إسلام ويب

شرح قسم الكتاب من الأدلة الشرعية [1]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهم مصادر الشريعة هو القرآن الكريم؛ لاتفاق المسلمين عليه، ولأن جميع المصادر ترجع إليه، وهو وإن كان معجزاً فإن ذلك لا يمنع من تدبره واستنباط الأحكام منه، وينبغي على المستنبط أن يعلم أسباب النزول فإن الجهل بذلك يوقع في الشبه والإشكالات.

    1.   

    تقسيم الشاطبي كتابه الموافقات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أما بعد:

    فهذه تعليقات خفيفة على كتاب الإمام الشاطبي المسمى: بالموافقات.

    جرت العادة في شروح مثل هذه الكتب التعريف بالمؤلف، ولكني أرى في مثل هذا المقام أن المؤلف رحمه الله تعالى معروف ولا يحتاج أن نأخذ فيه وقتاً، فمن أراد ترجمته فسيجدها في مقدمات كتبه، فلا نحتاج أن نقف عند هذا.

    كذلك هذا الكتاب لا يحتاج أن نقف عنده في مجال التعريف به وأهميته، وأن نقول مثلاً: بأنه من أبرز كتب أصول الفقه عند المتأخرين، وأنه من أظهر كتب أصول الفقه التي اعتنت بالمقاصد، فهذه قضايا معروفة لطالب العلم، ممن درس علوم الشريعة، فالأصل أن هذه الأمور عنده معلومة، فلا نحتاج إلى أن نأخذ فيها وأن نكررها.

    والذي سنقف عنده فقط سريعاً هو: معرفة أقسام الكتاب، كما قسمها الإمام الشاطبي ، ثم معرفة أقسام القسم الأول الذي هو من أقسام المصادر.

    الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى قسم كتابه إلى أقسام خمسة، القسم الأول سماه: المقدمات العلمية، والقسم الثاني: عن الأحكام التكليفية، والقسم الثالث: عن المقاصد الشرعية، والقسم الرابع: الأدلة الشرعية، والقسم الخامس: في الاجتهاد والتقليد.

    1.   

    الأدلة الشرعية

    ونحن سنأخذ ما يتعلق بالأدلة الشرعية، ونأخذ منها القسم الأول، الذي هو الكتاب، ويتضح للناظر في هذا الكتاب أن هذا القسم وهو قسم الكتاب أغلب مادته ترجع إلى علوم القرآن، ويتبين هذا من خلال النظر في المسائل التي طرحها، فإنه طرح أربع عشرة مسألة في قسم الكتاب:

    المسألة الأولى: ناقش فيها قضية كون القرآن كلية الشريعة، وكونه هداية، ثم أشار إلى شيء مما يتعلق بإعجازه إشارة سريعة.

    والمسألة الثانية: أهمية أسباب النزول.

    والمسألة الثالثة: أسلوب حكايات القرآن، إذا حكى القرآن كلاماً عن أقوام، فما هو أسلوب هذه الحكاية من جهة القبول والرد، هل يقبل أو لا يقبل؟ وكيف نعرف الضابط في ذلك؟

    والمسألة الرابعة: أسلوب القرآن في قرن الترغيب بالترهيب.

    والمسألة الخامسة: في كون الأحكام في القرآن كلية لا جزئية.

    والمسألة السادسة: في كون القرآن فيه تبيان كل شيء، وهذا بناه على المسألة الخامسة.

    والمسألة السابعة: العلوم المضافة للقرآن.

    والمسألة الثامنة: الظاهر والباطن في التفسير.

    والمسألة التاسعة: ما كان استنباطه خارجاً عن اللسان العربي، وكيف يتعامل معها؟

    والمسألة العاشرة: الاعتبارات الواردة على القلوب.

    والمسألة الحادية عشرة: تنزيل المتأخر في النزول على المتقدم، يعني المكي المتأخر يحمل على المكي المتقدم، والمدني المتأخر يحمل على المدني المتقدم، والمدني المتقدم والمتأخر يحمل على المكي.

    المسألة الثانية عشرة: أخذ التفسير على التوسط والاعتدال.

    والمسألة الثالثة عشرة: الضابط المعول عليه في التفسير.

    والمسألة الأخيرة وهي الرابعة عشرة: ذم الرأي في التفسير.

    فلو ذكرنا هذه العناوين، ولم نقل أن هذا في كتاب الموافقات، وبأن كتاب الموافقات من كتب أصوب الفقه، فيمكن أن نسمي هذه الموضوعات، وبهذا يظهر الشاطبي على أنه من علماء علوم القرآن، وقد تم بحمد الله جمع المادة المتعلقة بعلوم القرآن في هذا الكتاب في رسالة علمية.

