إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. مساعد الطيار
  5. عرض كتاب الإتقان
  6. عرض كتاب الإتقان (38) - النوع التاسع والثلاثون في معرفة الوجوه والنظائر

عرض كتاب الإتقان (38) - النوع التاسع والثلاثون في معرفة الوجوه والنظائرللشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الوجوه والنظائر من العلوم المهمة التي تناولها العلماء بالتأليف والتدريس كمقاتل بن سليمان وغيره، ولهذا العلم أمثلة عديدة في القرآن، وينبغي تفعيل هذا العلم في الحلقات القرآنية، وتربية الطلاب على البحث في ذلك.

    1.   

    الوجوه والنظائر في القرآن

    أول من صنف في الوجوه والنظائر

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أما بعد:

    قال: [ معرفة الوجوه والنظائر ].

    ذكر من صنف فيه، والذي ظهر لي أن أول من صنف في هذا العلم هو مقاتل بن سليمان ، وينسب لـابن عباس رضي الله عنه تصنيفاً في هذا العلم، لكنه في نظري ليس صحيحاً نسبته إليه، إلا أن يكون أحد المتأخرين جمع من خلال تفسير ابن عباس ؛ فإنه لم يثبت عندي من خلال الاطلاع على المرويات أن أحداً من الصحابة صنف في التفسير أو في علوم القرآن، وإنما الذي يذكر صحائف جمعت الحديث النبوي مثل صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، أما الكتابة في التفسير وعلوم القرآن فلم أجد شيئاً يدل على ذلك، ومجرد النسبة في الكتب ليست مثبتة، بل هي تحتاج إلى إثبات، ويحتج لها ولا يحتج بها؛ لأنكم تجدون في بعض كتب النسب الوجوه والنظائر أو أوليتها لـابن عباس رضي الله عنه.

    أما مقاتل بن سليمان فكتابه قد طبع طبعتين: الطبعة الأولى بتحقيق الدكتور عبد الله شحاته رحمه الله تعالى، وسمى الكتاب "الأشباه والنظائر" وتسميته رحمه الله تعالى الكتاب بالأشباه والنظائر خطأ؛ لأن الأشباه هي النظائر، وكتاب مقاتل بن سليمان كل من عرفه يقول: كتاب "الوجوه والنظائر" فالوجوه شيء، والنظائر شيء آخر، أما الأشباه فهي النظائر، ثم تبعه مؤخراً الدكتور حاتم الظامن على نسخة أخرى غير التي طبعها عبد الله شحاته ، ونبه على الخطأ الذي وقع فيه الدكتور عبد الله شحاته في تسميته بالأشباه والنظائر؛ لأنه أخذه من إحدى المخطوطات.

    والدكتور حاتم ذكر اسمه بأنه "الوجوه والنظائر" وقد طبع في مركز جمعة الماجد، في جزء لطيف، وقد اعترض الدكتور حاتم على ما طبعه الدكتور عبد الله شحاته وزعم أنه نسخة من كتاب هارون الأعور ، ولكنه لم يبين هذا بياناً تاماً، والذي يظهر -والله أعلم- أن المسألة فيها نظر، لا من هذا ولا من ذاك، خصوصاً أن الكتب القديمة كان يضاف إليها ويزاد، ولو عملنا موازنة بين كتاب الوجوه والنظائر لـهارون الأعور ، المتوفي سنة 170هـ تقريباً، وكتاب مقاتل بن سليمان ، المتوفي 150هـ لوجدنا تشابهاً كبيراً.

    ثم أيضاً ما كتبه يحيى بن سلام بعدهما، المتوفي سنة 200هـ، وكتابه اسمه "التصاريف" تجد أيضاً أنه يشابه هذه الكتب.

    ثم كل من جاء بعد مقاتل بن سليمان يضيف على كلام مقاتل ، فعمل مقاتل أصل، وكل من جاء بعده فإنه إنما يزيد عليه الوجه والوجهين والكلمة وما سوى ذلك، أما أصل الكتاب فكله لـمقاتل ، فهو أصل العمل؛ ولهذا يمكن أن يقال: إن كل من كتب في الوجوه والنظائر هم عيال على مقاتل بن سليمان .

