إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [82]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إمامة الناس في الصلاة لها منزلة عظيمة، لذا جعل الشرع صفات مشروطة في الإمام واشترط انتفاء بعض الصفات عنه، فاللحان في قراءة الفاتحة لحناً يحيل المعنى فلا تصح إمامته، وتكره إمامة الفأفاء والتمتام، والذي لا يفصح بعض الحروف، ومن يصرع، وأن يؤم أجنبية، أو يؤم قوماً وهم له كارهون كراهة شرعية.

    1.   

    إمامة اللحان في الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:

    فقد قال المؤلف رحمه الله: [ وتكره إمامة اللحان، أي: كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى، فإن أحاله في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته إلا أن يتعمده، ذكره في الشرح، وإن أحاله في غيرها سهواً، أو جهلاً، أو لآفة صحت صلاته، وتكره إمامة الفأفاء ].

    عندما تحدث المؤلف عن اللحن في الفاتحة شرع في اللحن في غيرها.

    تعريف اللحن

    قال المؤلف رحمه الله: (وتكره إمامة اللحان)، اللحن هو: الذي يغير بعض الحروف إلى بعض، أو لا يفصح فيها، أو يغير حالة الإعراب في الكلمة من ضم إلى فتح أو من فتح إلى ضم، بحيث يتغير الفاعل من المفعول.

    اللحن في الفاتحة

    أما الفاتحة فإننا نقول: إنها لا تصح صلاته إذا كان يحيل المعنى، وأما إذا كان لا يحيل المعنى فتصح ويكون حكمه كحكم الأمي، ولا تصح صلاته إلا بمثله، والصحيح أنه إذا كان اللحن لا يحيل المعنى ولو كانت الفاتحة فإن الصلاة تصح؛ لأن كل من صحت صلاته بنفسه صحت إمامته، والعكس.

    اللحن في غير الفاتحة

    المسألة الثانية: وهي اللحن في غير الفاتحة، فاللحن في غير الفاتحة ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: إن كان لحناً يحيل المعنى وتعمده الإنسان فإن صلاته لا تصح، هذا قول أكثر أهل العلم، من الحنابلة والشافعية، خلافاً لمتأخري الحنفية وبعض المالكية.

    ودليل من أبطل صلاته: قالوا: لأنه إذا قرأ لحناً يحيل المعنى لم يكن قرآنا، وصار كأنه تكلم عمداً في الصلاة، ومن تكلم عمداً في الصلاة في غير مصلحتها بطلت صلاته، وهذا هو الراجح.

    القسم الثاني: أن يلحن في صلاته في غير الفاتحة لحناً يحيل المعنى بجهل أو سهو أو عجز، فإن عامة أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم يرون صحة الصلاة، خلافاً لمتقدمي الحنفية، فإنهم في أحد أقوالهم قالوا: لا تصح مطلقاً في الفاتحة ولا في غيرها، والراجح صحة الصلاة لأمور:

    الأمر الأول: لأن هذا اللحن لم يكن عن إرادة وتعمد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، والحديث رواه الطبراني و الدارقطني من حديث ابن عباس ، وجود إسناده ابن رجب .

    الأمر الثاني: أن الله عفا عن ذلك، كما في صحيح مسلم عندما نزل قول الله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: ( قد فعلت ).

    الأمر الثالث: ولأن القراءة في غير الفاتحة في الصلاة ليست بواجبة، فإذا كانت ليست بواجبة فدل على أن اللحن فيها من غير تعمد ليس أفضل من عدم القراءة، فدل على أن القراءة مع اللحن من غير عمد أولى من عدمه؛ ولهذا عندما تكلم عن كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى قال: (فإن أحاله في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته إلا أن يتعمده)، فذكر بهذه العبارة النوعين، (فإن تعمده بطلت)، وقلنا: لأنه إذا أحال المعنى مع علمه باللحن لم يكن قرآناً، فصار كالمتكلم عامداً، فإن كان غير متعمد بقوله: (وإن أحاله في غيرها)، يعني: غير الفاتحة (سهواً أو جهلاً، أو لآفة صحت صلاته)، للأحاديث والآيات التي ذكرناها، والله أعلم.

