إسلام ويب

شرح قسم الكتاب من الأدلة الشرعية [3]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اعتمد الأصوليون على قاعدة مستوحاة من الشرع، وهي: أن الحكايات الواردة في الشرع إذا لم تبطل دل على صحتها. وعلى ضوء هذه القاعدة استدلوا على أن عدد أصحاب الكهف سبعة ثامنهم كلبهم، واستدلوا أيضاً على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ويدخل في هذه القاعدة السنة التقريرية.

    1.   

    الحكايات الواردة في القرآن إذا لم توصف بالبطلان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    استدلال الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بقوله: (ولم نك من المصلين)

    قال الشاطبي رحمه الله تعالى في كتاب الموافقات: [ فصل:

    ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار؛ فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع، بقوله تعالى: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:43-44].. الآية، إذ لو كان قولهم باطلاً لرد عند حكايته.

    واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم أنهم: ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22]، وأنهم: خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22]، أعقب ذلك بقوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ [الكهف:22]، أي: ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئاً، ولما حكى قولهم: سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22]، لم يتبعه بإبطال، بل قال: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ [الكهف:22]؛ دل المساق على صحته دون القولين الأولين.

    وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم.

    ورأيت منقولاً عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن قول إبراهيم عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، فقيل له: أكان شاكاً حين سأل ربه أن يريه آية؟ فقال: لا، إنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان، ألا تراه قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى [البقرة:260]؟! فلو عمل شكاً منه لأظهر ذلك؛ فصح أن الطمأنينة كانت على معنى الزيادة في الإيمان.

    بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله: قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات:14]؛ فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14].

    ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن عرف مداخلها، وما هو منها حق مما هو باطل ].

    هذا الفصل تتمة للقاعدة التي ذكرها الإمام رحمه الله تعالى فما يتعلق بحكايات القرآن، وقد ذكر القاعدة أنه إذا ورد كلام باطل أو فيه خطأ؛ فإنه يقع رد له إما قبله وإما بعده، وإذا لم يقع رد له؛ فإنه يدل على صحته في ذاته.

    فأخذ من هذا هذه القاعدة ما اطرد واعتمده النظار في استدلال جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع بقوله تعالى: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:43-44]، فالكفار يتلاومون في النار، ويقولون: إن سبب دخولهم هذه الأعمال، وهي من الفروع، فقال: لو كان قولهم باطلاً، لرد عليه عند حكايته؛ فلما لم يرد دل على صحته.

    وكذا ما ذكره من آية الكهف، فقد سبقت الإشارة إليها، وما ذكره أيضاً عن سهل بن عبد الله ، وهو موجود في تفسيره، وتفسيره مطبوع، وقد طبع أيضاً حديثاً، فله طبعة قديمة وطبعة أيضاً حديثة جديدة، وما ذكره أيضاً واضح من الاستدلال بالآية أن إبراهيم عليه السلام إنما أراد ما فوق العلم وهو اليقين؛ لقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، بخلاف ما ذكره عن الأعراب، فإنه رد عليهم بقوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات:14]، فإبراهيم لم يقال له: لم تؤمن، لما قال: بلى، فدل على صحة ذلك، بخلاف الأعراب الذين رد عليهم، وكل ما سيأتي فيه هذا الجانب، نعم.

    المقصود بكذب المنافقين في قوله تعالى: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)

    قال رحمه الله: [ فقد قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1].. إلى آخرها؛ فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل، فظاهرها حق وباطنها كذب، من حيث كان إخباراً عن المعتقد وهو غير مطابق؛ فقال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون:1]؛ تصحيحا لظاهر القول، وقال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]؛ إبطالا لما قصدوا فيه ].

    هذه الآية من اللطائف التي لها علاقة بهذا المبحث، قال: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1]، ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون:1]، ثم قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، لما قال المنافقون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1]، كلامهم هذا من حيث هو بالنسبة لمعتقدهم ليس صدقاً؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون:1]، من باب الاعتراض، فالجملة اعتراضية؛ لئلا يفهم أن الله سبحانه وتعالى لما قال: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1]، ينفي عنه أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، أشار إلى كذبهم في دعواهم، وليس إلى ذات القول، فذات القول: إنه رسول الله حق، لكن المردود عليه هو زعمهم ودعواهم أنهم يشهدون بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله فرد عليهم هذه الدعوة.

    قصة اليهودي الذي ذكر أن لله أصابعاً وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله: [ وقال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67].. الآية، وسبب نزولها ما خرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: ( مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: حدثنا يا يهودي! فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟!.. )، وأشار الراوي بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام, ( فأنزل الله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67] ).

    وفي رواية أخرى: ( جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إن الله يمسك السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67] )، وفي رواية: ( فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً ).

    والحديث الأول كأنه مفسر لهذا، وبمعناه يتبين معنى قوله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67]، فإن الآية بينت أن كلام اليهودي حق في الجملة، وذلك قوله: وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، وأشارت إلى أنه لم يتأدب مع الربوبية، وذلك والله أعلم لأنه أشار إلى معنى الأصابع بأصابع نفسه، وذلك مخالف للتنزيه للباري سبحانه؛ فقال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67] ].

    الحرص على اتباع النص والابتعاد عن التأويل

    هذا الأثر الذي ذكره ابن عباس وكذلك ورد عن غيره في قوله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67]، الرسول صلى الله عليه وسلم لما ضحك لم يستنكر، والذي روى الحديث قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً، وليس استنكاراً؛ لأن بعض المتأخرين من الذين يرون تأويل الصفات يردون هذه ويقولون: هذا من رأي الراوي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقر اليهودي، وهذا لا شك أنه خلاف الأثر.

    وهنا أحب أن نلتفت إلى أمر مهم، وهو أن أهل السنة والجماعة سموا بأهل الآثار؛ لأنهم يعتمدون الآثار، ويعتمدون ما جاء فيها، ولا شك أن هذا المنهج هو الأسلم والأحكم؛ لأنه لا يمكن أن يكون المتأخر أعلم ممن شاهد الحال، فالراوي شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وشاهد ما حصل، ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب أو أنف مما فعل اليهودي، لو كان اليهودي قد فعل شيئاً غير صحيح لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المقام؛ لأن هذا من المقامات التي لا يصلح أن يؤخر فيها البيان؛ فدل على أن ما قاله حق، وليس بالجملة، بل بكله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض على شيء من ذلك.

    أما ما يتعلق بقضية الإشارة بالأصابع أو بالإبهام، فهل هذا فيه إشكال من جهة الشرع؟ فنحن لا نناقش قضية العقل؛ لأنه إذا حكمنا العقل في مثل هذه المسائل فستخلف العقول؛ إذاً أقول: ورد في الشرع شيء يماثل ما فعله اليهودي، وذلك حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58]، وأشار بأصبعه بالإبهام والسبابة إلى عين نفسه وأذنه )، فهذا فعل من الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل سيكون المتأول المتأخر في التنزيه أعظم من النبي صلى الله عليه وسلم؟! ولهذا إذا جاء هؤلاء لإبطال هذا المعنى، يقولون: بأن هذا خبر آحاد، أو ما شابه ذلك، أو لعل الراوي غلط، أو يأتون بتخريجات لإسقاط النص، وليس هذا هو النص الوحيد في مثل هذه المسائل؛ ولهذا تعجب حينما تجد في بعض كتب العقائد، حينما يقولون: ولا يقال له: أين؟ أو: ولا يشار له بالأين، أو: والأينية عنه منتفية، ويرون هذا من باب التنزيه؛ فنقول: وإن كان يحمد لهم حرصهم على التنزيه إلا أن هذا يخالف منهج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في حديث مسلم وهو صحيح صريح، واضح جداً، قال للجارية: ( أين الله؟ )، فهل النبي صلى الله عليه وسلم أقل بياناً وبلاغاً في هذه الأمور حتى يجيء هؤلاء المتأخرون ويزعمون في مثل هذه الأمور أنه لا يجوز أن يقال عن الله: أين؟! فلا شك أن هذا فيه إشكالاً، وسببه لا شك هو استخدام العقل المجرد، الذي لا يعتمد على النصوص، ولا يفهم من ذلك أن العقل قد ألغي مع النصوص، لكنه عقل يرتب على ما يرد في الآثار؛ ولهذا أقل الناس تخبطاً هم أهل الآثار؛ لأنهم يقفون عند الأثر ولا يتعدون، وأما كثير من المتكلمين فتجد عندهم التخبط وعدم الاتزان، بل أحياناً قد يصل إلى حد الاضطراب، وقد شهد لبعضهم بحصول الاضطراب ليس ممن يعارضهم بل ممن يوافقهم في مثل هذه الأصول الكلامية، ودللوا على ذلك بأمثلة واضحة جداً من كتبهم، أنه يحصل عندهم اضطراب.