    ومن المتأخرين: ذكر ابن الجوزي ، وأصل عمله هو كتاب مقاتل ثم زاد عليه زوائد، وقد بحث الأخ الفاضل فهد الضالع في قسم الدراسات القرآنية في كلية المعلمين بالرس، بحثاً في الماجستير اسمه: زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر، وبحثه جيد وفيه لطائف ونفائس، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بين المعنى السياقي الذي يذكر في الوجوه والنظائر وبين المعنى اللغوي، وكل من جاء بعدهم وذكرهم، ابن الدامي ... وغيره، هؤلاء كتبهم كلها عمدة على كلام مقاتل .

    وكذلك ابن فارس له كتاب اسمه الأفراد وقد حقق في مجلات علمية وطبعه مؤخراً الدكتور حاتم الظامن ، وسنأخذ منه مثالاً ذكره السيوطي في كتابه.

    تعريف الوجوه والنظائر

    وأما تعريف الوجوه فقال: [ الوجوه: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان؛ كلفظ "الأمة" ].

    ثم ذكر بعد ذلك النظائر فقال: [ النظائر: الألفاظ المتواطئة. وقيل: النظائر في اللفظ، والوجوه في المعاني وضعف؛ لأنه لو أريد هذا لكان الجميع في الألفاظ المشتركة، وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه واحد في مواضع كثيرة، فيجعلون الوجوه نوعاً لأقسام، والنظائر نوعاً آخر ].

    هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل وبسط؛ لأن الكلام كله الذي ذكره رحمه الله تعالى ليس بدقيق فيما يتعلق بعلم الوجوه والنظائر، والدليل على ذلك هو عمل مقاتل بن سليمان ومن جاء بعده.

    ما يستدرك على تعريف السيوطي الوجوه والنظائر

    لنأخذ قوله الأول لما قال: [ اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان ].

    اللفظ المشترك الأصل فيه أن يكون محكياً عن العرب، مثل ما نقول: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ[التكوير:17]، يستخدم لفظ: (عسعس) في أقبل، ويستخدم في أدبر، كذلك قوله: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ[المدثر:51]، فلفظ قسورة يستخدم في الأسد ويستخدم في الرامي، فإذا قلنا الآن: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان.

    لو نظرنا أي نظرة في أي لفظة من الألفاظ التي يذكرها على سبيل المثال نأخذ أي مثال عنده، مثلاً (الهدى) أول مثال ذكره قال: (هدى) يأتي على سبعة عشر وجهاً، بمعنى: (الثبات)، اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ[الفاتحة:6]، والبيان: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ[البقرة:5]، والدين: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ[آل عمران:73]، فهل هذه المعاني استخدمتها العرب؟ الجواب: لا، وإنما هذه معان سياقية.

    وبناءً على ذلك أقول: إن قوله: (اللفظ المشترك) لا يصلح أن يكون هو المراد بالوجوه.

    أيضاً النظائر قال: [ كالألفاظ المتواطئة ] المتواطئ كما في الحاشية: (هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية؛ كالإنسان؛ فإن الإنسان له أفراد في الخارج).

    يعني: لما نقول: زيد إنسان وعمرو إنسان، فزيد وعمرو لا يختلفان في الإنسانية.

    إذاً الإنسانية معنى كلي، وينطبق على أكثر من فرد، هذا تعريف منطقي، فالمتواطئ من المصطلحات المنطقية.

    ولو جئنا إلى النظائر هل هي من المتواطئ؟ النظائر في حقيقتها كما فعل مقاتل هي الآيات التي تأتي على معنى واحد من معاني الوجوه، كما سيأتي إن شاء الله تفصيله، ولنذكر مثالاً سيذكره ابن فارس في قوله سبحانه وتعالى في البعولة، البعولة نقول: البعل: الزوج، ومنه قوله تعالى: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا[هود:72]، يقول مقاتل : [ ونظيره قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ[البقرة:228] ] ومعنى نظيره: ما يناظره في المعنى في هذا الوجه، وهو أن البعل: الزوج، قال تعالى: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا[هود:72]، بمعنى: زوجي، نظيره: وَبُعُولَتُهُنَّ[البقرة:228]، هذا معنى النظائر؛ فإذاً لا علاقة لها بالألفاظ المتواطئة.

