إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [54]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تبطل صلاة المأموم إن تابع إمامه على زيادة عالماً بها، ولا تبطل إن كان جاهلاً أو ناسياً أو فارقه في صلاته، ولا يصح الاعتداد بالركعة الزائدة للمسبوق، والعمل في الصلاة على نوعين: عمل من جنس الصلاة، وعمل من غير جنسها ولكل حكمه، وهذا يبطل الصلاة بشروط.

    1.   

    الحالة التي تبطل فيها صلاة المأموم إن تابع الإمام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل. وبعد:

    فقد ذكرنا فيمن سبح به ثقتان أنه إن كان جازماً صحة نفسه فلا يلزمه قبول خبرهما أو رأيهما، أما إن كان على المذهب وغلب على ظنه صدق نفسه أو تيقن بطلان صلاته، فإنه لا تصح صلاته كما سبق، إلا أننا ذكرنا أنه إن غلب على ظنه صدق نفسه فالمذهب أنه يجب أن يتبع الثقتين، ولكننا قلنا: الأقرب -والله أعلم- أنه لا تبطل الصلاة بذلك؛ لأن غلبة الظن تجري مجرى اليقين في كثير من الأحكام.

    قال المؤلف رحمه الله: [وبطلت صلاة من تبعه أي: تبع إماماً أبى أن يرجع حيث يلزمه الرجوع ].

    معنى هذه الصورة: لو أن إماماً قام إلى خامسة فسبح به ثقتان فأبى أن يرجع، فالمذهب يقول: إن المأموم الذي تبع إمامه بعد سماعه الثقتين بطلت صلاته؛ لأن حكمه كحكم الإمام، والغريب أن هذا على الإطلاق مشكل؛ لأنهم قالوا: إن سبح به ثقتان وجزم يقين نفسه لا يلزمه الرجوع، فكذلك المأموم فإن الإطلاق -ولا أظنه مقصوداً عند المؤلف- محل نظر، ولهذا لو قيل: وبطلت صلاة من تبعه من المأمومين، إن كان المأموم يغلب على ظنه أو يجزم بطلان إمامه.

    أما إن كان يغلب على ظنه صدق إمامه أو لم يترجح لديه ثقة الخبرين، أو غلب على ظنه خطأ الخبرين، فإن ذلك لا تبطل صلاته، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود : حينما قام الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خامسة، فهم حينما قاموا إلى خامسة، يحتمل أنهم يجزمون بخطأ الإمام، أو يعتقدون نسخ الصلاة، وعلى هذا فالإطلاق بأن المأموم تبطل صلاته إن تبع الإمام محل نظر، خاصة وأن الحنابلة وكذا المالكية يقولون: في إمام قام إلى خامسة إذا كان قد ترك ركعة، أو إذا كان ترك قراءة الفاتحة في إحدى الركعات، ثم ركع فتذكر أنه لم يقرأها، أو حينما تشهد تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة، فلابد على مذهب الحنابلة أن يقوم فيقرأها، فهذا لقيامه للخامسة قيام صحيح.

    فلو سبح به ثقتان وهو يعلم صدق خبرهما فإنه لا يلزم بطلان صلاته؛ لأنه يعلم من خبرهم أن هذه الزيادة زيادة، لكن الزيادة مقصودة لتصحيح شيء مضى، ولأجل هذا نقول: إن المأموم ربما لا تبطل صلاته إن تبع إمامه إلا إذا تيقن بطلان صلاة إمامه، أما إن قام الإمام أو أشار إليهم أن قوموا، وأشار إلى أنه ترك الفاتحة مثل أن يقول: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20]، أو قرأ: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، ليبين للمأموم أنه لم يقرأ فهذا حسن والله أعلم.

