إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. مساعد الطيار
  5. عرض كتاب الإتقان
  6. عرض كتاب الإتقان (50) - النوع الخمسون في منطوقه ومفهومه

عرض كتاب الإتقان (50) - النوع الخمسون في منطوقه ومفهومهللشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنواع علوم القرآن: علم المنطوق والمفهوم، ويتناول هذا العلم الألفاظ ودلالاتها على المعنى، والمفهوم نوعان: موافقة ومخالفة، ولكلٍ أنواعه، وقد احتج بعض العلماء بتلك المفاهيم بشروط.

    1.   

    تعريف: المنطوق والظاهر والمؤول

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أما بعد:

    تعريف المنطوق

    هذا المبحث كما تلاحظون من المباحث القصيرة التي تناولها السيوطي بنوع من الإجمال.

    ذكر السيوطي رحمه الله تعالى المنطوق فقال: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص.

    مثّل له بقوله: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196].

    فقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] هذا نص، وهو أيضاً منطوق.

    ثم ذكر بعد مقالة من أنكره ورد إمام الحرمين عليهم.

    تعريف الظاهر

    ثم عرف الظاهر فقال: أو مع احتمال غيره احتمالاً مرجوحاً فالظاهر.

    وذكر مثالاً لذلك في قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [الأنعام:145]؛ فإن الباغي يطلق على الجاهل، وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب. يقصد في الظالم.

    فكأن اللفظ احتمل معنيين: أحدهما أظهر من الآخر، فإذا كان أظهر من الآخر فيسمى الظاهر، وهو أيضاً يعتبر من المنطوق.

    تعريف المؤول

    ثم بعد أن ذكر مثالاً آخر قال: فإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه: مؤولاً كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]؛ فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم.

    هكذا قال رحمه الله تعالى في هذا المثال، وسنعلق عليه بعد قليل.

    ثم ذكر مثالاً آخر في قوله: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]؛ فإنه يستحيل حمله على الظاهر؛ لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق، وقد يكون مشتركاً بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز، ويصح حمله عليهماً جميعاً، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ في معنييه أو لا، ووجهه على هذا: أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين، مرة أريد به هذا ومرة أريد به هذا. وهذه مسألة أخرى سيأتي التعليق عليها.

    نترك الأمثلة التي سيذكرها، ونرجع إلى قوله: إذا حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل.

    قال: ويسمى المرجوح المحمول عليه: مؤولاً.

    إذاً: صار المنطوق إما أن يكون نصاً، وإما أن يكون ظاهراً، وإما أن يكون مؤولاً. هذه ثلاثة.

    الصواب في معنى القرب في قوله تعالى: (وهو معكم ...)

    المثال الذي استشهد له أولاً بقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، هل الآية المراد بها القرب بالذات كما تصوره المؤلف أو المراد بها المعية؟

    الجواب: حقيقتها المعية؛ ولهذا ما ورد على ذهن المؤلف رحمه الله تعالى من أن المراد بها قرب الذات ثم يصرف إلى غيره ليس بدقيق، وإنما الصواب أن نقول: إن الآية أصلاً في المعية؛ لأن الآية في النجوى بدايتها في المعية وخاتمتها في المعية؛ ولهذا لما جاء قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] في وسط هذا الكلام دل على أن الآية كلها أصلاً في المعية بالعلم وليس المعية بالذات.

    معنى الجناح في قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل ...)

    أما ما ذكره أيضاً في قوله: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]. فهذا أيضاً قائم على قضية الحقيقة والمجاز، فمن يثبت الحقيقة والمجاز يجعل لفظ الجناح لا يطلق على الإنسان، وإنما يطلق على الطائر؛ لأن الجناح حقيقة في الطائر، فإطلاقه على الإنسان يكون من باب المجاز.

