إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [56]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما يبطل الصلاة عند بعض الفقهاء نفخ المصلي في صلاته إذا بان حرفان، أو انتحاب الرجل وبكاؤه من غير خشية الله، أو تنحنح المصلي لغير حاجة إذا بان حرفان. والراجح أن الانتحاب والنفخ ونحو ذلك إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة فهو خلاف الأولى ولا تبطل الصلاة مطلقاً.

    1.   

    حكم ما يصدره المصلي من أصوات أثناء صلاته

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    وبعد:

    فقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن نفخ فبان حرفان بطلت، أو انتحب، بأن رفع صوته بالبكاء من غير خشية الله تعالى فبان حرفان بطلت؛ لأنه من جنس كلام الآدميين، لكن إذا غلب صاحبه لم يضره؛ لكونه غير داخل في وسعه، وكذا إن كان من خشية الله تعالى، أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت، فإن كان لحاجة لم تبطل؛ لما روى أحمد و ابن ماجه عن علي رضي الله عنه قال: ( كان لي مدخلان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، فإذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح لي ) و للنسائي معناه، وإن غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب ونحوه لم يضره ولو بان حرفان ].

    النفخ

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن نفخ فبان حرفان بطلت).

    حكم المؤلف بأن النفخ إذا ظهر منه حرفان فإنه يكون كلاماً، وإذا كان كلاماً صار كلاماً خارج الصلاة وخارج مصلحتها؛ لأنهم يرون أن الكلام المنتظم يمكن أن يكون بالحرفين كأب، وأخ، ويمكن ألا يكون، فإذا بان منه حرفان فإنه صار كلاماً، وإذا صار كلاماً فإنه داخل في حكم الإجماع على أن من تكلم في الصلاة عامداً بطلت صلاته، والراجح، والله تبارك وتعالى أعلم، أن مثل النفخ والنحنحة والسعال وغير ذلك لا يعد كلاماً، وليس داخلاً في الكلام الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

    ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة صلاة الكسوف: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد نفخ )، يعني: يقول وهو في سجوده: أف بسبب خشيته من الله سبحانه وتعالى، وأنه يرى ما لم نر، فلأجل هذا نفخ النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن المعلوم أن صلاة الكسوف ليست بفرض، ولكن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، ثم إن الكلام ممنوع في الفرض والنفل، فلما جاز أن ينفخ عليه الصلاة والسلام في النفل دل على جوازه في الفرض، وقد ذكر أبو العباس بن تيمية رحمه الله تقسيم الكلام، وذكر أن منه ما يدل عليه معنى لا طبعاً، أو طبعاً ومعنى، أو طبعاً لا معنى، ولكن لعلنا نقول: إن الأقرب أن مثل النحنحة والنفخ وغير ذلك إذا لم يكن لحاجة فإنه مكروه أو خلاف أولى، وخلاف الأولى أولى؛ لأنه لم يرد فيه نهي واضح، وأما نفخ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف فبسبب خشيته من الله سبحانه وتعالى؛ لأنه حينما انفتل من الصلاة قال: ( لقد رأيت الجنة والنار )، والله تبارك وتعالى أعلم.

    وأما ما استدل به أصحاب هذا القول وهم الحنابلة والحنفية والشافعية بـ ( أن من نفخ فقد تكلم )، فهذا حديث باطل، ولا يصح، ولا يعتمد عليه.

    الانتحاب والبكاء

    ثم ذكر المؤلف من انتحب، والانتحاب: هو البكاء الذي فيه صوت؛ ولهذا قال المؤلف: (بأن رفع صوته بالبكاء من غير خشية الله) فإن كان من خشية الله فإنها لا تبطل صلاته، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين يصلون فيبكون وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:109] أما إذا كان من غير خشية الله فإن المؤلف قال: (إن بان حرفان بطلت؛ لأنه من جنس كلام الآدميين)، لكنه قال: (لكن إذا غلب صاحبه لم يضره).