    المسألة ليس هذا مقاماً للتفصيل عنها، لكن المقصد من ذلك أننا يحسن بنا دائماً حينما نناقش هذه المسائل وقد كررتها كثيراً، أن نهرع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن نعتمد ما فيها من الآثار والألفاظ، إلا إذا كنا نريد أن نفرغ ألفاظ الشريعة من معانيها، وهذه مشكلة خطيرة جداً، بأن نقول: والله هذه ألفاظ مدلولات ولا تدل عليها، وأن لها مدلولات أخرى، والظاهر الذي تفهمونه ليس بصحيح، وإنما لها باطن لا تعرفونه، وبهذا نقع في إشكال آخر، وبهذا لا يكون عندنا في الشريعة شيء، فمن أجاز التأويل في مثل هذه الأمور من باب التنزيه كما يقول وكما قلت لكم: أنه يحمد له النظر إلى التنزيه، وإن كان لم يسلك السبيل الصحيح، ولم يصل إلى النتيجة الصحيحة، لكن نقول له: نحن له هذا، فإن التأويل لا حد له، ولا تستطيع أن تضبطه، بمعنى أنك إذا أردت تضبط التأويل العقلي المجرد، فلا يمكن أن تضبطه؛ ولهذا بعض الفلاسفة مثل ابن رشد إنما تكلموا في تأويل أو صحة أو جواز تأويل أمور المعاد بقانون التأويل الذي بنى عليه المتكلمون أصولهم، لهذا يقولون معنى كلامهم : الذي أباح لكم أن تؤولوا في صفات الله الخبرية يبيح لنا أن نؤول في أمور المعاد، فالمسلك واحد؛ ولذلك بعض علماء الكلام اضطربوا في مثل هذه الأمور، خصوصاً أيضاً من دخل منهم في الفلسفة فإنه قد اضطرب اضطراباً شديداً، وبعضهم هو الذي بدأ، وكانت عنده بدايات في أنه يجوز عقلاً، لكن يمنعه ولا يدري كيف يمنعه، فيتوقف في كيفية منعه، ويقول: هو من جهة التأويل ومن جهة العقل قد يجوز، وقد ناقشه تلميذه المغربي في مثل هذا الموضوع وصار بينهما جدال، وكل كتب في ذلك قانوناً للتأويل، وهذا القانون الكلي هو الذي كتب فيه أيضاً من جاء بعدهم، ثم استطال الأمر حتى وصل إلى مثل ابن رشد الفيلسوف، الذي يقال له: ابن رشد الحفيد ، واعتمد على قانون التأويل في تجوز تأويل أمور المعاد، وأما الفلاسفة الصرحاء مثل ابن سينا وغيره، فهم يرون ذلك بلا إشكال، وأن الأنبياء خاطبت العامة بما يعرفون، وأن هذه الألفاظ تتناسب مع الظواهر وتتناسب مع فهم العوام، ولكن الصحيح هو بواطنها وأنه ليس ثم معاد جسماني.. إلى آخره من الأشياء التي ذكر هؤلاء.

    فالمقصد من ذلك أن السلامة كل السلامة في اعتماد الأثر، وليس هناك لا خوف تشبيه ولا خوف تمثيل ولا غيره، فهذ الأمثلة قد حكاها النبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة وسمعوها فلم يقع منهم ذلك، وحكي جيلاً بعد جيل، ولم تقع إلا عند من يكون عنده مشكلة من جهة الرأي، هو الذي تبدأ عنده هذه الإشكالية والحساسية، وإلا لو استمر جيلاً بعد جيل وحكيت ما صار عندنا فيها أي إشكال، في هذه.

    والإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في بعض هذه الأمور على أصول المتكلمين يذهب إلى مذهب التأويل، ولا يعمل ظاهر النص، ولو قرأنا كتبه هذا والاعتصام؛ فسنجد عنده في هذه الأمور شيئاً من التأويل، وسيأتينا أمثلة لهذا.

    قال رحمه الله: [ وقال تعالى: وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61]، أي: يسمع الحق والباطل، فرد الله عليهم فيما هو باطل، وأحق؛ فقال: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة:61].. الآية، ولما قصدوا الإذاية بذلك الكلام قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61].

    وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [يس:47]؛ فهذا منع امتناع عن الإنفاق بحجة قصدهم فيها الاستهزاء؛ فرد عليهم بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47]؛ لأن ذلك حيد عن امتثال الأمر، وجواب (أنفقوا) أن يقال: نعم أو لا، وهو الامتثال أو العصيان، فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض؛ انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا؛ إذ حاصله أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة بالمشيئة المطلقة؛ لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق، فكأنهم قالوا: كيف يشاء الطلب منا ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم؟! وهذا عين الضلال في نفس الحجة.

    وقال تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء:78] إلى قوله: وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء:79]؛ فقوله: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79]؛ تقرير لإصابته عليه السلام في ذلك الحكم، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود عليه السلام، لكن لما كان المجتهد معذوراً مأجوراً بعد بذله الوسع؛ قال: وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء:79] [الأنبياء: 79]، وهذا من البيان الخفي فيما نحن فيه، قال الحسن : والله لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين؛ لرأيت أن القضاة قد هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده، والنمط هنا يتسع، ويكفي منه ما ذكر، وبالله التوفيق ].

    المثال الذي ذكره في قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا [يس:47]، واضح أنه من هذا الباب وشرح الإمام رحمه الله تعالى واضح أيضاً، وكذلك ما ورد عن داود وسليمان.

    المصيب في قصة داود وسليمان مع المرأتين

    لكن هنا أيضاً نحتاج في الحقيقة إلى وقفة أخرى غير ما ذكره الإمام؛ لأن ما ذكره واضح، وهنا قضية حكم فيها سليمان وحكم فيها داود، والإصابة كانت مع سليمان، وداود لم يصب، نحن في مثل هذا الكلام نتكلم في مقام النبوة، يعني في مقام نبيين كريمين.

    ونلاحظ أن بعض العلماء من باب الأدب مع الأنبياء قد يتحاشون أن يذكروا مثل هذه الأمور، والسبب هو الأدب مع الأنبياء، لكن لا شك أن الأدب مع الله أولى، فكون الله سبحانه وتعالى ينص في كتابه بعبارة واضحة أن أحدهما أصاب والثاني لم يصب، فلا يمكن أن نأتي ونقول بأن الثاني أيضاً أصاب؟! ولهذا بعص المفسرين عفا الله عنهم ورحمهم! إذا جاء إلى هذه الآية يستشكل أو يستصعب أن يقول: إن داود عليه السلام قد وقع منه خطأ في هذه القضية، هو اجتهد لكنه أخطأ؛ ولهذا كلام الحسن لما قال: فإنه أثنى على هذا بعلمه وعذر هذا باجتهاده، معنى أنه لم يصب في القضية، ولو رجعت إلى تفسير بعض العلماء فإنك تجده يتأول ويتمحل ويتكلف؛ لكي يخرج داود من أن يكو قد وقع منه في هذه القضية خطأ، مع أنها قضية واحدة، فإما هذا الحكم صواب وإما هذا الحكم صواب، ما تحتمل أكثر من هذا.