    قال: [ وقيل: النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني.. ] النظائر في اللفظ يعني: إن اللفظ واحد، الهدى.. والمعاني هي الوجوه، وهذا أيضاً ليس بدقيق.

    الصواب في معنى الوجوه والنظائر

    الصواب من خلال عمل مقاتل أن مراده بالوجوه: تعدد المعاني التي وردت للفظة الواحدة في القرآن فقد ذكر للهدى -مثلاً- سبعة عشر وجهاً، منها: الثبات، البيان، الدين، الإيمان، فهذه نعتبرها وجوهاً، الوجه الأول، الثاني، الثالث، هذا تعدد معانٍ، بمعنى: أن الثبات غير البيان.

    فإذا جاء في أحد الوجوه أكثر من آية فنعتبرها نظائر. مثال ذلك: الدعاء، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[الرعد:7] أي: داع، نظيرها في المعنى قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[الأنبياء:73]، أي: يدعون، فالوجه الدعاء، والآيات هي النظائر التي ورد فيها هذا المعنى.

    فهذا هو عمل مقاتل وعمل من جاء بعده. وأنا أتعجب من العلماء رحمهم الله تعالى الذين ذهبوا هذا المذهب كيف غفلوا عن تتبع مقصد مقاتل دون الاجتهاد في النظر في هذا الأمر تنظيراً! والتطبيق موجود بين أيديهم، ولم أجد من تنبه لهذا المعنى.

    وبعض المعاصرين مثل الدكتورة هند شلبي من تونس اجتهدت في تقسيم الوجوه والنظائر بناءً على ما كتبه صاحب البرهان الزركشي وصاحب الإتقان، وعملت مشجرات عسرت فيها فكرة الوجوه والنظائر أكثر من كونها سهلتها، والوجوه سنذكرها إن شاء الله ونحن نأخذ بعض الأمثلة فتتبين بإذن الله.

    الاختلاف في الاسم الصحيح لكتاب معترك الأقران

    ثم ذكر المؤلف كتاباً له فقال: [ وقد أفردت في هذا الفن كتابا سميته " معترك الأقران في مشترك القرآن " ].

    المشهور للسيوطي رحمه الله تعالى "معترك الأقران في إعجاز القرآن" وهو مطبوع بعنوان "معترك الأقران في إعجاز القرآن" والمحقق قال: وأنا لا أدري هل هو يريد هذا، أو يريد كتاباً آخر قريباً من هذا العنوان؛ لأنه في الواقع معترك الأقران في إعجاز القرآن" فهو ذكر وجهاً من وجوه إعجاز القرآن وهو المشترك؛ إذ من وجوه الإعجاز المشترك، والكتاب كله في الإعجاز، فلا أدري هل هو هذا، أو لا؟ ذهب إلى هذا أيضاً محمد بن علي البجاوي في تحقيقه لمعترك الأقران، وزعم أن السيوطي رحمه الله تعالى ذكر هذا الكتاب بهذا الاسم في كتاب الوجوه والنظائر، ولا زلت أحس أن الأمر يحتاج إلى نظر آخر؛ لأنه فرق بين كتاب في الإعجاز وكتاب في المشترك؛ ولهذا قالوا: قد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن؛ هذا صحيح، وهو جعله كذلك في كتابه معترك الأقران، وذكر جملة من هذه الوجوه المرتبطة بالمشترك.