    فهذا الكتاب لو رتبت المسائل المتعلقة بعلوم القرآن ترتيباً جيداً وأخرجت على سبيل المتن؛ لكان متناً حسناً يستفيد منه طلاب العلم، وكذلك يستفيد منه من يريد أن يشرح متناً في علوم القرآن، خصوصاً إذا ذكر في الحاشية آراء الشاطبي رحمه الله تعالى؛ لكونها واضحة وقوية.

    ويلاحظ أنه في هذا القسم لا توجد الصعوبة التي توجد في الأقسام الأخرى المرتبطة بأصول التفسير مباشرة؛ لأن هناك لا شك في كتاب الشاطبي رحمه الله تعالى مواطن صعبة، وليست بيسيرة، وقد يتعب طالب العلم في تفهم هذه المواطن، لكن هذا القسم بالذات هو من المواطن السهلة بالنسبة للأقسام الأخرى، وقد يكون هناك بعض المشكلات التي يمكن أن تحل وأن نصل فيها إلى نتيجة علمية بإذن الله.

    قال الشاطبي رحمه الله تعالى: [ في الأدلة على التفصيل، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والرأي:

    ولما كان الكتاب والسنة هما الأصل لما سواهما اقتصرنا على النظر فيهما، وأيضاً فإن في أثناء الكتاب كثيراً مما يفتقر إليه الناظر في غيرهما، مع أن الأصوليين تكلفوا بما عداهما كما تكلفوا بهما؛ فرأينا السكوت عن الكلام في الإجماع والرأي، والاقتصار على الكتاب والسنة، والله المستعان!

    فالأول أصلها، وهو الكتاب، وفيه مسائل ].

    الذي وضع العناوين هو عبد الله دراز.

    والكتاب رتبه على خمسة أبواب مع المقدمة.

    نحن في القسم الرابع وهي الأدلة الشرعية، سيتكلم عن الأدلة من حيث الإجمال ثم من حيث التفصيل، فنحن سنأخذ ما يتعلق بالكتاب كما طرحه الشاطبي .

    1.   

    الكتاب

    قال رحمه الله: [ إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك؛ لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي؛ نظراً وعملاً، لا اقتصاراً على أحدهما؛ فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين في الرعيل الأول، فإن كان قادراً على ذلك، ولا يقدر عليه إلا من زاول ما يعينه على ذلك من السنة المبينة للكتاب، وإلا فكلام الأئمة السابقين، والسلف المتقدمين آخذ بيده في هذا المقصد الشريف، والمرتبة المنيفة ].

    سبب كون القرآن المصدر الأول من مصادر الشريعة

    هذا الكلام الذي ذكره في مقدمة المسائل يقول: هذا لا يحتاج إلى تقرير كون القرآن هو كلية الشريعة، يعني المصدر الأول الذي يرجع إليه جميع المسلمين، وهو الذي يكاد يكون الاتفاق عليه، يعني عند المخالف والموافق، وإن كان النظر قد يختلف، لكن المقصد من ذلك أن الكتاب هو المصدر الذي اتفق عليه المسلمون.

    وهو كما قال: كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة؛ ولهذا سيفصل في هذه القضايا لما يأتي إلى قضية كيفية استنباط الأحكام من القرآن على سبيل النظر الكلي أو على سبيل النظر الجزئي.

    والكلام الذي ذكره وهو كلام إنشائي جميل فيه تنبيه إلى مسألة مهمة، لما ذكر أنه رام الاطلاع على كلية الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها، من رام الاطلاع على كلية الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، فمن فعل هذا فهو يفعل نوعاً من التدبر، من قصد هذا المقصد فإنه قد قصد إلى نوع من التدبر؛ لأن النظر إلى القرآن عند المسلمين وعند علماء المسلمين يختلف من عالم إلى عالم، وهذه الأنظار المتعددة التي تتعلق بالنظر إلى هدايات القرآن واستنباط هدايات القرآن إنما هي نظر راجع إلى التدبر الذي يكون بعد فهم المعنى.

    ثم ذكر لنا إحدى الطرق التي تجعل الإنسان يصل إلى هذه المرتبة، فقال: أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظراً وعملاً، يعني: نظراً هذا يرجع إلى إعمال الذهن، وعملاً هذا يرجع إلى التطبيق، ثم قال بعد ذلك: لا اقتصاراً على أحدهما.. إلى آخر كلامه.

    يمكن أن نقول أيضاً: إن من نتائج تدبر القرآن هو التطبيق، وكذلك التطبيق يورث أيضاً تدبراً في القرآن، بمعنى أن بينهما تلازم، فهذا يورث هذا وهذا ويورث ذلك.

    المقصد من ذلك أن المسلم الحريص على تدبر القرآن يحسن به أن يكون القرآن كما قال الإمام رحمه الله تعالى: أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظراً وعملاً.

