إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. مساعد الطيار
  5. عرض كتاب الإتقان
  6. عرض كتاب الإتقان (78) - النوع السادس والسبعون في مرسوم الخط وآداب كتابته [2]

عرض كتاب الإتقان (78) - النوع السادس والسبعون في مرسوم الخط وآداب كتابته [2]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مرسوم الخط في المصحف الشريف له أثره في القراءة، رغم أن الأصل الاعتماد على المحفوظ لا المرسوم، وقد وجد ما كتب موافقاً لقراءة شاذة وساروا عليه، وكذا زيادات لا يحتملها الرسم، وربما سارت المصاحف على طريقة واحدة، وربما توزعت القراءات على المصحف. كما اهتم الصحابة والتابعون ومن بعدهم بضبط المصحف الشريف من نقط للحروف، وتشكيلها، وتطور ذلك عبر مرور الزمن.

    1.   

    رسم المصحف وما يتعلق به

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أما بعد:

    فقد وقفنا في كتاب الإتقان عند القاعدة السادسة فيما فيه القراءتان فكتب على إحداهما.

    ذكر ما كتب موافقاً لقراءة شاذة

    ثم ذكر المؤلف بعد ذلك مسائل متعلقة بعضها بالرسم وبعضها بآداب الكتابة, ومما ذكره مما يتعلق بالرسم قال: [ فرع: فيما كتب موافقاً لقراءة شاذة ], وذكر أمثلة لذلك، مثل: إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة:70], فذكر في هذه الآية أن لفظة: (تشابه) كتبت بهذا الاسم وهي توافق قراءة شاذة.

    والسؤال الذي يرد في هذا المثال وغيره في كل هذا الفرع الذي ذكره: هل كان هذا مقصداً للصحابة رضي الله عنهم أن يكتبوا لفظة: (تشابه) أو لفظة: (الربا) أو لفظة: (طائرهم) أو (طائره) أو (سامراً) أو (فصاله) وغيرها من القراءات الذي ذكرها أو قصد الرسم الذي ذكره.

    والجواب: لا, لم يكن هذا مقصداً؛ لأن الصحابة عنوا في جمع عثمان بإثبات الخلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم برسم يحتمل هذا الثابت, أو ينص عليه كما سيأتي بعد قليل الإشارة إلى أنواع الخلاف في الرسم مع القراءات؛ لكن المقصد: أن هذا الفرع لا فائدة فيه من جهة الرسم؛ لأنه ليس مقصداً من مقاصد الصحابة, وكون القراءة الشاذة التي قُرئ بها لا تخالف رسم المصحف ليس هذا دليلاً على أن الصحابة أرادوا هذه القراءة؛ لأنه كما قلت سابقاً وأعيده مرة أخرى: أن الأصل في القراءة المحفوظ وليس المرسوم, ونحن لا ننطلق من المرسوم وإنما ننطلق من المحفوظ.

    وإذا كان كذلك فما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى في هذا الفرع الذي ذكره لا فائدة فيه من هذه الجهة.

    القراءات المختلفة بزيادة لا يحتملها الرسم

    ثم ذكر القراءات وهي الفرع الثاني، فالقراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم, نحو (ووصى) (وأوصى) ونحو (تجري تحتها) و (تجري من تحتها) ونحو: (سيقولون الله) (سيقولون لله) (وما عملت أيديهم) (وما عملته أيديهم)، نجد أن الصحابة كتبوا في مجموعة من المصاحف وجهاً، وفي غيرها كتبوا الوجه الآخر, ولو نظرنا إلى قوله: (تجري من تحتها) و(تجري تحتها) وكان الرسم الموجود عندنا (تجري تحتها), فلا يصح أن يقرأ قارئ (تجري من تحتها) والرسم لا توجد فيه (من)؛ لأنه مخالفة للرسم.

    وقبل قليل قلنا: نحن لا ننطلق من الرسم, والآن ننطلق من الرسم, والإشكال في هذه المسألة هي قضية الزيادة والنقص غير مسألة الاحتمال أن هذه فيها زيادة, ولا يثبت الزائد إلا بدليل، فلو قرأنا في مصحف ليس فيه لفظة: (من)، ونحن نقرأ بلفظة: (من) فنثبتها؛ لأن الأصل عندنا المحفوظ, لكن لو كنت أقرأ بقراءة هذا المصحف أي: على الرواية الموافقة للمصحف، فلا يصح أن أقول: (تجري من تحتها).