    فالحنابلة رحمهم الله يرون إن كان النفخ أو الانتحاب لحاجة، مثل أن يكون الانتحاب لخشية الله، أو النفخ لمصلحة، مثل إنسان وقع في شيء فأراد أن يزيله مما يضره وهو في الصلاة فنفخ فيه ليطير، ونحو ذلك، فهذا لا تبطل صلاته؛ لأنهم يرون أنه فعل ذلك لحاجة، وهذا قريب من مذهب أبي حنيفة .

    والقول الثاني: تبطل مطلقاً، وهو مذهب الشافعي .

    والقول الثالث: لا تبطل مطلقاً، وهذا قول أبي يوسف ، وهو الرواية الأخرى عند الإمام أحمد ، وهذا الذي اختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله، ونصرها وقواها، وهذا أظهر والله أعلم، إلا أن بكاءه من غير خشية الله لا يشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن في الصلاة لشغلاً )، ومن المعلوم أن الذي يبكي من غير خشية الله اشتغل بذلك عن الصلاة، وقد قال في صحيح مسلم : ( إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ).

    على هذا نعرف أن الراجح أن الانتحاب والنفخ ونحو ذلك إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة فهو خلاف الأولى، ولا تبطل مطلقاً، وهذا كما قلنا: قول أبي يوسف ومن السلف قول محمد بن سيرين ، واختيار أبي العباس بن تيمية ، ورواية عند الإمام أحمد .

    ثم إن قولهم: (فبان حرفان بطلت لأنه من جنس كلام الآدميين)، لكن نحن نقول: هذا لا يعد كلاماً، ولا يسمى كلاماً في اللغة التي خاطبنا بها محمد صلى الله عليه وسلم، والكلام لا بد له من لفظ دال على المعنى دلالة وضعية، تعرف بالعقل، فأما مجرد الأصوات الدالة على أحوال الناس وأحوال المصوتين فلا يسمى كلاماً، وليس داخلاً في الكلام المنهي عنه.

    التنحنح

    قال المؤلف رحمه الله: (أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت).

    أفادنا المؤلف بهذه العبارة أن التنحنح في الصلاة إما أن يكون لحاجة، وإما أن يكون لغير حاجة، فإن كان لغير حاجة بطلت الصلاة؛ لأن النحنحة فيها حرفان، الألف والحاء مثل أن تقول: أح، أح، فبان فيه أربعة أحرف، إذا كررتها، ألف وحاء، ثم ألف وحاء، قالوا: فهذا كلام؛ لأن الكلام المنتظم يمكن أن يكون بالحرفين كأب. واستدل المؤلف بما روى الإمام أحمد و النسائي من حديث علي بن أبي طالب أنه قال: ( كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي ).

    أما أن يكون لحاجة فالأقرب والله أعلم أنه جائز، وهذا قول عامة أهل العلم خلافاً لبعض الشافعية، وإن كان لغير حاجة، فإن مذهب الحنابلة والحنفية أنها تبطل.

    والراجح والله أعلم أنها لا تبطل لأمور:

    أولاً: أننا لو عددنا النحنحة كلاماً لما جاز ذلك بحاجة ولا بغير حاجة، إذا لم يكن لمصلحة الصلاة، لأننا لو عددنا النحنحة أو النفخ كلاماً لما جاز ذلك بحاجة ولا بغير حاجة إذا لم يكن لمصلحة الصلاة، فإن كان لحاجة في غير مصلحة الصلاة فإنها تبطل لو كان كلاماً، فإن الحنابلة قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتنحنح لـعلي ، فهل تنحنح النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة الصلاة أم لخطاب الآدمي؟ فالجواب: أنه تنحنح لخطاب الآدمي، فإنه لو كان كلاماً فهذا أولى بالبطلان؛ لأنه كلام لآدمي يفهم مراد المصلي، فدل ذلك على أن النحنحة ليست بكلام؛ لأنها لو كانت كلاماً لبطلت الصلاة إذا لم يكن لمصلحتها، سواء كان لحاجة أو لغير حاجة.