    ثم ذكر بعد ذلك: أنه إن فعل ذلك، فإنه يجد نفسه في السابقين، وفي الرعيل الأول، يقصد بهم طبعاً الصحابة والتابعين وأتباع التابعين.. السلف على حسب مراتبهم، وإن كان الصحابة لا شك أعلى في هذا المقام.

    المصادر التي من خلالها يمكن تدبر القرآن

    قال: فإن كان قادراً على ذلك، ولا يقدر عليه إلا من زاول ما يعينه على ذلك من السنة المبينة في الكتاب، وإلا فكلام الأئمة السابقين.. إلى آخر كلامه، يعني كأن هناك مصادر معينة للوصول إلى هذه المرتبة، من هذا المصادر ومن أهمها: السنة النبوية، وسيشير.. إلى اللسان العربي؛ لأنه لا يمكن أن يصل إلى هذه المرتبة من لا يفهم لسان العرب، أو من يكون عربياً لكنه لا يفهم الخطاب القرآني، فلا يمكنه أن يصل إلى هذا المقصد الشريف؛ فإذاً يمكن أن نقول: هذا المقصد الشريف له عدة من مصادر، ومن أهمها كما ذكر السنة النبوية، وكذلك اللسان العربي، وقد ذكره في مواطن متعددة، وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بذلك.

    إعجاز القرآن لا يمنع من تدبره

    قال رحمه الله: [ وأيضاً فمن حيث كان القرآن معجزاً أفحم الفصحاء، وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله؛ فذلك لا يخرجه عن كونه عربياً جارياً على أساليب كلام العرب، ميسراً للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى، لكن بشرط الدربة في اللسان العربي، كما تبين في كتاب الاجتهاد؛ إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيه؛ لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن الأمة، وهذا من جملة الوجوه الإعجازية فيه؛ إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان والمعاني والأساليب، مفهوم معقول، ثم لا يقدر البشر على الإتيان بسورة مثله ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيراً؛ فهم أقدر ما كانوا على معارضة الأمثال، أعجز ما كانوا عن معارضته، وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، وقال: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً [مريم:97]، وقال: قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3]، وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195].

    وعلى أي وجه فرض إعجازه؛ فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقل معانيه، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]؛ فهذا يستلزم إمكان الوصول إلى التدبر والتفهم، وكذلك ما كان مثله، وهو ظاهر ].

    في هذا المقطع أشار إلى قضية من القضايا اللازمة للقرآن وهي قضية الإعجاز، وهنا أراد أن يشير إلى ما يتعلق بكونه معجزاً فإنه أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء، مع كونه في هذه المرتبة العليا من الإعجاز إلا أنه يمكن أن تدرك معانيه.

    وهنا ملحظ مهم جداً، وهو يرتبط بقضية من قضايا الاعتقاد، وهي الاعتقاد بكلام الله سبحانه وتعالى، فمن يقول بأن الله سبحانه وتعالى تكلم على الحقيقة وسمعه جبريل من رب العالمين سبحانه وتعالى، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى هذا أن المتلو بالألسن الذي ننطق به في هذا الكتاب هو كلام الله سبحانه وتعالى نفسه، الذي سمعه جبريل عليه السلام، ولا شك أن هذه مزية ونعمة للبشر من جهة العموم أولاً، ثم للمسلمين الذين خصوا بهذا ثانياً؛ لأنه لا يوجد في الأديان السابقة من يمكن أن يثبت أن هذا هو الكلام الذي نزل على نبيهم كما نزل، أما نحن المسلمين فمع ما أورده المشككون إلا أنه يبقى أنه لا يمكن أن يأتي أحد بخارم يخرم أن يكون هذا القرآن الذي نقرؤه اليوم هو الذي كان يقرؤه الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يلقى من ذلك إنما هو من باب الشبه، قويت هذه الشبه أو ضعفت، والرسول صلى الله عليه وسلم قرأه كما سمعه من جبريل، وجبريل عليه السلام أيضاً ألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم كما تكلم به رب العالمين، فما تكلم به رب العالمين وهو سبحانه وتعالى جل عن النظير والمثيل يسر علينا نحن وهذا من نعمه الكبرى علينا قراءة هذا القرآن؛ ولهذا قال: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن:1-2]، ومن تعليمه إيانا هذا القرآن أن استطعنا بهذا الكلام الذي تكلم الله سبحانه وتعالى به.

    فمع كونه في هذه المرتبة معجزاً إلا أن هذا الإعجاز لا يمنع من إدراك معانيه، لكنه اشترط في إدراك المعاني قضية مهمة وهي كما ذكر شرط الدربة في اللسان العربي، قال: كما تبين في كتاب الاجتهاد، وهذا الكلام سيأتي لاحقاً، وهو في طبعة تحقيق مشهور، الجزء الخامس، صفحة اثنتين وخمسين، أشار إلى هذه القضية، المتعلقة بالدربة باللسان.

