إسلام ويب

مسئولية المسلم عن سمعهللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السمع نعمة عظيمة من نعم الله تعالى التي أنعم بها على الإنسان؛ فهي وسيلة من وسائل الإدراك، وطريق لتحصيل العلم وغيره، إلا أن هناك من لا يشعر بعظيم هذه النعمة فيحولها إلى نقمة، فيصد عن سبيل الله تعالى ويكون ممن قال الله فيهم: (قالوا سمعنا وهم لا يَسْمَعون). وفي هذه المادة حديث رائع حول ذلك.

    1.   

    السمع نعمة من نعم الله العظيمة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يقول الله في محكم تنزيله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] ولما أعطانا الله هذه النعم؛ فإنه سيسألنا عنها يوم القيامة فيما استخدمناها، وفي أي مجال استعملناها.

    أيها الإخوة! إن السمع من نعم الله العظيمة، وهو أكبر مدخل إلى القلب، ومن يفقد السمع فهو أسوأ ممن يفقد البصر؛ فإن عقله يضعف جداً، بل غالباً ما تجده في عداد المجانين.

    إدراك العلم بالسمع

    السمع طريق عظيم لاكتساب العلم، والمدرَك بحاسة السمع أعم وأشمل من المدرَك بحاسة البصر، فللسمع العموم والشمول، والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسي والمعنوي، فالسمع أساس العقل وأصل الإيمان، وقد أمر الله عزوجل بالسماع، فقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا [المائدة:108]، وقال عزوجل: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [التغابن:16]، سماعٌ يترتب عليه إدراك وفهم وقبول، وإجابة لنداء الله عزوجل.

    إنَّ إخواننا المؤمنين من الجن لما سمعوا كلام الله عزوجل أدركوا معنى ذلك القول، قال الله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجـن:1-2] فاتصل بسمعهم لكلام الله إيمانٌ وإجابة.

    ومما هو مطلوب من السامع الفهم لكلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا الفهم الذي حرمه كثير من العصاة والفجرة فضلاً عن الكفار، فشبههم الله عزوجل بالموتى، فقال سبحانه وتعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [الروم:52]، وهذا هو سماع الفهم.

    سماع القبول والإجابة

    وأما سماع القبول والإجابة فإنه يتمثل في قول الله عزوجل: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285] فترتب على السماع طاعة الله عزوجل، ولذلك كان من علامات أهل الباطل أنهم يسدُّون أسماعهم عن سماع الحق، ولذلك كان نوح عليه السلام قد تعب مع قومه تعباً شديداً وهو يدعوهم إلى الله، ويأمرهم بما أمرهم الله به، وينهاهم عما نهى الله عنه، ولكنهم قابلوا ذلك بسدِّ الآذان وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [نوح:7]. وبمثل هذا الإعراض قابل الكفار من قريش دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا القرآن الذي تلي عليهم، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ [فصلت:26] ولما صعَّد كفار قريش حملاتهم الإعلامية على دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقفون على مداخل مكة ، فمن جاء من خارج مكة ليدخلها استلمه أولئك الضُلاَّل المضلِّون، وقالوا له: إياك والفتنة! إياك أن يؤثر فيك الساحر المجنون! إياك وكلام الكاهن الذي فرق بين القريب وقريبه، وأتانا بما لا نعرف، سفَّه ديننا، وعاب آلهتنا.

    وعلى إثر ذلك وصل أثر تلك الحملات الإعلامية أنَّ بعض الداخلين إلى مكة كان يحشو أذنيه كرسفاً، وهو القطن؛ حتى لا يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الصد عن سماع الحق

    إن الجاهلية تحارب الحق بشتى الوسائل.. إنها تحارب الحق عبر الوسائل المختلفة حتى تجعله في أعين الناس باطلاً، وحتى تصور دعاة الحق كأنَّهم ثعابين يلدغون الناس، وتُصوِّر دعاة الحق كأنَّهم سحرة يسحرون الناس، كأنَّهم مجرمون يريدون أن يغووا الناس، ولذلك ترى كثيراً من سفهاء الناس من المتأثرين بأقوال شياطين الإنس يحشون آذانهم حتى لا يسمعوا كلام دعاة الإسلام، ويعرضون عنهم بشتى الوسائل.

