إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [46]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر التشهد الأول من واجبات الصلاة، ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تركه سجد له سجود السهو، ولولا وجوبه لما سجد، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه التحيات بصيغ مختلفة يشرع التنويع فيها، وفي التشهد الأخير يصلي على رسول الله وعلى آله، ثم يختم بالاستعاذة من النار والفتن، ويجتهد بالدعاء.

    1.   

    التشهد الأول في الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    حكم التشهد الأول في الصلاة

    فقد قال المؤلف رحمه الله: [ويقول سراً: التحيات لله].

    (ويقول سراً) يعني: أنه يقول التشهد سراً من غير جهر، كما جاء من حديث ابن مسعود عند أبي داود و الترمذي أنه قال: ( من السنة إخفاء التشهد ).

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقول سراً: التحيات) هي على سبيل الوجوب، وليس على سبيل الفرضية، ومما يدل على أن قول التحيات واجب والجلوس له واجب أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ترك التشهد الأول وقول التحيات سجد له، ولو لم يكن واجباً لما سجد له، فأما الجلوس له فهو ثابت لسجود السهو له، وأما التحيات فقد روى البخاري و مسلم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قعد أحدكم للتشهد فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي.. )، وهذا أمر.

    ويدل على أنه واجب وليس بركن أن النبي صلى الله عليه وسلم تركه وجبره بسجود السهو، فدل على أنه ليس بركن، ولكنه واجب، فكون النبي صلى الله عليه وسلم تركه مرة وسجد له فهو دليل على أنه واجب وليس بركن.

    معاني بعض الألفاظ الواردة في التشهد الأول

    قال المؤلف رحمه الله: [ويقول سراً: التحيات لله، أي: الألفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء، والعظمة لله تعالى، مملوكة له ومختصة به].

    قول المؤلف رحمه الله: (التحيات لله)، التحيات جمع تحية، والتحية هي التعظيم، و(أل) للاستغراق، وهي تفيد العموم، فالعظمة وكمال التحية إنما هي لله، فعظمة الملك، وعظمة السلام، وعظمة البقاء، وعظمة الذات، وعظمة الفعل هي لله تعالى؛ ولأجل هذا فإنه لا يجوز إطلاق التحيات إلا لله سبحانه وتعالى؛ لأنها على سبيل العموم والعظمة.

    وأما قول العامة: تحياتي لك، فهذا لا بأس به، وبعضهم ينقل أنه يمنع؛ لأنه ذكر كثير من أهل العلم أن التحيات لا تكون إلا لله، نحن نقول: نعم، التحيات لا تكون إلا لله، لكن تحياتي هذه لا بأس بها، لأنها لا تفيد العظمة والعموم.

    قال المؤلف رحمه الله: [والصلوات أي: الخمس، أو الرحمة، أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية].

    المؤلف أبان هذا؛ لأجل أن يبين لطالب العلم أنه كل ما أطلق عليه في الشرع صلاة فهو لله، فالدعاء صلاة فهو لله، فلا يجوز لمسلم أن يدعو غير الله، والعجب أن بعض المسلمين لا يكترثون بأن هناك من الناس من يدعو غير الله، في حين أنهم يفترقون في بعض القضايا السياسية، ويستشيطون غضباً على ترك هذه الحقوق، ولا شك أن فساد الأديان أعظم عند الله من فساد الأموال والأبدان، والناس بسبب الحالة الغربية التي سيطرت على كثير من المسلمين يبالغون في فساد الأموال والأبدان، ولا يبالغون في فساد الأديان، فيغضبون على بعض التصرفات من قبل المتنفذين، في حين أن بعض الناس لو وقع في الشرك فإنك تجد أنه يحمل ذلك أسلوب عدم التهويل، ولا شك أن الاهتمام بالتوحيد وإصلاح قواعد العقيدة أعظم عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من مجلس الأمن، ومن قناة ناسا، ومن الأبراج الشاهقة البنيان، فالتوحيد أمره عظيم، وما بعث الرسل إلا لأجل ذلك، فالدعاء لا يكون إلا لله، والصلاة لا تكون إلا لله، والعبادة لا تكون إلا لله، وكذلك الأدعية كلها، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].