    قال: [ إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيه؛ لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق ] هذا افتراض، لو كان من لوازم الإعجاز عدم إدراك المعاني، كان أمرهم بإدراك هذه المعاني، من تكليف ما لا يطاق، فما دام هم يدركون المعاني؛ إذاً خرجت عن أن تكون من تكليف ما لا يطاق.

    ثم ذكر بعد ذلك أيضاً بأسلوب إنشائي ما يتعلق بكونه أنه من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان والمعاني والأساليب، وفي نسخة في اللسان التي هي: الألفاظ والمعاني والأساليب، وأنه مفهوم معقول.

    ثم يتحدى الله سبحانه وتعالى البشر بأن يأتوا بسورة من مثله، ومع ذلك لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله، على حسب الترتيب المعروف فيما يتعلق بقضية التحدي المشهورة في القرآن.

    إذاً لا شك أن هذا نوع من الإعجاز عظيم، وهذا الذي ذكره في هذه القضايا هو الذي وقع فيه التحدي، المتعلق باللسان والمعاني والأساليب.

    ثم أشار بعد ذلك إلى أنه على أي وجه فرض إعجازه، يعني لو عندنا النوع الأول في الإعجاز الذي هو يتعلق بنظمه العربي.

    وقال أيضاً: على أي وجه فرض إعجازه فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقل معانيه، يعني كأن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أراد أن يشير إلى أنه مع كونه معجزاً بأي وجه من وجوه الإعجاز التي حكاها العلماء؛ لأن عندنا وجوهاً كثيرة ذكرها العلماء في الإعجاز، مثل: الإعجاز الغيبي والإعجاز البلاغي، داخل ضمن هذا، حتى القول بالصرفة مع كونه ضعيفاً، كل هذا ليس مانعاً من فهم المعنى؛ إذاً الآن كأن الإمام رحمه الله تعالى يريد أن يركز على هذه القضية، وهي: أن هذا القرآن مفهوم المعنى فهو كلية الشريعة ومرجع الأمة، وهو كذلك مفهوم المعنى.

    فهذه فائدة مهمة، وهي: أن إدراك الإعجاز لا يأتي إلا بعد فهم المعنى ففهم المعنى أصل، وإدراك الإعجاز فرعاً عن هذا الأصل؛ فإذاً ليس هناك غموض مع كونه معجزاً.

    وأيضاً هنا فائدة زائدة ينبه إليها، وهي: أن بعض المتكلمين لما أشاروا إلى مسألة، أنه: هل يجوز أن يخاطبنا الله سبحانه وتعالى بما لا نعقل معناه؟! وهذه واردة في بعض كتب الأصول، وفي بعض كتب العقائد، وهذه القضية الحقيقة قضية مشكلة، يعني: طريقة السؤال فيها خطأ؛ لأنه لو كان هناك معان لا تعقل، فإنه يكون كما قال المؤلف: من تكليف ما لا يطاق، والله سبحانه وتعالى قال: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً [مريم:97]؛ فلا يمكن أن يوجد في القرآن ما لا يعلم معناه، ونلاحظ أنه ركز على عبارة (ما لا يعلم معناه) بمعنى أنا نقول: لا يوجد كلمة وأيضاً ننبه على: كلمة في القرآن لا يعلم معناها على الإطلاق، وهذا يجب أن ينتبه له؛ لأنه أصل، والمقام ليس مقام تفصيل هذا وإن كان مهماً لكن أشير إلى هذه الفائدة؛ لأنها مرتبطة بقضية فهم المعاني؛ لأنه قد يعترضك وأنت تقرأ أو قد تسمع إلى أحداً يشير إلى هذه ويقول: إنه يجوز أن يوجد في القرآن ما لا يعلم معناه، وهو يريد أن يتوصل إلى مسائل مرتبطة بالاعتقاد عنده في قضية مثلاً التفويض في معاني بعض الأسماء والصفات، فقد يورد مثل هذا؛ ليعمل التفويض، أو ليعمل التأويل، على حسب الخلاف بين أهل التفويض وأهل التأويل، لكن المقصد من ذلك أن منشأ السؤال خطأ بهذه الطريقة.

    نقول: حتى لو قلنا بالصرفة، فمعاني معلومة، ما له علاقة، هو أراد أن يفرق بين المعاني والإعجاز، يعني هو معجز معجز، ومعانيه تدرك تدرك، سواء قلنا: إنه معجز من جهة النظم العربي، أو معجز من جهة الإخبار بالغيب، أو معجز من جهة الصرفة، هو في النهاية معلوم المعاني، فهذا ما فيه إشكال؛ ولهذا هو قال: (وعلى أي وجه فرض إعجازه)، يعني أي إعجاز أنت فرضته فإنه يكون معلوم المعنى.