    ولئن كان الأولون يحشون آذانهم كرسفاً حتى لا يسمعوا الحق؛ فإن آذان كثير من الناس اليوم قد حُشيت بوسائل اللهو والإلهاء والانشغال بالمحرمات عن سماع الحق وأهل الحق، والله عزوجل وصف الكفرة فقال فيهم: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف:179] لماذا لا يسمعون؟ هل لأنهم ليست لديهم آذان؟ كلا، بل لديهم آذان، ولكن لا يسمعون بها الحق أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    لماذا شبه الله الكفرة بالأنعام؟

    ولماذا وصفهم بأنهم أضل من الأنعام؟

    لأن بعض الناس عندما يسمع كلام الله، وعندما يسمع الحق؛ فإنه لا يأنس به ولا ينقاد له، وإنما يعرض عنه إعراضاً شديداً، أما البهائم والغنم فإنها إذا سمعت حادي الراعي ونعيف الراعي بها؛ فإنها تأنس لصوته، وتستجيب له، وتنقاد إليه، فتأتي إلى الراعي وهو يدعوها.

    إذاً: الأنعام أفضل من هؤلاء، فإن الأنعام تأنس بالصوت وتأتي، أما أولئك فهم يفرون ويبعدون.

    وما أكثر أحوال الناس اليوم في هذا الجانب! فليتهم يسمعون الحق ثم ينقذونه لو شاءوا، ولكنهم يرفضون سماع الحق من البداية، وإن رفض سماع الحق من البداية مشكلة عويصة؛ إذ كيف تحاول أن تهدي الناس إلى سبيل الرشاد وهم يرفضون سماعك أصلاً!

    كيف يستجيبون وهم يوصدون الأبواب في وجهك من البداية؟

    كيف يتَّبعونك وهم يطردونك ويأمرونك بالسكوت قبل أن تتكلم؟

    وكثير منهم يقولون: نحن نعرف ما تريد أن تقول، ونحن سمعناه قبلك، ولكن لا فائدة، لا تحاول معنا.

    1.   

    تفاعل السمع مع الواقع وأنواع السماع

    السمع -أيها الإخوة- جاء في الدين متفاعلاً مع أحداث الواقع، هذا السمع يجب أن يكون حياً متفاعلاً مع الواقع ومع أحداث الواقع، ولذلك ترى بعض الأحاديث الآتية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين هذا التفاعل، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعت النداء فأجب داعي الله) أي: الأذان، والحديث صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول).. (إذا سمعتم صوت الديكة فاسلوا الله من فضله).. (إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان).. (من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا).

    والتفاعل مع سماع الأخبار أمر مهم، قال عليه الصلاة والسلام: (من سمع بالدجال فلينأ عنه) لا يقل: أنا أتحداه، لا. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فلينأ عنه وليهرب منه؛ فإن الرجل يأتيه ويظن أنه مؤمن، فإذا قابله انقلب إلى الكفر والعياذ بالله.. (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا فيها).

    أيها الإخوة: المطلوب من المسلم عندما يسمع الأخبار أن يتفاعل معها، فإذا سمع نبأً عن انتصار المسلمين أن يحمد الله ويسأل الله المزيد، ويدعو لإخوانه بالتثبيت والنصر على الأعداء، وإذا سمع أنباءً تفيد شراً حصل بالمسلمين، وعذاباً وقع بهم، وتشريداً حصل لهم، ونكايةً؛ فإن عليه أن يتفاعل مع هذه الأخبار إن كان في قلبه إيمان، ولو بالدعاء لهم، فإن المؤمن يألم لأهل الإيمان، والمؤمن في أهل الإيمان كالعضو من الجسد (إذا اشتكى عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

    إن التفاعل مع الأخبار التي تُسمع يوجب تأييداً ودعماً، وإن التفاعل مع المنكرات التي يسمع الإنسان عنها في حيه وفي بلده ينبغي أن توجب له تحركاً لدرء هذا المنكر وتغييره والأخذ على أيدي السفهاء.

    إن الناس اليوم الذين يسمعون أحوال المنكرات فلا يتغير في أنفسهم شيء إن هم إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179]، إنهم يسمعون الأحداث لكن لا يتفاعلون معها.

    سماع القرآن

    ومن أعظم العبادات المرتبطة بالسماع: سماع القرآن.

    فهذا السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ومحركٌ يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أحد الصحابة أن يقرأ فيسمع لقراءته، ويقول: (إني أحب أن أسمعه من غيري).

    وكانت طريقة الصحابة -رضوان الله عليهم- في سماعهم للقرآن إذا جلسوا في جماعة أن يتحلّقوا فيأمروا واحداً منهم أن يقرأ ثم يستمع الباقون.

    والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة، فإذا امتلأ من محبة الله وسماع كلام محبوبه فإنه يتفاعل مع كلام الله، وأما من امتلأ قلبه من محبة الشياطين واللهو فإنه يقبل على سماع اللهو والغناء، وحرام على قلب قد تربى على غذاء السماع الشيطاني أن يجد من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة فهو من قبيل الصوت المشترك، بمعنى أن بعض الناس اليوم إذا فتحوا الإذاعة فوجدوا قارئاً يقرأ، وقد يكون هذا القارئ من الذين يُلحِّنون القرآن بحسب ألحان الأغاني -والعياذ بالله- ويأتي بالإيقاعات في قراءته كإيقاعات الأغاني والموسيقى، بل إن بعض من سمع أخبار بعض المقرئين الذين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم: (أكثر منافقي أمتي قراؤها) حديث صحيح.

    يقول: وفي حفلات الغناء للمطربات المشهورات تجد في الصف الأول نفراً من المشتهرين بقراءة القرآن.. تذاع أصواتهم، يجلسون في تلك الحفلات لكي يكتسبوا إيقاع تلك الأغاني، فينقلوه إلى قراءتهم فيما بعد والعياذ بالله!

    إن بعض الناس اليوم قد يتفاعل مع سماع القرآن، لكن أي نوع من أنواع التفاعل؟

    إنه يطرب لصوت القارئ، ولكنه لا يتفاعل مع المعنى، ولذلك تجد هؤلاء يتأوهون بالآهات الطويلة بعد فراغ المقرئ من مقطع أو آية، تأوهات تدل على الطرب والنشوة، ولكن ليس لله ولا لمعنى القرآن، وإنما للحن الجميل الذي أعجبهم فتأوهوا عند سماعه، ولذلك كان لا بد من انتقاء المقرئين الذين إذا قرءوا القرآن تأثر الناس بقراءتهم تأثراً بالمعنى، وخشعت قلوبهم لذكر الله، وليس أن تخشع أسماعهم وغرائزهم لجودة الألحان والإيقاعات الموسيقية في القراءة.

    وقد ذم السلف التمطيط في القراءة، ولذلك تجد بعض الناس اليوم يقتنون أشرطةً مسجلةً لبعض المشهورين من القراء، فيسمعونها في بعض الأحيان، ولكن لأن الصوت شجي جميل فيه ألحان وإيقاعات، فعليكم أن تقتنوا من أصوات قراء القرآن ما يؤثر في النفس تأثيراً إيمانياً يتفاعل مع معنى القرآن.

    سماع الشيطان

    وأما السماع المقابل لسماع القرآن فهو سماع الشيطان؛ وهو الغناء الذي ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، فإنه ما اعتاده أحدٌ إلا نافق قلبه وهو لا يشعر، وما اجتمع في قلب عبدٍ قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى.

    يقول ابن القيم رحمه الله: "ولقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبرمهم به -يتبرمون بسماع القرآن- وصياحهم بالقارئ إذا أطال عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأ، فلا تتحرك ولا تخشع، فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله! كيف تخشع الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئن، ويقع طِيب السَّهر، وتمنّي طول الليل.

    أيها الإخوة: إن كثيراً ممن ابتلي بسماع الأغاني يسهرون الليالي، ويَطرَبُون في سماع تلك الأغاني.

    تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفةً     لكنه إطراق ساهٍ لاهي

    وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا     والله ما رقصوا من أجل الله

    دف ومزمار ونغمة شاهد     فهل شهدت عبادةً بملاهي

    ثقل الكتاب عليهموا لما رأوا     تقييده بأوامر ونواهي

    لماذا لا يحبون سماع القرآن؟

    لأن القرآن يمتلأ بالأوامر والنواهي، والنفس تريد الخفة لا تريد أوامر ونواهي وتقييدات تكاليف، تريد أن تنتشي، وأن تخفَّ من هذه الأشياء وتنطلق وتتحرر، ولذلك يسمعون الأغاني أكثر مما يسمعون القرآن.