    فاعتماد المصحف الزيادة والنقص في هذا صار اعتماد أوجه وطرق, لكن من حيث الأصل (فتحتها)، (ومن تحتها) ثابت عندنا وليس فيه إشكال, وكذلك: (وصى) (وأوصى) ثابت عندنا ليس فيه إشكال, ولا يكون هناك تناقض بين ما ذكرته وهذه المسألة.

    وننظر الآن في القاعدة السادسة قال: [ فيما فيه قراءتان فكتب على إحداهما ], وهنا قال: [وأما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها], واضح أنه يقول: إنهم كتبوها في مصحف بوجه وفي مصحف آخر بوجه آخر.

    فلو أردنا أن ننظر إلى جميع الاختلافات الواردة في القراءات بمعنى: أن هذه اللفظة أو هذه الكلمة فيها خلاف فإن كان يحتملها الرسم فتكتب كما يحتملها الرسم وهذا كثير, مثل قوله تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة:70], فلفظة: (تشابه), والقراءات التي فيها يحتملها الرسم.

    والثانية: يحتملها الرسم، ولكنهم كتبوها على وجه واحد, بمعنى: أنه يمكن أن يكتبوها على أكثر من وجه، لكن كتبوها على وجه واحد, وهذا الذي ذكره في القاعدة السادسة.

    والثالثة: إذا كانت من باب الزيادة والنقص, فإنهم وزعوها في المصاحف, فهذا فيه رسم واحد ويحتمل القراءات المذكورة, يعني: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67], (تُهجِرِون), من هَجَر وأهجَر, فاللفظة تحتمل هذا وهذا؛ لأنه مجرد خلاف في الضبط، والضبط سيأتي فيما بعد, لكن المقصد أن الكلمة واحدة في الوجهين, فما تحتاج إلى أن يغير فيها شيء.

    وأحياناً يكون أكثر من وجه ولكنهم يكتبونها بأحد الأوجه المقروءة فقط مثل: (الصراط) كتبت بالصاد في جميع المصاحف, مع أنها قرأت بالسين وقرأت بإشمام الصاد زاياً, فهذا وجه آخر من كتابة الصحابة.

    توزيع القراءات على المصاحف

    الوجه الثالث: توزيع القراءات على المصاحف, وهذا مختص بالذي يكون فيه زيادة أو نقص؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع الحرفان في مكان واحد, يعني: (تجري تحتها) (ومن تحتها) لا يمكن أن تكون في مصحف واحد, وضعوه في مصحف كذا ومصحف كذا, فهذا العمل عند الصحابة الآن يجعلنا نحتاج إلى أن ننظر خصوصاً في القاعدة السادسة, والتي ذكرها صاحب المقنع في مرسوم مصاحف أهل الأمصار أبو عمر الداني في صفحة (82) أشار إلى هذه المسألة, وهذا كتاب نفيس والاطلاع عليه مهم, قال: باب ذكر ما اتفقت على رسمه مصاحف أهل الأمصار من أول القرآن إلى آخره, ثم أورد بسنده وذكر ما اتفقت عليه المصاحف.

    فبعض الألفاظ يكون فيها أكثر من قراءة ومع ذلك اتفقت المصاحف على رسمه على وجه واحد، مثل: لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:19], في جميع المصاحف (باللام والألف), وفي قراءة ورش وعن أبي عمرو أيضاً: (ليهب لكِ) بالياء, وكذلك (بضنين) في جميع المصاحف بالضاد أخت الصاد, وقرأت بالظاء (بظنين), فإذاً عندنا مجموعة من القراءات المختلفة في النطق، ولكن كتبت برسم واحد, وهذا الذي جعل بعض العلماء يقول: واستمر العمل عليه أن توافق رسم المصحف ولو احتمالاً، يعني: أدخل الوضع في الاحتمال, وباب الاحتمال واسع, ولهذا قد يحصل أحياناً تكلف في إيراد هذا الاحتمال من حيث الكيفية ووجه الاحتمال في ذلك، مثل: (لأهبَ) و (ليهب)؛ لأن الألف لا يمكن أن تكون ياء احتمالاً؛ لكن أياً كان فالمقصود من ذلك: أن هذا يدلنا على أن كتابة الصحابة على وجه من أوجه القراءات, وقراءتهم بأكثر من وجه في هذه اللفظة تنبيه منهم على أن الأصل عندهم هو المحفوظ, والقضية الثانية: أنه لا توجد علل منضبطة فيما يتعلق بالرسم.