    ثانياً: أننا نقول: إن الكلام الذي خاطبنا النبي صلى الله عليه وسلم به في لغة العرب ليس من هذا النوع، وما استدل به الحنابلة من حديث علي رضي الله عنه فإن الحديث روي من طرق، وهذا الطريق الذي ( كان لي مدخلان من رسول الله صلى الله عليه وسلم )، هذا رواه الإمام أحمد و ابن ماجه وكذلك النسائي ، وهذا لفظ النسائي ، وفيه ألفاظ أخرى، ولكننا نقول: إن هذا الحديث من طريق عبد الله بن نجيم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، و عبد الله بن نجيم لم يثبت سماعه من علي ، فدل ذلك على أن الحديث فيه انقطاع، زد على ذلك أن الأقرب والله أعلم في هذا الحديث أنه مرسل والله أعلم، وما جاء من طريق عبد الله بن نجيم الحضرمي عن أبيه، فبعض العلماء رحمهم الله يرى أن الراوي عن عبد الله بن نجيم أخطأ في ذلك، وأن الأقرب أنه من طريق عبد الله بن نجيم عن علي .

    ثم إن الطريق الثاني لو كان أصح وهو عبد الله بن نجيم عن أبيه عن علي ، فليس فيه النحنحة في الصلاة، فإنه قال في طريق عبد الله بن نجيم الحضرمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه أنه قال: ( كانت لي منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الخلائق، وكنت آتيه كل سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله! فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه ) وليس فيه ما يدل على أنه كان يصلي، والله أعلم.

    السعال والعطاس والتثاؤب

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب ونحوه لم يضره).

    استدلوا بما جاء ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فقرأ سورة فلما جاء ذكر موسى و هارون أصابه سعال فركع )، ومثله التثاؤب والعطاس، فإنه جاء في حديث رفاعة ( أن رجلاً عطس فقال: الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: من المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم، فقال: إنه لم يقل بأساً فقال: أنا يا رسول الله! قال: عجزت الملائكة أن تكتبها )، أو ( تناهت حتى بلغت العرش )، وهذا الحديث ضعيف ولا يصح، لكننا نقول: إن مثل هذا العطاس مغلوب على أمر الإنسان فلا حرج، والله أعلم، ولهذا قال: وإن غلبه سعال لم يضره وإن بان حرفان؛ لأن الحنابلة يرون أن ما كان لحاجة فإنها لا تبطل صلاتهم، والله أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن ترك ركناً، فإن كان التحريمة لم تنعقد صلاته، وإن كان غيرها فذكره بعد شروعه في ركعة أخرى بطلت الركعة التي ترك منها وقامت الركعة التي تليها مقامها، ويجزيه الاستفتاح الأول، فإن رجع إلى الأولى عالماً عامداً بطلت صلاته ].

    نحن ذكرنا في أول شرحنا لباب سجود السهو، أن سبب السجود إما أن يكون من زيادة، وإما أن يكون من نقص، ثم تحدثنا عن الزيادة، فقلنا: الزيادة إما أن تكون من جنس الصلاة، وإما أن تكون من غير جنس الصلاة، وما كان من جنس الصلاة منها ما يكون في الأفعال، ومنها ما يكون في الأقوال، وغير جنس الصلاة منها ما يكون في الأفعال، ومنها ما يكون في الأقوال.

    وأما النقص فقد شرع المؤلف فيه بقوله: (فصل)، والقاعدة عند العلماء في تأليفهم وتآليفهم أنهم يذكرون (فصل) في ضمن الباب؛ لبيان أن هذا الحكم الذي يأتي بعد الفصل يختلف عما قبله، والله أعلم.

    1.   