    نسبة قول: (لا يكون الرجل فقيهاً ...) ومعناه

    مقاتل كما ذكر صدر كتابه بحديث مرفوع: (لا يكون الرجل فقيهاً كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة)، وهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يثبت عن أبي الدرداء أنه قال في أثر له: (وإنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً) وليس مراد مقاتل ما ذهب إليه الباطنية من أن للقرآن وجهاً ظهراً ووجهاً بطناً، وإنما مراد أبي الدرداء على الصواب: أن الآية قد تحتمل أكثر من معنىً صحيح، إذاً لا علاقة لها بالوجوه والنظائر هذه، ولا علاقة لها بكلام الباطنية في الظاهر والباطن، وإنما الصحيح أن مراد أبي الدرداء رضي الله عنه: (أنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً) أي: أن الآية قد تحتمل أكثر من وجه، فإذا رأيت العلماء قد حملوه على معان متعددة كلها صحيحة ولا تحتملها؛ فكأنه يقول: من ضيق فقهك أن ترد هذه الأقوال الصحيحة وتبحث عن أن الحق واحد، وليس كل ما ذكر حقاً، هذا مراد أبي الدرداء رضي الله عنه.

    مثال على كون القرآن حمال أوجه

    ولو رجعنا إلى تفسير السلف سنجد مصداق ذلك في تطبيقاتهم، حتى إن الواحد منهم أحياناً قد يرد أكثر من معنى في الآية، وكل هذه المعاني صحيحة ومتغايرة، أما ما يرد عن مجموعهم أكثر من معنى فهذا كثير، مثل قوله سبحانه وتعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ[الانشقاق:19]، هذه قراءة، أي: (لتركبن أيها الناس سماءً بعد سماء) وهو إشارة إلى عروج الروح بعد الموت، كما هو معلوم في تفسير حديث البراء بن عازب .

    وقيل: (لتركبن أيها الناس حالاً بعد حال من أهوال الدنيا وشدائدها). وإذا تأملت هذه المعاني ونظرت إلى سياق الآيات فإن سياق الآيات لا يمنع هذا القول ولا هذا القول، فهذا وجه وهذا وجه، وهناك وجه أغرب من هذا عن الضحاك أو عن عكرمة ، قال: ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ[الانشقاق:19]، قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) أما على قراءة: ( لتركبن طبقاً عن طبق) فقيل وهو قول ابن مسعود : (لتركبن السماء ضروباً من التغير) كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنها فقال: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ[الانشقاق:1]، وقال: فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ[الرحمن:37]، وقال: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالمُهْلِ[المعارج:8]؛ فإذاً هي ضروب من التغير. فإذاً حمل على أن المخاطب بـ (لتركبن) السماء، وقيل: لتركبن يا محمد صلى الله عليه وسلم، اختلف في معنى (طبق) فقيل: لتركبن السماء سماءً بعد سماء، إشارة إلى معراجه صلى الله عليه وسلم، وقيل: (لتركبن أحوال الدنيا وأهوالها شدة بعد شدة) مثل ما قيل: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ[الانشقاق:19]، فاختلف الآن المخاطب من هو؟ واختلف أيضاً في المراد بالطبق، وكل هذه المعاني إذا تأملناها هي معانٍ صحيحة، والسياق يحتملها؛ فهذا هو مراد أبي الدرداء : ( بأنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً) والمراد الوجوه الصحيحة، وليس المراد فتح الباب على مصراعيه؛ لأنه لو قيل ذلك لصار كل واحد يتكلم في القرآن بما شاء. وليس هذا هو المراد.

    ثم ذكر أيضاً عن ابن عباس أن علياً قال له: (اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن؛ فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة) وهذا أيضاً على نفس ما ذكره أبو الدرداء ، أن مراده المعاني، هذا أقرب، وعلي رضي الله عنه أراد من ابن عباس أن يحيد عن الآيات نظراً للاحتمال، وأن يذهب إلى السنة؛ لقلة الاحتمال فيها، وهذا يدلنا على أن المحتملات في القرآن أكثر من المحتملات في شرح السنة النبوية، وهذا صحيح؛ فإن من اطلع على شرح حديث ما وآية ما؛ فإنه ينكشف له هذا المعنى في أن الوجوه التي ترد على الآية الواحدة أكثر من الوجوه التي قد ترد على شرح حديث ما، فالحديث قد لا يبلغ في الوجوه التي تذكر ثلاثة، أما الآية فقد تبلغ عشرة أوجه، وكلها قد تكون صحيحة.

    1.   

    أمثلة من الوجوه والنظائر

    بعد ذلك بدأ بذكر بعض الأمثلة، نأخذ مثالاً ونطبق عليه فقط:

    ورود الفتنة في القرآن

    قال: [ ومن ذلك الفتنة وردت على أوجه ].