    واشترط المؤلف لبطلان صلاة المأموم الذي تبع إمامه وهو يعلم أنه زاد، قال: أن يكون عالماً، وهنا لا بد أن نقول: عالماً بالحكم عالماً بالحال، أما قولنا عالماً بالحكم فيعني أن يعلم أن الزيادة في الصلاة باطلة، هذا علم بالحكم، وأما عالماً بالحال، فيعني: عالماً أن الإمام قد زاد ركعة، وأما إن كان لا يعلم فهذا لا يصح أن نقول: إن صلاته باطلة؛ لأن الصحابة تبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وتبعوه في السلام من ركعتين في إحدى صلاتي العشي كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة .

    1.   

    أحوال لا تبطل فيها صلاة المأموم

    من تبع إمامه جاهلاً أو ناسياً للحكم أو للحال

    قال المؤلف رحمه الله: [لا من تبعه جاهلاً أو ناسياً]، وهذه من المسائل التي يرى الحنابلة أن الجهل والنسيان يعذر به صاحبه، وإن كنا قد قلنا مراراً في شرحنا للقواعد لـابن اللحام ، وفي شرحنا للروض أن الحنابلة يرون العذر في النسيان لا في الجهل، إلا في مسألة واحد لا يرون فيها عذراً في النسيان وهي المجامع في نهار رمضان لا يعذرونه ولو ادعى النسيان، قالوا: لأن هذا لا يتصور، ولكن الراجح أنه لا فرق بين الجهل والنسيان، وكذا في جميع المحظورات والله أعلم.

    مفارقة المأموم لإمام زاد في صلاته

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا من فارقه)، يعني: لو أن مأموماً علم أن إمامه زاد خامسة، ففارقه في ذلك، فإن صلاة المأموم حينئذٍ لا تبطل.

    أولاً: لأن مفارقته حينئذ هي المشروعة، وهذه إحدى مسائل المفارقة المشروعة، فإن العلماء رحمهم الله يقولون: إن مفارقة المأموم إمامه تحرم، ومنها ما يجوز ومنها ما يجب، أما ما يحرم فإذا لم يخل الإمام بالصلاة ولا في نظمها فإن المفارقة حينئذٍ تكون محرمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ).

    وأما الجائزة فكما لو أن إماماً أطال الصلاة فتضرر المأموم بالبقاء معه، فلا بأس بالمفارقة حينئذٍ، أو أن امرأة سمعت بكاء صبيها ففارقت إمامها لأجل الصبي، أو أن شخصاً قد خشي على شيء من ماله، فلا بأس أن يفارق إمامه، هذه الصورة الجائزة.

    وأما الواجبة فمثل أن يزيد الإمام في صلاة الظهر خامسة، أو الفجر ثالثة، فإن المأموم حينئذٍ يجب أن يفارق إمامه.

    وهنا صورة ثانية في وجوب المفارقة مثل لو زاد الإمام خامسة في الظهر ولو تيقن بطلان صلاة إمامه كأن علم أن الإمام أكل لحم جزور فلا يصح متابعته حينئذٍ وهو يعلم.

    صورة ثالثة: أو كان الإمام يخل بأركان الصلاة مثل الطمأنينة، فإنه يجب حينئذٍ على المأموم أن يفارق إمامه لمصلحة الصلاة، والله أعلم.

    نأتي إلى كيفية المفارقة، مفارقة المأموم إمامه المفارقة معناها أنه لا يتابع الإمام، ومن المفارقة أن يتركه وحده، لكن نحن لو قلنا: إن مفارقة المأموم إمامه جائزة، فإذا فارقه هل ينتظره في التشهد الأخير بحيث إذا سلم الإمام سلم المأموم معه؟ أم يفارقه مطلقاً؟

    ذكر الحنابلة ذلك فقالوا بجواز المفارقة للعذر ويسلم لنفسه، يعني: أنه إذا فارق المأموم إمامه، بأن زاد الإمام خامسة فجلس المأموم فإن للمأموم أن يسلم لنفسه، وهذا على سبيل الجواز, ولأجل هذا فإن الأولى -وهذه هي الحالة الثانية- أن ينتظر المأموم إمامه حتى إذا جلس في التشهد الأخير فسلم الإمام سلم المأموم معه، وهذا أولى؛ لما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر في صلاة الخوف فإن من إحدى الفريقين من انتظر الإمام حتى إذا صلى الإمام الصلاة فجلس للتشهد سلموا جميعاً، وهذا هو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله: أن المأموم إذا فارق إمامه لمصلحة الصلاة، فإن الأفضل في حق المأموم أن ينتظر إمامه، ولو لم ينتظر جاز ذلك.