    المقصود بالكراهة

    قال المؤلف رحمه الله: وأما قوله: (وتكره)، الكراهة بلا شك حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، والدليل الشرعي في الكراهة يثبت بورود النهي عنها على غير الإلزام؛ لأن الكراهة هو خطاب الله على سبيل المنع من غير إلزام.

    وهل يثبت في مخالفة المأمور؟ وإذا جاء النص بفعل ثم خالف الفعل هل يدل على الكراهة؟

    الجواب: إن كان المأمور واجباً فيحرم مخالفته، وإن كان المأمور مستحباً فقد اختلف علماء الأصول: هل ترك السنة يستلزم فعل المكروه أم لا؟

    الحنابلة -رحمهم الله- حينما قالوا: (وتكره إمامة اللحان)؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود البدري : ( يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله ) .. الحديث.

    قالوا: فهذا خبر بمعنى الأمر، ومخالفة هذا المأمور مكروه، وقد مر معنا كثيراً أن المتأخرين من الحنابلة عندهم في الغالب أن مخالفة السنة يحكمون عليها بالكراهة، وهذا منها.

    والقول الثاني: أن مخالفة السنة لا يلزم منها فعل المكروه، فيقال: ترك السنة شيء وفعل المكروه شيء آخر.

    ولعل الظاهر والله -تبارك وتعالى أعلى وأعلم-: أن مخالفة السنة، أو ترك السنة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ترك لا يستلزم منه وقوع الإنسان في محظور أو ممنوع، أو غير مشروع، فإذا ترتب على ترك السنة وقوع المرء في مباح، فإن ذلك لا يستلزم الكراهة.

    مثال: من المعلوم أن رفع اليدين إلى الصدر أو إلى الأذنين سنة، فإذا ترك الإنسان هذا ولم يرفع، فإنه ترك السنة؛ لكن لا يستلزم بتركه ذاك وقوعه في غير مشروع أو في محظور، أو ممنوع، فيقال هنا: ترك السنة لا يستلزم منه وقوع الإنسان في المكروه، وهذا كثير.

    القسم الثاني: ترك السنة يستلزم منه فعل خلاف الأولى أو الممنوع أو المكروه، فيقال: إن ذلك مكروه، مثل ما لو صلى المرء ويلحن في صلاته، واللحن في القراءة غير مشروع، فيستلزم ترك السنة: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، وقوع الإنسان في غير مشروع، فدل ذلك على أن ترك السنة إذا استلزم فعل غير مشروع فيقال: إن ترك السنة مكروه.

    ولعل في هذا التقسيم جمعاً بين الأقوال، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    1.   

    إمامة الفأفاء والتمتام

    قال المؤلف رحمه الله: [ وتكره إمامة الفأفاء والتمتام ونحوهما، والفأفاء: الذي يكرر الفاء، والتمتام: من يكرر التاء ].

    قول المؤلف رحمه الله: (وتكره إمامة الفأفاء)، وهو الذي يكرر حرف الفاء، أو يصعب عليه نطقها. كذلك التمتام وهو من يكرر التاء، فإذا أراد أن يقول: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ [الملك:1]، يقول: تتتبارك، وهذا نوع من العي، فهذا يقول المؤلف فيه: يكره إمامته، ولم يقل تبطل؛ صحة لإمامته، ولأنه قد فعل الفرض وهو قراءة الفاتحة بغير إحالة معنى؛ فصحت صلاته لأنه أدى الفرض، وأما كراهية تقديمه فلأجل زيادته وتكراره حروفاً ليست من القرآن، فدل ذلك على مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ).