    هذا الذي يطرح هذه المقدمة، هل يتوصل إلى التأويل إذا قال مثلاً: هذه الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم معناها على قول؟

    نقول: إن سؤالك هو الجواب! لو كانت هذه الأحرف المقطعة لا يعلم منها معنى، لو تصورنا وافترضنا؛ فإنه لا يمكن أن يتكلم فيها ابن عباس و سعيد بن جبير و عكرمة و عطاء ، وهم علماء الأمة، فهل يمكن أن يأتي أحد ويجترئ على ابن عباس فهو الذي روي عنه أنه قال: ووجه لا يعلم معرفته إلا الله، من ادعى علمه فقد كذب، فلما تكلموا فيها؛ دل على أنه قد ارتفع عنها أن تكون من المتشابه الكلي، الذي يزعم هذا القائل أنه يوجد في كلام الله؛ إذاً كلامه مفيد؛ دلالة على ارتفاع التشابه الكلي، الذي زعمه هذا بألا يوجد في القرآن ما لا يعلم معناه، فمن قال: الله أعلم بمراده منها، فهذا نقول له: أنت الآن افترضت أن لها معان، وأن هذه المعاني لا يعلمها إلا الله، فإذا افترضت أن لها معان ولا يعلمها إلا الله، فقولك لا يعلمها إلا الله يحتمل أمرين: إما أن تقصد لا يعلمها إلا الله وأنا لا أعلمها وأتوقف فيها، فنقول: هذا متشابه نسبي بالنسبة لك، وإن قال: لا يعلمها إلا الله إطلاقاً والبشر لا يعلمونها، فنقول: أنت الآن أخطأت؛ لأن السلف تكلموا فيها، ولو كانت مما لا يعلمه إلا الله لما اجترأ ابن عباس وغيره على أن يتكلم فيها، فكلامهم فيها رفعها عن أن تكون من المتشابه الكلي، هذه المسألة الأولى.

    المسألة الثانية: أن نقول: أنت الآن افترضت لهذه الأحرف معان، ونحن نسألك: هل الحرف في لغة العرب له معنى أو لا؟ الحرف في لغة العرب.. ألف.. باء.. تاء.. ثاء.. كأحرف ليس لها معنى! لكن أنا قلت: لا يوجد كلمة، وركزت على "كلمة" قصدت هذا؛ لكي لا يأتي أحد ويسأل عن الأحرف المقطعة، المقصود أنه ليس هناك كلمة لا يفهم معناها، فإذا قلنا الآن: الــــم، الــــر، نقول: هذه أحرف، والعرب لا تعرف للحرف معنى، فهي أحرف من حيث هي لا معنى لها، وإنما قيلت هكذا على سبيل التعداد، مثل ما نقول: واحد.. اثنان.. ثلاثة، هذا واحد.

    هل لها مغزى؟ نقول: نعم، وهو ما أشير إليه: إما أن تكون للإعجاز أو تكون للتنبيه أو غيره من الحكم التي ذكرها العلماء، وأقوال السلف كثير منها يرجع إلى هذا المعنى الذي ذكرته هناك، والذي رجحه الطبري وهو تفسير ربيع بن أنس ، والذي هو مشتهر عن ابن عباس أنه قال: الــم [البقرة:1] : أنا الله أعلم، وفي رواية عنه: الــم [البقرة:1]، قال: الله.. جبريل .. محمد، تفسيره لهذا هو إشارة إلى أن هذه الأحرف يتركب منها الكلام، وكثير من كلام السلف يعود إلى هذا المعنى.

    فإذاً المقصد من ذلك أنهم لما تعرضوا للكلام على هذه لم يقولوا بأن هذا هو المراد فقط؛ ولهذا ورد عن واحد منهم أكثر من قول في هذه الأحرف، لكن ليس المراد أن هذه معاني الأحرف، فمن قال: إنها قسم في النهاية عاد إلى معنى الحرف، يعني القسم، إنما يقسم بحروف، فلما أقول: و، فالواو من حيث هي ليس لها معنى، لكن لما أقول: ورب السماء! دخلت في معنى القسم؛ فهذا ينتبه له في مثل هذا المقام.

    واختلاف السلف فيها اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد، وهناك بحوث ولله الحمد والمنة لكن أيضاً من أراد أن يضيف أو يزيد في هذا فإنه البحث في توجيه الأقوال وسبب قولها، فمن قال: بأنه قسم، هل هو أخذها من جهة لسان العرب أو أخذها من جهة الاجتهاد والنظر في مواقع هذه الأحرف؟

    إذا قلنا: من جهة لسان العرب لا يعرف في لسان العرب مثل هذه الأحرف أنه يقسم بها، وإن كانت من جهة النظر إلى السياق، فهذا صار من باب الاجتهاد، وهذا أقرب، والذي جعله يذكرها؛ لأنه في كثير من المواطن هذه يأتي بعدها قسم أو يأتي بعدها كلام يتركب على أن يكون قسماً، فلما قال: الــم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، كأنه يقول: والله! ذلك الكتاب لا ريب فيه، فيكون هذا من باب النظر والاجتهاد، فمن حملها على هذا المعنى لا نقول: إنه خالف من حملها على معنى آخر؛ لأن ليس هناك تعارض إنما في تنوع، فنقول: إنه حملها على معنى التنوع، ومن قال: بأنه قسم، أنا عندي إنه من أشكل الأقوال فيها.