    والغريب أن كثيراً من المسلمين، بل من بعض طلاب العلم لا يعيرون باب التوحيد اهتماماً كبيراً، وربما جعلوا أخطاء بعض الناس مغتفرة بسبب الجهل، أو هل هو معذور، أو غير معذور، وكأن الدخول في مثل هذا الخلاف تهويناً وتخفيفاً لوقوع الخطأ منهم، ولا شك أن ذلك من أعظم الظلم، كما قال الله تعالى على لسان لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ولذلك تسمع كثراً من العامة يقولون: ماذا صنع المنهج الوهابي للأمة؟ فنقول: لقد صحح للناس عقائدهم، وحارب الرذيلة، وحافظ على الفضيلة، وهذا من أعظم المكتسبات، ولأن يسلم شخص في أدغال أفريقيا خير لنا من أن نبني برجاً، أو أن نصنع نظاماً؛ لأن التوحيد من أعظم العبادات التي يثاب عليها فاعلها، ويثاب عليها حاميها.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والطيبات أي: الأعمال الصالحة، أو من الكلم ].

    قول المؤلف رحمه الله: (الطيبات) يعني: الكلام الطيب، أو الأعمال الطيبة، أو الصدقات؛ لـ(أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    المقصود بـ(السلام عليك أيها النبي)

    قال المؤلف رحمه الله: [ السلام أي: اسم السلام وهو الله، وهو سلام الله عليك أيها النبي للهمز من النبأ؛ لأنه مخبر عن الله، وبلا همز إما تسهيلاً، أو من النبوة وهي الرفعة ].

    يعني: السلام عليك أيها النبيء بالهمز، وإنما حذفت لأجل التخفيف فصارت النبي، يقول المؤلف: لأنه يخبر عن الله من النبأ، فهي بوجودها أو بحذفها تسهيلاً من النبأ، أو بعدم وجودها وليس تسهيلاً فهي من النبوة وهي الرفعة.

    ومن المعلوم أن القاعدة تقول: أن اللفظ إذا احتمل أكثر من معنى، وليس ثمة تضارب أو تعارض بين هذه المعاني فالأولى حمل جميع هذه الألفاظ والمعاني لما يحتمله النص المراد بيانه، وهذا قول أكثر الأصوليين، وأكثر الفقهاء، فيكون النبي من النبأ ومن النبوة وهي الرفعة.

    المقصود بـ(عباد الله الصالحين)

    قال المؤلف رحمه الله: [ أو من النبوة وهي الرفعة، وهو من ظهرت المعجزات على يده، (ورحمة الله وبركاته) جمع بركة، وهي النماء والزيادة، (السلام علينا) أي: على الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة، (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح، وهو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وقيل: المكثر من العمل الصالح، ويدخل فيه النساء، ومن لم يشاركه في الصلاة ].

    هذا معنى (عباد الله الصالحين)، فإن المصلي يدعو لنفسه وللإمام وللحاضرين، ويدعو لكل عبد صالح، كما جاء في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض )، والعبد الصالح هو القائم بحقوق العباد وحقوق الله، وهو المكثر من العمل الصالح، فوصف بالصلاح لأجل إكثاره من الصلاح والإصلاح، ولهذا يقول الإمام الترمذي رحمه الله: من أراد أن يحظى بالسلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً، وإلا حرم هذا الفضل العظيم، ودائماً استشعر هذا الأمر أنك عبد صالح لله سبحانه وتعالى، واستشعر العبودية في كل لحظة، ولو وقعت في الذنب فحاول أن تسرع بالتوبة والاستغفار عن ذلك، وتكثر من الطاعة علك أن تحظى بصلاة يدعوا بها الناس فتنال هذا الأمر، وهذا يدل على أن الصلاح الذاتي له أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    الأولى في صيغة التشهد الأول مع اختلاف ألفاظه عن الصحابة

    قال المؤلف رحمه الله: [ (أشهد أن لا إله إلا الله) أي: أخبر بأني قاطع بالوحدانية، (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) المرسل إلى الناس كافة. هذا التشهد الأول علمه النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود وهو في الصحيحين ].

    هذا هو التشهد الأول، وقلنا: إن حكمه واجب؛ لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قعد أحدكم للتشهد فليقل: التحيات )، وقلنا: إنه ليس بركن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه، فقام واستتم قائماً وجبره بسجود السهو، وهذا التشهد ذهب إليه أبو حنيفة والإمام أحمد ، وقال ابن تيمية : إنما أخذه الإمام أحمد يعني: التزمه واستحبه؛ لأنه أصح ما جاء في هذا الباب، فهو أصح من حديث ابن عباس و أبي موسى و عمر و عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، وكذلك ابن عمر .

    واختار الشافعي رضي الله عنه تشهد ابن عباس وهو: ( التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله )، ثم مثل ذلك إلى ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا )، مثل حديث ابن مسعود ، لكن الفرق: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، هذا اختيار الشافعي .

    واختار مالك رحمه الله تشهد عمر ، وهو: ( التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله )، ثم يقول مثل حديث ابن مسعود : ( السلام عليك ).