    فانظر إلى النشوان عند شرابه     وانظر إلى النشوان عند تلاهي

    فاحكم بأي الخمرتين أحق بالـ     تحريم والتأثيم عند الله

    النشوة الحاصلة بالخمرة، النشوة الحاصلة عند سماع الأغاني؟

    ولأنه ليس موضوعنا -أيها الإخوة- الكلام عن الغناء فنكتفي بهذا القدر، وإلا فإنَّ أثر الغناء في نفوس العصاة اليوم أثر عظيم يستخف به العصاة، وهو يدمِّر نفوسهم تدميراً، ويسد عليهم الطرق لسماع كلام الله والتأثر به، ولذلك فإن الله عوض أهل الجنة الذين امتنعوا عن سماع الملاهي في الدنيا بسماع أغاني الحور العين يوم القيامة في الجنة، فإن الحور العين ليغنيِّن أزواجهم أغاني جميلة جداً لا تقارن بأغاني أهل الدنيا، فمن امتنع عن سماع الأغاني في الدنيا فسيعوضه الله بسماع أغاني الحور العين يوم القيامة، كما أن من امتنع عن شرب الخمر في الدنيا فسيعوضه الله بشرب خمرة لا كخمر الدنيا يوم القيامة، ومن امتنع عن لبس الحرير ممن حُرِّم عليه في الدنيا فسيعوضه الله بلبس الحرير يوم القيامة، ومن امتنع عن الزنا في الدنيا فسيعوضه الله بالحور العين يوم القيامة، وبالزوجات الصالحات، وبالقدرة على الجماع حتى أنَّ أحدهم يُعطى قوة مائة رجل.

    أيها الإخوة: لا تظنوا أنكم إذا حرمتم أنفسكم اليوم من شيء من المحرمات التي حرمها الله أن ذلك سيضيع، قال الله عن أهل الجنة: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم:15]، يحبرون أي: يسمعون سماعاً طيباً. نسأل الله أن نكون من أهلها.

    اللهم اجعلنا من أهل الجنة، وأعلِ مراتبنا فيها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    حكم السماع

    الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل وأكبره تكبيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

    أيها الإخوة: وأما حكم السماع فهو بحسب المسموع، فإن كان المسموع يحبه الله فقد يكون واجباً أو مستحباً، وإن كان يبغضه الله فهو محرم، وإن كان مما سكتت عنه الشريعة فهو سماع مباح، ولهذا أمثلة كثيرة:

    فمن السماع الواجب: سماع القرآن، وخصوصاً في الصلاة. ومن السماع المقابل لهذا السماع المحرم قول الله عز وجل فيما يصف به المؤمنين: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص:55]، وهذا من إعجاز القرآن وبلاغته، فإن كلمة اللغو تشمل جميع المحرمات بل والمكروهات من المسموعات؛ ولذلك كان من الأمور المحرمة سماع الكذب والأخذ والتصديق به، وسماع الغيبة وسماع النميمة.

    ومن المسموعات كذلك المذمومة ما ذم الله تعالى في كتابه نفراً، فقال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47]، ومعنى سماعون لهم: أي: مستجيبون لهم.

    واليوم يقدم كثير من المسلمين ليعيروا آذانهم لأعداء الله ليسمعوا منهم الباطل، ويسمعوا منهم ما يقال عن دعاة الإسلام، ويسمعوا منهم الشبهات التي تحاك وتدار حول الدين .. إنهم يسمعون منهم الأوامر التي فيها هدم للدين، والله نهى عن الركون إليهم، وعن الاستماع إليهم.

    وكذلك من أنواع المسموعات المحرمة المخربة تخريباً شديداً في المجتمع المسلم: سماع الوشاة الذين يريدون أن يفرقوا بين الأخ وأخيه .. الوشاة الذين يريدون أن يفرقوا بين الملتزم بدينه ومن يلتف حوله .. الوشاة الذين يريدون أن يخربوا المجتمع الأخوي المسلم .. إن على الواعين من المسلمين وغير الواعين أن يعوا هذه المسألة؛ وهي مسألة سماع الوشاة.

    وسماع الوشاة له أمثلة كثيرة وصور عديدة، فإن بعض الناس لا يدققون فيما يسمعون، ولا يطلبون البينة على الاتهامات الباطلة التي يسمعونها، بل إنه يعطي سمعه لكل أحد صادقاً أو كاذباً؛ وهذا -أيها الإخوة- أمر خطير يُؤدي إلى اتهام البريء، وقد يؤدي كذلك إلى تبرئة المذنب، وكم من بيوت قد خربت، وعلاقات قد فصمت وانقطعت بسبب سماع كلام الوشاة!

    ومن المسموعات المذمومة كذلك: سماع الصوفية المنحرفين كالغناء والألحان التي أوردنا ذكر بعضها، بل إنهم يوهمون غيرهم من السذج أنهم يسمعون الجماد، وأنهم قد وصلوا إلى مستويات إيمانية عالية، قال أحدهم: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على أبي عثمان المغربي ورجل يستقي الماء من البئر على بكرة، فقال: يا أبا عبد الرحمن : أتدري ماذا تقول هذه البكرة؟ فقلت: لا. قال: تقول: الله الله.