    وكوننا نقول: لا توجد علل منضبطة لا يعني أنه لا توجد إطلاقاً, لكن المقصود لا توجد علل مطردة, ولهذا كل من أراد أن يبحث عن علل الرسم باطراد، فلا بد أن يقع في الاستثناء.

    فما من مسألة من مسائل الرسم إلا وتجد فيها استثناءات.

    المقطوع والموصول

    وهنا قضية أخرى مرتبطة بهذا الموضوع وهي: قضية المقطوع والموصول, والمقطوع والموصول تعامل معه الصحابة على هذه الأوجه التي ذكرها، يعني: مرةً يكتبونه في جميع المصاحف باتفاق موصولاً أو في جميع المصاحف باتفاق مقطوعاً, وأحياناً يقع خلاف فيكتبونه في بعض المصاحف موصولاً، وفي بعض المصاحف مقطوعاً, ثم ينشأ خلاف القراء بناءً على ذلك, لكن ليس منطلقهم فقط هو الرسم, وإنما منطلقهم في الأصل هي القراءة، فوافقوا في القراءة ما عندهم من الرسم, وجل باب المقطوع والموصول مما لا يصلح الوقف عليه, مثل: (إن ما) تكتب مفصولة أو (إنما) موصولة, وهذه ليست محل وقف, أو (أن لا) مفصولة, (ألا) موصولة, وهذه ليست محل وقف, وقس على ذلك أيضا ًمن مسائل المقطوع والموصول.

    هذه إشارة إلى ما يتعلق بقضية الرسم وأنا أرى أنها مهمة وتحتاج إلى أن يكون فيها بحث لكي نسلم من التكلفات التي ترد في التعليل لرسم الصحابة, مع أنه كان باجتهادهم بدلالة أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: فإذا اختلفتم أنتم وزيد ما قال: فاكتبوه كما أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم, إنما قال: فاكتبوه بلسان قريش فإنه بلسانها نزل, فإذاً دل هذا الأثر وهو في صحيح البخاري على أن العمل في الرسم باجتهاد بلا ريب, وواضح جداً من كلام عثمان رضي الله عنه.

    ومع ذلك تجد -مع الأسف- من يذكر هذا الحديث ثم يقول: بأن الرسم توقيفي ويبحث عن علل مطردة ويتكلف ويتعسف في إيراد هذه العلل.

    فالحروف المقطعة كتبت هكذا مقطعة, واختلفت في طريقة الاطراد, يعني: تدخل فيما كتب على وجه واحد وأشار عليها, أنها كتبت على صورة الحرف نفسه, لكن كيف قُرِئت تختلف.

    فطريقة كتابتها متفقة في جميع المصاحف, لكن قد تختلف هل هي آية أو ليست بآية؟ وهذه قضية أخرى ليس لها علاقة, يعني: في عد الآي, يعني: هل (ألم) آية أو ليست بآية؟ على اختلاف العد, لكن كلامنا عن الرسم ثابت.

    1.   

    آداب الكتابة

    ثم انتقل إلى الكلام في الآداب، والآداب التي ذكرها في الحقيقة كثيرة جداً, وباب الآداب باب واسع ولم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء كثير فيما يتعلق بهذه الآداب التي ذكرها, ولهذا جل ما ذكر هي أقوال وفتاوى لعلماء الصحابة وعلماء التابعين ولمن جاء بعدهم.

    فمثلاً على سبيل المثال: هو ذكر ما يستحب فقال: [يستحب كتابة المصحف، وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها، وتحقيق الخط دون مشقة وتعليقه فيكره, وكذا كتابته في الشيء الصغير], أي: يكره أيضاً, أو أن يكتب بخط صغير أيضاً بحيث يكون رقيقاً جداً فإنه مكروه عند بعض السلف.

    فهذه كلها دخلت في باب ليس له علاقة بقضية الأحكام التكليفية، وإنما هي آداب يستحبها بعض العلماء, فمعنى ذلك: أن مخالفتها ليست بمنكرة؛ لأن هذه من باب الآداب، وباب الآداب واسع.