    واعلم أن الفأفاء والتمتام إنما ذكرا على سبيل المثال، وإلا فكل من يعجم عليه بعض الكلمات، أو يغير حرفاً إلى حرف، أو يزيد حرفاً إلى حرف، مثل أن يزيد الألف حينما يقرأ: (تبارك) يقول: آآآتبارك، فهذا ليس تمتاماً ولا فأفاءً، لكن فيه عي بحيث يزيد حرفاً يظنه السامع حرفاً آخر، ولم تبطل صلاته؛ لأنه أدى الفرض.

    1.   

    إمامة الذي لا يفصح ببعض الحروف

    قال المؤلف رحمه الله: [وتكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف]، فإن بعض الناس ربما لا يفصح حرف الجيم، أو الراء، أو الشين، أو الحاء، فإن الأعجمي من بلاد الغرب ربما يصعب عليه أن يفرق بين الحاء والخاء، فيقول: الرخمن الرحيم، فيعجز أن ينطق؛ لأن الحروف الحلقية إنما هي من لغة الضاد، وإنما لغة اللسان باللسان، واللغة الإنجليزية كل حروفها طرف اللسان؛ ولهذا تجدون أحياناً صاحب العربية يصعب عليه النطق؛ لأن اللسان لا بد أن يميله قليلاً، واللغة العربية ليس فيها إمالة بهذه الصورة؛ ولهذا تجدون في اللغة الإنجليزية أن الحروف التي لا تنطق مثل: (آر)، ما تنطق بإمالة.

    على كل حال هذا هو المقصود، وهو من لا يفصح ببعض الحروف.

    قال المؤلف رحمه الله: [وتصح إمامته]، أي: الذي لا يفصح.

    [أعجمياً كان أو عربياً]؛ لأن عدم الإفصاح ليس مقتصراً على الأعجمي، بل يكون من الأعجمي ومن العربي.

    ثم شرع المؤلف ببيان بعض المسائل التي تكررت في السابق.

    1.   

    إمامة الأعمى والأصم والأقلف ومقطوع اليدين أو الرجلين أو أحدهما

    قال المؤلف رحمه الله: [ وكذا أعمى وأصم وأقلف وأقطع يدين، أو رجلين، أو إحداهما إذا قدر على القيام ].

    قول المؤلف رحمه الله: (وكذا أعمى)، يعني: وتكره إمامة أعمى، وهو ضد البصير (وأصم)، وهو ضد السميع. (وأقلف)، وهو ضد المختون.

    وسبق أن ذكرنا أن الأقلف على حالين: إذا كان لا يستلزم منه اجتماع النجاسة، أو يستلزم منه اجتماع النجاسة؛ لكن المؤلف هنا ذكرها اختصاراً؛ لأن إمامة الأعمى ليست مكروهة على المذهب مطلقاً، وكذا الأقلف وكذا الأصم.

    والعبارة هذه كأنها تفيد أن إمامة الأعمى مكروهة، والأصم مكروهة، والأقلف مكروهة لكنا قلنا أن المذهب ليس ذلك، وإنما قالوا: وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه، وأما مع الإذن فتزول الكراهة، وقلنا: هذا الحكم عند المذهب إنما استثنوا أمرين:

    إمامة سلطان المسجد، أو صاحب البيت، فإن إمامته من غير إذن تحرم، وأما إمامة من هو غير الأولى بلا إذن فهي مكروهة عند المذهب، وأما مع الإذن فلا يكره؛ ولهذا سبق قول المؤلف في الزاد: [ وحر وحاضر وبصير ومقيم ومختون، ومن له ثياب أولى من ضدهم ]، ثم قال صاحب الروض: [ وتكره إمامة غير الأولى بلا إذن ]، يعني: إن كان بإذن فإنها لا تكره.