    ومثله القضية التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم من خبر المرأتين التين ادعيتا ولداً، فحكم داود عليه السلام به لأحدهما، ثم حكم سليمان بأمر آخر، واكتشف أم الولد بالحيلة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد أن يشق الغلام نصفين، نصف لهذه ونصف لهذه، فقالت الأم: بل هو لها؛ لأنها أرأف بابنها، ولو كانت الأخرى لقالت مثلها، فلما سكتت الأخرى دل على أن الأم هي من تكلمت وأرادت بقاء الولد.

    إمكانية وقوع الأنبياء في الخطأ

    فالمقصد من ذلك أنه لا يمكن أن نقول: إن هذا الحكم صحيح وهذا الحكم صحيح، في مثل هذه القضايا؛ فإذاً أيضاً نقول من باب الأدب مع الله سبحانه وتعالى: إن كلامه سبحانه وتعالى وبيانه أبلغ البيان، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بما لا نفهم ولا نعلم ولا ندرك؛ ولكي ندرك هذه المعاني التي قالوها يلزم منها أن نتمحل ونتكلف التكلفات الباردة؛ ولهذا أحد العلماء رحمه الله كتب تنزيه الأنبياء عن ما ينسبه إليهم السفهاء أو كذا، والكتاب كله مليء بالتأويلات الباردة، الشديدة جداً، وهو يريد أن يقول: إنه لم يقع من أي نبي من الأنبياء خطأ.

    وهنا نقول مرة أخرى، نؤكد عليها أن باب الأدب مع الله أولى، وأن اعتماد ظاهر نصوص القرآن أولى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد بين كلامه بأعلى البيان الذي لا يحتاج فيه إلى أن يبين؛ ولهذا لو نقلنا هذه القصة إلى أي لغة كانت فإنه سيفهم من نقلت إليه وترجمت له أن أحدهما وقع منه كذا والثاني وقع منه كذا، وأن أحدهما قد أصاب والثاني لم يصب، وقس على ذلك غيرها.

    ومثل ذلك عتابات النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يجوز أن النبي صلى الله عليه وسلم أخطأ في بعض الأمور وأن الله سبحانه وتعالى عاتبه؛ لأن الله سبحانه وتعالى نفسه في كتابه قد عاتب نبيه، ولا يعاتبه إلا عن شيء خطأ، فاحترامنا لنبينا صلى الله عليه وسلم وتقديرنا لنبينا صلى الله عليه وسلم لا يعني أننا لا نذكر ما ذكره الله سبحانه وتعالى فيه، فالأصل هو اعتماد النصوص؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة:43]، ويقول: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2]؛ فلو لم يكن أخطأ لكان العتاب في غير محله وهذا ليس من الحكمة، ولذلك قال: لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68]، والرسول صلى الله عليه وسلم يفسر هذه الآية، ويقول: ( لو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر )؛ فمثل هذه الأمور يحسن بنا أن نكون في ميزان وسط، فلا يجوز لنا أن ننسب للأنبياء ما لم ينسبه الله سبحانه وتعالى لهم، أو ما لم ينسبه الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة، ولا يجوز أن نسلب منهم أيضاً ما أثبته الله سبحانه وتعالى لهم؛ فإذاً القضية هي اتباع النصوص، وإلا لو اطلعنا على كلام الحسن رضي الله عنه لما قال: والله لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين، ما قال: النبيين ولا قال: عليهما السلام ولا غيره، قد يقول قائل لما ينظر هذا فيقول: هذا فيه جفاء مع مقام النبوة، فنقول: لا شك، إذا أردنا أن نناقش نقول: الأكمل أن يقول كذا، لكنه لا يعني ذلك أن ما قاله فإنه حرام، وإنه لا يجوز.. إلى آخره.

    والخلاصة أن اعتماد النصوص هو الصواب وهو الأولى، وهو الذي يقينا نحن؛ فلما يأتي إنسان يجادلك، فتقول له: الله سبحانه وتعالى يصرح في كتابه، إلا إذا كنا لسنا عرباً أو أن كلام الله ليس مفهوماً، قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح:1]، لماذا؟ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، هذه الآية هل نحتاج فيها لما يوضح لنا أن الله سبحانه وتعالى قد نسب الذنب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله سبحانه وتعالى قد غفر لنبينا صلى الله عليه وسلم ذنبه؟ لا نحتاج إلى من يبين لنا هذا المعنى؟ ولا نقول: قصد ذنب أبيه آدم فنكون مثل النصارى الذين قالوا بالخطيئة، أو بعضهم يقول: إنما المراد ذنوب أمته، أين وجه الدلالة العربية؟ فهذا في الحقيقة لو أردنا أن نحرر فنقول: مآله في الحقيقة نسب العي لمن قال هذا الكلام؛ لأنه لم يذكر لنا المعنى مباشرة ولا فيه ما يدل عليه، وهذا لا يمكن؛ فاحترامنا للأنبياء وتنزيهنا لهم فيما لم يقع منهم هذا هو الصواب، لكن أن نأتي إلى ما أخبر الله سبحانه وتعالى به صراحة ووضوحاً ونجتهد في تأويله ونتكلف فيه من باب ما نسميه نحن: تنزيه الأنبياء، أو عصمة الأنبياء؛ فهذا فيه إشكال؛ لأن من لوازمه أن هذا الكلام فيه نقص لم يتبين بوضوح، وهذا مشكل.

    1.   

    الأمور التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكرها

    قال رحمه الله: [ فصل:

    وللسنة مدخل في هذا الأصل؛ فإن القاعدة المحصلة أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يسكت عما يسمعه أو يراه من الباطل؛ حتى يغيره أو يبينه إلا إذا تقرر عندهم بطلانه، فعند ذلك يمكن السكوت إحالة على ما تقدم من البيان فيه، والمسألة مذكورة في الأصول ].

    هذه أيضاً مسألة، ومن الأمثلة عليها، ما فعله أسامة لما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقتلته؟!.. أقتلته؟!)، واعترض عليه.

    فإذاً المقصد من ذلك أن ما ورد من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحمل على هذا، وهذا يسمى بالسنة التقريرية، والمؤلف يشير إلى ما يرتبط بالسنة التقريرية، وأنه يدخل في هذا المدخل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم فعلوا فعلاً وسكت عنهم، فإنه يدل على أن هذا الفعل صواب وليس فيه شيء، وهو ما يسمى بالسنة التقريرية، والحكايات أو الأفعال التي تحصل عندهم، يعني ما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أو ما يفعلونه، فإن سكت عنه دل على أنه صواب وكذا لو أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وسكت.

    وهنا مسألة وهي أن بعض المسلمين لو تقول له: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخطأ؛ لجعلها كبيرة من الكبائر؛ مع أن الله سبحانه وتعالى عاتبه، والنبي صلى الله عليه وسلم ما فعله مع عبد الله بن أم مكتوم هو من باب الاجتهاد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بصاحب هوى، ما ينطق عن الهوى، لكنه نقول: اجتهد فأخطأ، وكذا لما اجتهد في أسارى بدر، اجتهد فأخطأ، لكن مقام النبي صلى الله عليه وسلم ليس مثل مقام غيره وأخطاء الأنبياء كانت في مسائل لا تتعلق بالوحي.