    أما من قال: بأنها أسماء السور، أو أسماء القرآن، فهذا ليس تفسيراً، أو من قال: إنها أحرف افتتاح فهذا ليس تفسيراً.

    فإذاً في بعض أقوالهم لا تحمل على التفسير وإنما هي وصف لها، وبعض الأقوال تحمل على أنها إشارة إلى معان، أو إشارة أنه يتركب منها معان، وقد أجاد الراغب الأصفهاني في كتابه الجامع للتفاسير في المقدمة لما فسر الفاتحة ثم بدايات سورة البقرة، في: الــم [البقرة:1] وأشار إلى هذا المعنى، وهو أن كلام السلف أشبه ما يكون بالتمثيل لما يتركب من هذه الأحرف من الكلام، وأنهم اختاروا من الكلام ما يحسن أن يسمعه السامع، مثل أن قال: الــم [البقرة: 1]، قال: أنا الله أرى، ولما قال: المــر ))[الرعد: 1] قال: أنا الله أعلم وأرى.. وهكذا؛ فإذاً ينتبه إلى مثل هذا، وهناك تفصيلات عند كل حرف، مثلاً: طه [طه:1] الخلاف فيها: هل هي اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ أو كذلك: ن [القلم:1] هل هو الحوت أو غيره؟ هناك كلام يأتي عند كل حرف وما يتعلق به، لكن من حيث الجملة هي في النهاية عائدة إلى أنها أحرف لا معنى لها، وأن أقوى الحكم التي ذكروها أنه إشارة إلى التحدي والإعجاز؛ لأن أغلب ما ورد بعد هذه الأحرف شيء يتعلق بأمر الكتاب وكلام الشاطبي يشير إلى وجود الإعجاز.

    ومعاني القرآن: منها وجه تعرفه العامة.

    وجه تعرفه العرب من كلامها.

    وجه لا يعلمه إلا العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا ما يتعلق بالغيبيات، كيفياتها وأوقاتها، وهي خارجة عن التفسير، مثلاً: الدابة في آخر الزمان على سبيل المثال لا خلاف في معنى الدابة، أو أن الدابة لا يعلم أحد معناها، بل الدابة معروفة لكن متى تظهر الدابة؟ هذا لا يعلمه إلا الله، وكيف صفة هذا الدابة؟ كيف شكلها؟ هذا لا يعمله إلا الله، فهذا دخل ضمن الكيفيات، والكيفيات خارجة عن حدود المعنى.

    1.   

    اشتراط معرفة أسباب النزول لمن أراد علم القرآن

    قال رحمه الله: [ المسألة الثانية:

    معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:

    أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب؛ إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب، أو المخاطب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط؛ فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد، ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجه: ].

    في هذه المسألة يتكلم الشاطبي عن ما يتعلق بأهمية أسباب النزول، ويعتبر كلامه هذا من أهم المواطن التي تكلم فيها العلماء عن هذه القضية: قضية أسباب النزول، فهو أراد أن ينبه على أهمية أسباب النزول بقضية مرتبطة بالكلام من حيث هو، يعني كلام الناس من حيث هو، وأنه إذا خلت منه القرائن قد يفهم على غير وجهه، وجعل أسباب النزول شبيهة بالقرائن التي تحف الخطاب؛ ولهذا قال: إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع، وهذا ظاهر جداً من الأمثلة التي ذكرها، على سبيل المثال للاستفهام صيغته واحدة، لكن لا نعرف أن هذا استفهام تقريري أو توبيخي أو إنكاري إلا من خلال السياق، إذاً فالسياق قرينة دالة على ذلك، كذلك مثلاً قوله سبحانه وتعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت:40]، يمكن أن يفهم على التهديد، ويمكن أن يفهم على الإباحة، ولا نستطيع أن نحدد هذا إلا إذا نظرنا إلى السياق، وقس على ذلك غيره، ونلاحظ مثلاً في الشعر، لما يقول الحطيئة :

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    لو فهمها إنسان أنه يصف هذا بأنه ملك، وأن المكارم تأتي إليه؛ لأنه قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها؛ إذاً المكارم تأتي إليه، واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي، يعني: أنك أنت الذي تطعم الناس وتكسوهم، هذا وجه مدح، لكن البيت ليس كذلك، ونعرف أنه ليس كذلك بسبب هذه القصيدة ومقتضيات الأحوال فيها، فالقصيدة تشير إلى أنه من باب الذم وليس من باب المدح، فإذا كان هذا في الكلام المعتاد فمن باب أولى ما يقع من أسباب النزول متعلقاً بكلام الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك سيشير إلى أمثله صريحة توضح أن عدم إدراك السبب يورث المشكلات في الفهم.