    وذكرنا أثر ابن عمر عندما كان يأمر مولاه أن يصلي به، فهذا هو المذهب، وتحدثنا عنه في موضعه، وقلنا: الصحيح هو مذهب الشافعية، أنه لا فرق بين الأعمى وغيره، فإذا كان الأعمى أحسن قراءة من البصير فإن صلاته أولى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر ابن أم مكتوم أن يؤم بالصحابة عندما خرج في إحدى غزواته، فيجعله يصلي بالناس بالمدينة.

    قوله: (وأقطع يدين أو رجلين أو إحداهما إذا قدر على القيام)، مثل الذي تكون إحدى رجليه من خشب والثانية بلا خشب، لماذا تصح إمامته؟ إن كان إمام راتب فإن الصلاة تصح عند الحنابلة، وأما إن كان في غير الراتبة، فإن كان يقوم فقد أدى الواجب؛ ولكنه يكره؛ لأنه ربما يعجز عن فعل المسنون، أو يكون عنده نقص في بعض المستحبات، والصحيح أن كل من صحت صلاته في نفسه صحت إمامته.

    1.   

    إمامة من يصرع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن يصرع فتصح إمامتهم مع الكراهة لما فيهم من النقص].

    أما بهذه العبارة فالعبارة تحتاج إلى تفصيل، إن كان الصرع يحصل منه ويغلب على ظنه أنه يحصل منه حال الصلاة، فإن إمامته لا تنبغي؛ لأننا نعلم أنه سوف يقطع صلاته، ولم نقل ببطلان الصلاة؛ لأن الصلاة حالة افتتاحها صحيحة، لكنها مدعاة إلى قطعها في حال الإمامة، فمنعنا من ذلك، وهذا يحصل في الذي يصاب بالصرع -والعياذ بالله- إذا قرأ أو تحمس، ولا شك أنه إن صرع فقد انقطعت صلاته؛ لأنه سوف يلتفت ويسقط -والعياذ بالله- وأما إن كان يغلب على الظن أن صرعه لن يتأتى فإن كان أقرأ لكتاب الله صحت صلاته وهو أولى بالإمامة، والنقص الذي فيه لا يكون في الصلاة، فدل على عدم الكراهة، وأما إن كان في الصلاة ويغلب على الظن أنه يصرع فإنه ينبغي ألا يصلي، لأنه إذا غلب على الظن فكأنه قصد قطعها؛ ولهذا قلنا: الأولى عدم الصلاة والله أعلم.

    1.   

    إمامة الرجل بأجنبية أو أكثر

    قال المؤلف رحمه الله: [ويكره أن يؤم امرأة أجنبية فأكثر لا رجل معهن؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يخلو الرجل بالأجنبية، فإن أم محارمه أو أجنبيات معهن رجل فلا كراهة؛ لأن النساء كن يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة].

    من المعلوم أن اجتماع الرجل بالأجنبيات ليس فيه خلوة، ومع ذلك قال المؤلف: (ويكره أن يؤم امرأة أجنبية فأكثر)، ثم استدل لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يخلو الرجل بالأجنبية، ولا شك أن هذا الاستدلال ليس واقعاً في جميع ما سبق؛ ولهذا نقول: إن إمامة الرجل بالأجنبية ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يؤم أجنبية وحدها، فإن كان هو وإياها من غير حضور أحد فهو ممنوع؛ لأنه خلوة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها أخوها أو أبوها أو ذو محرم منها )، وأما إذا كان في المسجد، مثل المسجد الحرام، أو مسجد والناس فيه فلا يكون خلوة، لكن مدعاة إلى أن تكون قريبة جداً منه، ومن المعلوم أن العلماء رحمهم الله كالأئمة الأربعة قالوا: لا تتربع المرأة في الصلاة، بل تكون مضمومة؛ لأجل ألا ينكشف شيء من مفاتنها، فإذا كانت مع رجل واحد فلا شك أن ذلك ممنوع وإن لم يكن خلوة، ولو كانت في مسجد؛ لما يرد فيه من الوساوس، فإن الوساوس في مثل هذا ظاهرة، والله أعلم، كأن يخطر على باله أشياء لم تكن فيما لو كانت غير واحدة، هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يصلي بأجنبيات، فإن كان بينه وبينهن مسافة، كما يوجد الآن في بعض المساجد تجد الإمام يصلي والنساء في مصلياتهن وليس معه أحد، وقد يحصل هذا في بعض المصليات أو بعض المساجد التي تكون في أماكن القصور وغيرها، فهذا الأصل فيه الجواز، سواء وجد معهن محارم أم لا، وجد معهن رجال أم لا، إلا إن كان ذلك يثير الفتنة في حقه فيمنع، وقولنا بصحة الصلاة لما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك يقول: ( ثم حضرت الصلاة، فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا )، وهذا الحديث يستدل به العلماء، ولكن العجوز هي أم سليم ، كما ذكر ذلك بعض الشراح، أو هي أم حرام بنت ملحان، فإن كانت أم حرام ، فإن أم حرام بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نام مرة في حجرها، ثم قام فقال: ( رأيت أناساً من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة ).