    وقال تعالى: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:2-3]، والنصوص صريحة، ففيها.. والمقام إذا اعمدنا النص فإننا نسلم، أما إذا أردنا أن ندخل بمثل هذه الأمور؛ فسنجد أننا في النهاية نحرف، وليس نؤول فقط! بل نصل إلى حد التحريف.

    1.   

    أسلوب القرآن في الترغيب والترهيب

    قال رحمه الله: [ المسألة الرابعة:

    إذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه، وبالعكس، وكذلك الترجية مع التخويف، وما يرجع إلى هذا المعنى مثله، ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار، وبالعكس؛ لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ترجية، وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفاً؛ فهو راجع إلى الترجية والتخويف.

    ويدل على هذه الجملة عرض الآيات على النظر؛ فأنت ترى أن الله جعل الحمد فاتحة كتابه، وقد وقع فيه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7].. إلى آخرها، فجيء بذكر الفريقين.

    ثم بدئت سورة البقرة بذكرهما أيضاً؛ فقيل: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ [البقرة:6]، ثم ذكر بإثرهم المنافقون، وهو صنف من الكفار، فلما تم ذلك أعقب بالأمر بالتقوى، ثم بالتخويف بالنار، وبعده بالترجية؛ فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ [البقرة:24] إلى قوله: وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:25].. الآية.

    ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:26].. الآية، ثم ذكر في قصة آدم مثل هذا، ولما ذكر بنو إسرائيل بنعم الله عليهم ثم اعتدائهم وكفرهم؛ قيل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا [البقرة:62] إلى قوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، ثم ذكر تفاصيل ذلك الاعتداء إلى أن ختم بقوله: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102]، وهذا تخويف.

    ثم قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ [البقرة:103].. الآية، ثم شرع في ذكر ما كان من شأن المخالفين في تحويل القبلة، ثم قال: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة:112].. الآية.

    ثم ذكر من شأنهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [البقرة:121].

    ثم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وبنيه، وذكر في أثنائها التخويف والترجية، وختمها بمثل ذلك، ولا يطول عليك زمان إنجاز الوعد في هذا الاقتران؛ فقد يكون بينهما أشياء معترضة في أثناء المقصود، والرجوع بعد إلى ما تقرر ].

    أيضاً في هذه المسألة وهي المسألة الرابعة نحن أمام أسلوب من أساليب القرآن، فالأسلوب الذي ذكره قبل هذا هو أسلوب وقوع الحكايات، وهذا الأسلوب مرتبط بمقارنة الترغيب للترهيب.

    نلاحظ أنه لما مثل بسورة البقرة استطاع أن يذكر لنا مجمل سورة البقرة وكيف مشت على باب الترغيب والترهيب، ومثل هذا الكلام هو الذي أخذه المعاصرون وسموه بالوحدة الموضوعية، بمعنى أنه يجعل للسورة موضوعاً ثم ينظم جميع ما يتعلق بالسورة تحت هذا الموضوع، فالوحدة الموضوعية التي اقترحها الإمام الشاطبي في سورة البقرة هي الترغيب الترهيب، ثم بدأ ينظر في مقاطع السورة وينظمها على باب الترغيب والترهيب.

    وهنا فائدة: أن مثل هذه الأمور قد تتعدد وجهات النظر فيها، بمعنى: أننا حينما نجعل لمثل هذه السور الطوال وحدة موضوعية معينة، فإنه لا يعني أنه لا يصلح أن يجتهد في إبراز وحدة موضوعية أخرى، بل يمكن في السور الطوال أن نعرض لأكثر من وحدة موضوعية، ولا شك أن طرق كل وحدة من هذه الوحدات تختلف باختلاف الموضوع نفسه؛ فأنا حينما أتكلم عن الترغيب والترهيب، وأريد أن أسوق هذه الآيات وأنظر ما الذي جاء منها في مساق الترغيب وما الذي جاء منها في مساق الترهيب، لا شك أن هذا سيخالف في الطرح والاستنباط والاستنتاج من سيجعل الوحدة مثلاً العلم في سورة البقر، فلو أن باحثاً قال: الوحدة الموضوعية هي العلم، ثم نظر فيما يتعلق بالعلم وبدأ يسبك هذه السورة على وحدة العلم؛ فأنه سيخرج باستنباطات وفوائد واستنتاجات غير ما خرج به الأول، وهذا أيضاً يدخل في باب اختلاف التنوع فيما يتعلق بوحدة الموضوعات التي تناقش خصوصاً في السور الطوال.

    وما ذكره الإمام رحمه الله تعالى في هذا واضح جداً؛ فإن الله إذا ذكر الكفار ذكر مقابل لهم وهم المؤمنون، وإذا ذكر المؤمنين ذكر مقابل لهم الكفارـ

    التنقل في أحوال الترغيب والترهيب

    وهنا في فائدة، وهي أن الانتقال من أحوال الترغيب والترهيب، يعني لا يلزم أن يكون ترغيب ثم ترهيب ثم ترغيب ثم ترهيب، وإنما قد يأتي ترغيب ثم ترهيب مقابل لهذا الترغيب، ثم ينتقل إلى ترهيباً آخر، ثم يذكر مقابل الترهيب الآخر الترغيب المناسب له؛ فإذاً المقصد من ذلك أنه ليس المراد أنه كل ترغيب يقابله ترهيب مباشرة، وإنما تكون سلسلة بهذا الشكل.

    فإذاً ينتبه إلى مثل هذا المقام فيما يتعلق بقضية ترابط الترغيب والترهيب في سور القرآن، نعم.

    قال رحمه الله: [ وقال تعالى في سورة الأنعام، وهي في المكيات نظير سورة البقرة في المدنيات: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:1] إلى قوله: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، وذكر البراهين التامة، ثم أعقبها بكفرهم وتخويفهم بسببه، إلى أن قال: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الأنعام:12]، فأقسم بكتب الرحمة على إنفاذ الوعيد على من خالف، وذلك يعطي التخويف تصريحاً، والترجية ضمناً.

    ثم قال: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام:15]؛ فهذا تخويف، وقال: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ [الأنعام:16].. الآية، وهذا ترجية.

    وكذا قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الأنعام:17].. الآية، ثم مضى في ذكر التخويف، حتى قال: وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنعام:32]، ثم قال: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام:36]، ونظيره قوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام:39].. الآية، ثم ذكر ما يليق بالموطن إلى أن قال: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ [الأنعام:48].. الآية، واجر في النظر على هذا الترتيب، يلح لك وجه الأصل المنبه عليه، ولولا الإطالة لبسط من ذلك كثير ].

    هذا واضح وهو أن ما يتعلق بسورة الأنعام، شبيه بسورة البقرة، بالمدنيات؛ لأنها أيضاً طويلة وفيها قضايا متنوعة، واستطاع أيضاً أن ينظم هذه السورة على باب الترغيب والترهيب كما هو واضح من كلامه.

    1.   

    تغليب أحد طرفي التخويف والترجية حسب مقتضيات الحال

    قال رحمه الله: [ فصل:

    وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال:

    فيرد التخويف ويتسع مجاله، لكنه لا يخلو من الترجية، كما في سورة الأنعام؛ فإنها جاءت مقررة للحق ومنكرة على من كفر بالله، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، وصد عن سبيله، وأنكر ما لا ينكر، ولد فيه وخاصم، وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف؛ فكثرت مقدماته ولواحقه، ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية؛ لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق، وقد تقدم الدعاء، وإنما هو مزيد تكرار إعذاراً وإنذاراً، ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية؛ لأن درء المفاسد آكد.