    والمثال الذي ذكره يكون صحيحاً، وبعضهم قال: الجناح يختلف بحسبه، فالجناح بالنسبة للإنسان اليدان مقابلة لجناح الطائر وهما الجناحان المعروفان.

    وعلى العموم فالخلاف معروف في قضية الحقيقة والمجاز، لكن المقصد من ذلك أنه إذا وجد مرجوح وقدم على ما يظن أنه الراجح فإنه يسمى عند المؤلف: مؤولاً.

    نقد الأمثلة التي أوردها المؤلف لما خوطب به مرتين

    وأما ذكره من قضية كونه خوطب به مرتين، مرة أريد به هذا ومرة أريد به هذا، فهذا تخريج عقلي لا يستقيم مع النص؛ لأن الأمثلة التي ذكرها محتمل أن يكون أريد بها هذا وهذا معاً في مثل قوله: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282]، يعني: (يُضَارَّ) هل أصلها (يضارَر) إذا فكينا الإدغام أو أصلها (يضارِر)؟ وهذا من بلاغة القرآن في أنه يختار اللفظة التي تتناسق مع الحالين، فالمضارة منهي عنها من قبل الكاتب والشهيد، ومنهي عنها أيضاً إذا وقعت على الكاتب والشهيد.

    فإذاً: (لا يُضَارَّ) أي: لا يضارَر الكاتب والشهيد، وأيضاً لا يضارِر الكاتب والشهيد.

    فجاءت قوله: (لا يُضَارَّ) مؤدية للمعنيين معاً، وهذا يعتبر نوعاً من بلاغة القرآن.

    ثم ذكر كيف تكون المضارة على هؤلاء وهؤلاء.

    1.   

    دلالتا الاقتضاء والإشارة والتمثيل لهما

    قال: وإن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار سميت: دلالة اقتضاء نحو قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82]، أي: اسأل أهلها.

    وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما لم يقصد به سميت: دلالة إشارة، كدلالة قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] بجواز بقاء الإنسان جنباً بعد أذان الفجر.

    هذا تقريباً ما ذكره فيما يتعلق بقضية المنطوق والمفهوم.

    1.   

    خلاف ابن عقيلة للسيوطي فيما يدخل تحت المنطوق وسببه

    قبل أن ننتقل إلى المفهوم هاهنا مسألة وهي فيما يتعلق بكتاب ابن عقيلة المكي ، فقد أدخل في المنطوق: النص والظاهر والمفسر والمحكم.

    فـابن عقيلة يخالف السيوطي فيما يدخل في المنطوق، وسبب هذا الاختلاف كونه حنفياً، فإذاً هو يصدر عن مصطلحات الحنفية في أصول الفقه؛ ولهذا ذكر المصطلحات: أن الظاهر ما ظهر للسامع معناه، ومقابل الظاهر عنده الخفي الذي لا يظهر معناه إلا بتأمل، يعني: الظاهر يقابله الخفي عنده، والنص قال: ما ازداد وضوحه لا من حيث اللفظ، بل لسوق المتكلم لذلك المعنى.

    ثم قال: المفسّر ما بُيّن ووضح بحيث لا يحتمل التأويل.

    وقابله بالمجمل: ما ازدحمت فيه المعاني ولم يُعلم المراد منه إلا بالاستفسار والتأمل.

    فالمقصد من هذا أنه سيكون هناك خلاف في المنطوق وفي المفهوم بناءً على الاختلاف في قضية مصطلحات أصحاب أصول الفقه.

    1.   

    تعريف المفهوم وأقسامه

    كذلك سيأتينا اختلاف في المفهوم.

    المفهوم قال: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.

    وهو قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.

    تعريف مفهوم الموافقة وأنواعه

    الأول عنده: ما يوافق حكمه المنطوق، مثل: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فهل قوله: (لا تقل لهما أف) يجيز ضرب الوالدين أو شتمهما؟ لا شك أنه لا يجيزه، فإذاً هذا مفهوم موافقة عند السيوطي.