    ترك ركن من أركان الصلاة

    ترك تكبيرة الإحرام نسياناً

    قال المؤلف رحمه الله: (من ترك ركناً، فإن كان التحريمة).

    الآن الترك نقص فمن ترك ركناً فلا يخلو هذا الترك إما أن يكون تكبيرة الإحرام، وإما أن يكون غير تكبيرة الإحرام، فإن كانت تكبيرة الإحرام لم تصح صلاته، لا إماماً ولا منفرداً ولا مأموماً؛ لأن الصلاة لم تنعقد وقد جاء عند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا السند جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير )، وهذا لم ينعقد بعد.

    ترك ركن غير تكبيرة الإحرام نسياناً

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن كان غيرها).

    يعني: وإن كان المتروك غير تكبيرة الإحرام، فإن المؤلف قال: (فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت)، البطلان هنا ليس المقصود به بطلان الصلاة، ولكن المقصود به بطلان الركعة التي سبقت، ولو قال المؤلف: لغت، لكان أولى؛ لأن البطلان الذي ذكر المؤلف في هذا الباب المقصود به بطلان الصلاة، فلأجل هذا أوهم، ولهذا قال: (بطلت الركعة)، الخطب في هذا يسير إذا كان المراد معلوماً.

    قال المؤلف رحمه الله: (بطلت) أي: الركعة التي تركه منها، صورة المسألة: شخص قرأ الفاتحة حتى وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] آمين ثم قرأ سورة، فلما انتهى قال: الله أكبر، وسجد، فترك الركوع والرفع من الركوع ثم سجد، ثم جلس بين السجدتين، ثم سجد، ثم قام، يقول المؤلف: إن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، عندما شرع في قراءة (الحمد لله رب العالمين) تذكر أنه لم يركع، يقول المؤلف: فإذا تذكر أنه لم يركع بعد قيامه لشروعه في القراءة بطلت الركعة الماضية. وأفادنا هنا أنه لا فرق بين أن يكون المتروك بعيداً أو قريباً من شروعه في الركعة، يعني: سواء كان ركوعاً أم سجوداً ثانياً، فلو أنه سجد ثم قام ليشرع في الركعة بقي بين السجدتين وسجود، فإن المؤلف يقول: حينئذٍ لا يلزمه الرجوع؛ لأن قيامه هنا بمثابة قيامه الأول، كأنه أول ما صلى فتلغى، هكذا ذهب المؤلف إلى ذلك، ولهذا قال: (وقامت الركعة التي تليها مقامها)، فتكون الثانية أول صلاته، والثالثة ثانيها، والثالثة رابعها والله أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويجزيه الاستفتاح الأول) المؤلف الآن أبطل بعض الركعة الأولى، بدليل أنه أبقى تكبيرة الإحرام والاستفتاح.

    ثم قال معقباً على الأحكام المترتبة على عدم الفعل ذلك: (فإن رجع إلى الأولى عالماً عامداً بطلت صلاته) يعني: أنه لو شرع في الركعة التالية، ثم تذكر أنه لم يركع، فإن ركع ليقضي ما فاته عالماً عامداً بطلت صلاته، لماذا؟ قالوا كما في شرح المنتهى؛ لأن رجوعه بعد الشروع في مقصود القراءة إلغاء لكل من الركعتين، الركعة الأولى التي أنقصها، والركعة التي شرع في القراءة فيها.