    والأقرب والله أعلم هو اختيار ابن تيمية أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن يفعل هذه أحياناً وهذه أحياناً؛ لأننا إذا فعلنا هذه أحياناً وهذه أحياناً فقد فعلنا جميع السنن هذا واحد.

    الثاني: أننا إذا فعلنا هذه أحياناً وهذه أحياناً فقد أحيينا السنة، ولأجل أنه إذا تركت بعض الآثار والروايات ثم فعلت في زمن قيل: إنها بدعة.

    الثالث: أن ذلك أدعى للخشوع؛ لئلا يذهل الإنسان حين قوله: ( التحيات لله والصلوات والطيبات )؛ لأن الإنسان يتعود عليها، فإذا غيرها كان ذلك أخشع، والله تبارك وتعالى أعلم.

    حكم زيادة (وحده لا شريك)، وزيادة (سيدنا) في التشهد الأول

    بقي رواية (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، هذه أكثر الروايات، زاد ابن عمر كما عند الدارقطني قال: وزدت فيها وحده لا شريك له، يعني: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

    إذاً: هذه من ابن عمر ، وأما عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وأما زيادة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، فهي لم تذكر في جميع الروايات الصحيحة، ولا شك أن البقاء على ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أفضل، وقد بالغ الغماري في بيان ذكرها كما في تعليقاته على أحاديث بداية المجتهد.

    1.   

    التشهد الأخير

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقول في التشهد الذي يعقبه السلام: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد].

    هذا حديث كعب بن عجرة في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أحاديث كثيرة، وقد ذكر أبو العباس بن تيمية أنه لا يجمع بين إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والصحيح جوازه.

    المقصود بـ(اللهم)

    وقول: (اللهم) أصلها يا ألله، وزيادة الميم للعلماء فيها أقوال كثيرة فـسيبويه و الفراء له قول، ولا حاجة لبحث مثل هذا، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن الميم إنما تذكر على سبيل الجمع، فأنت تفرق بين قول: أنت وأنتم، وهو وهم، فأنت إذا دعوت ربك دعوته على سبيل التعظيم والعظمة، وهذا القول جيد، والله أعلم.

    توجيه العلماء في التشبيه الوارد في قوله: كما صليت على إبراهيم

    تبقى مسألة، وهي قول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم )، ذكر ابن القيم في جلاء الأفهام تفسيراً وتعليلاً، وهي كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: صل على محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم على افتراض أن الكاف تشبيه، فقد ذكروا أقوالاً كثيرة في هذا الباب، و ابن القيم ارتضى قولاً وأيد قولاً آخر، فقال بعضهم: إن الأصل أن المشبه أقل من المشبه به، فإذا قلت: صل على محمد كما صليت على إبراهيم ، فكأنك جعلت إبراهيم أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم، قلنا: وللعلماء في هذه المسألة أقوال كثيرة و ابن القيم استحسن قولين أذكرهما وأذكر ما هو أظهر.

    القول الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم، لكن إبراهيم وآله وهم الأنبياء أفضل من آل محمد صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب صلاة كصلاة إبراهيم وآل إبراهيم لا يلزم أن يكون له فقط، بل له ولذريته، فصارت على القاعدة أن المشبه أقل من المشبه به، فـإبراهيم ليس بأرفع من محمد، ولكن آل إبراهيم أرفع من آل محمد صلى الله عليه وسلم، فصار المعنى حسن، قال ابن القيم : وهذا حسن.

    القول الثاني وهو أحسن من الأول: أن محمداً صلى الله عليه وسلم جزء من آل إبراهيم، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له على سبيل الخصوص، ودعا له على سبيل العموم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وعلى هذا فليس فيه نقص.

    القول الثالث وهو أحسن مما سبق فيما يظهر، وهو اختيار شيخنا محمد بن عثيمين ، وهو: أن الكاف ليست للتشبيه، ولكن للتعليل، والكاف تأتي للتعليل، كما قال الله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ [البقرة:151]، وكما قال تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة:198] يعني: لأجل أن هداكم، ومعنى ذلك: أنها إذا كانت للتعليل كأنه من باب التوسل بفعل الله السابق لتحقيق فعله اللاحق، فتقول: وصل على محمد وآل محمد، فأنت تطلب من الله تحقيق الفعل اللاحق، تتوسل له بأن فعل بفعله السابق على إبراهيم وآل إبراهيم، وهذا القول قوي لو تأملته، وهذا الذي يظهر والله أعلم.