    ولمفهوم الموافقة أنواع: فإن كان أولى سمي فحوى الخطاب مثل: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23].

    وإن كان مساوياً سمي: لحن الخطاب، مثل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء:10]، فلو أحرقها فهو كمن أكلها؛ لأن النتيجة سواء.

    واختلف هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية أو مجازية، وهذا مبيّن في كتب الأصول.

    تعريف مفهوم المخالفة وأنواعه

    ما يخالف حكمه المنطوق وهو مفهوم المخالفة قال: هو أنواع، ذكر منه: مفهوم صفة نعتاً كان أو حالاً أو ظرفاً، وذكر أيضاً أمثلة على هذا.

    أمثلة على مفهوم المخالفة

    نأخذ بعض الأمثلة سريعاً، في مثل قوله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، مفهومه: أن غير الفاسق لا يلزم التبين من خبره، وبناءً عليه بنو قبول خبر العدل الواحد، من مفهوم المخالفة هذا.

    أيضاً قال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].

    وقال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، من هذه الآية وهذه الآية أنه لا يصح الإحرام به في غيرها.

    فقوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ [البقرة:187] قال ابن عقيلة : عاكفون حال، يعني: حال عكوفكم في المساجد، فمعناه: أنه يجوز المباشرة في غير هذا الحال الذي هو العكوف.

    يقول: المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا من فحوى الخطاب، فإن وافق المنطوق سمي مفهوم الموافقة، وإن كان أولى من المنطوق سمي مفهوم الأولى -هذا الذي سماه فحوى الخطاب-، وإن خالف سمي مفهوم المخالفة.

    إذاً: المساواة سماها مفهوم موافقة، وإذا كان المنطوق أولى مثل الآية التي ذكرها فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] سمي مفهوماً أولى، الذي نقول عنه: من باب أولى، وإذا كان مخالفاً سماه مفهوم مخالفة، ثم ذكر الأمثلة في هذه المفهومات التي ذكرها السيوطي .

    ثم ذكر بعد ذلك: مثال الشرط، والغاية، والحصر.

    الاحتجاج بهذه المفاهيم وشروطه

    ثم قال: واختلف في الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة، والأصح في الجملة أنها كلها حجة بشروط، وذكر بعض الشروط منها: ألا يكون المذكور خرج للغالب، ومن ثم لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، فلو تزوج إنسان امرأة ولها بنت، فلا يجوز له أن يتزوج بنتها، فإن قال: يجوز لي؛ لأنها عاشت عند عمها مثلاً، ليست عندي.

    نقول: هذا المفهوم لا يُعمل به، ليس من باب مفهوم المخالفة. إذاً: مثل هذا لا يعتبر به هذا المفهوم.

    أيضاً ذكر مثالاً آخر وهو قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33]، فهل نفهم منه: أنه إذا لم يردن تحصناً يجوز للسيد أن يلزم فتياته بالزنا؟ نقول: لا، وإنما خرج هذا لحكاية الحال الواقعة، يعني: حالة حادثة واقعة، وهذا يفهم من سبب النزول؛ لأن سبب النزول خاص بـعبد الله بن أبي ابن سلول ، كان يلزم فتياته بالبغاء وكنّ مؤمنات، فنزلت هذه الآية لمثل هذا الحال.

    فإذاً هذا الشرط إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] لا مفهوم له، كذلك النعت في قوله: فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] لا مفهوم له. وغيرها من الأمثلة.

    المفهوم بداهة في القرآن الكريم

    والاطلاع على أنها ليست مرادة إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] من فوائد معرفة أسباب النزول وبعض ما ذكره من هذه الأنواع يسمى عند بعض المعاصرين باسم البدهيات في القرآن، ويكثر من ذكرها الطاهر بن عاشور ويسميها الصفة الكاشفة، وهي التي تأتي ولا معنى لها، مثل قوله سبحانه وتعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، هل يُفهم منه أن هناك قتلاً للنبيين بحق؟ قطعاً لا، فكل قتل للنبيين فهو بغير حق، هذا يسميه الطاهر بن عاشور صفة كاشفة، وكذلك غيره ممن تقدم.