    وترد الترجية أيضاً ويتسع مجالها، وذلك في مواطن القنوط ومظنته؛ كما في قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53].. الآية؛ فإن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا؛ فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا ألنا لما عملنا كفارة؟ فنزلت.

    فهذا موطن خوف يخاف منه القنوط؛ فجيء فيه بالترجية غالبة.

    ومثل ذلك الآية الأخرى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وانظر في سببها في الترمذي و النسائي وغيرهما.

    ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب؛ كان جانب التخويف أغلب، وذلك في مظانه الخاصة لا على الإطلاق؛ فإنه إذا لم يكن هنالك مظنة هذا ولا هذا؛ أتى الأمر معتدلاً، وقد مر لهذا المعنى بسط في كتاب المقاصد، والحمد لله].

    في هذا الفصل قضية تغليب أحد الطرفين كما قال: بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال، وهذا أيضاً محل بحث في ما لو بحث باحث الترغيب والترهيب في القرآن، ما هي المواطن التي غلب فيها الترغيب وما سبب ذلك؟ وما هي المواطن التي غلب فيها الترهيب وما سبب ذلك؟.

    طبعاً استنباط السبب سيكون من السياق؛ لأن السياق هو العمدة في مثل هذا الأمر لمعرفة أغلبية الترغيب أو أغلبية الترهيب في هذه المواطن.

    ذكر أحد طرفي الترجية والتخويف دون مقابله

    قال رحمه الله: [ فإن قيل: هذا لا يطرد؛ فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه بالآخر، فيأتي التخويف من غير ترجية وبالعكس.

    ألا ترى قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1].. إلى آخرها؛ فإنها كلها تخويف، وقوله: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].. إلى آخر السورة، وقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1].. إلى آخر السورة.

    ومن الآيات قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:57] إلى قوله: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب:58].

    وفي الطرف الآخر قوله تعالى: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2].. إلى آخرها، وقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1].. إلى آخرها.

    ومن الآيات قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22].. الآية.

    وروى أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه التقى هو و عبد الله بن عمرو ؛ فقال ابن عباس : أي آية أرجى في كتاب الله؟ فقال عبد الله : قوله: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].. الآية، فقال ابن عباس : لكن قول الله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، قال ابن عباس : فرضي منه بقوله: (بلى)، قال: فهذا لما يعترض في الصدور مما يوسوس به الشيطان.

    وعن ابن مسعود ، قال: في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا غفر الله له، وفسر ذلك أبي بن كعب بقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران:135].. إلى آخر الآية، وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:110].

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه: إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها، قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء:31].. الآية، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48].. الآية، وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ [النساء:64].. الآية، وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:110]، وأشياء من هذا القبيل كثيرة، إذا تتبعت وجدت.

    فالقاعدة لا تطرد، وإنما الذي يقال: إن كل موطن له ما يناسبه، ولكل مقام مقال، وهو الذي يطرد في علم البيان، أما هذا التخصيص؛ فلا.

    فالجواب: إن ما اعترض به غير صاد عن سبيل ما تقدم، وعنه جوابان: إجمالي، وتفصيلي.. ].

    القاعدة: أن الترهيب يقارن الترغيب، لكن حين نقرأ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، على سبيل المثال، نجد أنها كلها مبنية على الترهيب، ولما نقرأ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]، نجدها مبنية على الترغيب، ولما نقرأ الضحى نجدها مبنية على الترغيب؛ فإذاً يقول المعترض: إنه قد ورد أحدهما دون ذكر الآخر، وأيضاً أشار إلى بعض الآيات التي كانت مدار نقاش بين السلف، مثل ما حصل بين ابن عباس و عبد الله بن عمرو في جعل بعض الآيات من باب الترغيب.

    ثم بعد ذلك سيأتي إلى هذا الجواب، لكن في الأثر الذي قرأته: (ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها)، كما في مصادر التخريج التي ذكرها المحقق.

    قال رحمه الله: [ فالإجمالي أن يقال: إن الأمر العام والقانون الشائع هو ما تقدم؛ فلا تنقضه الأفراد الجزئية الأقلية؛ لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتمدت في الحكم بها، وعليها شأن الأمور العادية الجارية في الوجود، ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل، يدل عليه الاستقراء؛ فليس بقادح فيما تأصل ].

    هذا جواب إجمالي وهو مهم جداً، ليس في هذه القضية فحسب، بل في العلم عموماً، كما قال: القانون الشائع هو ما تقدم، وهو أن الترهيب يقارن الترغيب والعكس، فما ورد الآن من هذه الجزئيات لا ينقض هذا القانون الشائع، إنما يحكم، وهذه قاعدة علمية عامة، وعبارته فيها دقيقة ومحكمة، ويمكن أن يستفاد منها في مثل هذا المجال، وهو أن القاعدة إذا كان أغلبية فإنها محكمة؛ ولهذا قال: إذا كانت في شأن الأمور العادية الجارية في الوجود، فمثلاً نحن نقول: من قواعد الترجيح في التفسير أنه يقدم الأغلب من لغة العرب على القليل، مع أنه قد يأتي في بعض المواطن ونقول: إن كلا المعنيين صحيح، ولا نرجح.

    فالمقصد من ذلك أنه حينما نقول: يقدم، ومرة نرجح المعنيين، وأحدهما قليل، لا يعني أننا خرمنا القاعدة؛ لأن بعض الأمثلة إذا وردت فإنها لا تخرم الأصل، لكن إذا كثرت الانخرامات لم يعد أصلاً، ويكاد يكون اتفاق بين العلماء في أن القرآن إذا ورد فيه الترغيب فإنه يقارنه الترهيب.

    قال رحمه الله: [ وأما التفصيلي؛ فإن قوله: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، قضية عين في رجل معين من الكفار، بسبب أمر معين، من همزه النبي عليه الصلاة والسلام وعيبه إياه؛ فهو إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح، لا أنه أجري مجرى التخويف؛ فليس مما نحن فيه، وهذا الوجه جار في قوله: إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:57].. الآيتين، جار على ما ذكر.

    وكذلك سورة والضحى، وقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] غير ما نحن فيه، بل هو أمر من الله للنبي عليه الصلاة والسلام بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح.

    وقوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] قضية عين لـأبي بكر الصديق ، نفس بها من كربه فيما أصابه بسبب الإفك المتقول على ابنته عائشة ؛ فجاء هذا الكلام كالتأنيس له والحض على إتمام مكارم الأخلاق وإدامتها، بالإنفاق على قريبة المتصف بالمسكنة والهجرة، ولم يكن ذلك واجباً على أبي بكر ، ولكن أحب الله له معالي الأخلاق.

    وقوله: لا تَقْنَطُوا [الزمر:53] وما ذكر معها في المذاكرة المتقدمة ليس مقصودهم بذكر ذلك النقض على ما نحن فيه، بل النظر في معاني آيات على استقلالها، ألا ترى أن قوله: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، أعقب بقوله: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ [الزمر:54].. الآية؟! وفي هذا تخويف عظيم مهيج للفرار من وقوعه، وما تقدم من السبب من نزول الآية يبين المراد، وأن قوله: لا تَقْنَطُوا [الزمر:53] رافع لما تخوفوه من عدم الغفران لما سلف.

    وقوله: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260] نظر في معنى آية في الجملة وما يستنبط منها، وإلا فقوله: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [البقرة:260] تقرير فيه إشارة إلى التخويف ألا يكون مؤمناً، فلما قال: (بلى) حصل المقصود.

    وقوله: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [آل عمران:135] كقوله: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النساء:110] داخل تحت أصلنا؛ لأنه جاء بعد قوله: وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً [النساء:105]، وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ [النساء:107] إلى قوله: فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً [النساء:109].

    وقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا [النساء:31]، آت بعد الوعيد على الكبائر من أول السورة إلى هنالك؛ كأكل مال اليتيم، والحيف في الوصية، وغيرهما، فذلك مما يرجى به بعد تقدم التخويف.

    وأما قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]؛ فقد أعقب بقوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا [النساء:42].. الآية، وتقدم قبلها قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ [النساء:37] إلى قوله: عَذَاباً مُهِيناً [النساء:37]، بل قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40] جمع التخويف مع الترجية.

    وكذلك قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [النساء:64].. الآية، تقدم قبلها وأتى بعدها تخويف عظيم؛ فهو مما نحن فيه.

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48].. الآية، جامع للتخويف والترجية من حيث قيد غفران ما سوى الشرك بالمشيئة، ولم يرد ابن مسعود بقوله: ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، أنها آيات ترجية خاصة، بل مراده والله أعلم أنها كليات في الشريعة محكمات، قد احتوت على علم كثير، وأحاطت بقواعد عظيمة في الدين، ولذلك قال: ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، وإذا ثبت هذا؛ فجميع ما تقدم جار على أن لكل موطن ما يناسبه إنزال القرآن إجراؤه على البشارة والنذارة، وهو المقصود الأصلي، لا أنه أنزل لأحد الطرفين دون الآخر، وهو المطلوب، وبالله التوفيق ].

    الجواب التفصيلي كما يلاحظ ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون حادثة عين.

    وإما أن يتضمن الكلام المقابل، وكأنه يقول: ورود بعض هذه الأمثلة يتضمن المقابل، مثل ما فصل في كل مثال، على سبيل المثال لما قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، هذه تعتبر كما قال ابن عباس آية ترجية، لكن قوله: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [البقرة:260]، كما قال: فيها إشارة إلى التخويف، لكن لما قال: (بلى) حصل المقصود؛ فصار سبك الآية كله فيه أغلبي على الترجية، ولكن في إشارة في قوله: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [البقرة:260] إلى التخويف، وقس على ذلك ما ذكره من الأمثلة تفصيلاً، فهذا كأنه يقول: مع ما اعترض به هذا المعترض فإنه لا يخالف الأصل الذي قرره في الفصل الماضي.

    1.   

    الخوف والرجاء في العبادة

    قال رحمه الله: [ فصل:

    ومن هنا يتصور للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء؛ لأن حقيقة الإيمان دائرة بينهما، وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على الخصوص؛ فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57] إلى قوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60].

    وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ [البقرة:218]، وقال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57].

    وهذا على الجملة، فإن غلب عليه طرف الانحلال والمخالفة؛ فجانب الخوف عليه أقرب، وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط؛ فجانب الرجاء إليه أقرب، وبهذا كان عليه الصلاة والسلام يؤدب أصحابه، ولما غلب على قوم جانب الخوف قيل لهم: يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].. الآية، وغلب على قوم جانب الإهمال في بعض الأمور، فخوفوا وعوتبوا كقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [الأحزاب:57].. الآية؛ فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آياته؛ فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب ].

    هذا الفصل حقيقة، يمكن أن نقول: إنه نتيجة ما ذكره من تقرير قاعدة الترغيب والترهيب، وكيف أطبق قاعدة الترغيب والترهيب على نفسي في المقامات؟

    تقديم أحد طرفي الخوف والرجاء على مقابله

    ولهذا لو نرجع إلى بعض كتب السلوك فإنهم يناقشون: هل يقدم مقام الترغيب أو يقدم مقام الترهيب؟ ولا شك أن الأمر مرتبط بالأحوال؛ ولذا روي عن الإمام أحمد في هذا أنه قال: إن مقام الترهيب أو مقام الخوف وهو مازال في الحياة، قال: فإذا بلغ الاحتضار فيقدم جانب الترغيب، الذي هو الرجاء.

    فإذاً المقصد من هذا أن المسألة راجعة إلى الأحوال، وكذلك أيضاً راجعة إلى أحوال أشخاص؛ فيستفاد من هذا في قضية الدعوة إلى الله، هل المقام الآن مقام ترغيب أو مقام ترهيب؟

    وهل الشخص الذي أمامك أولى أن تقدم له مقام الترغيب أو أن تقدم له مقام الترهيب؟

    ولا شك أن معرفة هذا نوع من الحكمة التي يدعو المسلم بها ربه أن يمنحه إياها؛ لأنه قد يقع منه أن يوقع مقام الترغيب في غير مكانه، أو مقام الترهيب في غير مكانه في حال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يجني منها شيئاً، أما إذا أو قعهما في محالهما؛ فبإذن الله قد يحصل المطلوب، ويهدي الله سبحانه وتعالى على يديه من يهدي.

    فالإمام رحمه الله تعالى لما ذكر هذا يفيدنا أيضاً فائدة مهمة جداً، وهي أن المسلم إذا كتب فإنه يحرص على الجانب العملي التطبيقي الذي يحتاجه المسلم في حياته؛ فقال لنا: فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آيته؛ فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب؛ فهذه فائدة عزيزة جداً ومهمة في طريقة الاستفادة من مثل هذا الموضوع.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى)

    السؤال: هذا سائل يسأل عن التفسير الصحيح لقول الله سبحانه وتعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى [الضحى:7]، فهل المراد هنا ضلاله عن الهدى؟ وما هو موقف العلماء من ذلك؟

    الجواب: هذه الآية مثل الآيات التي سبقت في قضية تنزيه الأنبياء، فقيل: وجدك ضالاً في شعاب مكة فهداك، أو ضل في سفرة من أسفاره فدله على الطريق.. إلى آخره، فهذه كلها من المعاني المذكورة، لكن الله سبحانه وتعالى قد تكفل ببيان ذلك، حين قال: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52]، حال نبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أن كان لا يستطيع أن يعرف تفاصيل الإيمان ولا تفاصيل الإسلام ولا كيف يعبد الله على التفصيل؟ ولا يمكن لأحد أن يثبت له ذلك، وإنما هو مثل غيره من الحنفاء، قد جانب الأصنام، ويدعو الله سبحانه وتعالى ويعبده لكن على الإجمال؛ فحكى الله سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله: وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى [الضحى:7].

    والإشكالية عندنا أننا نفهم الضلال على نوع معين، وهو أنه الضلال بمعنى: الشرك، وهذا ليس بصواب؛ فلا يلزم أن الضلال في هذا السياق بمعنى الشرك؛ لأن الله قد بين ذلك في الآية الأخرى، فقال: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52]، بمعنى: أنه لم يهد إلى هذا؛ فلما هداه إلى هذه التفاصيل؛ كان معنى قوله سبحانه وتعالى: فَهَدَى [الضحى:7].

    إذاً وهذا هو هذا المعنى المراد، وإذا فهمناها على هذا المعنى، فليس هناك أي إشكال، وليس فيه أي تنقيص من حق نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وكما أشرت سابقاً إلى أن الذي يدعو بعض الناس إلى مثل هذه الأمور في التأولات هو محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيهه عن بعض الأمور، لكن نقول: إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا يحسن أن يكون فيها نفي شيء قد أثبته الله عليه، أو وصفه بشيء ليس من حقه مثل من يذكر له بعض المقامات التي هي من مقامات الألوهية أو الربوبية كما هو معلوم فهذا لا يجوز قطعاً.

    وكما قلت عدة مرات: إن الالتزام بالنص أولى، وهو الذي يسلم منه الإنسان، وهذه المفسرات في القرآن واضحة لا تحتاج إلى بيان.