    القول الثاني: أنه إن ترك ركناً غير تكبيرة الإحرام وجب عليه إذا ذكره أن يرجع إليه مطلقاً، سواء شرع في القراءة أو لم يشرع مطلقاً، ما لم يصل إليه في مكان الركعة التي تلي، يعني: لو أنني نسيت الركوع، فلما قرأت سجدت، فلما سجدت بين السجدتين جلست، ثم سجدت، ثم قمت، الآن لما ركعت بعد قيامي تذكرت أني لم أركع الركوع الأول، فهنا كان تذكري حال وصولي إلى المكان الذي قد فاتني، يقولون: فتلغى الأولى، وتحل هذه مكانها، وإن ذكرت ذلك قبل وصولي إلى الركن الذي فاتني من الركعة السابقة، وجب عليّ أن أرجع، فلو تركت السجود الثاني وقمت، وشرعت في القراءة، فتذكرت، فإنه يجب عليّ أن أرجع وأسجد، وهذا القول وجهة نظره يقول: ليست الركعة التي شرع فيها القراءة بأولى اعتباراً من الركعة التي فاتها ركن أو غيره، بل الركعة التي فاتها الركن أولى بالاعتبار من حيث الأسبقية، والله أعلم.

    ومما يدل على صحة هذا القول هو أن الركعة الأولى قد صحت، وما فعله في الركعة الثانية سهواً لا يبطل الأولى.

    ولعل هذا القول أظهر.

    تذكر المصلي لما تركه قبل الشروع في قراءة الأخرى

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن ذكر ما تركه قبله أي: قبل الشروع في قراءة الأخرى، يعود وجوباً فيأتي به أي: بالمتروك وبما بعده؛ لأن الركن لا يسقط بالسهو، وما بعده قد أتى به في غير محله، فإن لم يعد عمداً بطلت صلاته، وسهواً بطلت الركعة والتي تليها عوضها ].

    قول المؤلف رحمه الله: (وإن ذكر ما تركه قبله، أي: قبل الشروع في قراءة الأخرى يعود وجوباً فيأتي به) كما مر معنا، أي: يأتي بالركن المتروك وبما بعده، يعني: بالركن المتروك، ثم يكمل من حيث ترك هذا الركن، ولهذا قال: (وبما بعده) يقول: (لأن الركن لا يسقط بالسهو، وما بعده قد أتى به في غير محله)؛ ولأنه يشترط لصحة الصلاة الترتيب، فيكون إتيانه به في الركعة السابقة في غير محله، فيكون باطلاً لاغياً، يعني: الشيء الذي أتى به في الركعة التي لم تكمل الركوع لاغٍ.

    مثلاً أنا سجدت، ثم قمت، وقلت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فقراءة الحمد ركن لكنها تكون لاغية؛ لأني رجعت إلى السجود، هذا على القول الثاني، أما على قول الحنابلة يقولون: إذا شخص صلى ولم يركع، سجد فجلس بين السجدتين فتذكر، قالوا: يجب عليه أن يرجع، فيكون سجوده لاغياً إذا كان قد رجع إلى الركعة أو الركوع الذي فاته قبل شروعه في القراءة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن لم يعد عمداً بطلت صلاته ] لماذا؟ لأنه أخل بالترتيب، ومن شرط الصلاة الترتيب في الركوع والسجود، وأما سهواً فإن الركعة تبطل، والتي تليها عوضها والله أعلم.

    تذكر المصلي لما تركه بعد السلام

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن علم المتروك بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة، فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل، ما لم يكن المتروك تشهداً أخيراً أو سلاماً فيأتي به ويسجد ويسلم ].

    قول المؤلف: (وإن علم المتروك بعد السلام، فهو كترك ركعة كاملة) يعني: لو أنه سلم فقال الناس: لم تكن قد ركعت الركعة الأولى، أو الركعة الثانية، أو الركعة الثالثة، أو الركعة الرابعة التي أنت فيها، يقولون: بمجرد السلام تكون الركعة التي ترك منها ركناً لاغية باطلة، فيلزمه إذاً أن يقوم فيأتي بركعة جديدة، ولهذا قال: (وإن علم المتروك بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة)، فكما أنه لو صلى صلاة الظهر ثلاث ركعات، وجب عليه أن يقوم إلى رابعة، فكذلك لو ترك ركناً في أي ركعة من الركعات ثم سلم، فكما لو ترك ركعة كاملة، فإن طال الفصل فلا يصح بناء الصلاة؛ لعدم صحة الإكمال والله أعلم.