    حكم الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير

    والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء في حكمها، والذي يظهر -والله أعلم- وهو قول جمهور الفقهاء، وهو قول ابن حزم أيضاً، وهو قول الحنفية والشافعية في إحدى القولين، و أحمد في إحدى الروايتين و مالك أن الصلاة على رسول الله سنة ليست واجبة، والمشهور عند الحنابلة أنها واجبة، وذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ورواية عند الإمام أحمد أنها ركن، والراجح أنها سنة وليست واجبة؛ لأنه ليس ثمة دليل يدل على وجوب ذلك، وأما حديث بشير ( إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ ) فهذا على سبيل الإطلاق، وأما رواية: (في صلاتنا) فتفرد بها ابن خزيمة ، ولو صحت فالمراد بها في دعائنا، والله أعلم.

    حكم الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأول

    وأما ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، فقد استحبه الشافعي رحمه الله كما في الأم، وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز أن السنة أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول والثاني.

    وذهب جمهور الفقهاء إلى أن السنة أن تفعل في التشهد الثاني، ولعل هذا القول أظهر وهو قول الجمهور، لما روى ابن خزيمة أن ابن عمر رضي الله عنه روى ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد الأول وقال: التحيات، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قام )، فهذا يدل على أن هذا قيام منه عليه الصلاة والسلام بعد قول التحيات، وهذا الحديث في سنده بعض الكلام لكن تقويه رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في التشهد الأول كأنما هو على الرضف ) والرضف هي الحجارة المحماة الشديدة، فهذا يدل على قصر جلوس النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، ومن المعلوم أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولكن أبا عبيدة لا يحدث عن أبيه إلا عن كبار أصحاب ابن مسعود كـعلقمة و الأسود كما أشار إلى ذلك علي بن المديني ، و يعقوب بن سفيان ، والإمام ابن تيمية ، و ابن رجب ، ومن المعلوم أننا إذا علمنا الواسطة التي بين الراوي وبين شيخه الذي لم يسمع منه فإننا نقبل روايته كما قبل الإمام أحمد و النحاس وغيرهما رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في النسخة؛ لأن علياً ذكر ذلك عن مجاهد وغيره.

    وعلى هذا فهذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبق كثيراً في التشهد الأول، ومما يدل على ذلك ما رواه البيهقي أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا جلس في التشهد كأنما هو على الرضف، وهذا يدل على أنها سنة الخلفاء الراشدين، وعلى هذا فالسنة الاكتفاء بالتحيات في التشهد الأول دون الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حكم إبدال (آل) بـ(أهل) في التشهد

    قال المؤلف رحمه الله: [ لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك في المتفق عليه من حديث كعب بن عجرة ، ولا يجزئ لو أبدل آل بأهل، ولا تقديم الصلاة على التشهد ].

    المؤلف يقول: ولا يجزئ تبديل الآل بأهل، في حين أن الحنابلة يقولون في بعض رواياتهم: لو أنه قال: اللهم صل على محمد واكتفى كفاه ذلك، ومن المعلوم أن قوله: (وآل محمد كما صليت على إبراهيم) هذا كله من السنة، وعلى هذا فالصحيح أنه لو قال: وأهل محمد جاز ذلك، ولكنه اختصر ذلك على الأهل، ومن المعلوم أن تفسير الآل هم الأهل والأتباع على الدين، والله أعلم، اللهم احشرنا في زمرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر عقب التشهد الأخير

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويستعيذ ندباً فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، والمحيا والممات: الحياة والموت، والمسيح -بالحاء المهملة- على المعروف ].

    ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يستحب للإنسان أن يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم )، وأن يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال )، وذهب طاوس كما في صحيح مسلم إلى أن ذلك واجب، بل يرى أنه ركن، وأمر ابنه أن يعيد الصلاة حينما لم يقلها، وهو قول ابن حزم رحمه الله فإنه أوجب ذلك، فإذا تركها عمداً بطلت صلاته، وإذا تركها جاهلاً أو ناسياً جبرها بسجود السهو.

    والذي يظهر والله أعلم: عدم الوجوب، ومما يدل على عدم الوجوب هو حديث ابن مسعود في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قعد أحدكم للتشهد فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله )، قال: ( ثم ليتخير من الدعاء ما شاء )، فهذا يشمل التعوذ من عذاب القبر ونحوه، ويشمل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سنة، وأن قول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ونحوه سنة أيضاً خلافاً لـابن حزم وطاوس.

    وأما رواية: ( إذا قعد أحدكم للتشهد فليقل: ..)، فهذا على سبيل الاستحباب جمعاً بين الأحاديث، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    لعلنا نقف عند هذا، نسأل الله التوفيق والتسديد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301398

    عدد مرات الحفظ

    711286014