    كون التنوع في الوحدة الموضوعية للسورة من الإعجاز والبلاغة

    السؤال: يقول: هل التنوع في وحدة الموضوع في السورة الواحدة من إعجاز القرآن وبلاغته؟

    الجواب: قضية الموضوعات التي طرقها القرآن؛ لكي ندخلها في الإعجاز حقيقة تحتاج إلى تأمل، ولا أستطيع الآن أن أقول: إنها من الإعجاز؛ لأن هذه تحتاج حقيقة إلى تأمل، وهل هي من انفرادات القرآن دون غيره فإن كان كذلك فنعم.

    نقول: هذا الكتاب من الأمور المعجزة فيه والتي تدل على علوه؛ كون المسلم إذا نظر إليه نظر فيه إلى موضوعات مترابطة ومتشابكة، وليس واحداً وإنما متعددة، وليس أحدها يطغى على أحد، ولا يناقض بعضها بعضاً، والفوائد المستنبطة من هذا غير الفوائد المستنبطة من ذاك، وكما قال الله سبحانه وتعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج:21]، والمجيد هو: الشريف والرفيع من جنسه؛ فكونه وصف بالمجد؛ دلالة على مجده في ألفاظه ومجده في معانيه، وتنوع هذه المعاني نوع من مجد هذا القرآن، فما بالك بتنوع الموضوعات التي طرقها؛ لكن هذا يحتاج فقط إلى أن نتأمل، فإذا ثبت من مثل هذا؛ فلا بأس بأن يكون نوعاً من أنواع الإعجاز التي تنسب إلى القرآن، نعم.

    وجه الترغيب في قوله تعالى: (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)

    السؤال: [وجه الترغيب الذي ذكره ابن عباس في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي [البقرة:260]...]؟

    الجواب: ابن عباس ذكر قوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى [البقرة:260]؛ لأن الله سبحانه وتعالى رضي من إبراهيم قوله: (بلى) فالله لم يؤاخذ على ما يعترض في الصدور مما يوسوس به الشيطان، وإلا لو آخذ الله بما يوسوس الشيطان؛ لكان شيئاً عظيماً، فهذا وجه الترجية أو الترغيب فيها.

    القول بعصمة الأنبياء

    السؤال: [القول بأن الأنبياء معصومون مطلقاً]؟

    الجواب: هذا قول ليس عليه دليل، بأن الأنبياء معصومون إطلاقاً؛ لأنه يحتاج إلى المراد بالعصمة، ما هي العصمة التي يقول هذا القائل: إن الأنبياء معصومون إطلاقاً، هذا يحتاج إلى دليل، والأدلة من نصوص القرآن، واضحة أنها لا تسند هذا.

    ولكن إذا أردنا أن نتكلم في هذا فنقول: إن هناك مقامات في الحديث عن العصمة، فالعصمة المطلقة هي في التبليغ، هذا بلا خلاف، بمعنى الله سبحانه وتعالى إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يبلغ الأمر كما هو، ولا يمكن أن يقول الله سبحانه وتعالى لنبي: قل لقومك كذا، ثم يقول لهم بخلاف هذا.

    لكن قد يقع من النبي صلى الله عليه وسلم تأخير التطبيق، مثلما وقع في زواجه من زينب ، وعاتبه الله سبحانه وتعالى على هذا التأخير؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أخبره أنها زوجه، وأمره بالزواج منها فأخر هذا، فقال الله: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37]رد، فهذا الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم، هو تأخير فقط، تأخير لهذا القدر، لكنه صلى الله عليه وسلم فعل وطبق؛ فإذاً هذا النوع مما يتعلق بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم هذه عصمة مطلقة بلا خلاف.

    النوع الثاني من العصمة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخطأ نبه على خطئه؛ فإذا نبه على خطئه استغفر فغفر له، وهذا ليس لأحد غير الأنبياء؛ ولهذا لما ذكر الله سبحانه وتعالى لنا ما ذكره عن الأنبياء نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر الخطأ ثم يورد استغفار النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: فَغَفَرْنَا لَهُ [ص:25].

    وأما في حق نبينا صلى الله عليه وسلم فقد أخبره بالمغفرة مطلقاً، فقال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، ولما سألته عائشة وهو يقوم الليل في آخر حياته، فقالت: ( أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا: أكون عبداً شكوراً )؛ فإذاً فهم النبي صلى الله عليه وسلم منها مثل ما أخبر الله سبحانه وتعالى بمثل هذه.

    فهذا النوع الثاني من العصمة، وهو نوع خاص بالأنبياء ليس لغيرهم، فنحن نخطئ ولا يأتينا تنبيه؛ فنستغفر فيغفر الله لنا.

    النوع الثالث فيما يتعلق بالأنبياء وهو ما يتعلق بالأمور المرتبطة ببشرية الأنبياء، فالأمور المرتبطة ببشرية الأنبياء لا ينسب لهم فيما يتعلق بالأمور البشرية إلا ما نسبه الله لهم، ولا ينفى عنهم ما أثبته الله لهم، مثلاً لما أقول: إن موسى عليه السلام كان رجلاً غضوباً، فهذا الكلام ليس فيه إشكال؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف:154]، فهو بشر، يحب ويفرح ويرضى ويغضب.. فما دام مثل البشر؛ فأنا لا أنسب له في هذا المقام شيئاً لم ينسبه الله له، ولو قلت مثلاً: إن موسى عليه الصلاة والسلام كان رجلاً طويلاً فلا تقبل هذا الكلام؛ لأنه لا يوجد دليل عليه؛ فلا أنسب له ما لم يثبت، إذا ثبت عليه شيء فلا يجوز لي أن أنفيه، حتى في مقام البشرية.

    فإن أثبت له ما هو كمالات زائدة في مقام البشرية؛ فلا بد أن يأتي الدليل، فإذا قلت لك: إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يطير مثلاً، فتقول مباشرة: ما الدليل؟ وأين ورد هذا؟ فإن قلت: هذا كمال لنبينا صلى الله عليه وسلم، صاحب الشفاعة وصاحب الحوض، وخليل الرحمن، لا بد أن يطير! فنقول: لا، ما يجوز هذا؛ لأنك تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يذكره، لكن لما أقول لك: إن عرق النبي صلى الله عليه وسلم ريحه كريح المسك، فهذا تقبله لأن هذا ورد في الحديث الصحيح.

    فالخلاصة: أننا ننطلق من النصوص، فنثبت ما أثبتته النصوص وننفي ما نفته النصوص، ولا نتقول على الله سبحانه وتعالى ولا على أنبيائه.

    تأتي قضية أخرى قد تشكل وهو أن بعض الآيات الواردة في حق الأنبياء وقع فيها تفسيرات مشكلة من جهة الإسرائيليات، ويبدو والله أعلم أنها عند بعض العلماء ليس كلهم، عند بعض العلماء هي التي جعلت عندهم ردة فعل في إنكار بعض القضايا التي قد أثبتها الله سبحانه وتعالى، فعلى سبيل المثال:

    داود عليه السلام لما أخبر الله عنه سبحانه وتعالى في قضية النعاج، لو نحن فسرنا الآيات بظاهرها، فإن الآيات تدل على خصومة ليس لها أي علاقة بقذف المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في بداية قصة داود عليه السلام قال: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص:20]، هذه واحدة، وفصل الخطاب يكون في القضاء، ويكون في غيره، ثم ذكر قضية المحاكمة فقال: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص:21]، لاحظ (الخصم) فما دام فيه خصومة فتحتاج إلى محاكمة، إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص:21]، ثم ذكر المخاصمة بينهم:

    فواحد عنده نعجة وواحد عنده نعاج، فنعجة هذا تدخل مع نعاج هذا، فهذا يريد أن يخرجها فيتعب صاحب النعاج، فقال: أَكْفِلْنِيهَا [ص:23]، لاحظ! ما زاد على ذلك، فالعبارات واضحة جداً، أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص:23]، فصاحب النعجة صاحب لسان، والذي وقع من داود عليه السلام، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ [ص:24]، فاستعجل عليه السلام في الحكم قبل أن يسمع الخصم الآخر، فعاتبه الله على ذلك؛ ولذلك قال: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص:26]؛ فكل قضية مرتبطة بخصومة؛ فظاهر النص واضح منه أن المسألة مسألة خصومة، وأن داود عليه السلام استعجل في الحكم، وأن الله سبحانه وتعالى نبهه على خطئه؛ فاستغفر وخر راكعاً وأناب؛ فغفر الله سبحانه وتعالى له، وهذا أخذناه من الظاهر، ومثل هذا في القضية الأخرى أنه حكم ووقع منه ما وقع في قضية الغنم.