    ضبط المصحف ونقطه

    والذي يعنينا من هذا هو ما يرتبط بقضية ضبط المصحف, وهو أشار إلى هذه المسألة في قوله: [اختلف في نقط المصحف وشكله, ويقال: أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان , وقيل: الحسن البصري و يحيى بن يعمر , وقيل: نصر بن عاصم الليثي ].

    ولو تأملنا فيكاد يكون إجماعاً، أن أول من ضبط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي واختلف في السبب الذي دعاه لهذا العمل, مع أنه يكاد يكون هناك اتفاق أنه هو أول من وضع النقاط, ولهذا تنسب إليه، فيقال: نقط أبي الأسود الدؤلي .

    وكان يضع دائرة الفتحة والكسرة والضمة في أواخر الكلمة فقط ولم يزد على ذلك، فالفتحة يضعها فوق الحرف والضمة وسط الحرف والكسرة دائرة تحت الحرف, فإذا كان منوناً فالتنوين المنصوب دائرتان فوق الحرف, والضمتان دائرتان وسط الحرف, والكسرتان دائرتان تحت الحرف, هذا كان عمل أبي الأسود الدؤلي وكان باللون الأحمر؛ لكي يغاير بين عمل الصحابة وعمله, فهو من أوائل من أدخل في النص القرآني المكتوب عن الصحابة عملاً جديداً, ولكن هل سبقه التخميس والتعشير والذي هو وضع علامة عند الآية الخامسة وعلامة عند الآية العاشرة هذا أيضاً لا نستطيع أن نجزم به, لكن واضح أن العمل في قضية التخميس والتعشير والضبط هذه كانت في عهد التابعين والصحابة متوافرون؛ لأن بعض الصحابة كان يكره وضع ما لا ورود له.

    وعمل أبي الأسود الدؤلي استمر إلى فترة متباعدة من الزمن، حتى أن أبا عمرو الداني رحمه الله تعالى كان يفضل نقط أبي الأسود الدؤلي على نقط الخليل ونقط الخليل الحركات المعروفة عندنا اليوم, التي هي الفتحة والكسرة والضمة وما إليها.

    واعتمد في نقطه على أن هذا هو عمل السلف, مع أن بداية عمل أبي الأسود الدؤلي كان معترضاً عليها من قبل بعض الصحابة وبعض التابعين, ومن أشهر من تكلم في نقط أبي الأسود الدؤلي عبد الله بن عمر , وأنه كره فعل أبي الأسود , وإذا تأملنا فـأبو الأسود الدؤلي توفي قبل عبد الله بن عمر , فـأبو الأسود توفي سنة (69) و عبد الله بن عمر توفي سنة (73) بعده بسنوات, فمعنى ذلك: أن هناك تعاصراً بين عبد الله بن عمر و أبي الأسود .

    وبعض من يكثر في هذا الموضوع يشير إلى كراهة الصحابة لهذا العمل ولا ينتبه إلى التزامن الذي وقع بين من بدأ هذا العمل والصحابة الذين كرهوا هذا العمل, فهناك تزامن بينهما, فلا يقال: إنه قد كرهه الصحابة إطلاقاً، وإنما هم صغار الصحابة؛ لأن النَّقط الذي فعله أبو الأسود الدؤلي لم يكن في عهد أبي بكر و لا في عهد عمر ، ولا في عهد عثمان ، ولا حتى في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع, بل بدأ بعدهم, وكان في جيل صغار الصحابة, فلا يقال: إن الصحابة أنكروه, وإنما الذي وقع منه إنكار بعض صغار الصحابة، وهذه قضية يحسن الانتباه لها؛ لأنه حينما نقول: أنكره الصحابة، أصلاً لم يكن النقط موجوداً عندهم, فكيف ينكرون شيئاً لم يكن موجوداً.

    تطور ضبط المصحف بمرور الزمن

    وهذا النقط الذي كان من أبي الأسود الدؤلي تبعه بعد ذلك فعل يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم , وفعل يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم هو النقط التي نعرفها الآن فوق النون نقطة وتحت الباء نقطة وفوق التاء نقطتان وهكذا, هذا يسمى نقط يحيى بن يعمر أو نصر بن عاصم الليثي , وهما أيضاً متقاربان وممن كان له عناية بالمصحف كذلك الحسن البصري .