    ومجرد السلام يبطل الركعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وتحليلها التسليم )، حتى لو كانت الركعة الرابعة؛ لأننا نريد أن نسلم فيها، سواء قلنا: إنه بمجرد شروعه في القراءة، أو تذكر مكان السجود، فمجرد السلام يبطل الركعة.

    وقت سجود السهو

    قال المؤلف رحمه الله: (فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل).

    لم يذكر المؤلف أن سجود السهو يكون قبل السلام أو بعده، ونحن ذكرنا أصل المسألة، وقلنا: هل يسجد لزيادة أو نقصان وقلنا: إن الراجح: أن كل سهو قبل السلام، إلا في حالين:

    الحال الأولى: أن يسلم من صلاة ولما يكملها بعد، فإنه يجب عليه أن يأتي بركعة ثم يسلم، ويسجد للسهو ثم يسلم.

    الحال الثانية: إذا شك في صلاته، فإن كان لم يرجح أحد الأمرين، سجد للسهو قبل السلام، وإن رجح أحد الأمرين سجد للسهو بعد السلام؛ لحديث عبد الله بن مسعود .

    وهنا فائدة عند قول المؤلف: (وإن علم المتروك بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة) فعبارة المؤلف مطلقة، يفيد فيما لو ترك ركناً فعلياً، أو ركناً قولياً، فلو جلس في التشهد، ولم يقل: (التحيات) ذهل، و(التحيات) عند الحنابلة ركن، فالجلوس في التشهد الأخير والتحيات ركنان عند الحنابلة، فلو سلم فتذكر أو قال له الجماعة: سمعناك تقرأ الحمد لله رب العالمين في التشهد الأخير، فإن المؤلف يقول: (وإن علم المتروك بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة)، فهل يقوم فيأتي بركعة كاملة، أم يجلس في التشهد ويقرأ التشهد؟ عبارة المؤلف تفيد أنه يقوم ويأتي بركعة كاملة.

    والقول الثاني في المسألة: أنه إن كان الركن قريباً من السلام فكأن السلام لغو فيأتي به، فإن كان قد ترك الركوع في الركعة الرابعة، فإنه يقوم ثم يركع ويكملها، وإن كان قد ترك التشهد الأخير أو غيره فعل، فإن كان الركن الذي تركه في أول ركعة أو ثانيها أو ثالثها، فإنها تكون لاغية؛ لأن الاستئناف حينئذٍ بعيد؛ لأنه كيف يكمل الثانية، وقد أكمل الثالثة، نحن قلنا: فتكون الثانية مقام الأولى، والثالثة مقام الثانية، والرابعة مقام الثالثة، هذا إذا كان النقص في الركعة الثالثة أو الثانية أو الأولى، يقوم فيأتي بركعة كاملة، أما إن كان النقص من الركوع في الركعة الرابعة، فإنه يقوم ويكملها مثلما قلنا.

    تذكر المصلي ترك ركن مع جهله أو جهل محله

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن ذكر ترك ركن وجهله أو محله عمل بالأحوط ].

    قول المؤلف رحمه الله: (عمل بالأحوط)، الأحوط هل هو السجود فيفعله، أو غيره؟ أو يأتي بركعة كاملة يبني على اليقين؟

    يقولون: ما قارب الشيء يأخذ حكمه، وإن كانت القاعدة قاعدة المالكية، يقول: لأنه كله جلوس، أي ما زال جالساً، فيجعلون التشهد الأخير ما زال هو في التشهد الأخير، فسلامه في هذا الركن نفسه، لأجل هذا خففوا فيه، ونحن نقول: إذا كان قريباً مثل التشهد الأخير، أو السجود في التشهد الأخير أو الركعة الأخيرة فإن له أن يستأنف، أما الركعة الثالثة فإنه لا ينبغي له أن يرجع إليها؛ لأن الرابعة قد أكملتها، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002699301

    عدد مرات الحفظ

    718590138