    فالرواية والتفسير الآخر يرتبط بقضية المرأة المشهورة.

    طبعاً في رواية بني إسرائيل وبعض السلف أنه رأى امرأة وأعجبته وهي لقائد جيشه فأرسله في الحرب ليقتل؛ فقتل ثم تزوجها بعد ذلك، فهذه الروايات الإسرائيلية والعياذ بالله فيها نكارة في هذا، حيث تزعم أن داود عليه السلام زنى بالمرأة، وهذا والعياذ بالله لا شك أنه باطل، لا يصح إطلاقاً، وهذا صادر ممن لم يتأدبوا مع الله سبحانه وتعالى من اليهود ولا يستغرب هذا منهم فإنهم لم يتأدبوا مع الله فضلاً عن أن يتأدبوا مع أنبيائه؛ ولهذا يقولون: داود الملك، فينسبونه إلى الملك؛ لكي يقتدوا بأخطائه والعياذ بالله بزعهم، وهو لم يفعل ذلك، ويتركون محاسنه فلا يقتدون بها، لكن المقصد من ذلك أنهم يحتجون بما عندهم في كتبهم من أخطائه على بعض أفعاله.

    فالمقصد من ذلك أننا لا نناقش هؤلاء، لكن لو نأتي لنناقش هذه القضية من حيث الإسناد فليس لها إسناد، تعرف من مروية بني سهيل، وليس لها إسناد، فما دام أنه ليس لها إسناد فترجع القضية إلى النظر العقلي في مناقشة الأمر وربطه بالواقع، يعني معرفة أحوال الناس والبشر؛ فتأتي إشكاليات هنا في الجدل بين من يرى أنه قد يكون وقع هذا الشيء، وبعضهم يقول: لم يقع، فلو حصل جدل من هذا نقول: سؤال: هل النبي معصوم من أنه إذا رأى شيئاً يعجبه، كامرأة تعجبه أو كذا وأنه يقع بقلبه إعجابه بها، هل معصوم عن مثل هذا الأمر؟

    الجواب: الأصل أنه ليس معصوماً، فالنبي قد يرى ويعجبه، لكن ما نتكلم نحن الآن هل رأى ما رأى.. لكن كقضية عامة؛ فإذا كان ليس معصوماً عن هذا، وقد يرى ويعجبه؛ فكونه الآن رأى امرأة فأعجبته، هل هو ارتكب شيئاً؟ نقول: لا، نعم هذا محتمل؛ لأنه فيه طبع البشر، والنبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى أهله؛ فأخبر الصحابة من رأى منهم من امرأة شيئاً فليأتي أهله.. إلى آخره، فإن في أهله مثل ما عند هذه المرأة، المقصد من ذلك لو نحن تعدينا خطوة أخرى الآن، افترض أن هذه المرأة لما سأل عنها داود كانت متزوجة؛ فطلب من زوجها افتراضاً التنازل عنها، فقضية تنازل زوج عن زوجته في عموم الشرائع وغيرها، محتمل فالصحابة في قضية الإخاء بينهم، حصل منهم هذا فالقصد أنه محتمل، ولما نقول: محتمل، لا يلزم أن نثبته ولا يلزم أن نقول به، لكن أقصد من ذلك أنه قد يرد من يثبت قدراً هذا؛ ولهذا لو ترجع إلى كلام السلف تجد أنهم أشاورا إلى التفسير الأول الذي ذكرته وهو أنه فتن بالمرأة، فـابن مسعود يقول في المرأة، وابن زيد يقول بالمرأة و ابن عباس يرد عنه في المرأة.. وغيره، كلهم يقولون: في المرأة..

    فالسلف لما يفسرون هذه الآيات بهذا المعنى ويشيرون إلى قصة المرأة، يشكل علينا نحن؛ إذاً يجب أنا نتوقف، ولننظر كيف نعالج مثل هذا الأمر؟! ويجب أن ننتبه إلى أن قضايا التجريحات أو التشديد في مثل هذه الأمور، في مساحة فيها مجال، وليس فها إساءة للأنبياء عليهم السلام؛ فيؤخذ مع محاولة، الاجتهاد في كمال الأدب في العبارات على الأنبياء، فلا يتكلم الواحد مع الأنبياء كما يتكلم مع أي واحد.. لا، لا بد أن يكون في كمال أدب مع الأنبياء في الحديث عنهم، لكن أنا ألاحظ أنه ما زال في مقام محتمل ومقبول ومعقول، والله سبحانه وتعالى يقول: فَتَنَّاهُ [ص:24]؛ فقد يبتلى ويمتحن داود عليه السلام، فابتلاه وامتحنه بما ابتلاه به، سواءً في المرأة أو في هذا.

    أحياناً قد يكون عندنا شطط في هذا، مثل قضية الملكين الذين أنزلا، فالله سبحانه وتعالى ينص على أنه أنزلهما فتنة، وإذا جاء يتعلم أحد منهم السحر، قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، فهذا تحذير واضح أليس من حق الله أن يبتلي عباده بما يشاء؛ ليرى أيكم أحسن عملاً؛ فهذا داخل في ابتلاء الله سبحانه وتعالى؛ فإذاً لا بد أن نفهم هذه القضية الكلية، وأن الله سبحانه وتعالى ابتلى عباده من الأنبياء وممن هم دون الأنبياء، فمن الذي صبر ومن الذي استطاع أن ينجو، ومن الذي هلك؛ لأنه هذا من باب الابتلاء، فإذا أخذناه من هذا الباب؛ سنرى أنه ما قيل عن أيوب عليه السلام يمكن أن يكون.. لا نقول طبعاً كل التفاصيل، بما يكون له أصل في ابتلائه عليه السلام، وما قيل في داود وما قيل في سليمان قد يكون له شيء من الأصل فيما يمكن أو يجوز أن يقع.

    أما التفاصيل فلا يمكن إثباتها؛ لأن إثبات مثل هذا يلزم فيه الإسناد عن معصوم، والروايات الاسرائيلية كلها منقطعة عند بني إسرائيل، ولهذا بعض كتبهم تقول: لا يعرف من هو كاتب هذا السفر، أو يظن أن كاتب هذا السفر فلان، فهم الآن في كتبهم تجدهم يتكلمون عن أسفارهم هذه، يتكلمون بهذا؛ معناه أنه منقطع الأمر عندهم بتاتاً.

    والمقصد من ذلك أنا ننتبه ونراعي هذا، مع أن عندنا المقام الذي يذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قضية جواز التحديث عن بني إسرائيل وأنا إذا حدثنا عنهم فلا نصدقهم ولا نكذبهم، والمثال الذي قبل قليل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الحبر، سأله وهو قد نهى الصحابة عن مثل ما حدث مع عمر لما أخذ قطعة من التوراة.. فنحاول أن نوازن بين هذه الأمور وأن نجتهد في أن نأخذ العدل والوسط، لا إفراط ولا تفريط.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3045792082

    عدد مرات الحفظ

    733174567