    وكتب في هذه البدهيات الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي كتاباً، وذكر أمثلة كثيرة من هذا، مثل: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38] مع أنه ليس هناك طائر يستطيع الطيران إلا بجناحين، أو مثل: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] وأمثالها، واصطلح عليه بهذا المصطلح.

    علاقة المنطوق والمفهوم بالعلوم الأخرى

    هذا المبحث من خلال النظر هو مبحث عقلي.

    وله أثر في التفسير؛ لأنه جزء منه، فله أثر في فهم المعنى، وما دام له أثر في التفسير فقطعاً هو من علوم القرآن، ومتعلق بأحكام القرآن وكذلك بالمتشابه النسبي.

    وأيضاً متعلق بالعلوم الأخرى كعلم الفقه وكذلك علم أصول الفقه.

    دخول المنطوق والمفهوم في باب الأخبار

    هل يدخل المنطوق والمفهوم في باب الأخبار أو ما يدخل؟ معناه: هل عندنا أمثلة للمنطوق والمفهوم في الأخبار؟ موجود وبكثرة.

    من الأمثلة قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:21].

    ومثال أيضاً في تفسير الشافعي وغيره لقوله سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] يفهم منها أن المؤمنين يرون ربهم، وهذا كله في الأخبار.

    وكذلك قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، أيضاً هذه في الأخبار.

    وعندنا أيضاً في الأخبار: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون:117].

    وأيضاً: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5].

    لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [الصافات:35] هذه في الحصر.

    فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [الشورى:9] فيكون غيره ليس بولي، لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران:158] أي: لا إلى غيره، إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] أي: لا غيرك.. وهذه كلها ذكرها في مفهوم الحصر الذي هو مفهوم مخالفة.

    وما دام يدخل في باب الأخبار، فقطعاً سيكون له علاقة بالتفسير.

    1.   

    فكرة جديدة في بعض مباحث علوم القرآن

    كنت أتساءل وأنا أراجع هذا، في الحقيقة فتح لي الأخ عبد الله المنصور في لفتة ذكرناها سابقاً في علاقة مصطلحات الأصوليين أو اختلاف الأصوليين، كالأحناف والمتكلمين ومن تبعهم في الأصول، فتح لي ملحظاً يحتاج إلى بحث، والآن نذكره كبحث وهل نحن بحاجة لهذه المصطلحات؟ وما دام لها علاقة بالتفسير فهل نحن نطبقها بنفس الطريقة التي يطبقها الأصوليون، أو يمكن أن نستغني عنها بمصطلحات خاصة تكون مرتبطة بعلوم القرآن وبالتفسير؟

    لأن الملاحظ الآن حينما نقرأ في كتب التفسير أننا لا نجد لهذه المصطلحات أثراً، وإن كنا نجد التطبيقات موجودة، وأيضاً التطبيقات ليست دائماً، فمثل هذا يحتاج منا في الحقيقة إلى تأمل وإعادة نظر، وأنا في نظري أرى بأنه يمكن التجديد في هذه الموضوعات، والاقتصار على ما نحتاجه ونرى أثره واضحاً بيناً مثل: العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وكذلك المتشابه النسبي، فمثل هذه يمكن أن يعمل بها وأن تفعل؛ لأن أمثلتها كثيرة جداً وظاهرة فيما يتعلق بكلام المفسرين.