    أما قولنا: أن ينتظر إمامه فلحديث ابن عمر في صلاة الخوف، وأما قولنا: إنه يجوز أن يسلم لنفسه كما هو المذهب عند الحنابلة، فإننا نقول: لأنه لما جاز أن يفارقه في أول الصلاة جاز أن يفارقه مطلقاً؛ والله أعلم.

    1.   

    متابعة المأموم المسبوق لإمام زاد ركعة واحتساب زيادة الإمام ركعة للمأموم

    إذا ثبت هذا فإن المؤلف رحمه الله يقول: [ ولا يعتد مسبوق بالركعة الزائدة إذا تابعه فيها جاهلاً ]، مثلما لو صلى المغرب خلف إمام يصلي العشاء، فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يجب عليه أن يفارقه بالخيار إما أن ينتظره في التشهد وهذا أفضل وإما أن يسلم لوحده.

    لكن لو أن الإمام قام إلى خامسة، ومأموم قد صلى مع إمامه وقد فاته مع الإمام ركعة واحدة، فهل يعتد المسبوق بهذه الركعة فيصلي مع إمامه؟

    الحنابلة قالوا: إن كان قد قام المسبوق فتبع إمامه وهو يعلم بهذه الزيادة لا تصح وهذا بالإجماع، إذا كان المأموم كما قلنا يعلم أن هذه زائدة، ويعلم أن الإمام أخطأ في ذلك، ويعلم بطلان صلاة الإمام، فإنه لا يصح كما قلنا.

    لكن الإشكال لو أن المأموم قام مع الإمام وتبعه في هذه الصلاة، فلما جلس الإمام للتشهد سبح المأمومون به، فعلم المأموم المسبوق أن الإمام قد زاد، بعد الانتهاء، فإن الحنابلة يقولون في المذهب: لا تصح هذه الصلاة التي تبع المأموم فيها إمامه، فحينئذٍ يلزم المأموم أن يأتي بركعة خامسة، قالوا: لأن هذه الزيادة من الإمام باطلة، وإذا كانت باطلة فلا تصح الصلاة خلفه، كما لو صلى خلف إمام قد أحدث في أثناء الصلاة فلا تصح متابعته.

    لذلك الحنابلة يقولون: لو أن مأموماً صلى خلف إمام محدث، فإن قطع الإمام صلاته أثناء الصلاة فيجب على المأموم أن يقطع صلاته، يعني: لو أن إماماً صلى بنا الظهر فلما صار في الركعة الثانية قام فتذكر أنه محدث، فالمأمومون على المذهب تبطل صلاتهم.

    القول الثاني: يتقدم إمام آخر أو يصلون وحدهم، أما الحنابلة فيقولون: تبطل صلاتهم؛ لأن المأموم لو تقدم إماماً لهم لم تصح؛ لأنه لم يكن قد نوى الإمامة من أول الصلاة، وهم يشترطون نية الإمامة من أول الصلاة؛ ولأن صلاة الإمام في أول الصلاة باطلة، فتكون صلاة المأموم باطلة: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به )، هذا المذهب.

    القول الثالث: وهو الراجح وهو اختيار ابن تيمية وهو مذهب الشافعية: وهو أن الصلاة صحيحة، وأن الإمام لو أخطأ فإن المأموم يتحمل صوابه ولا يتحمل خطأه، كما جاء عند البخاري من حديث عثمان : ( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم )، هذا المذهب في الزيادة.