    الوقوع في الشبه والإشكالات بسبب الجهل بأسباب النزول

    قال رحمه الله: [ الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع، ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي ، قال: خلا عمر ذات يوم؛ فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين! إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، قال: فزجره عمر وانتهره؛ فانصرف ابن عباس ، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده عليه؛ فعرف عمر قوله وأعجبه، وما قاله صحيح في الاعتبار، ويتبين بما هو أقرب، فقد روى ابن وهب عن بكير ، أنه سأل نافعاً : كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين، فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن.. ].

    ما ذكره في بداية الكلام عن الجهل بأسباب النزول وأنه موقع في الشبه، أورد الأثر المشهور عن عمر ، وهو سؤال منطقي أنه: كيف تختلف الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فـابن عباس قال: إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وأنه سيكون من بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل؛ فربط ابن عباس رضي الله عنه قضية الإشكال عند المتأخرين وهي أنهم لا يعرفون فيم نزل، وهذه أسباب النزول، من نزل فيهم الخطاب؟ إذاً فهذه قرائن الأحوال الموجودة في الخطاب، فإذا لم يدركوها يقع عندهم اختلاف، قال: فإذا اختلفوا اقتتلوا، يعني نتيجة الاختلاف الاقتتال، سواءً كان اقتتال باللسان أو كان اقتتال بالسنان، مثل ما هو حاصل، فحصل عند المسلمين هذا وهذا، ونحن لا زلنا نشاهد إلى اليوم الاقتتال بالسنان بين طوائف المسلمين، وأن هذا يتكلم في عقيدة هذا وهذا يتكلم في عقيدة هذا، والكتاب واحد، والنبي صلى الله عليه وسلم واحد، والأمة واحدة؛ فإذاً هذه سنة الله سبحانه وتعالى.

    لكن تنبه إلى فقه ابن عباس رضي الله عنه كيف أجاب أمير المؤمنين، مع أنه لما ذكر هذا زجره عمر وانتهره، يعني كأن كلام ابن عباس بادي الأمر لم يعجب عمر رضي الله عنه، لكنه لما نظر فيه وتملى في هذا الكلام اقتنع بما قال ابن عباس فأرسل إليه وقال: أعد علي، فأعاد فأعجبه القول.

    وهنا فائدة تربوية ما لها علاقة بهذا، لكن من خلال هذا النص، أحياناً وهذه من طبيعة الإنسان؛ لأن الأصل في الإنسان النقص، أحياناً لما تكون أنت في مجال نقاش يكون الذهن عندك فيه انحصار، فقد يلقى عليك الحق ولا تتقبله؛ لقصور العقل في هذه اللحظة عن إدراك المعنى، ولكنك بعد فترة لما تتأمل ما قيل لك وترجع تجد أن ما قيل لك حق، وأنك أنت كنت مخطئاً، فـعمر رضي الله عنه ينبهنا إلى هذا المعنى التربوي في هذا المثال، وأن الإنسان إذا عرف الحق فإن عليه أن يرجع إليه، فجلالة عمر وكونه أمير المؤمنين و ابن عباس كان صغيراً في عهد عمر ، لم يقل عمر : أرجع إلى كلام صبي أو كذا، بل دعاه، ولما أعاد عليه الكلام أعجب بكلامه، وأشعره بأنه قد رجع إلى كلام ابن عباس ؛ فهذه قضية تربوية مهمة يحسن بطالب العلم أن يتربى عليها، وإذا تربى عليها سهل عليه أن يعود عن خطئه.

    أما إذا كانت قضية وجهة نظر هذه صحيحة وهذه صحيحة، أو هذه صحيحة ولكن هذه أقوى من تلك، فهذه مسألة أسهل من المسألة الأولى، على سبيل المثال: أحياناً يقع نزاع وجدال بينك وبين آخر، أنت مثلاً ترى أن الأحرف السبعة ما زالت باقياً بين الأمة، يعني مالم ينسخ من الأحرف السبعة شيء، وقد يرى آخر أنه ليس عندنا إلا حرف واحد وهو حرف عثمان ، وبقية الأحرف السبعة قد تركت، فهذا خلاف علمي، كل واحد من القائلين في ذلك عنده حجج وبراهين، المقصد من ذلك أنه مثل هذا الخلاف هي وجهة نظر، لا شك أن أحد القولين أقوى من الآخر، لا توصل إلى أن يقيم الإنسان على هذا الولاء والبراء.