    لكن مثل هذه الأمور الأخرى: المنطوق والمفهوم، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد. تطبيقاتها من جهة الاصطلاح قليلة جداً، فتحتاج منا إلى تطبيقات خاصة، مثل أن نأخذ سورة البقرة ونطبق عليها هذه المصطلحات المتعددة، كل واحد بنفسه ثم نأتي ونتباحث وننظر ماذا وجدنا من العام، وماذا وجدنا من المطلق، وماذا وجدنا من المجمل، وماذا وجدنا من الناسخ.. إلى آخره، وما يقابله.

    بهذا نستطيع أن نوجد أمثلة كثيرة جداً في الأحكام والأخبار، لكن من خلال تطبيقات المتقدمين من العلماء المفسرين سنجد أن بعض هذه المصطلحات قل أن يُعمل بها إلا في مجال الأحكام فقط، ومجال الأحكام فيها أيضاً قليل.

    وعادة الأمثلة التي تدخل في هذه المصطلحات قليلة، فإذا كانت قليلة فنكون لسنا بحاجة إلى تكثير هذه المصطلحات، فيمكن أن نستغني عنها بغيرها.

    هذه دعوة للبحث؛ لعل أحداً يقوم به.

    شروط المفسر وحصولها في الواقع

    هنا مسألة مهمة جداً وهي ما يتعلق بعمل علمائنا السابقين رحمهم الله تعالى، كيف تعاملوا مع بيان المعاني، مشكلتنا لما جاءنا بعض من يشترط على المفسر أن يكون عالماً بالقرآن، وبالسنة، وبالعلوم العربية، وبأصول الفقه، وبالفقه... وعددوا أشياء كثيرة، لا تكاد تحصل إلا للمجتهد المطلق، فصعبت بهذا آلة التفسير، فنقول: إذا كان يريد بيان المعاني فالاحتياج إلى هذه العلوم نزر قليل، أما إذا أراد أن يخرج إلى الاستنباطات فنعم، يحتاج إلى شيء من هذا.

    إذاً: لا يمكن أن يبين الفرق بين لفظة ولفظة إلا إذا كان عنده تمكن في اللغة والبلاغة، ولا يمكن أن يستنبط أحكاماً ومعاني إلا إذا كان عنده قدرة على الاستنباط، فإذاً احتاج إلى هذه العلوم فيما بعد التفسير.

    إغفال بعض المفسرين تنزيل الآيات على الواقع وسببه

    نجد الغالب في تفاسير العلماء أنها تتجه إلى بيان المعاني، ولم يكن في ذهنهم مثل هذه الأشياء التي وجدت مؤخراً، مثل تنزيل الآيات على الواقع، وأنا أتعجب من بعض من كتب في التفسير الموضوعي أو مقالات أخرى، أنه كان ينعي على المفسرين القدماء أنهم لم يعتنوا بهذا الجانب، ثم يذكر أن هذا الجانب هو أهم جانب يجب أن يعتنى به... إلى آخره، وأنا لا أدري لماذا إذا أردنا أن نمدح موضوعاً ما لا بد أن نذم شيئاً يقابله!! لا يلزم هذا، هذا الجانب مهم نعم، لكن السؤال يجب أن تكتشف لماذا لم يذكر علماؤنا السابقون ما نسميه نحن الآن بتنزيل الآيات على الواقع أو فقه الواقع، لماذا لم يذكروه في كتب التفسير؟! فقطعاً لهم عذر ولهم شأن أيضاً.

    من جهة المصطلح ومفهوم العلم عندهم هذا من جهة، وكما قلنا: إن أغلب التفاسير قاطبة تتجه إلى بيان المعاني، حتى التي تعنى بالنحو أو غيره.

    اعتذار للمفسرين السابقين

    هذه النوازل أو القضايا الحكمية أو الأدبية، إما أن تكون موجودة مشاراً إليها في كتب التاريخ عند من كتب في التاريخ، وإما أن تكون مشاراً إليها في كتب السلوك عند من كتب في السلوك، وإما أن تكون مشاراً إليها في كتب الفقه والنوازل، وإما مشاراً إليها في كتب الفتاوى كأن تكون سؤالاً وجواباً، فكأنهم ما كانوا يرون إدخال هذه القضايا في التفسير؛ ولهذا لو أردنا أن نبحث فقه الواقع، وتنزيل الآيات على الأحداث من خلال كتب العلماء هذه، فإنا سنجد أمثلة كثيرة جداً.

