هذه صعبة قليلاً، يجب دائماً أن تستفيدوا كيف تسألون السؤال، فتقول: ما رأيك أنت مثلاً في الإعجاز العلمي، هل للعلماء رأي في الإعجاز العلمي.

    أما الشرع فليس له علاقة الآن بهذه القضية بالإعجاز العلمي، ونسمع حالياً الإعجاز العددي في القرآن الكريم، وريما تسمع غيره فالإعجاز إذا لم يضبط وأنا أقولها ولازلت أقولها وأكررها إذا لم تضبط مسألة الإعجاز وتركناها بهذه الصورة الموجودة اليوم، فإننا سنرى شيئاً عجيباً غريباً وكثيراً، أمس كنا في الإعجاز العلمي، واليوم نكون في الإعجاز العددي، وما تدري غداً ماذا يكون، فأقول: هذه مشكلة، لكن قضية الإعجاز العلمي وغيره لعله يكون لها مجال أوسع؛ لأن موضوعها طويل.

    كيفية معارضة جبريل النبي بالقرآن

    السؤال: كيف كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: فائدة جميلة، لا نستطيع أن نصف كيف كانت المعارضة، لكن من خلال النص إجمال النص واضح أن جبريل يقرأ على الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ عليه، يعني: ( كان يعارضني )، تدل على المفاعلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على جبريل وجبريل يقرأ عليه، لكن كيف، وأين، وكيف كان يجلس، هل كذا.. هذه ما نستطيع أن نعرفها، مجمل الخبر أن هناك قراءة وأخذاً وتلقياً للقرآن كاملاً، يعني: تلقي القرآن كاملاً، كل القرآن الذي نزل إلى فترة السنة الأولى للهجرة مثلاً، يعارض القرآن الذي نزل كله إلى السنة الثانية .. وهكذا إلى أن كانت آخر سنة فعارضه مرتين كان فيها الإلماحة التي فهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنها موته.

    زمن حادثة بئر معونة

    السؤال: بئر معونة في السنة الثانية، وفيه خلاف، وأطلق عليهم القراء، والقرآن لم يكتمل نزوله بعد؟!

    الجواب: نعم، إذا كانت في السنة الثانية، أحسنت، وأما بالنسبة لإطلاق وصف القراء عليهم فقد ذكرنا أن القرآن حال نزوله وحال اكتماله يسمى قرآناً، يعني: منذ أن نزل عليه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، نقول: نزل عليه القرآن، فالذي نزل في السنة الأولى يطلق عليه قرآن، والذي نزل بعد يعتبر أيضاً قرآناً حتى اكتمل وصار من الفاتحة إلى سورة الناس. نعم، خاتمة آية.

    ما وقع من عبد الله بن أبي السرح

    السؤال: عبد الله بن أبي السرح هل ما فعل من تغيير ختم الآية كان حال كفره؟

    الجواب: لا. هو كان مسلماً وكان يكتب الوحي، فلما ختم بخاتمة هو نفسه ختمها كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هكذا أنزلت )، فوقع فيه الشك، يعني: وقع فيه الشك فارتد، ثم حسن إسلامه رضي الله عنه بعد ذلك.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    756288873