    إذاً المقصد من ذلك إذا كان من باب وجهة النظر، والعلماء قد قالوا بذلك وسبقنا علماء فيها، والمسألة لا تؤثر في مجال العبادة، أو في مجال الاعتقاد، فالأمر فيها واسع، وهذا يحسن أن يتدرب عليه طلاب العلم؛ لأنهم إذا تدربوا على مثل هذا فإنه يزول كثير من الإشكالات المرتبطة بالخلافات، خصوصاً الخلافات المرتبطة بالقضايا العملية، مثل قضية الصلاة، يعني الآن من اللطيف جداً أن تصلي مثلاً في المدينة فتجد أصحاب المذاهب الأربعة كلهم بجوار بعض في المساجد، هذا يسدل اليدين، وهذا يضع اليدين، على الصدر، وهذا يضع اليدين على السرة، هذا الاختلاف كم هو جميل أن يعرف كل هؤلاء أنهم ولله الحمد والمنة على الحق، ما داموا يتبعون، فهذا عمل على اتباع، وهذا عمل على اتباع، وهذا عمل على اتباع.. وهذا نوع من الرحمة، وهو الذي أشار إليه الإمام أحمد لما كتب أحدهم كتاباً سماه: كتاب الاختلاف، فقال: بل سمه كتاب السعة.

    فهذا من السعة، وهذا يحسن أن ندرب أنفسنا، وسنجد أن الإنسان مع الدربة على مثل هذه الأمور يجد أن في كثير من الأمور سعة وإمكانية تصاف وتواد وتراحم، ولا ندخل في هذه الإشكالات التي تحدث إحن في النفوس.

    ففعل عمر رضي الله عنه هو منهج نبراس، يحسن بنا نحن طلاب العلم أن نقتدي بمثل هذا الفعل منه رضي الله عنه.

    و ابن عمر رضي الله عنه استشكل على الحرورية الذين هم خوارج، أنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين، فلو قلنا له: يا ابن عمر رضي الله عنك وعن أبيك قد ورد عن أبيك أنه كان إذا اشتهى شيئاً، قال: أخشى أن أكون من الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ونحن نعلم أنه قوله: (( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ))[الأحقاف: 20] نزلت في الكفار، فهذا الصنيع، من عمر ومن غيره من الصحابة والتابعين وأتباعهم، لو أردنا أن نعارض به كلام ابنه فلا يستقيم؛ لأن المساق مختلف، هذا الذي أريد أن ننتبه له، فكلام ابن عمر قال: انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين، نقول: إن الآيات التي أنزلت في الكفار على نوعين:

    آيات صريحة في الكفرية، بمعنى أنه من فعلها كافر كفر ملة، كفراً أكبر.

    وآيات يشترك فيها أهل الإيمان؛ لأنها راجعة إلى طبائع النفوس، مثلاً: كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر:17-18].. إلى آخره، فهذه الآيات أصلاً نزلت في مساق الكفار، لكن قد يقع من بعض المؤمنين أنه لا يحض على طعام المسكين، وقد يقع منهم أنهم لا يكرمون اليتيم، فلا يصح أن نقول لمن يفعل واحدة من هذه: كفرت الكفر الأكبر؛ لأن هذا من أعمال الكفار، فالمقصد من هذا أن نميز بين أمرين:

    الأوصاف الكفرية الخاصة بالكفار، التي من عملها فهو كافر، وهذا هو الذي يريده ابن عمر ، والأوصاف الأخرى التي هي غير كفرية، لكن الأصل فيها أنها من مجتمع الكفار، ويحسن بالمسلم ألا يفعلها، لكن قد يفعلها، فهذه نقول: لو حملت على بعض المؤمنين فإنها صحيحة لكن بضوابط وشروط.

    أقول: كلام ابن عمر نحتاج أن ننظر في الأمثلة، هل يوجد أمثلة عندنا من خلال الموروث عن الخوارج أنهم جاءوا إلى آيات في الكفر الصريح ونزلوها على المؤمنين؟ من جهة المثال؛ لأن كلام ابن عمر في هذا المقام يحتج به؛ لأنه يحكي واقعاً، لكن نريد أيضاً أن نضيف إلى الاحتجاج مثالاً.

    النوع الثاني الذي نريده وليس له علاقة لكنه متمم: هل يوجد من تمثيلات الخوارج في التفسير ما هو من الكفر الأصغر فجعلوه من الكفر الأكبر؟ يعني: قلبوا الأمر، فهم إذاً جعلوه من الكفر الأكبر، ثم حكموا على من فعله بأنه كافر، هذا يحتاج إلى أن نبحث له عن أمثلة، من باب الفائدة في حال المدارسة لمثل كلام ابن عمر .

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718651

    عدد مرات الحفظ

    753191730