    والمعنى اللغوي للفتنة هو: الاختبار والابتلاء، من قولهم: فتنت الذهب إذا اختبرته، هل هو مغشوش أو غير مغشوش حيث يوضع على النار حتى يذوب؛ فإن كان مغشوشاً بالنحاس فإنه ينفصل عن النحاس، وإن لم يكن فإنه ينزل كتلة واحدة.

    فلو ننظر الآن إلى هذه المعاني التي وردت، قال: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ[البقرة:191]، الفتنة: الشرك، ونظيرها قوله سبحانه وتعالى: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ[البقرة:193]، أي: شرك، هذا الوجه الأول.

    الوجه الثاني قال: [ الإضلال: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ[آل عمران:7].

    الوجه الثالث: القتل: أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا[النساء:101].

    الوجه الرابع: الصد: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ[المائدة:49].

    الوجه الخامس: الضلالة: وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ[المائدة:41].

    الوجه السادس: المعذرة: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ[الأنعام:23].. ] أي: معذرتهم، والمرض كقوله تعالى: يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ[التوبة:126] أي: المرض، والعبرة: لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً[يونس:85]، أي: عبرة.

    وهذه المعاني إذا تأملناها سنجد أن التفسير الذي سار عليه أصحاب الوجوه والنظائر هو التفسير السياقي، بمعنى: أنهم نظروا إلى المراد بالفتنة في كل سياق على حده، ولم ينظروا إلى المعنى اللغوي، الذي هو أصل اللفظة. على أنه قد يرد أصل اللفظة وهو المراد بالسياق؛ ولهذا ذكر أن الاختبار أحد الأوجه كقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[العنكبوت:3]، أي: اختبرناهم؛ فإذاً نقول: إن المعنى اللغوي قد يرد في بعض المواطن وهو المراد بالسياق أولاً، وأحياناً يرد هذا اللفظ ويحمل في السياق على ما يصلح له، لكن يبقى فيه أصل المعنى اللغوي، فلو تأملنا كل هذه المعاني فإنها لا تخرج عن معنى الامتحان والابتلاء بوجه من الوجوه؛ فقوله سبحانه وتعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ[البقرة:191]، هذا فيه امتحان وابتلاء، كذلك قوله تعالى: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ[آل عمران:7]، هذا فيه امتحان وابتلاء للمؤمنين أيضاً.

    إذاً هذه الفتنة نوع من الامتحان والابتلاء، وكذلك: أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا[النساء:101]، فالقتل نوع من الامتحان أيضاً.

    فإذاً إذا تأملنا مساقات هذه الوجوه التي ذكرها فسنجد أنها ترجع إلى المعنى اللغوي ولها ارتباط به، وهو الامتحان والابتلاء ويمكن أن نقول: إن أصحاب الوجوه والنظائر يعنون بالمعنى السياقي غير المعنى اللغوي، فهم لا يحررون معنى اللفظ من جهة اللغة، ثم نقول: إن المعنى اللغوي قد يكون هو أحد الأوجه التي ذكروها، ثم نقول: إن كل ما يذكرونه من الوجوه هو مرتبط بالمعنى اللغوي بوجه من الوجوه، وهذه إذاً قاعدة الوجوه والنظائر.

    ورود الأسف في القرآن الكريم

    مثال آخر: نقل عن ابن فارس صفحة 987، قوله: [ كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن إلا: فَلَمَّا آسَفُونَا[الزخرف:55] أي: أغضبونا ].

    ابن فارس لما وضع كتابه هذا سماه "كل" ولهذا ممكن نقول عنه: إنه كليات الألفاظ، هل يمكن أن نقلب كلام ابن فارس على طريقة الوجوه والنظائر؟ نقول: نعم، فلو قلت لكم: كم وجهاً في الأسف؟ لكان الجواب: هو اثنان، الوجه الأول: الحزن.

    والوجه الثاني: الغضب.

    مثال آخر للحزن، وهو قاعدته أنه يذكر المستثنى فقط.

    قوله تعالى: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ[يوسف:84].