    على كل حال الأمر في هذا الباب واضح، وهو أنه إذا كان مع أجنبيات، سواء وجد معهن رجل أم لا، معهن محارم أم لا، الأصل في صحة الصلاة أنها جائزة، ما لم يتأثر بذلك ويحدث نفسه بذلك؛ لأن بعض الناس أحياناً ضعيف، ضعيف النفس، ضعيف العاطفة، فبمجرد صلاته بمثل هؤلاء وثناهن له، ربما تتغير نفسه وتتوق إلى أشياء ربما تخل بخشوعه، فإذا كان كذلك فإن ذلك مكروه، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة : ( اذهبوا بهذه الأنبجانية وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي )، فإذا كانت قطعة قماش فيه زينة جعلت صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألهتني عن صلاتي) ، فإن انشغال القلب والرأس مدعاة إلى ألا يخشع المرء، والله أعلم.

    1.   

    إمامة قوم وهم له كارهون

    قال المؤلف رحمه الله: [ أو أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق، كخلل في دينه، أو فضله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون )، رواه الترمذي ، وقال في المبدع: حسن غريب وفيه لين، فإن كان ذا دين وسنة وكرهوه لذلك فلا كراهة في حقه ].

    إمامة الرجل غيره ممن يكرهه، أشار المؤلف رحمه الله بأنها على قسمين:

    القسم الأول: أن يكرهوه بحق، مثل أن يكون فيه نقص في دينه، كالكذاب والنمام، وصاحب الهوى والبدعة، والذي ينقل كلام الناس، فهذا تكره إمامته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )، وفي لفظ: ( عباد الله! لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم )، الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )، فمن المعلوم أنه إذا كان الخلاف في الصفوف يؤدي إلى خلاف في القلوب، فدل على أن الخلاف في القلوب أولى بالمنع، ولا شك أن الذي يصلي وفيه نقص في العقيدة أو خلل، أو سوء فهم أو نقص، فإن ذلك مدعاة إلى اختلاف الناس، وقد قال ابن تيمية رحمه الله في هذا: وإذا كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب، فلا ينبغي أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة جماعة الائتلاف، فلا يؤم وتكره إمامته، وهذا يكون كأصحاب التوجهات الذين لا يرتضيها الجماعة، ومخالفاً لمنهج أهل السنة والجماعة، فهذا وإن صحت صلاته لكن صلاته مكروهة؛ لأن الناس سوف يتكلمون ويكثرون من الكلام، ويحدث بلبلة هل يصح صلاته أم لا، أو نصلي خلفه أم لا؟

    أما القسم الثاني: أن تكون الكراهة لدنيا، مثل بعض الناس بينه وبين الإمام مسألة دنيوية فيكرهه، فهذا إن كان قليلاً في الجماعة فالصلاة صحيحة ولا كراهة، وإن كان بينه وبين الجماعة وهم كثر في الغالب فإنه لا ينبغي؛ لأن المقصود الأعظم في الإمامة والجماعة كما قال ابن تيمية : الائتلاف، وهذا لا يحصل مع وجود خلاف دنيوي في أكثر جماعة المسجد.