    أما القول الرابع في المسألة: وقد ذكره ابن قدامة رحمه الله وقواه، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو إن تابع المأموم إمامه جاهلاً في ذلك فإن صلاته صحيحة؛ لأن الراجح أن المأموم لو تبع إماماً قد أكل لحم جزور وهو يعلم بطلان أكل لحم الجزور في الطهارة، فإن الصلاة حينئذٍ تكون صحيحة كما قلنا في حديث عثمان : ( يصلون لكم )، وقد صلى عمر كما روى ابن المنذر في الأوسط، و ابن أبي شيبة أن عمر صلى بأصحابه صلاة الفجر ثم خرج إلى الجرف، والجرف قريبة إلى المدينة، فتذكر بللاً في ثيابه فاغتسل فأعاد الصلاة، ولم يأمر أصحابه بذلك، فهذا يدل على أن الإمام لو نقض صلاته أو بطلت صلاته، فإن المأموم لا تبطل صلاته إلا إذا كان عالماً، وأما إذا لم يكن عالماً فلا، وهذا هو الراجح والله أعلم.

    كما أننا نقول على الراجح: لو أن إماماً تبع إمامه في الصلاة، وقد أحدث الإمام ولم يعلم المأموم فإن صلاة المأموم حينئذٍ صحيحة، فكذلك لو زاد الإمام خامسة ولم يعلم المأموم فإن صلاة المأموم حينئذٍ صحيحة، ومما يقوي هذا أننا نقول للمأموم: إنه يلزمك أن تأتي بركعة خامسة، فنضطر إلى أن نوجب عليه زيادة الخامسة، فنخالف في ذلك نسق الصلاة ونظمها، وهذا باطل بإجماع العلماء والله أعلم.

    1.   

    الزيادة في الصلاة من غير جنس الصلاة

    ثم شرع المؤلف بعد ذلك في القسم الثاني من النوع الأول. وقد قلنا: إن سبب السجود زيادة أو نقص، وقلنا: إن النوع الأول الزيادة ينقسم إلى قسمين: زيادة من جنس الصلاة، وزيادة من غير جنس الصلاة، وقد شرع المؤلف في القسم الثاني من النوع الأول، وهي الزيادة من غير جنس الصلاة.

    العمل الذي يبطل الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعمل في الصلاة متوالياً مستكثر عادة من غير جنس الصلاة كالمشي واللبس ولف العمامة، يبطلها عمده وسهوه وجهله إن لم يكن ضرورة وتقدم، ولا يشرع ليسيره أي: يسير عمل من غير جنسها سجود، ولو سهواً، ويكره العمل اليسير من غير جنسها فيها، ولا تبطل بعمل قلب وإطالة نظر إلى شيء ].

    القسم الثاني: وهو من زاد فعلاً من غير جنس الصلاة، فإن الحنابلة يقولون: هذا العمل يبطل الصلاة بشروط ثلاثة:

    الشرط الأول: أن يكون العمل متوالياً، ومعنى المتوالي يعني: المستمر الذي لا ينقطع؛ لأنه إذا كان متوالياً فإن الناظر له لا يعده مصلياً، ولأن الموالاة في عمل من غير جنس الصلاة تخالف أصل الصلاة.

    الشرط الثاني: أن يكون كثيراً، مستكثراً في العادة، والكثرة هنا مربوطة بالعرف، قالوا: لأنه وجد فعل من النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه يسير، كحمله أمامة رضي الله عنها.

    الشرط الثالث: ألا يكون ضرورة، كضرورة لمصلحة الصلاة، أو ضرورة لقتل حية، لقوله صلى الله عليه وسلم كما عند أهل السنن و أحمد : ( اقتلوا الأسودين في الصلاة )، وإن كان من الحنابلة من يرى أنه إذا كان متوالياً ومستكثراً فإن الصلاة تبطل ولو كان لضرورة، ولكن الراجح خلاف ذلك كما هو اختيار المجد أبي البركات لقصة ذي اليدين .