    لكن وجد في الطائف صخرة في سد مكتوب عليها هذا السد بناه معاوية سنة كذا فذكر السنة, وهذا النقش الموجود على الحجر وجد فيه نقط مثل نقط يحيى بن يعمر أي: النقط التي نعرفها؛ لكن ليس في كل النص, وإنما في بعض الأحرف, وإذا ثبت أن هذا النقط بالذات للنص ثابتٌ في عهد معاوية , ولم يدخل هذا النص نقط متأخر، بمعنى: لم يأت أحد وينقط بعض الكلمات فيما بعد فهذا فيه إشارة إلى أن النقط بدأ متقدماً، ولم يكن ينقط كل شيء, وإنما بدأوا بنقط بعض الأحرف التي قد يقع فيها اشتباه.

    وتكامل النقط قام على يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم الليثي, وممكن لو نحن أثبتنا من خلال نقش سد معاوية الذي في الطائف نقط في بعض الأحرف، فنقول: إن هذا يدل على أن النقط قد نشأ مبكراً، يعني: في عهد معاوية , ولكنه اكتمل على يد يحيى بن يعمر ، وعلى يد نصر بن عاصم الليثي , فيكون الاكتمال عندهم.

    هذا النوع الثاني من النقط الذي أدخل على المصحف كتب بالمداد الأسود، والسبب حتى لا يشكل على القارئ وهو ليس مثل الدائرة التي كان يعملها أبو الأسود الدؤلي بل كانت نقطاً صغيرة, فجعلوها بالمداد الأسود لأمرين: تمييزاً لها عن فعل أبي الأسود الدؤلي ؛ لأنه دخل النقط مع النقط هذا, وأيضاً أنها لا تخل برسم الصحابة, فرسم الصحابة ما زال متميزاً.

    هذا المصحف في هذا العهد بعد المائة الأولى سنجد أن المصاحف دخلها التخميس والتعشير، وأحياناً إشارة إلى مبادئ السور وخواتم السور, ودخلها نقط أبي الأسود الدؤلي , ودخلها نقط يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم .

    فالمصحف إذا فتحته تجد فيه هذه الأشياء كلها.

    وبدايات هذا العمل كرهه كما قلنا جماعة من السلف, لكن مع مضي الوقت صار الناس يألفونه، حتى صار إجماعاً على صحة هذا العمل, فبداياته كانت فيها كراهة بالفعل من بعضهم، لكن استمر العمل عليها ومشى علماء القراءة وغيرهم من المسلمين على هذا العمل, فزالت الكراهة.

    وفي عهد الخليل بن أحمد وتوفي تقريباً سنة (170), عمل الخليل بن أحمد على ضبط الشكل والذي يسمونه ضبط الشعر, الذي نسميه تشكيلاً, الفتحة ألف منبطحة فوق الحرف, والضمة واو صغيرة, والكسرة ياء معقوفة, أي: مرتدة راجعة للوراء, كان يضعها تحت الحرف, هذه بدايات عمل الخليل , ونفس القضية في التنوين عمل فتحتين وضمتين وكسرتين.

    وبعد الخليل رأوا أن هذه الياء المعقوفة لا تشتبه بغيرها فحذفوا رأسها، وصارت ألفاً منبطحة لكنها تحت الحرف, وقد أخذها الخليل من الألفاظ أي: أن الضمة شبيهة بالواو, والفتحة شبيهة بالألف, والكسرة شبيهة بالياء.

    ثم عمل أيضاً: التشديد والروم والإشمام, مع أنه عمل كل هذه في ضبط الكتب وليس في ضبط المصحف, يعني: هو لما عمل هذا لم يكن قصده ضبط المصحف وإنما ضبط الكتاب, وكان يضبط عندهم ما يحتاج إلى ضبط فقط.

    فعلماء القراءة أيضاً أخذوا ضبط الخليل؛ لأنه أيسر من ضبط أبي الأسود الدؤلي , فبدأوا يتركون ضبط أبي الأسود ويدخلون ضبط الخليل بن أحمد , وصار هناك نوع مما يمكن أن نقول عنه: تصارع بين الضبطين: ضبط الخليل وضبط أبي الأسود , حتى عصر الداني (444) الذي فضل ضبط أبي الأسود فقط؛ لأنه علم السلف.

    ولكن مع جلالة هذا العالم إلا أن من جاء بعده من العلماء استقروا على ضبط الخليل حتى تنوسي ضبط أبي الأسود وصار من باب التأريخ, نجد مصاحف فيها ضبط أبي الأسود فقط, فاستمر العمل إلى عصرنا هذا ضبط يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم وضبط الخليل .