    الحالة الثانية ذكرنا أنهم إذا كانوا قليلاً أو كثيراً.

    الحالة الثالثة: أن تكون كراهتهم له مع موافقته للسنة وهم المخالفون، هم المخالفون وليس هو، يعني: مثل الذين يصلون أحياناً في بعض البلدان العربية وعندهم بعض الأشياء المخالفة للسنة، مثل يوم الخميس لازم يجتمع الإمام ويدعو ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرأ بهم القنوت، يفعل أشياء يلزمونه بها، فأقول: إن صلاته صحيحة بلا كراهة، لكن إن كان قادراً على التغيير بالتي هي أحسن شيئاً فشيئاً فلا شك أن إمامته مطلب ومقصود في الشرع؛ لأجل تخفيف الشر أو البدعة مع قدرته على إبدالها بالسنة، وأما إن كان غير قادر لعدم قوته وشخصيته وهيبته، فإن الأولى وإن كانت الصلاة صحيحة بلا كراهة، الأولى ألا يؤمهم لأجل ألا يتأثر أو يداريهم، وأما إن كان يداريهم ولا يداهنهم، يعني: مرة يفعل ثم يترك من باب التأثير في قلوبهم، فإنه من المعلوم أن المرء يجوز أن يفعل غير المشروع تأليفاً للقلوب، فإذا كان كذلك فلا حرج والله أعلم.

    وهذا ينبغي أن يلحظ في إمامة بعض الإخوة الذين على منهج السلف والسنة، يشكل عليهم هل يصلون بالناس أئمة رواتب، مع مخالفة الجماعة لهم؟

    فأقول على هذا التفصيل: إن كان قادراً وعنده من الشخصية والعلم والبيان والقدرة على أن يؤلف بينهم، ويترك بعض السنة تأليفاً للقلوب، ثم يبينها لهم حتى يتعودوا السنة، فهذا مطلبٌ شرعي ومقصود من أعظم مقاصد الشرع، وإن كان غير قادر ولكنه سوف يداهنهم ويفعل غير المشروع، فإنه حينئذ لا ينبغي أن يؤمهم والله أعلم.

    وأما الحديث وهو: ( وإمام قوم وهم له كارهون )، فهذا الحديث يرويه الترمذي من حديث أبي غالب البصري، عن أبي أمامة ، وهذا الحديث روي من طرق، وجاء بألفاظ، والذي يظهر -والله أعلم- أن الحديث لا يصح.

    قال المؤلف رحمه الله: (قال الترمذي : حسن غريب وفيه لين)، كلمة (فيه لين)، إنما هو من زيادة المؤلف، و الترمذي إذا قال: حديث حسن، أو حسن غريب، فهذا دلالة على ضعفه عنده وليس حسناً، ويخطئ كثير من المتأخرين حينما يقول: حسنه الترمذي ، الترمذي لا يحسن حديثاً، الترمذي يصحح حديثاً، فإما أن يقول: حديث صحيح، وإما أن يقول: حديث حسن صحيح، فإن حسَّن حديثاً من غير صحة، فإن هذا دلالة على ضعفه عند الترمذي ؛ ولهذا دائماً يقول: حديث حسن غريب لا نعلمه إلا من هذا الوجه، وهذا دلالة على تضعيف الترمذي لا تحسينه.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن كان ذا دين وسنة وكرهوه لذلك فلا كراهة في حقه)، نعم لا كراهة، ولكنها مبنية على هل سوف يداهنهم في ذلك ويستمرئ المنكر أم لا؟ ذكرنا أنها مبنية على التقسيم السابق.

    لعلنا نقف عند هذا الحد، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994711817

    عدد مرات الحفظ

    717598223