    انظروا إلى هذه الخرافة، وإلى هذه التراهات التي ينطق بها هؤلاء! ولئن كنتم لا تسمعون أنتم في واقعكم مثل هذه الخرافات فإن في بيئات أخرى ومجتمعات أخرى أناساً عندهم هذا الغلو وأضعافه، فينبغي أن يكون المؤمن حذراً يقظاً وهو يسمع مثل ذلك الكلام.

    وما أحسن أن يستمع المسلم إلى شكوى أخيه المسلم؛ أن يستمع الموظف -مثلاً- إلى شكوى مراجع فيقضي له بالحق وينصفه، وكثير من الناس الذين أُكلَت حقوقهم اليوم إنما سبب ذلك عدم سماع شكاويهم، وعدم إنفاذ الحق فيها، ولذلك لا بد من سماع شكوى المظلوم وإحقاق الحق له، وما أحلى أن يسمع الأخ المسلم الهمَّ الذي يعتلج في نفس أخيه فيفرج همه، وما أحلى أن يسمع ما يدور في خاطره من أنواع الهموم فيسري عنه! وما أحلى أن يسمع مشاكله فيحل له تلك المشاكل، ويوجد له العلاجات والحلول لهذه الأشياء التي يعاني منها.

    إن السماع والإنصات مهم جداً في إيجاد الحلول للناس، فعلى دعاة الإسلام أن يفقهوا هذه المسألة، وإن سماع كلام أهل العلم من أقرب العبادات إلى الله عز وجل، فبها تزول ظلمات الجهل والشك والريبة.

    والحديث طويل -أيها الإخوة- في أنواع السماع، ولكن وصيةٌ أخيرة نوصي بها أنفسنا -جميعاً- ونحن نعيش في أتون الجاهلية المحرقة، التي يراد من ورائها إسماعنا أشياء لا نريد سماعها، بل إنه حتى على مستوى البيت، فإنك تجد إنساناً شاباً قد التزم بدين الله، فيأتي فاسق من الفسقة في ذلك البيت فيرفع صوت الأغنية مثلاً إلى أقصى حد نكاية بذلك الملتزم بدينه، وحتى يسمعه رغماً عنه، وهنا لا بد أن يستعيذ المسلم بالله من شر ما يسمع، وما يفرض عليه أن يسمع، وما يراد منه أن يسمع؛ لكي يسير في طريق الشيطان، وعليه أن يعتصم بالله، فكأنه موجود وغير موجود، فهو في عزلة شعورية عن هذا الواقع الفاسد، لا يسمع المحرمات، ويحاول أن يشغل نفسه بسماع الأشياء الطيبة، وأن يعتزل تلك المجالس، ولذلك فرق علماؤنا بين السماع والاستماع، ولمَّا تحدث ابن القيم رحمه الله عن قصة ابن عمر عندما كان يسير فسمع مزمار راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع ذلك، قال: ولا يجب على كل مسلم أن يفعل هذا، بل إنه إذا وجد في نفسه نفرة من ذلك؛ كإنسان يسير في الشارع فسمع غناءً من بيت، فلا يجب عليه أن يغلق أذنيه بإصبعيه، ولو فعل ذلك لكان أمراً محموداً، ولكن ما دام أنه يحس بنفرة مما يسمع وبكراهية لما يسمع، فهو لا يستمع لها ولكنه يسمعها، فهو لا ينصت لها ولا يتأثر بها، أما إذا أحس في قلبه تأثراً، أو وجد في قلبه ميلاً للسماع فبدأت مرحلة الاستماع؛ فإن عليه أن يغلق أذنيه، وعليه أن يهرب من ذلك المكان بأسرع وقت ممكن.

    اللهم يا عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، يا فاطر السماوات والأرض أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك.

    اللهم واجعل ما نسمع من طاعتك، اللهم وأبعدنا عن المحرمات من المسموعات، اللهم وافتح أسماعنا لكل من يريد أن يخبرنا بحق، أو يدلنا على حق، أو يأمرنا بحق، اللهم وأغلق آذاننا أمام كل من يريد أن يجرفنا إلى منكراً، أو يسمعنا منكر، اللهم واجعلنا من عبادك الذين يخشونك بالسر والعلانية، اللهم واجعلنا ممن أحببتهم وأحبوك، واقذف في قلوب عبادك حبنا، واجعلنا ممن يحبك ويحب من يحبك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.