    قال المؤلف رحمه الله: (وعمل في الصلاة متوالياً مستكثر عادة من غير جنس الصلاة كالمشي واللبس ولف العمامة يبطلها عمده وسهوه)، العمد واضح، وأما السهو مثلما لو سلم الإمام عن نقص، فجاء المأموم فبدأ يتكلم أو يمشي أو يتحرك ويفعل متوالياً مستكثراً وهو ناس أن الصلاة لم تكتمل، فإنهم يقولون: (يبطلها عمده وسهوه).

    والقول الثاني: هو قول الشارح: ما لم يكن ضرورة، فهذا فيه إشارة إلى أن الشارح خالف عموم كلام الماتن، والمعروف أن المسألة فيها خلاف، والأقرب والله أعلم أنه إن كان المأموم تحدث وتكلم كثيراً سهواً وكان الفصل بين الصلاة والاستئناف ليس بطويل فإن الصلاة حينئذٍ صحيحة، ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين حيث أن من الصحابة من خرج مسرعاً، ( فخرج سرعان الناس يقولون: قصرت الصلاة قصرت الصلاة )، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى، ومن المعلوم أن من الذين قالوا: قصرت الصلاة رجعوا وصلوا، ولو لم نجزم بذلك، لكن هذا هو الغالب، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً بالإعادة، ولك أن تتصور شخصاً يخرج من المسجد مسرعاً ويمشي ويركض وينادي: قصرت الصلاة قصرت الصلاة! فهذا العمل متوالياً مستكثراً في العادة وليس بضرورة ومع ذلك فإن الصلاة صحيحة، وهذا يدل على أن سهو المأموم لا يبطلها، خاصة إذا كان الإمام قد سلم من نقص، فإنهم ما زالوا في صلاة والله أعلم.

    العمل اليسير الذي لا يبطل الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يشرع ليسيره، أي: يسير عمل، من غير جنسها سجود ولو سهواً) ، يعني: شخص يصلي تذكر أن الكتاب قد يسقط وهو ساه، فذهب وتقدم وأصلح الكتاب، أو أخذ قلماً ومشى يسيراً فتذكر، فهذا المشي اليسير بالإجماع لا يبطل الصلاة وقد فعله عن نسيان وسهو، فلا يشرع له سجود السهو يقول المؤلف: (ولا يشرع ليسيره أي يسير عمل من غير جنسها سجود ولو سهواً)، سجود سواء كان عالماً أم ساهياً، أما العلم فثابت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل أمامة وهو عالم بالصلاة ومع ذلك لم يسجد، وأما السهو فإن من الصحابة من لم يتكلم إلا يسيراً ومنهم المسبوق، ومع ذلك لم يسجدوا في قصة ذي اليدين ، ولهذا في رواية البخاري قال:( فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر و عمر )، وفي رواية: (إلى الناس)، فقال: (أحقاً ما يقول ذو اليدين ؟ فأشاروا أن نعم)، هذا دليل على أنهم لم يتكلموا ولكن كان فيها حركة يسيرة، وعلى هذا فالذي يظهر أن اليسير من العمل لا يلزم منه سجود سهو، ولا يشرع سواء كان عن عمد أو عن جهل أو عن نسيان، بعضه مسبوق كما سوف يأتي إن شاء الله.

    قول المؤلف: (ويكره العمل اليسير من غير جنسها فيها)، العمل اليسير في الصلاة ينقسم إلى قسمين: عمل يسير في فرض، وعمل يسير في نفل.

    فأما الفرض فإن أكثر أهل العلم يرون أن ذلك مكروه، هذا إذا كان ليس لمصلحة الصلاة، وليس لبيان المشروعية، مثلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حمل أمامة لبيان التشريع، وأما إذا لم يكن ذلك لمصلحة الصلاة، ولم يكن ذلك لحاجة فإن ذلك مكروه.