    الأسف نظيرها في اللفظ والمعنى، وليس في المعنى فقط، الآن: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ[يوسف:84] هذا حزن، وفي سورة الكهف إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا[الكهف:6]؛ إذاً نقول: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ[يوسف:84] أي: يا حزناه! نظيرها في الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا[الكهف:6]، أي: حزناً، فصار هذا نظيراً، إذاً صار عندنا وجهان والأسف الأول الذي هو الحزن صار فيه أكثر من قاعدة؛ فهذه تسمى "نظائر" بمعنى: أن الأسف في قوله: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ[يوسف:84] هو نفس معنى الأسف في قوله: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا[الكهف:6].

    ورود البروج في القرآن

    نأخذ مثالاً آخر عند ابن فارس ، يقول: [ كل ما فيه من ذكر " البروج " فهو الكواكب إلا: وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:78]، فهي القصور الطوال الحصينة ].

    الآن لو أردنا أن نستخدم نفس أسلوب الوجوه والنظائر فنقول: كم وجهاً في البروج؟ نلاحظ أن كل عمل ابن فارس على وجهين، فنقول في البروج وجهان:

    الوجه الأول: للكواكب، ومنه قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ[البروج:1]، ومنه قوله سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا[الفرقان:61]، إذاً نقول: نظيرها أو مثلها، إذاً هذه العبارات التي يريدها أصحاب الوجوه والنظائر، فنلاحظ أن الكواكب ورد فيها أكثر من آية.

    قوله: وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:78] هذا الوجه الثاني، الذي هو البروج بمعنى القصور، ومنه قوله: وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:78].

    1.   

    نظرة أصحاب الوجوه والنظائر إلى الاشتقاق

    أصحاب الوجوه والنظائر رحمهم الله تعالى لم يكونوا يعنون بالاشتقاق، بمعنى: أنهم يستخدمون اللفظة مثل: آسَفُونَا[الزخرف:55]، يَا أَسَفَى[يوسف:84]، فينظرون إلى المعنى، وهو أن أصلها واحد، وإن اختلفت المشتقات التي جاءت بها، فليس شرطاً أن تأتي (يا أسفى) وتأتي (يا أسفى) في مكان آخر باللفظ نفسه، ولكن هم يجمعون كل ما يرتبط بالاشتقاق؛ ولذا لا ينظرون إلى قضية الاشتقاق، فالتصاريف كلها عندهم بمنزلة واحدة.

    1.   

    عمل ابن فارس في كتابه الأفراد

    وعمل ابن فارس لم يكن في الحقيقة على الوجوه والنظائر، لكنه جزء من هذا؛ ولهذا نحن نقول: عمل ابن فارس مبني على الكليات، والكليات على نوعين: كليات تامة، وكليات منخرمة، فإذا كانت الكلية تامة فليس لها علاقة بالوجوه والنظائر، وإذا كانت الكلية منخرمة فهي من الوجوه والنظائر، لكن نظره اللغوي أكثر من نظر أصحاب الوجوه والنظائر الذين ينظرون إلى السياق.

    علاقة علم الوجوه والنظائر بعلم التفسير

    ثم هذا العلم هل له علاقة بالتفسير أو لا؟ يعني: هل المفسر يحتاجه أو ما يحتاجه؟

    الجواب: هذه من العلوم التي يحتاجها المفسر بلا ريب؛ لأنها تتعلق ببيان المعنى؛ ولهذا نقول: كتب الوجوه والنظائر من الكتب المهمة التي يحسن بالمفسر أن يرجع إليها.

    وما دام من علوم التفسير إذاً سيكون من علوم القرآن.

    دخول الاجتهاد في علم الوجوه والنظائر

    مسألة أخرى: هل هو مبني على الرأي والاجتهاد أم على النقل؟

    يدخله الاجتهاد قطعاً؛ لأنا نتكلم عن القائل الأول، نحن بالنسبة لنا قد يكون نقلنا عنه، لكن كلامنا للذي يقول أولاً، يفسر هذه اللفظة بكذا، فإن فعله يدخل في الاجتهاد؛ لأنه داخل في بيان المعاني، وبيان المعاني يدخلها الاجتهاد.