    لكن السلف المتقدمين من علمائنا لما كتبوا المصاحف ما كانوا يكتبونه وينبهون على أن أي إدخال يدخل على رسم الصحابة يغاير في اللون ترك في الطباعات الحديثية؛ بسبب أن المطابع أول ما خرجت ما كانت تستطيع تميز الألوان, وهذه فائدة تنتبهون لها.

    وإذا أردتم أن تنظروا إلى طريقة عمل علمائنا السابقين اللذين كانوا يضبطون المصاحف انظروا إلى كتاب مختصر التبيين الذي ذكرته في الدرس الماضي, كتب الآيات على نفس عمل المتقدمين, بمعنى: أن كل الزوائد ترسم بلون مغاير للون الأسود, فأي لون مغاير يُعرف أنه ليس من عمل الصحابة, ويبقى عمل الصحابة هو فقط بنية الكلمة السوداء, بدون نقط وبدون تشكيل وبدون الزوائد الموجودة بألوان هذا إذا أردت أن تعرف عمل الصحابة فقط.

    وهكذا كان السلف من علمائنا المتقدمين, حريصين على أن يبقى رسم الصحابة واضحاً لكل من يقرأ في كتبهم, فعلماء الضبط جاءوا وهم يشتغلون بالألوان, فتصور أنت أحد علماء الضبط لما يريد أن يكتب مصحفاً واحداً بهذه الطريقة, ويريد أن يضبط ضبطاً تاماً يستغرق سنوات لكي يضبط مصحفاً واحداً؛ لأنه يكتب بالأسود, إذا جاءت كلمة زائدة وأراد أن يشير إليها يكتب بالأحمر أو بالبرتقالي أو بالأخضر على حسب طبعاً طريقتهم في تقسيم الألوان, والمقصود: أن أي لون مغاير للأسود فنعلم أن الذي أدخله في بنية الكلمة من غير الصحابة.

    أما النقط واضح أنه ليس من عمل الصحابة, وكذلك التشكيل ليس من عمل الصحابة كذلك.

    والآن يمكن التمييز بين الألوان فعمد علماء الضبط من علمائنا في بداية القرن الرابع عشر الهجري، وعملوا لجاناً وبدأوا يكتبون ويضعون هذه العلامات علامات الضبط في آخر المصحف فذكروا الألف الخنجرية, وذكروا الواو الصغيرة, وذكروا النون الصغيرة تكتب: (نجي), ذكروا كل هذه، وبينوا كيف يكتبونها, ونبهوا على أنه لتعسر يعني: الألوان في المطابع المعاصرة تركوا أسلوب الضبط المتقدم عند العلماء.

    هذه إشارة سريعة جداً إلى ما يتعلق بالرسم والضبط, وهناك طبعاً مسائل لا نحتاج أن نقف عندها كما قلت: إن أغلبها من باب الآداب.

    فنكتفي بهذا القدر بما يتعلق بهذا النوع الذي هو النوع السادس والسبعون.

    وأنا كتبت في كتاب المحرر في علوم القرآن نفس الأفكار التي ذكرتها فمن أراد أن يرجع إليها بنفس الترتيب فهي موجودة, وأيضا النقش الذي ذكرته نقش معاوية موجود, وفي نقوش أخرى ظهرت ولو كان تيسر لي أو لأحد الدارسين، دراسة هذه النقوش خصوصاً التي فيها آيات قرآنية فإنها مهمة جداً, من جهة معرفة هل تغير الرسم الذي كتبه الصحابة لمصحف عثمان عن الرسم الذي نجده في هذه الصخور أو غيرها.

    والفائدة الثانية: وهي مهمة جداً نعلم يقيناً أن هذا المصحف محفوظ؛ إذ كيف يقوم هذا بكتابة: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1], كاملةً لا يخلو منها حرف, وموجودة على صخرة في الطائف تجدها مكتوبة لو ترجعون لبعض آثار الطائف تجدونها مصورة كاملة.

    فهذا الذي كتب من الآيات يمنة ويسرة في جزيرة العرب لا يخالف ما هو موجود في مصحف عثمان , وهذا فيه إشارة إلى أن هذا القرآن محفوظ من لدن الله سبحانه وتعالى..

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047118175

    عدد مرات الحفظ

    738373698