    وأما في النفل فإن ذلك إذا كان يسيراً جائز، وهناك أحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرك يسيراً في النفل، من ذلك ما رواه أهل السنن من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( وكنت آتي الباب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل، وكنت إذا طرقت الباب فتح الباب ثم رجع )، وهذا الحديث تكلم فيه النسائي وأشار إلى أن هذا منكر، والصواب أنه من فعل عائشة .

    كذلك ما جاء عند النسائي من حديث علي بن أبي طالب : ( كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا أتيته تنحنح لي )، وجاء في بعض الروايات أنه فتح الباب، لكن هذا الحديث ضعيف كما أشار إلى ذلك النسائي في السنن والله أعلم.

    ولكن هذا يدل على أن يسير العمل لا بأس به مثل: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى الشعب )، وهذه نوع من عمل الجوارح التي ليست من مصلحة الصلاة بل إنه كان يلتفت عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن ذلك جائز والله أعلم.

    1.   

    أنواع الخشوع في الصلاة وبطلانها بعمل القلب

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تبطل بعمل قلب، وإطالة نظر إلى شيء)، الخشوع في الصلاة له قسمان: خشوع جوارح، وخشوع قلب، فأما خشوع الجوارح فقد تحدثنا عنه وقلنا: إنه إن كان عملاً متوالياً مستكثراً في العادة ومن غير ضرورة فإن الصلاة تبطل، وأما العمل اليسير فتصح مع الكراهة في الفرض ويجوز في النفل.

    القسم الثاني: خشوع قلب، فقد أجمع أهل العلم رحمهم الله على أن الخشوع مستحب في الصلاة، وأن ذهول القلب يسيراً تصح معه الصلاة، أما إذا ذهل القلب مطلقاً، بأن كان في غالب صلاته لا يعقل فقد ذهب أبو عبد الله بن حامد من الحنابلة، و أبو حامد الغزالي من الشافعية إلى بطلان صلاته، مثل الذين يصلون ولا يعرفون أن الصلاة انتهت إلا إذا وصل مكة! هذا على مذهب أبي عبد الله بن حامد و الغزالي أن صلاته باطلة، وهذا مع الأسف الشديد كثير كثير جداً، أن بعض الناس لو لم يكن الإمام يكبر تكبيرات معروفة، والله ما استطاع أن يتابعه في ذلك أو اختل، فبعض الأئمة هداهم الله يخطئ فيقول: إذا أراد أن يقوم يقول: الله أكبر، هذا دليل على أنه يريد القيام، وإذا أراد أن يسجد يقول: الله أكبر، هذا الجلوس للتشهد الأخير، وإذا أراد أن يركع قال: الله أكبر، هذه التصرفات معروفة عند كبار السن، ولو أن شخصاً قد أغمض عينيه عرف ماذا يصنع الإمام لتغيير صوته بالتكبيرات وهذا بلا شك مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغير صوته عند التكبير لكل حالة، ولهذا جاء عن إبراهيم النخعي وعن أبي هريرة أن التكبير جزمٌ يعني: ما يقول: الله أكبر! يمدها هكذا فسرها شراح غريب الحديث، التكبير جزم فلا يغير صوته؛ لأن هذا مدعاة إلى أن المأمومين يخطئون، ويذهلون عن الصلاة -والله أعلم-.

    وعلى كل فقد ذهب أبو حامد إلى بطلان الصلاة عند ذهول القلب، والراجح والله أعلم صحتها، ولكنه لا يثاب عليها.

    أما قولنا بصحة الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم : ( إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى إذا قضي التأذين أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى يخطر بين المرء وقلبه، يقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل حتى ما يدري ما صلى )، وهذا الدليل نص على أن ذهول القلب ولو كان غالب وقت الصلاة فإن الصلاة لا تبطل وهذا الدليل قوي، وأما أن القول: بإنه لا يثاب عليها فلما جاء عند الإمام أحمد وأهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له منها إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها )، وقد قال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها، هذا هو الراجح والله أعلم.

    والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986111243

    عدد مرات الحفظ

    715453735