    أثر علم الوجوه والنظائر على المعنى

    فإن قيل: هل له أثر في المعنى؟

    فيقال: نعم، له أثر في المعنى قطعاً ..

    1.   

    تفعيل تطبيق علم الوجوه والنظائر في الحلقات القرآنية

    هنا أيضاً فائدة من الأشياء التي لها علاقة بحلقات التحفيظ، تعرفون قضية المسابقات لها أثر عند الطلاب، وأنا أدعو إلى محاولة تطبيق مثل هذه الفكرة التي هي الوجوه والنظائر مع طلاب التحفيظ؛ لأنهم حينما يعطون هذه المعاني يحالون استحضار الآيات التي وردت فيها، والنظر فيها، هل هي وجه جديد أو هي ضمن نظير لمعنىً سبق؟ وهذه يمكن عمل بحوث صغيرة جداً فيها، كلمة واحدة تجعل الطالب يتدرب عليها، يرجع إلى بعض كتب مفردات بعض التفاسير الميسرة فيستطيع أن يعمل بحثاً على كلمة واحدة، كم وجهاً وردت؟ وهذا مفيد ويحرك ذهن الحافظ، حتى لو كان في الجامعة، وهذه المسألة تبتدئ من الطالب وهو في المتوسط ما دام يدرك إلى أن يكون حتى في الجامعة، فيكون بعد ذلك؛ لأن العمل في الوجوه والنظائر مرتبط بالمعاني.

    علاقة الوجوه والنظائر بعضها ببعض

    ويمكن أيضاً أن نناقش في هذه الوجوه والنظائر وأن ننظر هل الأمثلة نفسها أهي من باب التفسير باللازم أو من باب التفسير بجزء من المعنى؟ وهل المعاني ممكن تتداخل أو ما تتداخل؛ لأنه أحياناً يكون هناك تكثير في الوجوه لا داعي له، فيمكن أننا نقول: هذه المعاني متداخلة، بدل ما نقول: عشرة أوجه، نقول: لا، هي في الحقيقة ثلاثة أوجه، الوجه الفلاني والفلاني والفلاني وترجع إلى وجه واحد، والوجه الفلاني والفلاني يرجع إلى وجه واحد، وهكذا، هذا أيضاً عمل بحثي جيد ويمكن أيضاً أن يستفاد منه في قضية الوجوه والنظائر، والنظر فيما ذكره علماء الوجوه والنظائر، هل يمكن أن تتداخل الوجوه ونختصرها أو لا؟ أيضاً هل هناك وجوه تركوها يمكن أن تضاف أو لا؟ هذا عمل أيضاً واسع جداً في باب الوجوه والنظائر.

    تعرض السلف للحديث عن الوجوه والنظائر

    قال رحمه الله: [ قلت: قد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون بشيء من هذا النوع ].

    الذي هو الكليات، على أن الكليات منخرمة، أو غير منخرمة، لكنه جعلها ضرباً من الوجوه، فمثلاً كل شيء في القرآن أليم فهو الموجع، هذا وارد عن عكرمة عن ابن عباس ، وهذا صحيح.

    وورد أيضاً عن الضحاك أنه قال: (كل أليم في القرآن فهو الموجع) وهذا معنى لغوي وكلي، بمعنى: أنك ما تجد (أليم) في القرآن إلا وهو موجع.

    لكن ماذا تفعل مع الطلبة تقول لهم: هاتوا لي كل الآيات التي ورد فيها أليم؛ لكي يكون عندنا التدريب على قوة الاستحضار، والذي ما عنده قدرة استحضار عليه أن يمسك المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ويراجع الآيات وسيجدها سريعاً.

    فإذا أردت أن تدرب الطلاب على قوة الاستحضار تقول لهم: قال ابن عباس : (كل شيء في القرآن أليم فهو الموجع) هاتوا الآيات التي ورد فيها أليم، لما تأتيك كلها فأليم بمعنى: الموجع، هو المعنى اللغوي وهو الوجه الوحيد لهذا اللفظ في القرآن، هذا كلي وليس من الوجوه والنظائر، له وجه واحد، والنظائر كثيرة، والعلماء لا يدخلون الذي له وجه واحد، وإنما يدخلون الذي له وجهان فأكثر.