    فهذا أيضاً يجب أن ينتبه له، ما نذهب وننتقد السابقين ونلزمهم بشيء أصلاً هم لا يرون أن هذا محله، بل يرون أن محل هذه الأشياء مكان آخر، فلماذا نأتي نلزمهم بهذا؟! أما كوننا نرى الآن المحل هو هذا، فهذه قضية صارت أشبه بالمصطلحات حيث صارت مصطلحاً خاصاً بنا فنتعامل به من خلال منطوق العلم الذي عندنا.

    فهذه مسألة دقيقة وتحتاج أن ننتبه إليها، وتنجر على كثير جداً من المسائل العلمية بين المعاصرين وبين السابقين، وقلنا كثيراً: لا تفترضوا على السابقين إلزامات ترون أنه يجب عليه أن يفعل كذا.

    ولذا أنا أعجب ممن يبحث في منهج فلان يقول: المآخذ عليه، أنه لم يذكر الناسخ والمنسوخ، هل هو اشترط في كتاب ما من الكتب أنه يذكر الناسخ والمنسوخ مثلاً؟ لو اشترط ولم يذكر نقول: لم يذكر، بمعنى أنه خلف شرطه، لكن أصلاً هو لم يكن من شرطه أن يذكر الناسخ والمنسوخ، فليس صحيحاً أن أقول: لم يذكر الناسخ والمنسوخ! وأعده مأخذاً؟! هذا ليس مأخذاً، فهذا نوع من الإلزام الذي لا يلزم.

    1.   

    الأسئلة

    اهتمام المفسرين المعاصرين بتنزيل الآيات على الواقع

    السؤال: [ ما رأيكم في تنزيل الآيات على الواقع في التفسير ]؟

    الجواب: بعض أسباب النزول تدخل في هذا، لكن ما كان السلف مكثرين، ولا حتى من جاء بعد المفسرين ما كانوا مكثرين، يعني: ابن عطية رحمه الله تعالى يقول: لو عددت القضايا التي يذكرها هؤلاء في تنزيل الآيات على الواقع ما جاءت عشرة إلى خمسة عشر مثالاً في التفسير كله، وإذا جئت إلى غيره مثل تفسير المنار أو في ظلال القرآن، تجدها طافحة بالأمثلة من هذا، تكاد تكون مقصداً للمؤلف وهو يؤلف، أو انظر لـعبد الحميد بن باديس في مجالس التفسير له. فالمقصود أن هذا الأمر كان مقصداً من مقاصد هؤلاء، فذهبوا إليه، وهذا يجب أن ننتبه له، أنه لم يكن من مقاصد المتقدمين.

    وعندما قلنا: إن التفسير بيان المعنى، وأن تقول: البيان درجات، هو الإشكالية في قضية ذكرناها سابقاً وفصّلناها، أن بيان المعنى الذي نريده هو أن أي معلومة إذا فقدناها يتأثر فهم المعنى بذلك؛ فإنها من بيان المعنى ومن صلب التفسير.

    دخول الاستنباط في التفسير

    السؤال: هل يدخل الاستنباط؟

    الجواب: الاستنباط هو الذي لا حد له، والاستنباط يأتي بعد فهم المعنى ولا يدخل في التفسير.

    هل هي استخراج معانٍ أو أحكام؟ ما دامت أحكاماً فليست من صلب المعنى.

    بالنسبة للأمثلة التي أخذناها قبل قليل فإننا لو جهلنا بعض الأحكام التي فيها وفهمنا المعنى المنطوق فهذا كافٍ.