    والنظائر موجود عند ابن زيد وعند غيره، يقولون: كقوله تعالى، أو نظيرها قوله تعالى، أو نظير قوله تعالى: كذا؛ هذا يرد في النظائر، أما في الوجوه أنا ما أذكر الحقيقة الآن، إذا كان هناك أحد من الصحابة والتابعين لا أذكر الآن إلا الذي نسب إلى ابن عباس وليس له أثر، لا في الكتب ولا في المخطوط ولا غيرها، والمنسوب الذي هو كتاب في الوجوه والنظائر، لكن لعله يبحث.

    1.   

    الأسئلة

    ورود اختلاف المعاني في الآية الواحدة عن ابن عباس

    السؤال: [ماذا يقال عن الاختلاف في تفسير الكلمة الواحدة عن بعض الصحابة؟]

    الجواب: الاختلاف في تفسير الكلمة الواحدة هنا يدخل في الوجوه والنظائر، لكن نحن ممكن أن نركب بحثاً فنقول مثلاً: الوجوه والنظائر عند ابن عباس أو عند ابن مسعود ، ثم ننظر ماذا قال في الهدى في هذه الآية، وماذا قال في الهدى في الآية الأخرى، وماذا قال في الهدى في الآية الأخرى، ثم نركب من كلامه، هذا يمكن، لكن يكون هو أصل هذا، هذا لا أذكره، لكن يقول: في الآية وجهان، هذا وارد عند ابن عباس ، ووارد عند التابعين أنهم يريدون بالأوجه أوجه المعاني للآية الواحدة أن يكون فيها أكثر من معنى، ووارد عن أتباع التابعين فحكاية الخلاف هذا وارد، لكن هل نص على الوجوه بهذا الأسلوب؟ لا أذكر، أما الوجه بمعنى: المعنى فهذا وارد عن ابن عباس ، الوجه بمعنى اختلاف المعاني الذي قلناه قبل قليل، الذي هو مراد أبي الدرداء و ابن عباس فهذا وارد نصاً عن ابن عباس ..

    ترجيح أحد الوجوه أو النظائر

    السؤال: [هل يعني أهل الوجوه والنظائر من ذكر الوجوه في الكلمة اختيار بعض الأقوال دون بعض؟]

    الجواب: ما يعنون بهذا، أيضاً أصحاب الوجوه والنظائر لا يعنون باختلاف الأقوال في الآية الواحدة، بمعنى أنهم يختارون قولاً ويجعلونه الوجه، وما سواه لا ينظرون إليه من الأقوال الأخرى، وهذه أيضاً فائدة يتنبه لها أن علماء الوجوه والنظائر لا يحكون الخلاف في اللفظة القرآنية الواحدة.

    دخول معاني الحروف في علم الوجوه والنظائر

    السؤال: [هل يدخل في الوجوه والنظائر معاني الحروف أيضاً؟]

    الجواب: نعم، يدخلونها، بعض علماء الوجوه والنظائر يدخلونها، مثل اللام ومثل الباء، بعضهم يدخلها، خصوصاً المتأخرين منهم، فيذكرون أن لها أكثر من معنى، فتأتي بمعنى كذا ومعنى كذا في الآيات.

    اختلاف المعنى بتعدد معاني الحروف

    السؤال: [هل يختلف المعنى بتعدد معاني الحروف؟]

    الجواب: لم لا؟ إذا قلنا: (في) للظرفية وإذا قلنا: (الباء) بمعنى (في) في هذا الموطن أو الفاء بمعنى الملابسة فإنه يختلف المعنى، فلها أثر؛ لأن الأحرف هذه لها معانٍ توصل إلى معانٍ أخرى؛ ولهذا كان لحروف المعاني أثر في المعنى، فمثلاً: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا المُقَرَّبُونَ[المطففين:28] هل (يشرب بها) بمعنى منها، أو الباء هنا على وجهها ونقدر فعلاً على التضمين يشرب بها أي: يتلذذ بها؟ فاختلف المعنى.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046158052

    عدد مرات الحفظ

    733689724