    نضرب مثالاً في الآية التي ذكرناها عن الشافعي في قوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، لو أنا ما فهمت من قوله تعالى هذا أن فيها إثبات الرؤية، فلا يؤثر على فهمي لمعنى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، إذاً صار هذا من باب الاستنباط، هذا لا أعتبره تفسيراً، بل أعتبره استنباطاً داخلاً في علوم الآية، وليس من باب التفسير.

    المراد من قوله تعالى: (... عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون)

    السؤال: [ هل يصرح قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] بإثبات الرؤية ]؟

    الجواب: لا. هذا مراد الله الأول، أن تفهم أن الكفار قد منعوا من رؤيته سبحانه وتعالى، وهناك آيات أخرى تصرح بإثبات الرؤية كقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

    وقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26].

    أما في هذه الآية فالمراد أن يبين لك هذا، ولو كان المراد أن يبين لك الثاني ما كانت الآية بهذه المثابة وبهذا الخفاء.

    منطوق آية المطففين

    السؤال: هل مراد الله سبحانه وتعالى أن يبينه؟

    الجواب: هذا غير لازم، هذا احتمال، أما المنطوق لا، المنطوق يدل على أن الكفار لا يرون ربهم.

    وأود أن نتأمل هذا، لما نقول: نحن الآن نحدد مصطلحات لا نخالف في أن ما بعد التفسير مطلوب، وله أدواته وعلومه التي يحتاجها من أراد أن يبين، وأنه أوسع من التفسير.

    القول بأن الاستنباطات من التفسير لأنها لتوضيح المعنى

    السؤال: أليس مرادهم من الاستنباطات التوضيح وبيان المعنى؟

    الجواب: لا لا، في الغالب إشاراتهم أحياناً إلى أن بعض المسائل التي يذكرونها ليست من علم التفسير، مما يدل على أن مفهوم التفسير عندهم محدد بشيء معين.

    مراتب تعامل المفسر مع الآية

    السؤال: [ ما مراتب تعامل المفسر مع الآية ]؟

    الجواب: هناك مراتب في التعامل مع الآية.

    المرتبة الأولى: بيان المعنى.

    المرتبة الثانية: الاستنباط. هذا عندي أسلم.

    فتدخل هذه ضمن الاستنباطات، فلما ننزل على الواقع فهو نوع من الاستنباط، أن ترى أن هذا الواقع يدخل في هذه الآية.

    دخول تنزيل الآيات على الواقع في التفسير

    السؤال: لكنه ليس ركناً؟

    الجواب: ليس من صلب التفسير.

    اهتمام بعض العلماء بتفعيل بعض العلوم في تفسير القرآن

    السؤال: [ هل هناك مانع من توظيف بعض العلوم في تفسير القرآن ]؟

    الجواب: ليس هناك مانع، القضية الآن أن علماءنا السابقين هل فعّلوا هذه القضايا أو لا؟ كمصطلحات أولاً، ثم تطبيقات ثانياً، فإذا ما كان هناك استخدام كثير في التفسير، فدل على أن التفسير يستغني عنها، فنحن هل نستطيع أن نعمل؟ نعم، مثلما فعل الشنقيطي رحمه الله تعالى، وهو مثال لمن فعّل مباحث الأصول في التفسير.

    فإذا فعّلنا فسنضيف جديداً أو أن المعنى انتهى ولن نضيف جديداً!! فهي محل للبحث في هذه.

    وإذا ظهر جانب التأصيل فيها فهذه تدل على أن هذه الملكة التأصيلية نحتاجها في معرفة هذه القضايا، لكن كما قلنا: نحتاج إلى تأمل وإلى بحث، وهذه تبرز من خلال البحث، ولعل الأخ فهد الوهبي عنده بحث اسمه: مسائل مشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه، لعله يتطرق لمثل هذا إن شاء الله.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047571995

    عدد مرات الحفظ

    738471015